أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سلامه ابو زعيتر - من الركام إلى الاقتصاد التضامني ...رؤية إستراتيجية وميدانية لإعادة إحياء القطاع التعاوني في غزة















المزيد.....

من الركام إلى الاقتصاد التضامني ...رؤية إستراتيجية وميدانية لإعادة إحياء القطاع التعاوني في غزة


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 17:45
المحور: المجتمع المدني
    


إن حجم الدمار غير المسبوق الذي ألحقته الحرب الشاملة بقطاع غزة لم يستهدف المنشآت والأصول المادية فحسب، بل امتد ليمس صلب البنية الاقتصادية والقدرة المعيشية والنسيج المجتمعي في عمقه، وفي هذا الواقع المعقد، يبرز السؤال الجوهري حول كيفية الانتقال من الارتهان المعيشي للمساعدات الإغاثية إلى التعافي الذاتي المستدام؛ وهي إجابة تكمن في تفعيل "الاقتصاد الاجتماعي التضامني والقطاع التعاوني، ليس كأداة لإدارة الطوارئ والنزوح فحسب، بل كركيزة صمود إنتاجية وقاطرة تقود بها المجتمعات المحلية والمنتجون مسار التعافي وإعادة البناء، ومن هنا، تأتي هذه الرؤية لتطرح مساراً تنموياً مغايراً يتجاوز الحلول المؤقتة، ويرتكز على استثمار رأس المال الاجتماعي والشرعية المؤسسية باعتبارهما الأصل الأثمن غير القابل للتدمير؛ فـتدمير الآلات والمقرات لا ينهي الجمعية التعاونية، بل يضعنا أمام مسؤولية تاريخية لإعادة التأسيس من الأسفل إلى الأعلى بروح أكثر مرونة وتكيفاً، لتكون هذه الورقة بمثابة إطار مرجعي وأساس لبناء أي برامج عمل مستقبلية.
لتجسيد هذا التحول البنيوي، تتأسس رؤيتنا على مرتكزات تنموية تتكامل في مجملها لإعادة هيكلة الواقع التعاوني؛ وتبدأ بتحديث البنية المؤسسية للإشراف والتمثيل عبر تطوير أداء الإدارة العامة للتعاون والاتحادات لتتحول من أطر رقابية نمطية إلى محركات تنموية جاذبة للاستثمار الاجتماعي، ويترافق ذلك مع إقرار مرونة التأسيس لولادة تعاونيات نوعية عبر فتح المجال باستثناءات طارئة تلبي الاحتياجات الميدانية المستجدة، فضلاً عن استثمار التضامن المجتمعي والخبرة التنظيمية كأصل غير مادي قابل للاستثمار الفوري، كما تعطي الرؤية أسبقية صريحة للتشغيل والإنتاج على الإعمار المادي من خلال التركيز على استئناف الدورة التشغيلية بحدودها الأدنى بدلاً من انتظار مشاريع الإعمار الهيكلية الكبرى المرهونة بمتغيرات سياسية وأمنية معقدة.
وعلاوة على ذلك، يعتمد هذا المقترح مبدأ "الاشتراط لا التاريخ " لربط الانتقال بين مراحل التعافي بمؤشرات إنجاز عملية وملموسة على الأرض بدلاً من التقيّد بجدول زمني شكلي. وتتكامل هذه الخطوة مع تطبيق "سياسة الشراء المحلي المباشر" لتحويل أموال الإغاثة من المشتريات الخارجية إلى ضخ سيولة تشغيلية تحفز إنتاج الجمعيات المحلية، إلى جانب إقرار الحصانة والتحوط للإنتاج عبر أنماط إنتاج لا مركزية وموزعة جغرافياً لضمان عدم توقف سلاسل التوريد عند الاستهداف الميداني، ولا تكتمل هذه المرتكزات دون تحقيق التكامل المعرفي بين الأجيال بالمزج بين خبرات كبار التعاونيين ومهارات الشباب في التكنولوجيا والتسويق، والالتزام بالعدالة والشمول الاجتماعي عبر تخصيص كوتا تشغيلية وملكية لا تقل عن 20% للجرحى وذوي الإعاقة والأرامل ومعيلات الأسر، وصولاً إلى مفهوم "براءة النزوح" التي تضمن مرونة نقل النشاط التعاوني إلى مناطق الإيواء دون فقدان الشرعية والترخيص.
ولأن قيادة اقتصاد تضامني مرن لا يمكن أن تتم بأدوات إدارية تقليدية، فإن إعادة هيكلة البنية المؤسسية والحوكمة تصبح ضرورة ملحة ولكن بأدوات تتكيف مع ظروف الانقطاع والظروف القاسية. ويتحقق ذلك من خلال بناء أرشيف رقمي وهجين يعمل وفق تقنية "العمل دون اتصال؛ بحيث تُحفظ السجلات المالية والإدارية محلياً في وحدات معزولة وتُزامن سحابياً فور توفر الاتصال لحمايتها من الضياع والانقطاع؛ كما تشمل الحوكمة إطلاق نافذة التسهيلات الاستثنائية والحاضنة المجتمعية لتوفير التوجيه القانوني والمالي للمبادرات الشبابية والنسوية، وتأسيس صندوق الضمان والتكافل التعاوني البيني لتقديم سلف طارئة وسيولة بدون فائدة للجمعيات المتعثرة، إلى جانب تشكيل لجان الفض العرفي والتحكيم المجتمعي لحل النزاعات الطارئة حول حيازة الأراضي والعقارات المؤقتة وضمان عدم توقف عجلة الإنتاج.
ومع استمرار الشح المصرفي والمخاطر الميدانية، يستوجب الواقع في غزة تشجيع أنماط تعاونية نوعية وحديثة مكيفة خصيصاً للتعامل مع هذا الواقع الاستثنائي، وتشمل هذه النماذج تعاونيات خدمات الحراسة والأمن المجتمعي لتأمين الأسواق والمساعدات بأسعار تضامنية، وتعاونيات البناء ورفع الأنقاض التي تجمع المهندسين والعمال لتدوير الركام وإعادة بناء المنازل بنمط العون الذاتي، وتعاونيات الصيانة المتنقلة لمحطات المياه والطاقة والمعدات الطبية، ويمتد هذا النموذج التكيفي ليشمل تعاونيات الصناعة والحرف والشوادر لتخفيض التكاليف التشغيلية، وتعاونيات التعليم والتثقيف التعويضي لإدارة مساحات صديقة للأطفال في المخيمات، وتعاونيات الصحة والرعاية المجتمعية عبر النقاط الطبية المتنقلة، بالإضافة إلى تعاونيات الإقراض والادخار الرقمي والمحلي للالتفاف على انهيار القطاع البنكي، وتعاونيات الثروة الحيوانية والاستزراع السريع لتأمين البروتين، وتعاونيات الطاقة البديلة والتدوير والتكنولوجيا.
ولضمان ديمومة هذه الأنماط وتجاوز عقبة انعدام السيولة المباشرة، يقدم المقترح هندسة تشغيلية مرحلية وتدريجية؛ تبدأ بمرحلة "الإنعاش الأولي" القائمة على التمويل الذاتي العيني وتفعيل المقاصة البينية والتداول غير النقدي من خلال نقاط التبادل التضامني ودفاتر الائتمان المجتمعية لتداول السلع والخدمات بدون عملة ورقية، وتتدرج الرؤية نحو إدخال المحافظ الرقمية مع استقرار الخدمات المصرفية والاتصالات، كما تعتمد بروتوكول التشغيل الخفيف وتوزيع المخزون على خلايا جغرافية مصغرة ومستقلة، واستخدام معدات خفيفة قابلة للإخلاء الطارئ لتقليل الخسائر عند الاستهداف، وتستند هذه الشفافية والجاهزية إلى تقييم مرن ينقل الجمعيات عبر المسارات المختلفة بناءً على معايير مبرهنة؛ بدءاً من الامتثال في الحوكمة بتوفير سجلات الأعضاء وأنظمة الطوارئ، مروراً بالكفاءة التشغيلية عبر خطط العمل واستعادة الطاقات الإنتاجية، ووصولاً إلى الامتثال المالي بفتح المحافظ الرقمية وتحقيق الفائض التشغيلي، وتعزيز الوعي والمشاركة المجتمعية.
إن وضع هذه المبادرة موضع التنفيذ يضع الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية، مما يتطلب التزاماً صريحاً بتوصيات سياساتية موجهة للمانحين وصناع القرار تكون أساساً لأي إطار عملي مستقبلي؛ وفي مقدمتها إصدار القرارات الطارئة لترخيص التعاونيات وتطبيق براءة النزوح، وإقرار "محفظة الشراء التفضيلية الوطنية" التي توجه المشتريات الإغاثية والخدمية نحو الجمعيات التعاونية المحلية وبما يتوافق مع معايير الحوكمة والامتثال الدولية، كما تتضمن التوصيات إشراك الحركة التعاونية كشريك إستراتيجي في التخطيط لإعادة الإعمار، إلى جانب إطلاق المنصة الوطنية للتمويل التضامني المباشر، ودعم السلامة البيئية والتدرج في إدارة المخاطر.
أخيرا إن نجاح هذا المقترح لا يُقاس بحجم الأصول المادية التي سيتم إعادة إعمارها فحسب، بل بمدى قدرتنا على تحويل الصدمة إلى نقطة تحول بنيوي تُعيد ترتيب العلاقة بين الإغاثة والتنمية. إن التعاونيات بجوهرها التضامني هي الصيغة الأكثر كفاءة وعدالة لتوزيع الموارد وحماية الإنتاج المحلي وصون كرامة الإنسان الفلسطيني، وإن الاستثمار في القطاع التعاوني اليوم هو استثمار حقيقي في صمود المجتمع، وبناء اقتصاد مجتمعي مرن وقادر على النهوض والتعافي من تحت الركام.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إبداع الضرورة وإعادة صياغة الهوية المهنية للعمال
- سوسيولوجيا الصمود واقتلاع الطبقة العاملة
- عصام سالم.. - أبا وسام- قامةٌ من نور، ورسالةٌ لا تموت
- بين حداثة المشاريع وجمود النظم التقليدية في المؤسسات
- نساء غزة بين ثقل الواقع وضرورة التعافي
- سواعد غزة حجر الأساس لأي تعافٍ حقيقي
- مجدي سعادة بصمات نقابية وتضحيات وطنية في ذاكرة النضال الفلسط ...
- القائد الأديب والنقابي الثائر عبد الجواد زيادة -أبو الأديب-
- الرفق بالأطفال استثمار في مستقبل المجتمع واستدامته
- جمال خليفة.. سيرة قائد نقابي بقلب إنسان ونبض ثائر
- حين تكون الابتسامة أسلوب مقاومة وصمود
- أيتام غزة المنسيون مقيدون بشروط لإغاثة طفل!
- مهارة الذكاء العاطفي في الأزمات
- عندما يُغلق المتنفذون هواتفهم في وجه ميدان يُكوى بالنار..
- فصائلية العمل النقابي من معضلة الاستقلالية لنقد المحاصصة
- من الإغاثة إلى التنمية المستدامة لإعادة بناء قطاع غزة
- فلسفة الفكرة والقرارالمستقل ولماذا -فتح-؟
- متلازمة الموظف المهدد وأخلاقيات العمل في بيئات الطوارئ
- سوسيولوجيا إبداع الضرورة النقابية في بيئات الأزمات
- سوسيولوجيا العمل النقابي في أوقات الطوارئ والازمات


المزيد.....




- بعد زلزال مدمر.. تأجيل مباريات كرة القدم في كولومبيا لدعم جه ...
- نهاية عقوبة الإعدام في لبنان.. خطوة تشريعية وسط أزمة قانون ا ...
- سوريا: الإعدام لبشار الأسد وشقيقه ماهر وابن خالتهما عاطف نجي ...
- لبنان يلغي عقوبة الإعدام في سابقة بالشرق الأوسط
- لبنان يلغي عقوبة الإعدام في سابقة في الشرق الأوسط
- القضاء السوري يحكم غيابيا بالإعدام على الرئيس المخلوع بشار ا ...
- من بشار وماهر الأسد إلى عاطف نجيب.. أحكام بالإعدام تطال أبرز ...
- سوريا تحكم بإعدام بشار الأسد وعاطف نجيب ومسؤولين آخرين
- إقرار قانون إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان
- أحكام الإعدام بحق بشار الأسد وعاطف نجيب تشعل الاحتفالات في س ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سلامه ابو زعيتر - من الركام إلى الاقتصاد التضامني ...رؤية إستراتيجية وميدانية لإعادة إحياء القطاع التعاوني في غزة