أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سلامه ابو زعيتر - مخيم الثورة.. نبض الذاكرة وحكاية الروح التي لا تُهزم















المزيد.....

مخيم الثورة.. نبض الذاكرة وحكاية الروح التي لا تُهزم


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 12:51
المحور: القضية الفلسطينية
    


لماذا أكتب عن مخيم جباليا اليوم؟ أكتب هذه الكلمات إحساساً منّي وإدراكاً عميقاً بأن ما يتعرض له المخيم اليوم من استهداف ودمار شامل ليس عشوائياً، بل يأتي ضمن مشروع ممنهج ومحاولة يسعون من خلالها لإنهائه ومحو رمزيته الوطنية والاجتماعية؛ أكتب لتظل هذه الكلمات حية ومحفورة في ذاكرة التاريخ، ولتعلن للعالم أن هذا المخيم سيبقى عصياً على الكسر وراسخاً فوق كل محاولات التصفية، شامخاً بذاكرته، وبدماء أبنائه، وبجذوره الضاربة في عمق هذه الأرض.
حين نذكر مخيم جباليا، فإننا لا نتحدث مجرد حديثٍ عن بقعة جغرافية مكتظة بالأزقة والمباني، بل عن أيقونة نضالية وذخيرة إنسانية حفرت اسمها بحروف من نور في ذاكرة التاريخ؛ إنه المكان الذي استحق عن جدارة لقب مخيم الثورة؛ فمن بين أزقته الضيقة وشوارعه المتواضعة انطلقت شرارة الانتفاضة الأولى عام 1987 (انتفاضة الحجارة)، لتعلن للعالم أجمع أن هذا الشعب يمتلك إرادة صلبة لا تُكسر، وحضوراً يفخر به كل من انتسب إليه.
إن من أبهى الصور التي يجسدها مخيم جباليا وتستحق التوقف عندها والدراسة، هي قدرته الفريدة على تحقيق الاستقرار والتجانس الاجتماعي العالي رغم التنوع الثقافي والمرجعي لسكانه؛ فقد احتضن المخيم عقب النكبة عائلات جاءت من شتى القرى والمدن والبادية الفلسطينية؛ منهم المدني بما يحمله من موروث ثقافي ونمط حياة حضري، والفلاح المتمسك بأرضه وقيمه الأصيلة القائمة على العطاء والتعاون، والبدوي بمرجعيته العرفية وأصالته وقيم الشهامة والنخوة، ورغم هذا الاختلاف الطبيعي في الطباع والأصول المرجعية، إلا أن المخيم استطاع صهر هذه الثقافات والمتغيرات في بوتقة واحدة عنوانها المواطنة والأخوة في اللجوء والنضال، حيث سادت المحبة بين الناس، وظل الود يجمعهم في كل المحطات.
في قلب مخيم جباليا، الذي ينقسم إلى 12 بلوكاً موزعة في أرجاء المخيم، كانت حارتي في (بلوك 2) تشكل مجتمعاً قائماً بذاته، فكانت حارة النادي هي مركز الدفء والحركة لي ولأصدقائي؛ الملتقى الذي نشأت فيه الأجيال وتفتح فيه الوعي، فحين نذكر حارة الزينقو، فإننا نذكر رمز الصبر والتكافل الاجتماعي بعزف الشتاء ودلائل الصيف؛ حيث كانت أسطح الزينقو تعزف ألحان المطر التي لا تغيب عن ذاكرة من عاشها، وتشهد على صيفٍ حارٍّ كان يدفع الناس بالاجتماع في الحارة والشوارع الضيقة في قعدة الجيران والجارات ومتعتها بوجود الختايرة والعجائز بما يحملونه من عراقة وأصالة الماضي، لتبادل أطراف الحديث حتى يبرد الجو ونستمتع بقصص و"خراريف" الأجداد.
أجواءٌ كلها محبة يجسدها التلاصق الإنساني؛ فقد كانت جدران بيوت الزينقو متلاصقة بدرجة تشعر معها أن الحارة كلها بيت واحد كبير؛ وإن فرحت عائلة في أول الحارة وصل صدى الفرح إلى آخرها، وإن ألمّت بأحدهم ملمّة تقاسم الجميع العبء وكأنهم جسد واحد، فكان دفء الأعتاب على المصاطب حيث كانت "العتبة" مجلس أنس؛ تخرج الجارات في العصريات بصواني الشاي والقهوة وحلويات، وتتحول الأزقة الضيقة إلى صالة استقبال واحدة كبرى يظللها الأمان الفطري والأخوة الصادقة، وكيف لا، وفي طليعة تلك المشاهد تستحضرني سيرة أمي الحبيبة، الحجة "أم معتز" -رحمها الله ورضوانُه عليها- التي كانت بفيض كرمها، ودفء قلبها، ومحبتها الغامرة للأهل والجيران، سفيراً لنبض المخيم ونموذجاً حياً لجميع أمهاته الصابرات المرابطات، اللاتي يغرسن في الأجيال وصايا الوفاء، وينثرن الحب والتضامن في أرجاء الحارة كأنه أكسجين الحياة.
ولم تقتصر جماليات المخيم على أحيائه السكنية، بل تعدتها لتشمل مرافقه الحيوية التي شكلت وجدانه اليومي والوطني؛ كسوق المعسكر بأسعاره المناسبة وحركته التي تتسع للجميع، حيث كان مقصداً لأهل المدينة الذين يأتون للتسوق منه ليشكل جسراً للتواصل الاقتصادي والاجتماعي، ومدارس الوكالة التي لم تكن مجرد صروح تعليمية، بل كانت مراكز تشتعل ثورة ونشاطاً في المناسبات الوطنية على مدار الانتفاضة الأولى، بفضل مدرسيها المميزين الذين كان لمعظمهم دور محوري في صقل وتطوير الشخصية الوطنية والوعي النضالي لأبناء المخيم، وعيادة الوكالة (الأونروا) التي قدمت الرعاية الصحية الأولية والتطعيمات لأبناء المخيم، وكانت مكاناً دافئاً تلتقي فيه النساء الحوامل لمتابعة الرعاية الأولية وتلقي العلاج، مما جعلها شرياناً رئيسياً في حماية صحة وصمود أجيال المخيم، والتي يجب الحفاظ عليها ومواجهة كل برامج الاستهداف والمؤامرات التي تحاول المس بوكالة الغوث الدولية، حيث يُعتبر وجودها أحد الثوابت التي ندافع عنها في حق العودة...
كما تجلّت في المخيم صورة مشرقة للوعي والتميز الإنساني والمعرفي؛ إذ ظلت ابنة المخيم نموذجاً يُقتدى به في الشجاعة، والحضور، والوعي المبكر، والصلابة في الميادين الوطنية والاجتماعية، حارسةً للذاكرة والبيت، وشريكةً في بناء مجتمع المخيم وصموده، وعلى الجانب الآخر، قدّم شباب المخيم أروع الأمثلة في النخوة والشهامة، وتألقوا كطاقات خلاقة وقدرات عالية في الميادين العملية والمهنية كافة، ولم تقف حدود إنجازهم عند العمل الميداني، بل امتدت إلى الصروح الجامعية والأكاديمية، فتحول المخيم إلى منارة للعلم يخرج منها المفكرون والباحثون والعلماء والرواد الذين أثروا الميادين العلمية بدراساتهم وأبحاثهم المميزة، محولين الحرمان واللجوء إلى دافع صلب للتميز والريادة.
ولقد تجلت روح المخيم بأبهى صورها في المناسبات الاجتماعية والدينية، حيث رسم الأهالي أروع لوحات التلاحم في الأعراس والمناسبات حيث كانت الأعراس فزعة شعبية؛ الشباب يعلقون الزينة وينصبون الصوان، والنساء يرددن "المهاهاة" والزغاريد. وفي زفة العريس بين الأزقة الضيقة، كان الجيران يرمون الحلو والريحان والورد والأرز، ويرشون الملح أحياناً من الشبابيك والأسطح وكأن كل بيت يزوج ابنه، أما في المناسبات الدينية في رمضان، كانت حركة الأطفال بين البيوت حاملين أطباق الطعام قبل الأذان تحول الموائد إلى مائدة واحدة جامعة، وفي الأعياد، كانت المعايدات تطرق كل باب دون استثناء، أما في التضامن والمواساة في الأتراح فكانت الحكاية تبدأ فور الإعلان عن وفاة أحد أبناء المخيم، حيث تتوقف كل مظاهر الفرح في الحارة احتراماً، ويهب الرجال لنصب بيت العزاء، وتتكفل النساء بطهي الطعام لأهل المتوفى، متقاسمين الحزن كجسد واحد، هكذا كان التضامن كالجسد الواحد اذا اشتكي يتدعى له الجميع..
أما بطولات المخيم وأهله فحدّث عنها بفخر وعزة؛ فلم تكن البطولة في مخيم جباليا مجرد شعار، بل كانت عقيدة يتوارثها الأبناء، وفي كل انتفاضة ومناسبة وطنية كانت حشود المخيم في المقدمة، وفي سجون الاحتلال والمعتقلات، سجل أبناء المخيم أروع صفحات الثبات؛ يتقاسمون القيد وحبة الدواء، بينما كانت الحارة في الخلف تتفقد بيت الأسير وتصنع من الصبر تاجاً ينتظرون به يوم الحرية.
إن هذا المخيم الزاخر برجاله ونسائه ومؤسساته وخدماته يستهدف اليوم لتدمير ما تبقى منه، وحين حطت الحرب أوزارها الثقيلة ودمرت جدران المخيم وأزقته، ظن الكثيرون أن حكاية جباليا قد انتهت، لكن أبناء المخيم وعائلاته أثبتوا للعالم أن المخيم ليس مجرد حجارة، بل هو روح لا تموت، فلقد عاد الأهالي إلى رماد منازلهم ينبشون الذكريات، ونصبوا خيامهم فوق الحطام أو في أماكن قريبة متمسكين بأرضهم وحارتهم،عاد طبق "السكبة" والتشارك بكسرة الخبز وشربة الماء، وعادت ضحكات الأطفال تتحدى الأنقاض، لتكتب أعظم وثيقة صمود وإصرار على البقاء.
أخيراً: يا أبناء مخيم جباليا العظيم، يا أصحاب النخوة في "بلوك 2" وحارة النادي" وكل حارات المخيم.. إن الحجارة وإن تهدمت، والبيوت وإن صارت رماداً، فإن الروح التي صنعت هذا المخيم لا تموت ولا تُهزم، فحافظوا على تراث المخيم وذاكرته، واغرسوا في أبنائكم حكايات النخوة والشجاعة، واستمروا في بث الحب والود والعطاء والتضامن؛ فالمحبة والتكافل هما السلاح الأقوى الذي يحمي نسيجنا الاجتماعي، وإن وقوفكم اليوم فوق الرماد ونصبكم للخيام بجوار منازلكم هو أبلغ درس في الانتماء والوفاء للوطن.. فما دامت القلوب متآلفة، والأيدي متكاتفة، والذاكرة حية.. فسنظل أسياد الأرض، وصُنّاع الأمل، وحرّاس الوطن.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف نطور الأخلاق المهنية من المناهج التعليمية إلى الممارسة ا ...
- ميثاق الشرف الحركي ودوره في قيادة التغيير والارتقاء
- التحديات المركّبة للعاملين والمتطوعين من ذوي الإعاقة في غزة
- توجيهي غزة.. عندما تُهزم الزغاريدُ صمتَ الركام
- التنشئة الحركية والتعبئة الفكرية كصمام أمان لاستعادة الذات
- نحو ممارسة أخلاقية تحمي المهنة وتصون كرامة الأخصائي والمجتمع ...
- الفتيات بين برزخ المراهقة ووطأة المعاناة النفسية والفسيولوجي ...
- بيان صحفي صادر عن د. سلامه ابو زعيتر رئيس النقابة العامة للخ ...
- دقّوا أجرَاسَ العَمَل.. ولا تَتَذرَّعُوا بالظُّرُوف!
- شهادة من الميدان.. عندما يُنصف القلمُ شرفَ العطاء
- عمال غزة بين فكّي الغلاء الفاحش وطاحونة الاستغلال
- جراح غزة التي لا تُرى بين المأساة النفسية وضرورة التدخل المج ...
- أزمة المرجعيات السياسية الجاهلة وهيمنتها على المؤسسات الوطني ...
- برامج التشغيل في غزة بين سُحْق الفئات المسحوقة وسُلْطَة الوا ...
- الأستاذ الدكتور علي ليلة.. القامة العلمية التي لا تغيب
- تنظيم النقابات المهنية وحوكمته في إطار قانوني ضرورة وطنية
- الكرامة المهنية لذوي الإعاقة بين الحق وواقع التهميش
- سرقة الجوالات في مخيمات النزوح.. جريمة فوق الاحتمال
- سيكولوجية الإحباط: كيف يُهدر الحاقدون طاقات المبدعين؟
- المؤسسات ليست ورثة.. كفى ترقيعاً ومسكنات؟!


المزيد.....




- إطار صخري يكشف عن ثلاث قمم مدهشة في جبال الدولوميت.. ما سرّه ...
- شلال يبعد أمتار قليلة عن الشارع الرئيسي.. مفاجأة تنتظرك في ه ...
- رئيس وزراء بريطانيا الجديد يجري أول اتصالات مع قادة 4 دول خل ...
- تبادل رسائل بين واشنطن وطهران.. وتصعيد متواصل في لبنان وغزة ...
- تقارب القاهرة وأنقرة يربك إسرائيل.. هل تدفع المخاوف المشتركة ...
- القادة الأمنيون في إسرائيل يدقون ناقوس الخطر: الضفة تتجه نحو ...
- تراجع الملاحة بالبحر الأحمر بعد هجوم الحوثيين على السعودية
- الدفاع الروسية تعلن إسقاط 276 مسيرة أوكرانية الليلة الماضية ...
- الأمن الروسي: احتجاز مواطن يشتبه بتجسسه لصالح نيوزيلندا (فيد ...
- رئيس وزراء التشيك: هجوم برلين الإرهابي يعكس تداعيات الهجرة غ ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سلامه ابو زعيتر - مخيم الثورة.. نبض الذاكرة وحكاية الروح التي لا تُهزم