أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - سيكولوجية الإحباط: كيف يُهدر الحاقدون طاقات المبدعين؟















المزيد.....

سيكولوجية الإحباط: كيف يُهدر الحاقدون طاقات المبدعين؟


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 12:03
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


العمل الاجتماعي والمؤسساتي ليس مجرد وظيفة يؤديها المرء مقابل أجر، بل هو رسالة إنسانية تنطلق من رغبة صادقة في البناء والتطوير. ومهما بلغت مهارات الإنسان، وكفاءته، وخبراته، فإنه يظل في النهاية كائنًا بشريًا له قدرات محددة، وطاقة نفسية وجسدية يحتاج إلى شحنها باستمرار. هذه الطاقة لا تتغذى إلا على الشحنات الإيجابية، والدافعية، والتقدير، والتشجيع؛ فالقاعدة المأثورة تقول: (نَفَسُ الرجال يحيي الرجال)، وهو ما يمثل الوقود الحقيقي للاستمرار، والإنجاز، والإبداع في العمل، والتجويد في الأداء والإنتاج.
لكن الواقع المؤسساتي يصطدم أحيانًا بجدران صلبة من التحديات النفسية التي يفرضها بعض الأشخاص المرضى، الذين تجمعهم أنماط شخصياتهم وعُقَدِهم المسمومة. ففي كل بيئة عمل، هناك فئة من "المثبطين، والمُمرِضين، والحاقدين، والحاسدين" الذين يبدو أن رسالتهم الوحيدة في الحياة هي قتل الإرادة، وتدمير أي نجاح يلوح في الأفق، مستغلين الظروف المعقدة وحالات الفوضى. فهؤلاء لا يكتفون بالتقاعس، بل يسعون ليل نهار لعرقلة المتميزين وتحويل بيئة العمل المثمرة إلى ساحة للصراعات النفسية واستنزاف الطاقات، مما يولد حالة مزمنة من الإحباط المؤسسي؛ وهو تلك الحالة النفسية والسلوكية السلبية التي تصيب الفرد عندما تحول عوائق مستمرة وصراعات مسمومة دون تحقيقه لأهدافه المهنية، وإبراز قدراته، والارتقاء بإنجازاته أكثر فأكثر.
إن أثر الإحباط على العمل والإنجاز من منظور سيكولوجي واجتماعي كبير، وله دلالات وانعكاسات خطيرة على الأداء؛ فعندما يتسلل هذا الإحباط إلى أروقة العمل، فإنه يعمل مثل المادة الحامضية التي تأكل الهيكل الإداري والإنساني على حد سواء. ويمكن تفكيك هذا الأثر المدمر عبر مسارين رئيسيين:
أولا: المنظور السيكولوجي، وتدمير رأس المال البشري واستنزاف الطاقة النفسية
يملك الإنسان مخزونًا محدودًا من القوة الإرادية، وعندما يضطر الموظف يوميًا لمواجهة المكائد والنظرات الحاسدة، يستهلك عقله الباطن طاقته في الدفاع النفسي الآلي، مما يتركه منهكًا ومفرغًا من أي رغبة في الإنجاز، ويؤدي ذلك إلى اهتزاز الكفاءة الذاتية نتيجة عقلية المؤامرة والتشكيك المستمر من قِبل الحاقدين، والذي يهدف أساسًا إلى ضرب ثقة الفرد بمهاراته؛ ومع الوقت، قد يبدأ الإنسان الناجح – تحت وطأة الإحباط – بالشك في قدراته الشخصية، مما يساهم في انطفاء الشغف الداخلي الذي يعتبر المحرك الأساسي للمبدعين، إن الإحباط المستمر يُطفئ هذه الجذوة، فيتحول الفرد من شخص مبادر إلى شخص يؤدي الحد الأدنى من العمل لمجرد إسقاط الفرض.
ثانيا: المنظور الاجتماعي، تفكيك الروابط التنظيمية وضياع الجودة
يؤدي الإحباط المؤسسي إلى انهيار جودة الأداء؛ فالجودة تتطلب صفاءً ذهنيًا وتركيزًا عاليًا ففي بيئة مشحونة بالأحقاد، يتشتت ذهن الموظف، ويصبح همه الأكبر هو السلامة الشخصية وليس جودة المنتج أو الخدمة الاجتماعية المقدمة، وهذا يساهم في تسميم العلاقات الاجتماعية؛ فالسلبية عدوى، ووجود فئة حاقدة يلوث المناخ العام للمؤسسة، ويحولها من خلية نحل متعاونة إلى جزر معزولة من الشك، حيث يخشى كل فرد من زميله، مما يقضي تمامًا على روح الفريق ويؤسس لموت الابتكار والإبداع، فالأفكار الإبداعية تحتاج إلى الأمان النفسي لتنمو، وفي البيئات المحبطة، يفضل المبدعون الصمت والانزواء تجنبًا لانتقادات الحاسدين، مما يحرم المجتمع من طفرات حقيقية في الأداء.
إن الإحباط المؤسسي لا يقف عند الضرر النفسي بل ينتقل إلى الفتك الجسدي، وهو ما يمثل الخطر الأكبر للهموم المهنية. فالخطورة الحقيقية للإحباط المزمن في بيئات العمل المسمومة لا تتوقف عند حدود التكدر النفسي أو تراجع الإنتاجية، بل تتطور علمياً إلى ما يُعرف بـالاضطرابات الجسدية النفسية، فعندما يعجز العقل عن استيعاب حجم الضغوط والمكائد، يبدأ الجسد بالاحتجاج عبر أمراض حقيقية وعضوية؛ فالفيروسات النفسية قد تقتل أصحابها حرفياً نتيجة الهموم والأمراض الناتجة عن ضغوط العمل، مثل الجلطات المفاجئة، وقرحة المعدة، والقولون العصبي، وارتفاع ضغط الدم المستمر، وذلك نتيجة بقاء هرمونات الإجهاد في أعلى مستوياتها دون توقف.
الحلول والإستراتيجيات لحماية الجسد والروح:
أمام هذا الواقع المرير، يصبح التدخل الفوري وتطبيق إستراتيجيات الوقاية مسألة حياة أو موت لحماية شعلتك الداخلية وصحتك الجسدية، وذلك عبر خطوات حاسمة:
1. إستراتيجية العزل والابتعاد الكامل فإن فك الارتباط بهؤلاء المثبطين، وعدم مشاركتهم في الأعمال والمشاريع، ليس انسحابًا أو ضعفًا، بل هو قرار شجاع للبدء من جديد، ومع أن الأشخاص الذين تحركهم العقد النفسية لن يتركونك في حالك بسهولة وستظل أحقادهم تلاحقك، إلا أن وضع مسافة أمان بصرية ونفسية، بالحد من التعامل اليومي معهم، يمنحك صفاءً ذهنيًا لإعادة توجيه التركيز نحو تحسين جودة الأداء الفعلي.
2. إستراتيجية الفصل التام وذلك بتدريب العقل على إغلاق ملفات العمل بمجرد مغادرة المكان، وتجنب تماماً الحديث عن مكائد الحاقدين في المنزل ومع العائلة؛ لأن تكرار سرد تفاصيل مضايقاتهم يُبقي جسمك في حالة طوارئ مستمرة تنهك عضلة القلب وتدمر جهاز المناعة، كما ينعكس ذلك سلباً على نفسية أفراد الأسرة من الأبناء والزوجة، مما ينشر طاقة سلبية في أرجاء المنزل.
3. تغيير قيمة الأشخاص المسمومين في عقلك فأحد أكبر أسباب المرض الجسدي هو تفكيرك المستمر في سؤال: "لماذا يفعلون بي هذا؟، غيّر نظرتك للحاقدين؛ لا تَرهم كأعداء أقوياء، بل كمرضى نفسيين يعانون من نقص حاد، فعندما تدرك أن حربهم ضدك هي دليل على تميزك وعجزهم، ستتحول مشاعرك تجاههم من القهر والغيظ إلى الإهمال والشفقة، وهذا التحول يحميك سيكولوجياً من الأمراض العضوية، ومهما فعلوا لن يضروك شيئاً، فالرزق والصحة بيد الله وحده.
4. تفريغ الشحنات السلبية وبناء الدعم الموازي، فالهموم المكبوتة تفتك بأعضاء الجسد؛ لذلك واظب على ممارسة الرياضة كالمشي السريع، أو ممارسة هواية تحبها لإجبار الجسم على إفراز هرمونات السعادة، بالتوازي مع ذلك، أحط نفسك بشبكة دعم من أصدقاء إيجابيين يمدونك بالشحنات والدافعية التي تفتقدها في العمل.
5. الانسحاب المنظم والتغيير الجذري إذا وصلت بيئة العمل إلى مرحلة ممرضة كلياً ولم تنفع معها مسافات الأمان، فإن التغيير الجذري هو الحل الأسمى، وابدأ فوراً في البحث عن بيئة عمل جديدة، أو الانتقال إلى قسم آخر، أو التأسيس لمشروعك الخاص.
الخلاصة: إن طاقة الإنسان أثمن من أن تُهدر في معارك استنزافية مع أشخاص يعانون من عُقد النقص. تذكر دائماً أن المؤسسات تُعوض، والوظائف تُستبدل، أما صحتك وجسدك فإذا ذهبا لن يعودا، والنجاح الحقيقي في العمل الاجتماعي والمؤسساتي لا يتحقق فقط بمواجهة الصعاب، بل بالقدرة على حماية الذات، والبحث الدائم عن بيئات نقيّة تُقدر العطاء، وتدفع بالإنسان نحو القمة؛ ليبقى ناجحاً وصحيحاً معافى، ويستمتع بثمار إنجازه.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المؤسسات ليست ورثة.. كفى ترقيعاً ومسكنات؟!
- محرقة الخيام حين يصبح الوجع في غزة خيانة
- التدريب من مضيعة للوقت إلى استثمار استراتيجي
- كيف يتحول شباب غزة من البحث عن الأمل إلى صناعته؟
- بين وهم عزوف الشباب ومقصلة الإقصاء السياسي والنقابي
- الاقتصاد التضامني والتعاوني طوق نجاة وأداة صمود فلسطينياً
- مستقبل الخدمة الاجتماعية وتحديات الصمود في غزة
- السلامة النفسية والاجتماعية محور السلامة المهنية في عالم الع ...
- كفى لطوابير المذلة.. نعم لحلول الكرامة
- سوسيولوجيا الإعلام الموجه، وهندسة الفوضى الإدراكية وكيّ الوع ...
- سوسيولوجيا الخيام ومعاناة النازحين في غزة
- سدنة الحق العمالي المناضل راسم البياري -أبو محمود- وقصة الكف ...
- سوسيولوجيا الفرح المكلوم في قطاع غزة
- قراءة في مأساة موظفي غزة (رام الله) في ظل النزوح والحرب
- نساء غزة من مأساة -الهموم المركبة- إلى المنظور التكافلي للاس ...
- النقابات العمالية والتنمية الصامدة والتحرر من القيد
- قراءة سوسيولوجية في مشروعية التحرك الشعبي -نماذج التاريخ وجد ...
- سوسيولوجيا عمال غزة: من زمن الانكسار إلى هندسة الصمود والتدخ ...
- سوسيولوجيا المواصلات في غزة: -المقطورة- كفضاء للتفاعل الإنسا ...
- انضمام فلسطين كدولة عضو مراقب في منظمة العمل الدولية واسترات ...


المزيد.....




- وزير الخارجية الأمريكي يتعهد بـ-تفكيك- الجنائية الدولية: تشن ...
- قذفه في الهواء بعنف.. ثور يهاجم رجلا تحت أنظار حفيده في منتز ...
- عام على ضرب ابنه حتى الموت.. رحلة أب إلى موقع مقتل نجله في ا ...
- مصر: حذف 850 ألف مستفيد من بطاقات التموين وطلبات إحاطة بشأن ...
- طعام شائع متوفر في كل منزل قد يساعد على النوم
- هياكل خفية تحيط بسديم الجبار تتحدى نظريات ولادة النجوم
- ترامب يُعلن إعادة فرض الحصار على إيران: سنتقاضى تعويضاً على ...
- ترامب يعيد الحصار الأمريكي ويطالب برسوم شحن 20% في مضيق هرمز ...
- أمريكا تعيد فرض الحصار البحري على موانئ إيران
- كوريا الجنوبية.. سجن الرئيس السابق لمدة عامين في قضية فساد س ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - سيكولوجية الإحباط: كيف يُهدر الحاقدون طاقات المبدعين؟