أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - عمال غزة بين فكّي الغلاء الفاحش وطاحونة الاستغلال















المزيد.....

عمال غزة بين فكّي الغلاء الفاحش وطاحونة الاستغلال


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 15:26
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


في وقتٍ تنهار فيه مقومات الحياة الأساسية في قطاع غزة، وحين يُصبح الكدح عبئاً، وتتحول فيه أبسط المتطلبات اليومية إلى معارك معيشية قاسية، تقف فئة العمال على خط المواجهة الأول، فهم أولئك الذين رفضوا الاستسلام للبطالة أو الانتظار السلبي في طوابير المساعدات، واختاروا كسب قوت يومهم بعرق جباههم، ليصونوا كرامتهم ويسهموا في استمرار شريان الحياة لمجتمعهم؛ فاشتغلوا بمهن بسيطة ومساعدة في البنية التحتية، أو مهن تعين النازحين وبأدوات بدائية في العمل؛ ولكن الواقع الأليم يضعنا اليوم أمام مفارقة إنسانية واقتصادية شديدة القسوة؛ لقد أصبح العمل خياراً مكلفاً، وأضحى أجر الكدح سبباً مباشرًا في تكرّس الفقر وتعميقه، وسط ظروف عمل مأساوية لا ترتقي للحد الأدنى لمعايير العمل اللائق والكريم.
إن التمعن في تفاصيل يوميات العامل في غزة يكشف عن مأساة مركبة تتجاوز حدود تدني الأجور التقليدية؛ حيث يعاني العمال منذ أكثر من ثلاث سنوات من مضاعفة المعاناة وتراكم الأزمات فوق كاهلهم، فكيف لعامل أن يعمل اثنتا عشرة إلى أربع عشرة ساعة متواصلة يومياً في مطعم، أو منشأة خدمية، أو صناعية... إلخ، ليتقاضى في نهاية اليوم أجرًا لا يتجاوز خمسين شيكلاً؟! إن سُلّم الأجور المعتاد وقوانين الحد الأدنى للرعاية الاقتصادية السابقة أصبحت حبراً على ورق ولا قيمة لها في ظل تضخم غير مسبوق في قطاع غزة؛ إذ تظهر الحسابات المعيشية الأبسط أن العامل بات يحتاج إلى ما لا يقل عن 200 شيكل يومياً كحد أدنى استثنائي فقط ليعيش هو وعائلته على الكفاف ويغطي الحد الأدنى من الجوع والماء والمواصلات، في حين تلتهم تكلفة احتياجات بسيطة كالملبس أو بضعة كيلوغرامات من المواد الغذائية الأساسية أجر أسبوع كامل من العمل المضني.
فوق كل هذا، تأتي تكلفة المواصلات العالية والندرة الحادة في الوقود لتلتهم نصف الأجر أو كامله، فيقطع العامل مسافات طائلة تحت ظروف جوية قاسية وشديدة التعقيد، ليجد نفسه نهاية اليوم يعود بخفي حنين، بل ومحروماً من المعينات الأساسية كالمياه المجانية أو التكيات أو المساعدات الطارئة؛ لمجرد أنه يُصنَّف إدارياً كـعامل صاحب دخل! يضاف إلى ذلك ظروف العمل غير الملائمة، من انعدام المقومات الصحية والتهوية المناسبة، وصولاً إلى المخاطر الأمنية المباشرة وغياب أدنى أدوات السلامة والصحة المهنية، أو وجود شبكات حماية وتأمين ضد إصابات العمل والعجز.
وهنا يفرض السؤال نفسه وبقوة ماذا ننتظر من هؤلاء العمال بعد كل هذا الصبر والاستنزاف؟ هل ننتظر منهم ترك أعمالهم ومساهماتهم الحيوية في إدارة عجلة الحياة اليومية للناس والمجتمع والالتحاق بطوابير البطالة؟ أم أن واجبنا الأخلاقي، الوطني، والمجتمعي هو الانتصار لهمومهم وقضاياهم وتوفير مقومات الصمود الحقيقي لهم؟
إن الانتصار لقضايا العمال لا يكون بالتعاطف الشفهي، ولا عبر الخطابات التسويقية والشعارات البراقة والتلميع الإعلامي والشو الكاذب الذي يبتعد عن جوهر المأساة، بل إن المطلوب هو رؤية تنموية واقعية وتدخلات عملية تعيد هيكلة سياسات التشغيل والأجور لتتلاءم مع استثنائية الظروف الحالية، وفق الأبعاد الرئيسية التالية:
أولاً: الدور الرقابي والتنموي للحكومة:
إن الحكومة مطالبة اليوم بأداء دورها التنفيذي والرقابي الحازم لمنع تغول الاستغلال وضبط بيئة العمل قدر الامكان، مع تقديم التسهيلات والتيسيرات المناسبة لأصحاب المنشآت والقطاعات الاقتصادية بما يضمن ارتقاء سوق العمل ومواكبته للواقع التدميري بفرص حقيقية، كما يستوجب الوضع وضع خطط تنموية واقعية وبعيدة عن الاستعراض الإعلامي، تتضمن برامج للتدريب والتأهيل المهني وإعادة التأهيل لتنمية مهارات العمال وقدراتهم، وتمكينهم من أدوات عمل كريم تتناسب مع متطلبات المرحلة.
ثانياً: الدور الأصيل للنقابات العمالية:
أمام معاناة مستمرة لسنوات طويلة، يجب أن يجد العامل من يحمل همه بحق، ويرتقي بمصالحه، ويعلي صوته دون مواربة، وإن النقابات وممثلي العمال مدعوون اليوم لمغادرة مربع الانتظار، والقيام بدورهم التاريخي والميداني لمتابعة مظالم العمال، والضغط نحو إقرار سياسات حماية اجتماعية حقيقية، والدفاع عن حقوقهم في كافة المحافل والمنصات، وكلا في قطاعه المهني.
ثالثاً: الحلول اللوجستية وتخفيف تكلفة الصمود:
مساعدة العامل على نقل خيمته أو توفير مساحة سكن آمنة ومخدومة بالقرب من مكان عمله يُسقط عن كاهله كابوس أجرة التنقل اليومية، كما أن تعزيز الأجر العيني عبر التزام أصحاب العمل بتوفير وجبة يومية طازجة للعمال وأسرهم، وخدمات الشحن والمياه، يمنح الأجر النقدي القليل قيمة تشغيلية أكبر تسهم في خفض التكاليف المباشرة للعيش.
رابعاً: الشراكة الثلاثية لدعم الأجر والأمان الاجتماعي:
لا يمكن تحميل صاحب العمل كامل العبء؛ فهو أيضاً يعاني من ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع المردود، والحل يكمن في تدخل المؤسسات الدولية والإغاثية لـدعم صمود العامل، عبر تقديم أظرف نقدية تكميلية تعوض الفجوة الحادة بين الأجر الفعلي وحاجته لـ 200 شيكل يومياً، مع شمول العمال بالطرود الغذائية دورياً دون استثناء، وتأسيس صندوق تكافلي طارئ لإصابات العمل والحماية المهنية، حتى لا يُعاقَب المجدّ على جِدّه.
خامساً: التعاونيات الإنتاجية كرافع للصمود تؤسس لاقتصاد تضامني:
فمن قلب الأزمة، يمكننا انتزاع فرص حقيقية للبناء عبر تحويل العمال من متلقين سلبيين للرعاية والإغاثة إلى قادة حقيقيين للإنتاج، من خلال تشكيل تعاونيات إنتاجية مستقلة في المهن والقطاعات الحيوية؛ كالزراعة، الحرف، المخبوزات، والخدمات الميدانية كصيانة المنازل والمخيمات ومكافحة الحشرات والنظافة، وإن هذا التوجه يقدم نموذجاً أصيلاً للعمل الحر المنسجم مع الواقع، وإذا ما حظيت هذه التعاونيات بالتبني، والدعم الفني والمالي المطلوب، والرعاية الجادة من الحكومات والهيئات ذات العلاقة والمؤسسات الدولية والمحلية، ستتحول إلى ركائز تشغيلية صلبة تعيد تشكيل سوق العمل على أسس متينة من التكافل الاجتماعي والتنمية التشاركية المستدامة.
ختاماً، إن العمال في غزة ليسوا مجرد أرقام في سوق العمل أو مادة للاستهلاك الإعلامي، بل هم عصب الصمود الاجتماعي وسياجه المتين، وإن حمايتهم والوقوف معهم ليس منّة من أحد، بل هو واجب وطني وإنساني وحكومي عاجل، وإن استمرار هذا الخلل يعني دفع المئات منهم قسراً نحو البطالة والاتكال الكامل على المعونات، وخلق مشاكل خطيرة تهدد السلم والاستقرار الأهلي والاجتماعي؛ لذا، فإن المطلوب هو تعزيز كرامة العامل الشريف، وجعله قادراً على أداء واجبه المهني وإعالة أسرته بعزة وكرامة، وعلى الجميع، وخاصة الحكومة والمؤسسات الدولية والإغاثية والنقابات وعليها تحمل مسؤولياتهم، وإدراج هموم العمال كأولوية في أي عملية تعافٍ وإعمار لغزة، ليكون السواد الأعظم لمجتمعنا حاضراً ومحمياً في كل المراحل.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جراح غزة التي لا تُرى بين المأساة النفسية وضرورة التدخل المج ...
- أزمة المرجعيات السياسية الجاهلة وهيمنتها على المؤسسات الوطني ...
- برامج التشغيل في غزة بين سُحْق الفئات المسحوقة وسُلْطَة الوا ...
- الأستاذ الدكتور علي ليلة.. القامة العلمية التي لا تغيب
- تنظيم النقابات المهنية وحوكمته في إطار قانوني ضرورة وطنية
- الكرامة المهنية لذوي الإعاقة بين الحق وواقع التهميش
- سرقة الجوالات في مخيمات النزوح.. جريمة فوق الاحتمال
- سيكولوجية الإحباط: كيف يُهدر الحاقدون طاقات المبدعين؟
- المؤسسات ليست ورثة.. كفى ترقيعاً ومسكنات؟!
- محرقة الخيام حين يصبح الوجع في غزة خيانة
- التدريب من مضيعة للوقت إلى استثمار استراتيجي
- كيف يتحول شباب غزة من البحث عن الأمل إلى صناعته؟
- بين وهم عزوف الشباب ومقصلة الإقصاء السياسي والنقابي
- الاقتصاد التضامني والتعاوني طوق نجاة وأداة صمود فلسطينياً
- مستقبل الخدمة الاجتماعية وتحديات الصمود في غزة
- السلامة النفسية والاجتماعية محور السلامة المهنية في عالم الع ...
- كفى لطوابير المذلة.. نعم لحلول الكرامة
- سوسيولوجيا الإعلام الموجه، وهندسة الفوضى الإدراكية وكيّ الوع ...
- سوسيولوجيا الخيام ومعاناة النازحين في غزة
- سدنة الحق العمالي المناضل راسم البياري -أبو محمود- وقصة الكف ...


المزيد.....




- مصر.. محامي حبيب العادلي يسقط ميتا في مقر نقابة المحامين
- أزمة -رأفت الهجان-.. أحمد ماهر يتمسك برواية تدخل مبارك والنق ...
- 7-10 مليارات شيكل... فاتورة العامل الغائب عن بروكسل
- عيد مرسال في افتتاح المؤتمر الأول لتأهيل الكوادر النقابية: “ ...
- اليابان تراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة نقص الأيدي العامل ...
- تصريحات عن كواليس -رأفت الهجان- تشعل أزمة في مصر.. والنقابة ...
- أحلام مؤجلة.. الحرب والبطالة تعصفان بمستقبل شباب السودان
- ارتفاع أجور الموظفين في ألمانيا بـ5.1% في 2025
- استقالة أربعة أساتذة من مجلس التعليم العالي الإسرائيلي احتجا ...
- موسكو: نتعامل بشفافية مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والغرب ...


المزيد.....

- النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب ... / حمده درويش
- ملامح من تاريخ الحركة النقابية / الحاج عبدالرحمن الحاج
- تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية / الحزب الشيوعي السوداني
- الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح ... / ماري سيغارا
- التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت ( ... / روسانا توفارو
- تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات / جيلاني الهمامي
- دليل العمل النقابي / مارية شرف
- الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا ... / خميس بن محمد عرفاوي
- مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - عمال غزة بين فكّي الغلاء الفاحش وطاحونة الاستغلال