أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - مستقبل العمال والتشغيل بين أنقاض الحاضر وأمل التعافي














المزيد.....

مستقبل العمال والتشغيل بين أنقاض الحاضر وأمل التعافي


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 16:47
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


مع استمرار الحرب على قطاع غزة وما خلفته من ديار قاحلة وواقع قاسي لقرابة ثلاثة أعوام، وسط غياب المؤسسات الرسمية والجهات الرقابية والتنفيذية عن ناظم العمل، تفاقمت معاناة العمال لترسم المشهد الإنساني والاقتصادي الأكثر قسوة في التاريخ المعاصر، وفي هذا السياق المأساوي، يقف قطاع غزة على مفترق طرق مصيري؛ فلم يعد الحديث عن سوق العمل أو معدلات البطالة ترفاً أكاديمياً أو نقاشاً تقليدياً في التنمية، بل تحول إلى قضية وجودية تحتضر معها مقومات الأمن المعياري والنفسي لأكثر من مليوني ونصف إنسان. ومن هذا المنطلق، يواجه العمال والمشغلون -الذين طالما مثلوا رافعة الاقتصاد المحلي والعمود الفقري لصمود العائلة الفلسطينية-كارثة غير مسبوقة جرفت معها الأخضر واليابس، وألقت بظلال ثقيلة ومظلمة على مستقبل جيل كامل من الشباب والخريجين الجدد، بالإضافة للعمال السابقين وخريجي التدريب المهني.
وعلى وقع هذا الانهيار، شهد قطاع العمل تحولاً كارثياً؛ فمن اقتصاد عانى طويلاً من حصار مرير وبطالة مزمنة، هبط الواقع إلى درك الانهيار الشامل لكل الأنشطة الحيوية. لم يقتصر الأمر على الدمار الواسع الذي طال المنشآت الصناعية، والورش الحرفية، والمراكز التجارية، والأراضي الزراعية، والمؤسسات الأهلية والتعاونية، بل امتد ليشمل الانقطاع التام لآلاف العمال الذين كانت أسواق العمل داخل أراضي الخط الأخضر تشكل لهم متنفساً ومصدراً رئيساً للدخل، وأفرغ هذا الانقطاع المفاجئ لمصادر الدخل الوحيد البيوت وخيم النزوح من مقوماتها الأساسية، ليغرق المجتمع المهجر والنازح بارضه في دائرة مفرغة من انعدام الدخل والامن الوظيفي، في ظل غياب شبكات الحماية الاجتماعية والمظلات التأمينية والحماية من المخاطر في الأزمات والحروب.
وفي قراءة نقدية للمشهد الراهن، يتكشف ضعف وعقم التدخلات الإغاثية التقليدية التي تقودها المؤسسات الدولية؛ إذ اقتصرت جُلّ هذه البرامج على معالجة الأعراض لا الأسباب الجذعية، وتحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات لإدارة الأزمة وتسكين الألم بدلاً من تفكيكه، وسط غياب إرادة مؤسسية حقيقية لدمج العمل الإنساني بمسار التعافي المبكر؛ كما أن غياب الحوكمة الرشيدة وضعف التنسيق بين الجهات الرسمية والأهلية والدولية أدى إلى تشتت الجهود وهدر الموارد المتاحة، فضلاً عن غياب الرؤية الاستراتيجية لدى بعض الجهات المانحة التي تصر على التعامل مع قطاع غزة بسيناريوهات طوارئ أزلية تتجاهل حق الإنسان في الإنتاج والكرامة والتمكين المستدام.
وتبعاً لذلك، فإن أي محاولة جادة لاستشراف مستقبل التشغيل تصطدم حتماً بتحديات بنيوية معقدة؛ أبرزها التدمير الممنهج للبنية التحتية، وضعف اليقين بأي حلول سياسية وأمنية قريبة مما يجعل البيئة طاردة تماماً للاستثمار التقليدي، ويضاف إلى ذلك الخطر الصامت المتمثل في تآكل مهارات العمل لدى الشباب والخريجين بفعل طول مدة الانقطاع عن بيئة العمل، الأمر الذي يهدد بتحويل طاقات بشرية واعدة إلى فئات تعتمد كلياً على الإغاثة والمساعدات، ويجرد السوق المحلي من كفاءاته التنافسية.
وسط هذه التحديات، يتأكد يوماً بعد يوم أن عشوائية التشغيل ومحاولة تقاسمه بنظام محاصصات متناثرة في كل الاتجاهات وغياب التخطيط المنهجي ضمن خطة وطنية موحدة يظل الحاجز الأكبر أمام التنمية وتحقيق العدالة في التشغيل؛ فمع استمرار العمل بلا مظلة ناظمة وتجاهل صندوق التشغيل باعتباره المظلة الوطنية من قبل المؤسسات الدولية والأممية، تتبدد الجهود وتتحول التدخلات إلى مسكنات مؤقتة فيها إهدار للمال وتدمير للمستقبل، ومن هنا، تصبح الحاجة ملحة لاعتماد إطار وطني ومؤسسي متخصص وشفاف يوجه الموارد نحو استراتيجية تشغيل واضحة المعالم.
ورغم سوداوية المشهد، فإن الاستسلام لليأس ليس خياراً، بل تفرض الضرورة صياغة رؤية استراتيجية مبتكرة ومضاعفة لفرص العمل عبر مسارات متكاملة ومتنوعة وغير تقليدية؛ تبدأ بتأسيس اقتصاد إعادة الإعمار والتدوير المحلي عبر إطلاق صناعات مصغرة تعتمد على تدوير الأنقاض وإنتاج الطوب البديل والبلاط لتوفير آلاف الفرص الفورية، بالتوازي مع التحول الكثيف نحو الاقتصاد الرقمي والتعهيد العابر للحدود عبر منصة وطنية مركزية ومساحات عمل مدعومة بالطاقة البديلة لاستيعاب الشباب في مجالات البرمجة والعمل الحر العالمي. ولا يقل عن ذلك أهمية إحياء التعاونيات بأنواعها الخدماتية والتسويقية والصناعية والإنتاجية والزراعة الحضرية المكثفة لتأمين الأمن الغذائي، وتوسيع برامج النقد مقابل العمل الموجه تنموياً لتتجاوز مجرد إزالة الركام إلى تهيئة المدارس والعيادات وشبكات المياه المصغرة وفتح الشوارع والأراضي واستصلاحها، وليُتوج كل ذلك بخطط إعمار تنموية مستدامة تديرها الجهات الرسمية والهيئات الوطنية وشركائها في سوق العمل بمنظور استثماري طويل الأمد يعيد هيكلة سوق العمل وفق متطلبات العصر والظروف الفلسطينية وبإطار وطني موحد، لا الاكتفاء بالمعونات المؤقتة والحلول الترقيعية المجتزئة..
أخيراً، إن قطاع العمل والتشغيل في غزة ليس مجرد أرقام صماء في تقارير البطالة، بل هو المرآة الحية لكرامة الإنسان وحقه الأصيل في العيش الكريم، ومهما اشتدت التحديات وتضاعف حجم الدمار، فإن التاريخ يثبت مراراً أن الإنسان الغزي، الذي صنع الحياة من قلب الرماد والحصار، يمتلك من الإرادة ما يؤهله لبناء مستقبله من جديد، اذا توفر الدعم والمساندة الامينة لذلك، ومن هنا، فإن دعم العامل الغزي وتمكينه لا يُعد استجابة إنسانية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لمدى عدالة النظام الدولي، واستثمار استراتيجي لا غنى عنه لإعادة الحياة للمواطن الفلسطيني ولاستقرار المنطقة برمتها وبذرة أساسية لأفق سياسي واقتصادي مستدام.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صرخة لإنقاذ جيل يحارب الفوضى من أجل حقه في التعلم
- الموت الصامت يتربص بالآمنين في منازلهم المهترئة
- نحو مأسسة مهنية للعمل الاجتماعي والنفسي وبيئة ممارسة آمنة
- زواج الخيمة وبناء الأسرة في ظل النزوح بقطاع غزة
- أصالة النبل في مواجهة الخذلان
- سوسيولوجيا عمالة الأطفال في قطاع غزة في ظل حرب الإبادة
- رؤية لإسناد عمال قطاع غزة من الإغاثة العاجلة إلى سياسات التش ...
- ميثاق العمل ومدونة السلوك لحماية مستقبل الأخصائي النفسي والا ...
- الاستقلال المالي للأخصائي النفسي والاجتماعي في غزة، بين الفر ...
- خلف أرقام المانحين.. الحقيقة المسكوت عنها عن ميزانيات الدعم ...
- حق الاستقرار الوظيفي والاجر العادل للأخصائي واجبة لتأسيس حيا ...
- من يداوي المداوي؟ الأخصائي النفسي والاجتماعي في غزة بين النب ...
- وحدة الكوادر الصحية خط أحمر.. فالواجب الوطني والإنساني لا يُ ...
- التعافي المجتمعي في غزة خط الدفاع الأول فيه الأخصائي الاجتما ...
- سوسيولوجيا التكافل والضغط البنيوي بين النازح والمقيم في غزة
- سوسيولوجيا التهميش الإداري عندما تُدار المؤسسات بالمراجل اله ...
- السلامة المهنية الشاملة كمدخل للتعافي الاقتصادي والصمود في غ ...
- نحو استعادة حركة فتح الرسالة، والجماهير
- قراءة في طبيعة العلاقات حول صناع القرار
- واجب الحماية للأطقم الطبية في غزة


المزيد.....




- ميشوستين: البطالة في روسيا عند أدنى مستوياتها التاريخية وأقل ...
- -بلومبرغ-: الذكاء الاصطناعي يخلق وظائف جديدة لكن على حساب ال ...
- المغرب ينتخب وسط تحديات البطالة وعزوف الشباب
- غياب الرقابة يترك أطفالنا فريسة للإهمال.. النائب حسام المندو ...
- تظاهرات حاشدة في فرنسا احتجاجا على قانون -رخصة القتل-
- USB Video-call for the International Day of Port Workers’ St ...
- رئيسة الاتحاد النقابي للموظفين تنعي الفقيد صالح شاميط، الكات ...
- الانتخابات المغربية أمام اختبار ثقة الشباب: تحديات البطالة و ...
- حوار| معتصم أحمد صالح وزير الموارد البشرية السوداني: الحرب أ ...
- ليس الغلاء وحده.. التسوق الأسبوعي يستنزف طاقة الأمهات والآبا ...


المزيد.....

- النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب ... / حمده درويش
- ملامح من تاريخ الحركة النقابية / الحاج عبدالرحمن الحاج
- تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية / الحزب الشيوعي السوداني
- الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح ... / ماري سيغارا
- التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت ( ... / روسانا توفارو
- تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات / جيلاني الهمامي
- دليل العمل النقابي / مارية شرف
- الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا ... / خميس بن محمد عرفاوي
- مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - مستقبل العمال والتشغيل بين أنقاض الحاضر وأمل التعافي