أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - سلامه ابو زعيتر - قراءة في مأساة موظفي غزة (رام الله) في ظل النزوح والحرب















المزيد.....

قراءة في مأساة موظفي غزة (رام الله) في ظل النزوح والحرب


سلامه ابو زعيتر

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 18:14
المحور: حقوق الانسان
    


لم تعد أزمة موظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة مجرد قضية أرقام ونسب مئوية تُقتطع من الراتب الشهري، بل تحولت إلى أزمة وجودية تمس كرامة الإنسان وقدرته على البقاء. ففي ظل حرب الإبادة والنزوح المستمر، يجد الموظف نفسه محاصرًا بين سندان "نصف راتب" لا يصمد لأيام معدودات، ومطرقة التزامات خيالية تبدأ بإيجارات باهظة للأراضي أو الشقق وتكاليف الخيام المتهالكة، ولا تنتهي بمتطلبات التعليم الجامعي والارتفاع الجنوني لأسعار السلع الأساسية.
يسلط هذا المقال الضوء على هذه الفئة المنسية التي تُرِكت تواجه مصيرها تحت وطأة تمييز مجتمعي ومؤسساتي مركب. ومن واقع لقاءات مباشرة جمعتني ببعض هؤلاء الموظفين الذين طالبوا بإعلاء صوتهم، نحاول تقديم قراءة تفكيكية لأبعاد هذه المأساة من منظور سوسيولوجي، ونفسي، واقتصادي، وثقافي.
وفي هذا الإطار، لا بد من التأكيد على أن إبراز مأساة موظفي قطاع غزة والمطالبة بإنصافهم لا ينفصلان بأي حال من الأحوال عن المعاناة الشاملة والمروعة التي يعيشها كل فرد فلسطيني وخاصة في القطاع دون استثناء؛ فالجميع هنا يدفع أثمانًا باهظة في أرواحهم، وأرزاقهم، ومستقبلهم تحت وطأة هذه الحرب الطاحنة. إن تسليط الضوء على هذه الشريحة يندرج في سياق تشريح "الخصوصية المركبة" لأزمتهم، ومراعاة واقعهم كجزء حيوي ومتضرر من نسيج مجتمعي منهار، وليس تقليصًا من حجم الكارثة التي تطحن بقية فئات المجتمع، بل هو دعوة لترميم حلقة أساسية من حلقات الصمود الجماعي؛ فالوجع واحد، والمصير مشترك، وإنصاف فئة هو إسناد للكل.
أولاً: البُعد الاقتصادي (معادلة العجز المستحيل)
إن المتابع للمصاريف وتكاليف المعيشة في قطاع غزة يلاحظ ببساطة الأرقام الصادمة التي تلخص الفجوة الهائلة بين الدخل والمصروفات، بعدما فقد الإنسان الغزي كل ما يملك في أتون هذه الحرب المستمرة؛ حيث يتقاضى الموظف راتبًا غير منتظم بنسبة 50%، محملًا بإرث ثقيل من الخصومات وتراكم الحقوق والمستحقات المجمّدة منذ عام 2017. يأتي ذلك في ظل الالتزامات الإجبارية التي فرضها النزوح والتشريد، ومنها إيجار السكن أو الأرض بمتوسط 2000 شيكل (إن وُجد)، يضاف إليه عبء الرسوم الجامعية (بنسبة لا تقل عن 30% كحد أدنى لفتح منصة "المودل" الإلكترونية أمام الطلاب) لضمان عدم ضياع مستقبل الأبناء. ويتزامن ذلك كله مع التضخم والأسعار الجنونية، حيث ارتفعت أسعار الخضار والسلع الأساسية إلى عشرة أضعاف قيمتها الطبيعية. وخلاصة المشهد أن الراتب الفعلي لا يكاد يغطي متطلبات الحياة لأكثر من 5 إلى 7 أيام، مما يعني دخول الموظف في حالة عجز مالي دائم واستدانة مستمرة، ليتحول "الراتب" من أداة أمان واستقرار إلى مجرد أداة لإدارة الفقر.
ثانياً: البُعد السوسيولوجي (الشرخ الاجتماعي والطبقية المعكوسة)
من منظور علم الاجتماع، يُلاحظ تحول خطير في البنية المجتمعية لقطاع غزة، حيث برز تمييز صارخ في تقديم المساعدات، ويمكن وصفه بـ "المعاقبة على الوظيفة"؛ فقد تولدت نظرة مجتمعية ومؤسساتية (عند توزيع المساعدات والإغاثة) تستثني "الموظف الحكومي" لمجرد أنه "يتقاضى راتبًا"، متجاهلين تمامًا أن هذا الراتب قد فقد قيمته الشرائية والفعلية. في المقابل، تظهر الطبقية المعكوسة والمساعدات الخاصة (VIP)، وتشهد هذه الحالة غيابًا تامًا للعدالة التوزيعية؛ حيث يحظى بعض موظفي رواتب غزة بمساعدات منتظمة، كما يتمتع موظفو المؤسسات الدولية والأهلية (الذين يتقاضى بعضهم رواتب عالية ومنتظمة بالدولار أو الشيكل) بفرص وصول أكبر للمساعدات والامتيازات الخاصة، بينما يُحرم موظف (رام الله) النازح في المخيمات أو مراكز الإيواء بناءً على تصنيف وهمي بأنه "مكتفٍ ذاتيًا". إن هذا التمييز المركب يساهم في تعميق الشرخ الاجتماعي وتفتيت النسيج المجتمعي، ويزيد من شعور الاغتراب الطبقي لدى فئة كانت تمثل تاريخيًا صمام أمان المجتمع.
ثالثاً: البُعد السيكولوجي (صدمة فقدان الأمان ومس الكرامة)
عاش الموظف الحكومي لسنوات طويلة معتمدًا على "الأمان الوظيفي" كركيزة أساسية لاستقراره النفسي والاجتماعي. واليوم، يواجه هذا الاستقرار زلزالًا عنيفًا يمس كرامته في الصميم؛ كالشعور بالقهر والعجز المكتسب، إذ إن اضطرار الموظف (الذي كان معيلًا ومنتجًا وعزيز نفس) للوقوف في طوابير المساعدات، أو عجزه عن توفير حبة خضار لأطفاله، يولد غصة ونفسًا مكسورة. يُضاف إلى ذلك صدمة الهبوط الطبقي، فالانتقال المفاجئ من حياة الاستقرار والرفاه النسبي إلى العيش في خيمة بدائية وتحت رحمة الظروف الجوية يسبب صدمات نفسية متتالية (تروما النزوح والفقر الشديد). كما أن الضغط المتواصل للموازنة بين التعليم وقوت اليوم يخلق حالة من التوتر الدائم، تنعكس سلبًا على الصحة النفسية للموظف وعلى علاقاته الأسرية، وهو ما يستدعي تدخلات عاجلة في هذا السياق لإسنادهم نفسيًّا واجتماعيًّا.
رابعاً: الثقافة المجتمعية (من التكافل إلى الوصم والحسد المعيشي)
لقد نالت الأزمة من المنظومة القيمية والثقافية السائدة في قطاع غزة، فقد تحولت الثقافة في بعض جوانبها من "التكافل والتضامن" إلى ثقافة "التصنيف والوصم". ووقع الموظف ضحية صمت مجتمعي باعتبار أن "أموره مرتبة"، وهو وهم دحظته الوقائع. والأدهى من ذلك ما يواجهه الموظف في مخيمات النزوح من بعض المندوبين والقائمين على التوزيع، الذين يمارسون ضده نوعًا من "الحسد المعيشي" ويمنعون المساعدات عنه بذريعة أنه يمتلك راتبًا، في حين أنه لو قِيس بغيره لوُجد أنه الأفقر والأشد حاجة؛ لاعتماده المطلق على دخل مجتزأ لا يكفي لشيء.
وللخروج من حالة الوصف والتشخيص إلى مربع الفعل والإنقاذ، يجب العمل فورًا على الأجندة التالية:
1. توحيد مظلة المساعدات (النظام الموحد): تجريم التوزيعات العشوائية مع ضرورة إلغاء كافة التصنيفات الوظيفية عند توزيع الإغاثات. ويجب أن تعتمد المؤسسات الدولية والمحلية على "مسح ميداني حقيقي لخط الفقر والاحتياج الفعلي للنازحين"، سواء أكانوا يقيمون لدى الأقارب، أم بالإيجار، أم داخل الخيام ومراكز الإيواء، بعيدًا عن خانة "طبيعة العمل" أو جهة الراتب.
2. إعادة النظر في ملف حقوق الموظفين: حفظ الحقوق كاملة منذ أول خصم، مع وضع عداد يوضح الحقوق والمستحقات المتراكمة منذ عام 2017، وجدولتها بما يتناسب مع حجم الكارثة الحالية.
3. توفير الحماية التعليمية بالتجريد من المستحقات: إلزام الجامعات بفتح المنصات التعليمية (المودل) لأبناء الموظفين في غزة دون شروط تعجيزية، واعتبار أزمة الرواتب قوة قاهرة تستوجب التأجيل أو الإعفاء، أو على الأقل إقرار آلية رسمية لخصم قيمة الرسوم الجامعية من مستحقات الموظف المجمّدة.
4. دعم المستأجرين وتخفيف الرسوم السيادية: إنشاء صندوق إغاثي طارئ لدعم الموظفين النازحين الذين يدفعون إيجارات مرتفعة لحمايتهم من الطرد، بالإضافة إلى خصم الرسوم والمعاملات الرسمية (مثل فواتير الاتصالات والجوال، والمعاملات الإدارية في المؤسسات الرسمية) من مستحقاتهم المتراكمة.
أخيراً:
إن الموظف الحكومي ليس مجرد رقم في كشوفات الرواتب، بل هو إنسان، وأب، ومواطن دفع ضريبة الانقسام والحروب المتتالية من قوته وقوت عياله. إن استمرار تجاهل مأساة هذه الفئة لا يهدد استقرارهم الأسري فحسب، بل يهدد بتدمير ما تبقى من هيبة وإمكانية لترميم المجتمع بعد الحرب.
لا يعقل بعد مرور كل هذا الوقت من الحرب والتشريد أن يُترك الإنسان ليعاني في كرامته ويواجه تمييزًا فئويًا صارخًا والجميع يلتزم الصمت. اتقوا الله في حقوق الناس، وأوقفوا كل مظاهر التمييز.. فليس من العدل في شيء أن يعيش موظف في رغد ويقتات الآخر على الفتات!



#سلامه_ابو_زعيتر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نساء غزة من مأساة -الهموم المركبة- إلى المنظور التكافلي للاس ...
- النقابات العمالية والتنمية الصامدة والتحرر من القيد
- قراءة سوسيولوجية في مشروعية التحرك الشعبي -نماذج التاريخ وجد ...
- سوسيولوجيا عمال غزة: من زمن الانكسار إلى هندسة الصمود والتدخ ...
- سوسيولوجيا المواصلات في غزة: -المقطورة- كفضاء للتفاعل الإنسا ...
- انضمام فلسطين كدولة عضو مراقب في منظمة العمل الدولية واسترات ...
- سوسيولوجيا الخبر في زمن الانكسار والمصير
- مآسي غزة تمثل زلزالاً معرفياً وفلسفياً
- بحر غزة يبتلع أوجاعنا، ويبث أوبئته فيصبح الموت أزرقا...
- سوسيولوجيا المرأة العاملة وارتداد الأنماط المهنية في صناعة ا ...
- المرأة العاملة وتحولات الأدوار الاجتماعية: من صراع التوفيق ا ...
- تقدير موقف: واقع وآفاق اقتصاد المنصات الرقمية في فلسطين في ض ...
- المجزرة الوظيفية في غزة وسياسات الفصل الجماعي وأبعادها في ال ...
- متلازمة المسؤول -المهدَّد بالكفاءة- وانفصام الإدارات المغترب ...
- المقاربة السوسيولوجية والقانونية في مكافحة الفساد وتحصين الج ...
- ابتكار الضرورة وسوسيولوجيا البقاء: إعادة صياغة العادات المعي ...
- أبعاد انضمام فلسطين كدولة عضو مراقب في منظمة العمل الدولية و ...
- الرقابة الخوارزمية وأنسنة العمل: نحو حوكمة عادلة لعصر الذكاء ...
- اغتيال الطموح المبكر: كيف تقتل الكلمات الطائشة أحلام الأطفال ...
- عمال غزة في عيد الأضحى بين سراب العمل وتكاليف البقاء..


المزيد.....




- قتل ونهب وتدمير.. رايتس ووتش تتهم جميع أطراف مالي باقتراف ان ...
- فلسطين.. اعتقال 65 طالبا بالثانوية العامة منذ مطلع 2026
- رئيس السلطة القضائية في إيران محسني إيجئي: أميركا هي مصدر ا ...
- رغم الاعتقال -رواتب وامتيازات- النواب المتهمين بالفساد مستمر ...
- مفوضة حقوق الإنسان الروسية تبلغ بوتين بتلقيها ردا من الأمم ا ...
- ألمانيا: خمسة قتلى في هجوم بإطلاق نار شمال البلاد واعتقال ال ...
- العراق يقتحم حصون الفساد.. واعتقالات تهز الطبقة السياسية
- منظمة حقوقية إسرائيلية: عدد الأطفال القتلى في الضفة خلال 202 ...
- الجزائر تنتقد تجاهل الأمم المتحدة لآثار 11 مليون لغم زرعها ا ...
- الأمم المتحدة: نحو 1.8 مليون شخص في فنزويلا بحاجة إلى مساعدا ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - سلامه ابو زعيتر - قراءة في مأساة موظفي غزة (رام الله) في ظل النزوح والحرب