أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - جراح غزة التي لا تُرى بين المأساة النفسية وضرورة التدخل المجتمعي للنجاة














المزيد.....

جراح غزة التي لا تُرى بين المأساة النفسية وضرورة التدخل المجتمعي للنجاة


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 16:16
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أمام ما تفيض به المواقع وشبكات التواصل الاجتماعي ومنصة "يوتيوب" من فيديوهات، وما تتناقله الألسن من مشاهد الرعب وروايات الفقد في غزة، يتشكل وجع يومي يثقل كاهل كل إنسان عاقل يحمل في صدره قلباً حياً، وإن المآسي التي تعتصر القلوب وتترك فيها غصة لا تُمحى، وحالة الترقب القاتل في ظل غياب أي آفاق قريبة للحل، خلقت واقعاً نفسياً مريراً؛ هذا الواقع بات يقهر صلابة الرجال، ويحطم صمود النساء، ويغتال براءة الأمل في عيون الأطفال، ويستنزف حكمة ودموع الشيوخ.
نحن اليوم أمام حالة من الصدمات المركبة والمستمرة، حيث يعيش الإنسان في حالة طوارئ فسيولوجية ونفسية لا تتوقف، وهذا التوتر والارتباك والضغط الهائل يفسر بجلاء تلك الانفعالات الحادة وردود الفعل المبالغ فيها تجاه أصغر الأمور؛ فالأمر لم يعد يتعلق بالموقف الصغير بحد ذاته، بل بكونه القطرة التي أفاضت كأساً ممتلئة بالقهر، والعجز، والهموم المتراكمة.
في ظل هذا المشهد القاسي، لم يعد الحديث عن الدعم النفسي والاجتماعي ضرباً من الرفاهية أو ترفاً فكرياً، بل أصبح تدخلاً حتمياً لإنقاذ الإنسان من نفسه، ومنع الانهيار الداخلي الذي قد يقود إلى ما لا يُحمد عقباه، ولحماية نسيجنا النفسي والمجتمعي، هناك خطوات وتدخلات طارئة يجب أن تتحول إلى ثقافة يومية نمارسها كمواطنين بشكل عام، وكأخصائيين ومهنيين بشكل خاص، لانتشال بعضنا البعض، وأبرزها:
1. الإسعاف النفسي الأولي (فن الاستماع الآمن) لا يبحث المكلومون في ذروة الألم عن حلول سحرية أو وعود لا يملك أحد تحقيقها، بل يبحثون عن مساحة آمنة لتفريغ الغصة. التدخل الأول يتمثل في "الوجود الحقيقي"، والاستماع دون مقاطعة، ودون إطلاق أحكام، ودون محاولة فرض إيجابية مزيفة. إن توفير هذه الحاضنة يسمح للألم بأن يتنفس، ويقي العقل من الانفجار تحت وطأة الكتمان.
2. إعادة العقل إلى الحاضر (تقنيات التجذر) فعندما تشتد نوبات الهلع وتتصاعد مشاعر الارتباك، ينفصل الإنسان شعورياً عن واقعه ليغرق في دوامة الخوف. هنا يبرز دور تقنيات التجذر لمساعدة الشخص المنهار على أخذ أنفاس عميقة وبطيئة، أو توجيهه للتركيز على أشياء ملموسة في محيطه المباشر؛ فهذا يرسل إشارات أمان للدماغ ويكسر حلقة التوتر الحادة، مما يعيد للجهاز العصبي الحد الأدنى من توازنه.
3. تفعيل التكاتف المجتمعي وإعادة المعنى فالجرح واحد والمصير واحد"؛ ليست مجرد شعار، بل هي استراتيجية نجاة. العزلة تضاعف من وحشية الصدمة، بينما التجمعات وتقاسم الهموم تخفف من حدتها. علاوة على ذلك، فإن توزيع المهام والأدوار بين الأفراد ومساعدة الآخرين، يمنح الإنسان شعوراً مسترداً بالقيمة والسيطرة في محيط مصغر، تعويضاً عن فقدان السيطرة التام على المشهد العام المروع.
4. درع الحماية للفئات الأشد هشاشة منهم: الأطفال هم الضحية الأكبر لانعدام الشعور بالأمان، وإنقاذهم يتطلب تقليل تعرضهم المستمر لسرديات الموت، ومحاولة خلق روتين مصغر حتى في قلب الفوضى، والأهم من ذلك، إحاطتهم بالطمأنينة الجسدية والعاطفية المستمرة. وكبار السن ويمثلون جذور المجتمع، ورغم ألمهم، إلا أن استحضار تجاربهم في تجاوز أزمات الماضي واستمداد الحكمة منهم، يمنحهم شعوراً بالأهمية، ويوفر للجيل الأصغر نموذجاً للصلابة النفسية.
5. شرعنة المشاعر الإنسانية ويجب أن ندرك ونقرّ بأن البكاء، والغضب، والشعور بالعجز، وحتى الخدر العاطفي، هي ردود فعل طبيعية جداً تجاه أحداث غير طبيعية وكارثية. إن مطالبة المكلومين بـ "الاستقواء" الدائم وكبت مشاعرهم هو الوصفة الأسرع للانهيار. السماح للمشاعر بأن تأخذ مجراها هو الخطوة الأولى في رحلة التعافي الطويلة.
خلاصة القول: إن النجاة في وجه هذه العواصف العاتية لا تتم بشكل فردي، فالوجع الذي نكابده جميعاً يتطلب تضافراً وتراحماً استثنائياً. المعركة اليوم ليست فقط من أجل البقاء الجسدي، بل هي معركة للحفاظ على إنسانيتنا، وعقولنا، وقدرتنا على إسناد بعضنا البعض حتى تنقشع هذه الغمة. وهذا هو التضامن العضوي؛ فالإنسان في المجتمع ينصر أخاه الإنسان ويساعده ويعاونه لكي يخرج قادراً على الاستمرار. فوقاية المجتمع وتحصينه يعتمد كثيراً على الأفراد وتضامنهم ورعايتهم لبعضهم البعض.
رحم الله شعبنا وحفظه وسدد خطاه وحصنه من الشرور.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أزمة المرجعيات السياسية الجاهلة وهيمنتها على المؤسسات الوطني ...
- برامج التشغيل في غزة بين سُحْق الفئات المسحوقة وسُلْطَة الوا ...
- الأستاذ الدكتور علي ليلة.. القامة العلمية التي لا تغيب
- تنظيم النقابات المهنية وحوكمته في إطار قانوني ضرورة وطنية
- الكرامة المهنية لذوي الإعاقة بين الحق وواقع التهميش
- سرقة الجوالات في مخيمات النزوح.. جريمة فوق الاحتمال
- سيكولوجية الإحباط: كيف يُهدر الحاقدون طاقات المبدعين؟
- المؤسسات ليست ورثة.. كفى ترقيعاً ومسكنات؟!
- محرقة الخيام حين يصبح الوجع في غزة خيانة
- التدريب من مضيعة للوقت إلى استثمار استراتيجي
- كيف يتحول شباب غزة من البحث عن الأمل إلى صناعته؟
- بين وهم عزوف الشباب ومقصلة الإقصاء السياسي والنقابي
- الاقتصاد التضامني والتعاوني طوق نجاة وأداة صمود فلسطينياً
- مستقبل الخدمة الاجتماعية وتحديات الصمود في غزة
- السلامة النفسية والاجتماعية محور السلامة المهنية في عالم الع ...
- كفى لطوابير المذلة.. نعم لحلول الكرامة
- سوسيولوجيا الإعلام الموجه، وهندسة الفوضى الإدراكية وكيّ الوع ...
- سوسيولوجيا الخيام ومعاناة النازحين في غزة
- سدنة الحق العمالي المناضل راسم البياري -أبو محمود- وقصة الكف ...
- سوسيولوجيا الفرح المكلوم في قطاع غزة


المزيد.....




- كيف يغيّر الطقس شديد الحرارة خريطة السفر في آسيا
- هدد دول الخليج.. الحرس الثوري يستشهد بجملة قرآنية في تحذيره ...
- البيت الأبيض يحسم الجدل: لا خلاف بين ترامب وفانس بشأن إيران ...
- هذه فرصتنا الأخيرة لهزيمة اليمين الصاعد في بريطانيا – في الغ ...
- تحذير من هجمات محتملة في ألمانيا.. هل تتحول الاستخبارات إلى ...
- افتتاح محطة -سومبا- للمياه الجوفية بجامعة جوبا بمنحة مصرية
- سوريا.. الدفاع المدني يواصل البحث عن 4 مفقودين في نهري البلي ...
- إسرائيل تخصص مرابض جديدة لطائرات التزود بالوقود الأمريكية بع ...
- واشنطن تعلن تطبيق عقوبات جديدة على السودان
- صدمة في أوساط المصريين بالسعودية إثر وفاة 6 شباب داخل سكنهم ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - جراح غزة التي لا تُرى بين المأساة النفسية وضرورة التدخل المجتمعي للنجاة