أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - سلامه ابو زعيتر - محرقة الخيام حين يصبح الوجع في غزة خيانة














المزيد.....

محرقة الخيام حين يصبح الوجع في غزة خيانة


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 14:09
المحور: حقوق الانسان
    


كل شهيق في قطاع غزة اليوم هو غصة، وكل زفير هو قطعة من الروح تغادر الجسد، فما نراه بأعيننا كل صباح، وما تطرق به مسامعنا في كل لحظة وثانية من أنين القاطنين بالخيام في معسكرات النزوح القسري، يتجاوز قدرة القواميس على الوصف؛ إنها ليست مجرد خيام، إنها أفران من نايلون وقماش بالٍ، نُصبت فوق رمال ملتهبة لتطبخ أجساد الأطفال والنساء ببطء قاتل.
يعيش النازحون اليوم في برزخٍ بين الموت والحياة، يتقلبون تحت سياط لاهبة تأتيهم من كل حدب وصوب؛ سياط طائرات الاحتلال وقذائفه من فوقهم، وسياط حرارة الصيف الحارقة ورطوبة البحر الخانقة التي تذيب جلودهم، وأقسى من ذلك كله... سياط الخذلان، وتكميم الأفواه، والاستقواء، وجشع تجار الحروب الذين يشاركون في سحق ما تبقى من آدميتهم.
مع اشتداد حرارة الصيف، تحولت هذه الخيام المصنوعة من البلاستيك والنايلون والأقمشة الرديئة إلى مصائد للموت الحراري؛ فالرطوبة على ساحل بحر غزة تكتم ما تبقى من هواء، لتتحول الخيمة إلى زنزانة ممتلئة بالسموم والحر المشتعل الذي يذيب الأجساد الغضة.
ويلقي هذا الجحيم بظلاله الثقيلة على الجميع، ولا سيما الفتيات والنساء اللواتي فقدن داخل هذه الخيام اللاهبة أدنى حدود الخصوصية والآدمية؛ فلم يجدن مفرّاً من هذا السعير إلا اللجوء إلى الشاطئ، مستجيرات بلفحات البحر، رغماً عن تلوّثه بمياه الصرف الصحي المقززة التي طفحت نتيجة تدمير البنية التحتية. وهنا تختار الفتيات الجلوس أمام بحر ملوث يهدد أجسادهن بالأمراض والأوبئة، فقط هرباً من "الطبخ البطيء" وموت الأنفاس الذي يواجهنه مع الأطفالِ داخل الخيام.
وفي وسط هذا الموت الزؤام، عندما يصرخ شاب مثقف معلناً انسداد الآفاق وانعدام الخيارات لدرجة أن الانتحار بات يراود الكثيرين كمهرب أهون من هذا العذاب الممتد... وبدلاً من التدخل والعلاج، تخرج أصوات معلبة من وراء الشاشات وفي الغرف المكيفة، لتكيل اتهامات "الخيانة" والتثبيط لكل من يصرخ!
وكأن التعبير عن الوجع أصبح كفراً! وكأن المطلوب من الإنسان أن يُذبح بصمت، وأن تحترق عائلته في خيمة دون أن يئن، كي لا يخدش طهارة الشعارات. متى كانت المطالبة بالآدمية خيانة؟ ومتى كان الانفجار من شدة القهر عمالة؟! إن من يتهم النازحين بالخيانة لمجرد صراخهم تحت السياط، هو أبعد ما يكون عن فهم معنى التضحية والوطن. صرخة الوجع ليست كفراً، فلماذا تُتهم الضحية بالخيانة؟ ومَن هو الذي يعبث في الخفاء ليستكمل ما دمره الاحتلال بقتل كرامة الإنسان؟
إن إلقاء اللوم والحديث المستمر عن الصمود لا يعفي المؤسسات الدولية والمحلية والجهات المسؤولة من تحمل مسؤولياتها المباشرة؛ فهناك طرق وحلول كثيرة -على الأقل لتخفيف الواقع عاجلاً وحماية الأطفال من لهيب الشمس الحارق – وصولاً إلى الحلول الجذرية التي تنهي هذه العذابات وتوقف الحرب، ومنها:
1. إعادة تنظيم وهيكلة المخيمات بالتوقف التام عن العشوائية في نصب الخيام، والمباشرة الفورية في توزيعها بشكل هندسي يضمن مسافات بينية كافية تسمح بمرور الهواء، بدلاً من تكدسها ككتل لاهبة تسد الأنفاس.
2. مد خطوط المياه وشبكات الرذاذ والعمل على مد خطوط مياه عاجلة داخل المخيمات، وتركيب مظلات مزودة بـمراوح رذاذ الماء في نقاط تجمع الأطفال؛ وهي تقنية بسيطة وغير مكلفة، لكنها قادرة على خفض درجات الحرارة المحيطة بشكل ملموس وحماية الجلود الغضة من ضربات الشمس.
3. العزل الحراري المؤقت للخيام بتوفير شوادر ومواد عازلة للحرارة (كالخيش أو طبقات التظليل المزدوجة المرتفعة عن سقف الخيمة لإنشاء عازل هوائي)، مما يمنع أشعة الشمس المباشرة من اختراق النايلون.
4. توفير مساحات ترفيهية آمنة ومظللة للأطفال بإقامة خيام مركزية عملاقة، مهواة ومظللة بالكامل ومخصصة للأطفال كأندية مؤقتة، لإخراجهم من ضيق الخيام الساخنة وحمايتهم طوال ساعات الذروة.
إن تعزيز الجبهة الداخلية لا يكون بكتم الأنفاس وتخوين المتألمين، بل بالإنصات لصرخاتهم والتحرك الفوري لإيجاد البدائل والحلول، وذلك عبر:
• وقف سياط التخوين، كفوا ألسنتكم وسياط اتهاماتكم عن النازحين والموجوعين؛ فالصراخ من الألم غريزة بشرية، والإنكار على المتألم ألمه هو قمة السقوط الأخلاقي.
• لجم تجار الحروب وسماسرة الأزمات الذين يشاركون النيران في حرق جيوب النازحين وقوت أطفالهم باحتكار المساعدات، ومواد العزل، والشوادر، ورفع أسعارها جنونياً.
• فرض الكرامة والنظام بحماية العائلات في مراكز الإيواء وعلى الشواطئ، وتقديم الحلول المؤقتة، وتنظيم برامج المساعدات الموحدة لتصل للمستحقين بلا فئوية أو محسوبية.
أخيراً: إن الصمود الفلسطيني في غزة أسطوري، وقد قدّم الأهالي من التضحيات ما تخرّ له الجبال، لكن الصمود ليس شيكاً على بياض لإذلال البشر وتدمير إنسانيتهم. لقد آن الأوان لكل مؤسسة دولية، ولكل جهة محلية، ولكل من يدعي الانتماء لهذه الأرض أن يستفيق؛ فإن إيصال جيل الشباب والفتيات إلى الكفر بكل شيء والتفكير بالانتحار نتيجة انسداد الأفق، وتحويل صراخ الضحايا إلى "ُهمة، هو الهزيمة الحقيقية التي لا يمكن ترميمها.
أنقذوا ما تبقى من آدمية النازحين، بادروا بالحلول والتدخلات العملية الفورية، اسمعوا لوعتهم واحترموا صراخهم، وعززوا جبهتكم الداخلية بإنصاف الناس... فالخيام تحترق، ومعها تحترق الأرواح والعقول وكل الشعارات الزائفة!



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التدريب من مضيعة للوقت إلى استثمار استراتيجي
- كيف يتحول شباب غزة من البحث عن الأمل إلى صناعته؟
- بين وهم عزوف الشباب ومقصلة الإقصاء السياسي والنقابي
- الاقتصاد التضامني والتعاوني طوق نجاة وأداة صمود فلسطينياً
- مستقبل الخدمة الاجتماعية وتحديات الصمود في غزة
- السلامة النفسية والاجتماعية محور السلامة المهنية في عالم الع ...
- كفى لطوابير المذلة.. نعم لحلول الكرامة
- سوسيولوجيا الإعلام الموجه، وهندسة الفوضى الإدراكية وكيّ الوع ...
- سوسيولوجيا الخيام ومعاناة النازحين في غزة
- سدنة الحق العمالي المناضل راسم البياري -أبو محمود- وقصة الكف ...
- سوسيولوجيا الفرح المكلوم في قطاع غزة
- قراءة في مأساة موظفي غزة (رام الله) في ظل النزوح والحرب
- نساء غزة من مأساة -الهموم المركبة- إلى المنظور التكافلي للاس ...
- النقابات العمالية والتنمية الصامدة والتحرر من القيد
- قراءة سوسيولوجية في مشروعية التحرك الشعبي -نماذج التاريخ وجد ...
- سوسيولوجيا عمال غزة: من زمن الانكسار إلى هندسة الصمود والتدخ ...
- سوسيولوجيا المواصلات في غزة: -المقطورة- كفضاء للتفاعل الإنسا ...
- انضمام فلسطين كدولة عضو مراقب في منظمة العمل الدولية واسترات ...
- سوسيولوجيا الخبر في زمن الانكسار والمصير
- مآسي غزة تمثل زلزالاً معرفياً وفلسفياً


المزيد.....




- مندوب إيران الدائم لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني: طهرا ...
- مندوب إيران الدائم لدى الأمم المتحدة: أي محاولة لإعادة تفعيل ...
- مندوب إيران الدائم لدى الأمم المتحدة: البرنامج النووي الإيرا ...
- المرصد السوري لحقوق الإنسان: 15 توغلا إسرائيليا داخل الأراضي ...
- رئيس القضاء الإيراني: مجرمو الحرب الأميركيون والصهيونيون ينت ...
- بينها سوريا واليمن.. أمريكا تمدد تصاريح العمل لمهاجرين من 7 ...
- إصابات واعتقالات تدفع محتجي واسط إلى -التصعيد-
- حملة مكافحة الفساد تتواصل بالعراق.. حكم بالسجن بحق موظف عقار ...
- الولايات المتحدة.. سيارة ذاتية القيادة ترصد حادثة وتساعد الش ...
- زلزال فنزويلا.. حصيلة القتلى تتجاوز 4 آلاف ونداء أممي عاجل ل ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - سلامه ابو زعيتر - محرقة الخيام حين يصبح الوجع في غزة خيانة