أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة - سلامه ابو زعيتر - التحديات المركّبة للعاملين والمتطوعين من ذوي الإعاقة في غزة














المزيد.....

التحديات المركّبة للعاملين والمتطوعين من ذوي الإعاقة في غزة


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 15:06
المحور: حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة
    


في الوقت الذي تنهار فيه البنى التحتية وتتداعى فيه مقومات الحياة الأساسية، تتجلى إرادة الإنسان في أبهى صورها عندما يحوّل الإعاقة من مساحة للانتظار والاستهلاك إلى ساحة للعطاء والإنتاج، في قطاع غزة، لا تقف قضية ذوي الإعاقة عند حدود تلقي المساعدات والرعاية الشاملة، بل تتعداها إلى شريحة واسعة من العاملين والمتطوعين الذين يصرون على البقاء في قلب سوق العمل والميدان الإغاثي، بالرغم من أهوال الظروف المحيطة.
في أوقات الأزمات الكبرى، حين تتهاوى البنى التحتية وتتساوى المعاناة بين الجميع، يبرز نوعٌ فريد من الصمود الإنساني؛ صمودٌ لا يكتفي صاحبه بالبحث عن النجاة والتقوقع على الذات، بل يندفع نحو الميدان ليكون يداً تبني وسنداً يغيث، وإن الحديث عن أصحاب الهمم العاملين والمتطوعين في هذه المرحلة ليس مجرد إشادة رمزية بشجاعتهم، بل هو تسليطٌ للضوء على قضية حقوقية واقتصادية بالغة الأهمية تتطلب استيعاباً ودعماً مجتمعياً ومؤسسياً طارئاً.
في غزة، لا تقف قضية ذوي الإعاقة عند حدود الشفقة أو الرعاية التقليدية، بل تمتد إلى تجربة ملهمة تشمل العشرات من العاملين والمتطوعين من أصحاب الهمم الذين يصرون على البقاء في قلب الميدان الإغاثي والإنساني وسوق العمل، وغير أن هذا الصمود الظاهر، الذي يبهر الناظرين، يحمل في طياته أبعاداً مسكوباً عليها الكثير من الصمت، تتجسد في تحديات نفسية واجتماعية وفيزيائية مركّبة تضاعف من ثقل كل خطوة قبل خطوها.
تستند التجربة اليومية لهؤلاء الأفراد إلى معركة صامتة تبدأ من اللحظة الأولى للتحرك؛ فالشوارع المجرفة، والركام الذي يملأ الأحياء، وغياب المصاعد والوسائط المهيأة جعلت الحركة المستقلة أمنية صعبة المنال، وتزداد هذه المشقة قسوة مع التلف الشديد أو الضياع الذي لحق بالأجهزة التعويضية، والكراسي المتحركة، والمعينات السمعية والبصرية دون وجود بدائل في ظل الحصار وشح الإمكانيات، وهذه العقبات المادية لا تتوقف عند إرهاق الجسد وحده، بل تتسلل عميقاً إلى الوجدان، لتتحول إلى توتر نفسي حاد وقلق قهري مستمر من عدم القدرة على الاستجابة السريعة أو الهرب أثناء حالات الخطر والنزوح المفاجئ.
ولا ينفصل الجانب النفسي عن نظيره الاجتماعي؛ إذ يجد العامل أو المتطوع من ذوي الإعاقة نفسه مشدوداً بين رؤيتين مجتمعيتين تفتقران إلى العدالة: إما نظرة اختزال تجعله مجرد "ضحية يرتجى العطف عليها"، فتتجاهل كفاءته المهنية وحقه في المشاركة الفعلية وتهمشه عند اتخاذ القرار، وإما نظرة مبالغة تراه "بطلاً لا ينكسر"، فتغفل عن احتياجاته الإنسانية الأساسية، ويُضاف إلى ذلك غياب شبكات الأمان الأسرية بسبب التشتت والنزوح، مما يضع الفرد أمام صراع نفسي ومجتمعي مرير؛ حيث يقضي نهاره في مد يد العون لغيره في مراكز الإيواء، بينما يعجز ليلاً عن تأمين أدنى مقومات الخصوصية والكرامة لنفسه في خيمة غير مهيأة.
إن العبور من هذا الواقع الصعب لا يتطلب إبداء الإعجاب السلبي، بل يستوجب احتواءً مجتمعياً ومؤسسياً واعياً يتجسد في خطوات عملية وواضحة، يبدأ هذا الاحتواء من إيجاد مساحات آمنة للتفريغ الانفعالي والدعم النفسي المركّز، تتيح للعاملين والمتطوعين التعبير عن إنهاكهم دون خوف من الوصمة أو الاتهام بالضعف، جنباً إلى جنب مع تشكيل شبكات مساندة للأقران تبني الصلابة النفسية وتتبادل خيارات التكيف، وعلى المستوى الميداني، أصبح من الواجب الشامل تعديل بيئات العمل الميدانية، وتوفير الأدوات المساعدة ووسائل النقل الآمنة، وضمان التمثيل الفعلي لذوي الإعاقة في لجان إدارة الأزمات لتنسيق التدخلات وفق احتياجاتهم الحقيقية.
إن إصرار ذوي الإعاقة على العمل والتطوع وسط أجواء الأزمات ليس مجرد رغبة في كسب العيش أو شغل الوقت، بل هو تأكيدٌ صارخ على المواطنة الفاعلة والكرامة الإنسانية؛ فواجب المجتمع، بمؤسساته وأفراده، ألا يكتفي بالإعجاب بصمودهم، بل أن يترجم هذا التقدير إلى سياسات احتواء، وتسهيلات ميدانية، ودعم نفسي ومادي مستدام؛ فحين نُمكّن فرداً من ذوي الإعاقة ليعمل أو يتطوع، نحن لا نساعده هو فقط، بل نُرمم كبرياء المجتمع ونبني قدرته على التعافي والصمود.
أخيرا: إن العاملين والمتطوعين من ذوي الإعاقة في غزة ليسوا أبطالاً خارقين يتجاوزون الألم بلا ثمن، ولا ضحايا عاجزين يرتجون الشفقة؛ فهم طاقات إنتاجية وإنسانية حية، وصوتٌ صارخ يؤكد أن العطاء لا تحده الأجساد، وإن حفظ كرامتهم واستيعاب احتياجاتهم وتنمية التدخلات لصالحهم ليس مجرد استجابة لإعادة الإعمار، بل هو الاستثمار الأهم في الصمود الجماعي والمعيار الحقيقي لإنسانية المجتمع وقدرته على التعافي.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- توجيهي غزة.. عندما تُهزم الزغاريدُ صمتَ الركام
- التنشئة الحركية والتعبئة الفكرية كصمام أمان لاستعادة الذات
- نحو ممارسة أخلاقية تحمي المهنة وتصون كرامة الأخصائي والمجتمع ...
- الفتيات بين برزخ المراهقة ووطأة المعاناة النفسية والفسيولوجي ...
- بيان صحفي صادر عن د. سلامه ابو زعيتر رئيس النقابة العامة للخ ...
- دقّوا أجرَاسَ العَمَل.. ولا تَتَذرَّعُوا بالظُّرُوف!
- شهادة من الميدان.. عندما يُنصف القلمُ شرفَ العطاء
- عمال غزة بين فكّي الغلاء الفاحش وطاحونة الاستغلال
- جراح غزة التي لا تُرى بين المأساة النفسية وضرورة التدخل المج ...
- أزمة المرجعيات السياسية الجاهلة وهيمنتها على المؤسسات الوطني ...
- برامج التشغيل في غزة بين سُحْق الفئات المسحوقة وسُلْطَة الوا ...
- الأستاذ الدكتور علي ليلة.. القامة العلمية التي لا تغيب
- تنظيم النقابات المهنية وحوكمته في إطار قانوني ضرورة وطنية
- الكرامة المهنية لذوي الإعاقة بين الحق وواقع التهميش
- سرقة الجوالات في مخيمات النزوح.. جريمة فوق الاحتمال
- سيكولوجية الإحباط: كيف يُهدر الحاقدون طاقات المبدعين؟
- المؤسسات ليست ورثة.. كفى ترقيعاً ومسكنات؟!
- محرقة الخيام حين يصبح الوجع في غزة خيانة
- التدريب من مضيعة للوقت إلى استثمار استراتيجي
- كيف يتحول شباب غزة من البحث عن الأمل إلى صناعته؟


المزيد.....




- منظمة العفو الدولية تطالب دمشق بتعليق قانون الجرائم الالكترو ...
- التقى الشرع.. غوتيريش أول أمين عام للأمم المتحدة يزور سوريا ...
- تجديد ولاية فولكر تورك مفوضاً لحقوق الإنسان رغم معارضة دول ك ...
- حملة اعتقالات واسعة في بلدة تل والاحتلال يمهد لهدم منزل شهيد ...
- تصعيد واسع في الضفة: إصابات برصاص المستوطنين وحملة مداهمات ت ...
- إقالة كريم خان تهز المحكمة الجنائية الدولية: بين مزاعم السلو ...
- -الأغذية العالمي- يحذر من خفض أكبر لمساعدات غزة
- تجديد ولاية المفوض السامي الأممي لحقوق الإنسان رغم تحذيرات أ ...
- الأمين العام للأمم المتحدة يصل إلى دمشق.. وهذه أبرز محطات زي ...
- جوتيريش يصل دمشق في أول زيارة لأمين عام للأمم المتحدة منذ 20 ...


المزيد.....

- الإعاقة والاتحاد السوفياتي: التقدم والتراجع / كيث روزينثال
- اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة / الأمم المتحدة
- المعوقون في العراق -1- / لطيف الحبيب
- التوافق النفسي الاجتماعي لدى التلاميذ الماعقين جسمياً / مصطفى ساهي
- ثمتلات الجسد عند الفتاة المعاقة جسديا:دراسة استطلاعية للمنتم ... / شكري عبدالديم
- كتاب - تاملاتي الفكرية كانسان معاق / المهدي مالك
- فرص العمل وطاقات التوحدي اليافع / لطيف الحبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة - سلامه ابو زعيتر - التحديات المركّبة للعاملين والمتطوعين من ذوي الإعاقة في غزة