أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - من اقتصاد البقاء إلى التعافي المجتمعي في غزة















المزيد.....

من اقتصاد البقاء إلى التعافي المجتمعي في غزة


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 14:05
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن التشخيص السوسيولوجي لـاقتصاد البقاء داخل بيئة المخيمات ومناطق النزوح بقطاع غزة يكشف عن حالة استجابة اضطرارية تشكلت في ظل انقطاع بنيوي حاد. غير أن الوقوف عند حدود التوصيف وإبراز التشوهات الاقتصادية والاجتماعية لم يعد كافياً، بل يستدعي الانتقال الفوري نحو التفكير الاستراتيجي وصياغة مسارات عملية للتعافي البنيوي. فإذا كان اقتصاد البقاء قد وفر الحد الأدنى للاستمرار الوجودي تحت ضغوط التجويع والتفكيك، فإن ترك هذه الديناميكيات الفوضوية تُدار بآليات السوق الموازي يهدد بتحويل التدبير الاضطراري إلى بنية تشوه دائمة. ومن هنا تتجلى الإشكالية المحورية في كيفية الانتقال بالمجتمع المحاصر والنازح من مرحلة التكيف الفوضوي وإعادة التسليع الحاد إلى رحاب التعافي المنظم والصمود البنيوي، عبر هندسة اجتماعية واقتصادية تعيد تجميع الفاعلين وتستعيد أشكال التضامن الأهلي.
تبدأ أولى خطوات هذا التعافي من تفكيك تشوهات الأسواق الموازية العشوائية وحجم الاحتكار المتشابك؛ بدءاً من تجار السيولة المباشرة وباعة البسطات الميدانيين، وصولاً إلى أصحاب العقارات والأراضي الذين قفزوا بأسعار الإيجارات إلى أكثر من خمسة أضعاف. إن هذا الغلو الاستغلالي لحاجة النازحين في ظل تآكل أجور الموظفين والعمال يمثل مظهراً خطيراً للانفصال الوطني والإنساني، حيث تُصمَّم الخيارات لخدمة طبقات طفيلية تنتمي للمال أكثر من انتمائها للوطن. وإن ضبط هذه البيئة لا يتطلب حلولاً رادعة أو أمنية تقليدية قد تصطدم بظروف النزوح المعقدة، بل يعتمد بالأساس على تشكيل لجان حماية مجتمعية وشعبية مرنة تضم ممثلين عن الأهالي والمبادرات الأهلية لفرض سقوف سعرية عادلة للسلع الإغاثية والأساسية، وضبط أجور المساكن والأراضي بما يتناسب مع قدرات النازحين للحد من المضاربة التي تستنزف قدرتهم الشرائية. ويتوازى ذلك مع ضرورة تطوير الحوكمة المالية الرقمية عبر تفعيل وتطوير المحافظ الإلكترونية وإنشاء منافذ صرف طارئة تضمن وصول السيولة أو بدائلها الرقمية بسلاسة ومرونة، مدعومة بتأمين نقاط اتصال وشبكات طاقة شمسية مجتمعية طارئة تضمن استمرارية الخدمات المالية الرقمية وانسيابيتها، بما يحمي كرامة الإنسان والنازح ويقطع الطريق على أمراء الأزمات وتجار الحروب.
كما يتطلب المسار إعادة الاستثمار في رأس المال الاجتماعي والأخلاقي لتجاوز حالة التنافس الحاد على الموارد الشحيحة؛ فقد أدت ظروف النزوح القاسية إلى ضغوط شديدة على شبكات التكافل التقليدية، مما يستدعي إعادة تفعيل اللجان العائلية والمجتمعية داخل مخيمات النزوح لتقوم بدور الناظم في توزيع الأعباء وإدارة الموارد المتاحة، فإن تحويل العمل الإغاثي والتضامني من منطق الفردانية والتسليع إلى منطق الإدارة الجماعية المنظمة يساهم في كسر حلقة التنافس والاستقطاب، ويستعيد روح التضامن الأهلي والتكافل المعهودة في قطاع غزة، متيحاً المجال لتطوير آليات مقايضة وتكافل خدمي وعيني مؤطرة تحمي الأسر الأكثر هشاشة -وبالأخص كبار السن وذوي الإعاقة وجرحى الحرب الذين لا يستطيعون خوض منافسة البقاء اليومية- وتصون كرامتهم وتعزز التماسك الأخلاقي والنفسي للمجتمع.
وفي سياق متصل، تتجلى ضرورة حماية الأطفال وإعادة بناء الهرمية الأسرية التي تعرضت لاهتزازات عميقة جراء انخراط أفراد غير مؤهلين في الدورة الاقتصادية اليومية، وإن انتشال الأطفال من سوق العمل الاضطراري ومواقع الانتظار في طوابير المياه والتكايا يتطلب صياغة تدخلات حمائية حازمة؛ ترتبط فيها -على سبيل المثال- المساعدات المقدمة للأسر بشرط إلحاق الأطفال بالمساحات التعليمية البديلة والأنشطة النمائية والنفسية المخصصة لهم، ومساعدتهم في تقديم بدائل تعينهم بدلاً من تشغيل الأطفال. كما أن دعم المعيلين الأسريين وتفعيل أدوارهم الإنتاجية يساهم في تخفيف الأعباء المركبة التي أُلقيت على عاتق النساء تحت خط الصفر المعيشي، مما يعيد توازن العلاقات العائلية ويمنع تفكك البنية الأسرية تحت وطأة الأزمة المعيشية.
وعلى صعيد السياسات الإغاثية والتشغيلية، ينبغي أن تتحول المؤسسات الدولية والأهلية جذرياً عن النموذج الحالي لتوزيع الطرود العينية السلبية. فهذا النموذج بات يكلف النازح للحصول عليه أكثر من قيمته المادية، وأفرز فئة من المنتفعين الذين يجمعون الطرود على أبواب مراكز التوزيع لإعادة بيعها عبر مناقصات وإعادة إدخالها في حلقة دائرية مفرغة تستفيد منها مؤسسات وتجار على حساب النازح؛ حيث ينتهي المطاف بهذه المساعدات مفككة ومُفرَزة في الأسواق الموازية دون تحقيق منفعة حقيقية للأسر، والمطلوب اليوم هو التوجه نحو نموذج التمكين الإنتاجي والنقد مقابل العمل لإحياء الدورة المالية وانتعاش السوق المحلي؛ من خلال ضخ الأموال عبر برامج تشغيلية طارئة تُنفذ داخل المخيمات، ودعم المشاريع الصغرى والتعاونيات والمبادرات الإنتاجية والمطابخ والورش المجتمعية المنزلية، وتفعيل مبادرات الزراعة الحضرية الصغرى وإنتاج الغذاء المجتمعي داخل تجمعات النزوح، إلى جانب إقامة مساحات عمل مجهزة بالطاقة والاتصالات للعمل عن بُعد والعمل الحر، بما يضمن تدوير النقد داخل البيئة المحلية وإحياء القدرة الشرائية الذاتية، بدلاً من إغراق الأسواق بسلع تكرّس الاتكالية وتستنزف ما تبقى من رأس المال البشري.
إن الانتقال من اقتصاد البقاء الفوضوي إلى التكافل المستدام يمثل بحد ذاته فعل مقاومة سوسيولوجية وصموداً مجتمعياً مُمنهجاً؛ فالغاية ليست مجرد إدارة الأزمة أو امتصاص صدماتها المعيشية، بل استعادة الفاعلية المجتمعية وسلب الحرب قدرتها على تفكيك نسيجنا الاجتماعي الأنيق. إن بناء هذه الأطر الاجتماعية والاقتصادية الطارئة لا يداوي الجراح اللحظية داخل مخيمات النزوح فحسب، بل يضع اللبنات البنيوية الأولى لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار فيما بعد العدوان، ممهداً الطريق لاستعادة غزة لزمام المبادرة وإعادة بناء ذاتها على أسس راسخة من الكرامة والتكامل والعدالة الاجتماعية.
ولكي تتحول هذه الرؤية إلى واقعٍ معاش، فإن المسؤولية الأخلاقية والوطنية تستوجب تدشيناً فورياً لـغرفة طوارئ للتعافي المجتمعي تجمع الفاعلين، وأصحاب العلاقة، والشركاء الاجتماعيين والأهليين، والمؤسسات الدولية، وفق معايير صارمة من الشفافية المالية والرقابة المجتمعية المستقلة تضمن حمايتها من التسييس، لتنفّذ ثلاث توصيات عملية عاجلة: أولاها، الإسراع في مأسسة حوكمة النقد الرقمي وضبط الأسواق والإيجارات وسقوف أسعار السلع بمستوى قدرات النازحين والمكلومين لمنع النهب الطفيلي للقدرة الشرائية. وثانيها، اشتراط ربط المساعدات الإغاثية بإعادة الأطفال إلى المساحات التعليمية البديلة وحمايتهم من التسرب لسوق العمل الاضطراري. وأخيراً، تحويل ما لا يقل عن نصف الميزانيات الإغاثية نحو مشاريع النقد مقابل العمل، والإنتاج الغذائي والمحلي الصغير، وإن هذا التحول من منطق الإغاثة الاستهلاكية إلى منطق التمكين الإنتاجي هو الجسر الوحيد الذي سيعبر بالمجتمع من رماد الانكسار والاحتياج إلى أفق التعافي والصمود المستدام.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوسيولوجيا اقتصاد البقاء وتشكّل السوق الموازي وديناميكيات ال ...
- سوسيولوجيا الخيمة والتحولات الاجتماعية والنفسية للإقامة القس ...
- سوسيولوجيا البقاء والتحول بسبب الحرب والنزوح القسري في قطاع ...
- العمل عن بُعد في فلسطين شريان للصمود والثبات والبقاء
- تحصين المجتمع الفلسطيني من المشاكل الاجتماعية في ظلال الأزمة
- إنقاذ المعرفة في غزة يبدأ بحوكمة التعليم الشعبي وتصحيح التقي ...
- المهارة الرقمية مدخل وعامل تمكين للشباب الفلسطيني
- ثورة المهارات تحميك في زمن الذكاء الاصطناعي
- الأبعاد السوسيولوجية والأخلاقية للإدارة عن بُعد في ظروف الحر ...
- من الإغاثة الطارئة إلى الاستثمار المستدام في تشغيل الأخصائيي ...
- قراءة في طبيعة العلاقات بقرب صناع القرار
- الآليات العملية والتطبيقية لإصلاح المنظمات الجماهيرية والنقا ...
- كيف نترجم السلامة النفسية والاجتماعية في بيئات العمل الفلسطي ...
- منظومة الصحة والسلامة المهنية الشاملة في سوق العمل ثلاثية ال ...
- مأسسة السلامة النفسية والاجتماعية للعمال في التشريعات والنضا ...
- الصحة النفسية للعمال والموظفين أولويّة في مراحل التعافي والت ...
- إستراتيجية تمكين شباب غزة من الإغاثة إلى الإنعاش الاقتصادي
- ليالي النازحين بين جحيم الحرّ ورُعب القوارض
- من الركام إلى الاقتصاد التضامني ...رؤية إستراتيجية وميدانية ...
- إبداع الضرورة وإعادة صياغة الهوية المهنية للعمال


المزيد.....




- فيديو يوثق لحظة إنقاذ متسلق عالق على سفح جبل في ولاية جورجيا ...
- بقاربها وحقيبتها.. مصوّر يوثّق رحلة طالبة إلى المدرسة عبر أه ...
- رأي.. بارعة الأحمر تكتب: هل تنقذ واشنطن المفاوضات اللبنانية– ...
- انتقادات رئيس وزراء بريطانيا لإسرائيل - ساذجة بشكل خطير- - م ...
- تقرير إسرائيلي يكشف: نتنياهو أجرى اتصالات سرية مع حماس عام 2 ...
- الرئيس السوري يدفع ثمن قهوته ببطاقة -فيزا- مع عودة دمشق للنظ ...
- ترامب: مجتبى خامنئي حي لكن -مصاب بجروح خطيرة جدا- في غارات ف ...
- تحديد يونيو 2028 موعدًا لمحاكمة خالد شيخ محمد المتهم بتدبير ...
- طوابير وقود تمتد كيلومترات في إيران تزيد الضغط على طهران
- هل تلاشى حلم أكراد سوريا بحكم ذاتي بعد الاتفاق مع الشرع؟


المزيد.....

- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - من اقتصاد البقاء إلى التعافي المجتمعي في غزة