أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - متلازمة الموظف المهدد وأخلاقيات العمل في بيئات الطوارئ















المزيد.....

متلازمة الموظف المهدد وأخلاقيات العمل في بيئات الطوارئ


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 17:35
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


في أوقات الحروب، والكوارث، وحالات الطوارئ المركبة الممتدة؛ كما هو الواقع الفلسطيني المعاش، ولا سيما في قطاع غزة لا تقتصر الأزمة على تدمير البنى التحتية والمنشآت، بل تتعداها لتصيب البيئة النفسية والتنظيمية لبعض المؤسسات التشغيلية في مقتل، وفي هذا الفضاء المأزوم، تخوض الكوادر الميدانية معركة مزدوجة الأولى في مواجهة آلة الدمار وانعدام الأمان الحيوي، والثانية ضد تهديدات بيئة العمل ونشوء أنماط إدارية مشوهة تستغل حاجة العامل الإنسانية للبقاء لتكريس السيطرة القسرية والاستبداد الإداري.
إن هذا الواقع الاستثنائي يحتم الانتقال بالحراك النقابي من أطره التقليدية إلى "فلسفة إبداع الضرورة"؛ حيث تتكامل الجهود في مسارين متوازيين، مسار النقابات العمالية القطاعية لخوض معركة حماية الكرامة الوظيفية وتفكيك الفجوة البنيوية المتنامية بين "الإدارة الافتراضية النائية" و"الكوادر الميدانية في الخطوط الأمامية"، ومسار النقابات المهنية لإبداع آليات صمود جديدة تُطور قدرات المهنيين والأعضاء الميدانيين، وتعزز مناعتهم المهنية والنفسية لإدارة الأزمة بكفاءة واقتدار؛ فكيف تؤثر "متلازمة الموظف المهدد" على أخلاقيات العمل؟ وكيف يمكن للعمل النقابي المبتكر إعادة الاستقرار لسوق عمل يقع تحت خط النار؟
وتُعرّف متلازمة الموظف المهدد انطلاقاً من الرصد الميداني لأدبيات الإدارة المتأزمة، بأنها حالة من عدم الاستقرار النفسي والمهني تصيب الموظف نتيجة شعوره المستمر بأن أمنه الوظيفي وقوته المعيشي مرهونان بالامتثال المطلق لقرارات الإدارة، حتى وإن كانت تعسفية أو منتهكة لحقوقه، وذلك تحت طائلة التهديد المبطن أو الصريح بالفصل، أو تجميد الراتب، أو الاستبدال في ظروف يندر فيها البديل.
وفي ظل هذه الأزمات، واتساع نسب البطالة، واختلال قانون العرض والطلب، وشح فرص وبرامج التشغيل؛ تعمدت بعض الإدارات المريضة إلى استخدام حالة الطوارئ كذريعة لتعطيل اللوائح الداخلية الحامية للموظف وتجاهلها، فيتحول التهديد بالفصل إلى أداة لفرض شروط الطاعة العمياء عبر آليات التحرش التنظيمي والمضايقة الإدارية، ولا سيما عندما يكون المدير في ظروف آمنة ومستقرة، بينما يخوض الموظف ظروفاً قاسية من النزوح والحرب والغلاء، وهذا الواقع يفرغ العمل من أبعاده الإبداعية، ويحول الموظف إلى كائن مرعوب يبحث عن النجاة الفردية بدلاً من العمل مع الفريق والإنتاج الجماعي، وتزداد قسوة هذه المتلازمة في واقعنا الفلسطيني، لا سيما في غزة حيث يتسم سوق العمل بالانكماش الحاد؛ مما يجعل فقدان الوظيفة بمثابة إعدام اجتماعي واقتصادي للأسرة، يُكسب الإدارة المتغولة قوة قسرية غير أخلاقية.
ومع التطور التكنولوجي المتسارع في زمن الأزمات الممتدة، برز نمط الإدارة الافتراضية النائية ليخلق انقساماً سوسيولوجياً حاداً داخل البنية المؤسسية الواحدة، فمن جهة، يقبع صناع القرار خلف الشاشات والتطبيقات الرقمية، وغالباً يكون في مناطق آمنة أو في الخارج ليصدروا قرارات وتوجيهات تعتمد على الأرقام والمؤشرات النظرية الجافة، منفصلين كلياً عن تعقيدات الواقع الميداني، ومن جهة أخرى، تتواجد الكوادر الميدانية من عمال بنية تحتية ونظافة، وطواقم طبية، ومسعفين، وصحفيين، وموظفي إغاثة ونشطاء مجتمعيين في قلب الخطر، يواجهون الموت ونقص الموارد لتسيير الشرايين الحيوية للمجتمع.
وينشأ الصدام التنظيمي عندما تطالب الإدارة النائية بالامتثال البيروقراطي الصارم وتطبيق المعايير القياسية، في ظل عجزها عن توفير الحماية الاجتماعية والتأمين ضد المخاطر وأدوات السلامة والصحة المهنية، أو تقديم مكافآت عادلة تعوض حجم المخاطرة، بل وتلوح بالعقوبات في حال التقصير؛ هذا الأمر يولد شعوراً حاداً بالظلم والاغتراب لدى العاملين والكوادر الميدانية التي ترى في هذا السلوك نوعاً من الاستعلاء التنظيمي واللاإنسانية.
إن مواجهة تداعيات متلازمة الموظف المهدد تستوجب إعادة الاعتبار لأخلاقيات العمل في أوقات الطوارئ، وتفعيل أدوات الحوكمة والنزاهة الإدارية، ومواكبة ذلك بقرارات بقانون لحفظ توازن علاقات العمل، فالأمر يتطلب انتقال الفلسفة الإدارية من نظام التحكم والتهديد إلى الدعم والتمكين؛ إذ تفرض الأخلاقيات المؤسسية حماية الكوادر الميدانية أولاً، واعتبار سلامتها الجسدية والنفسية مقدمة على أي مؤشر ربحي أو إداري جامد.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لإبداع الضرورة في الإدارة النقابية بالأزمات؛ حيث ينبغي على النقابات، والاتحادات العمالية، والحكومة، والجهات التشريعية ألا تكتفي بمراقبة الأجور، بل يجب أن تتحرك قانونياً وسوسيولوجياً لتجريم التحرش التنظيمي، ووضع مواثيق شرف ومدونات سلوك وضوابط ملزمة تمنع الإدارات الافتراضية من التغول على حقوق الموظفين، فإن "من لا يكتوي بالنار لا يشعر بألم من يُشوى فيها"؛ لذا فإن واجب النقابات اليوم يتجسد في الوقوف أمام مسؤولياتها والضغط لإصدار تشريعات تضبط واقع العمل في الازمات، ومراقبة المشغلين خاصة في المؤسسات التي تستغل حالة الطوارئ لتعظيم منافعها على حساب العاملين لضمان استقرارهم الوظيفي وحمايتهم من أن يكونوا فريسة الاستغلال.
الخلاصة: يثبت التحليل السيكو-سوسيولوجي لـ "متلازمة الموظف المهدد" أن الاستبداد الإداري والفجوة بين الإدارة الافتراضية والكوادر الميدانية يمثلان خطراً داهماً يهدد البنية الأخلاقية والإنتاجية للمؤسسات؛ فالإنسان المرعوب والمهدد في قوته وأمنه الوظيفي لا يمكنه بناء مجتمع صامد أو تقديم خدمة إنسانية حقيقية، ولتجاوز هذا الخلل البنيوي، تبرز الحاجة الماسة إلى تفعيل "فلسفة إبداع الضرورة" في أدبيات وممارسات العمل النقابي، عبر تكامل أدوار قطبيه الأساسيين:
أولاً: النقابات العمالية القطاعية من خلال خوض مواجهة قانونية وسوسيولوجية لتجريم التهديد الوظيفي والتحرش التنظيمي، والضغط لفرض "مدونة أخلاقية وطنية للعمل في أوقات الطوارئ"، وتجميد القرارات المصيرية التعسفية، وضمان شمول العاملين ببدلات المخاطرة والتأمين الصحي وتدابير السلامة.
ثانياً: النقابات المهنية عبر أخذ المبادرة لتطوير قدرات أعضائها الميدانيين، وصياغة برامج تدريبية مرنة في "إدارة أزمات الميدان" والتعامل مع ضغوط الصدمات المركبة، وتمكينهم تكنولوجياً ومعرفياً من سد الفراغ الذي يخلفه غياب الإدارات النائية، للتحول من التبعية الإدارية إلى القيادة الميدانية الذاتية.
إن إنهاء هذا التشوّه التنظيمي يتطلب صيغة جديدة من التضامن العمالي؛ تضمن أن تكون الإدارة خادمة للميدان وحامية لكرامة الإنسان، وأن يظل العمل النقابي درعاً واقياً وصانعاً لحلول الصمود والإبداع في أعتى ظروف الأزمات.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوسيولوجيا إبداع الضرورة النقابية في بيئات الأزمات
- سوسيولوجيا العمل النقابي في أوقات الطوارئ والازمات
- قراءة تحليليّة في مقال الرفيق خالد أبو شرخ من نقد -شرعيّة ال ...
- الوطن بخير عندما نحسن الاختيار
- الفساد.. حين يُعاقب الإنسان على كلمة حق لتجاوزات إدارة المخي ...
- الحوار نداء العقل ورسالة الحياة لإعادة بناء الإنسان والمجتمع
- مخيم الثورة.. نبض الذاكرة وحكاية الروح التي لا تُهزم
- كيف نطور الأخلاق المهنية من المناهج التعليمية إلى الممارسة ا ...
- ميثاق الشرف الحركي ودوره في قيادة التغيير والارتقاء
- التحديات المركّبة للعاملين والمتطوعين من ذوي الإعاقة في غزة
- توجيهي غزة.. عندما تُهزم الزغاريدُ صمتَ الركام
- التنشئة الحركية والتعبئة الفكرية كصمام أمان لاستعادة الذات
- نحو ممارسة أخلاقية تحمي المهنة وتصون كرامة الأخصائي والمجتمع ...
- الفتيات بين برزخ المراهقة ووطأة المعاناة النفسية والفسيولوجي ...
- بيان صحفي صادر عن د. سلامه ابو زعيتر رئيس النقابة العامة للخ ...
- دقّوا أجرَاسَ العَمَل.. ولا تَتَذرَّعُوا بالظُّرُوف!
- شهادة من الميدان.. عندما يُنصف القلمُ شرفَ العطاء
- عمال غزة بين فكّي الغلاء الفاحش وطاحونة الاستغلال
- جراح غزة التي لا تُرى بين المأساة النفسية وضرورة التدخل المج ...
- أزمة المرجعيات السياسية الجاهلة وهيمنتها على المؤسسات الوطني ...


المزيد.....




- ارتفاع عدد العاطلين عن العمل في ألمانيا إلى أكثر من 3 ملايين ...
- وزير الزراعة يتابع جهود دعم المزارعين وتقديم الخدمات الإرشاد ...
- استقالة كارلوس كورديرو كبير مستشاري إنفانتينو احتجاجا على مق ...
- سلامة الودائع أولاً… وتحديات التعامل بالشيكل ثانياً
- سوريا.. رفض التعامل بالعملة القديمة يشعل احتجاجات في ريف دير ...
- توقيف عشرات العاملات في مجال الدعارة وزبائنهن خلال فعاليات ش ...
- رغم الحصار والغلاء.. كيف يستصلح مزارعو غزة أراضيهم المجرّفة؟ ...
- في بيان شديد اللهجة.. اتحاد عمال مصر يعلن الاصطفاف الوطني ال ...
- جميع الدول الأعضاء في (يويفا) مستعدة لمقاطعة كأس العالم احتج ...
- الاتحاد الأوروبي لكرة القدم -ويفا- يهدد بمقاطعة كأس العالم ا ...


المزيد.....

- النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب ... / حمده درويش
- ملامح من تاريخ الحركة النقابية / الحاج عبدالرحمن الحاج
- تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية / الحزب الشيوعي السوداني
- الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح ... / ماري سيغارا
- التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت ( ... / روسانا توفارو
- تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات / جيلاني الهمامي
- دليل العمل النقابي / مارية شرف
- الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا ... / خميس بن محمد عرفاوي
- مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - متلازمة الموظف المهدد وأخلاقيات العمل في بيئات الطوارئ