أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سلامه ابو زعيتر - زواج الخيمة وبناء الأسرة في ظل النزوح بقطاع غزة














المزيد.....

زواج الخيمة وبناء الأسرة في ظل النزوح بقطاع غزة


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 21:03
المحور: المجتمع المدني
    


تُعدّ ظاهرة "زواج الخيمة" من أبرز المتغيرات الاجتماعية والإنسانية التي طرأت على المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة في ظل استمرار الحرب والنزوح القسري منذ أكتوبر 2023؛ إذ يُعرَّف هذا النمط من الاقتران إجرائياً بأنه تأسيس كامل لمؤسسة الزوجية داخل بيئة النزوح بمقومات معيشية تعتمد على الحد الأدنى من شروط البقاء، فبينما ينشأ الزواج في بيئته الطبيعية بوصفه مساحةً للاستقرار والتخطيط طويل المدى، غير أن قيامه داخل خيمة القماش والنيلون يعيد تشكيل هذه المؤسسة وفق شروط شديدة الاستثناء والهشاشة، لتتعدى الخيمة كونها مجرد مأوى هائل القسوة لتبدو مسرحاً تتداخل فيه إرادة التمسك بالحياة مع ضغوط الواقع المعاش.
ولم تكن هذه الظاهرة مجرد استجابة عابرة، بل جاءت نتيجة لتقاطع عدة دوافع ديمغرافية ونفسية واقتصادية؛ إذ أدى فقدان الأسر لعديد من أفرادها إلى اتساع حجم الأيتام والأرامل وحالات الفقد، مما خلق حاجة ملحة للبحث عن السكن والأمان العاطفي وتأسيس كيان أسري يعوض حالة الشتات.
كما يلجأ البعض للزواج كوسيلة للتكيف الجماعي والتخفيف من حدة الاكتظاظ داخل الخيمة الواحدة أو لتأمين حصص إغاثية ومساعدات مستقلة، فضلاً عن كون هذا الزواج ينطوي على بُعدٍ نضالي يرى فيه الشباب فعلاً من أفعال المقاومة الاجتماعية لإعلان الانحياز لإرادة الحياة ومواجهة سياسات التهجير ومحو المستقبل عبر إدامة النسل والبناء الاجتماعي رغم اندثار المقومات الأساسية.
هذا المعطى القاسي فرض هندسة اقتصادية جديدة ألغت الشروط المالية التقليدية لصالح تسهيل التزويج؛ إذ تراجعت المهور المباشرة واقتصرت في حالات كثيرة على مبالغ رمزية، مع اختفاء تام لنفقات الأفراح والولائم والمجوهرات، وفي المقابل، تحولت الميزانية الأساسية نحو تأمين خيمة الزوجية ذاتها، حيث اصطدم الأزواج الجدد بالارتفاع الباهظ في أسعار الشوادر والأخشاب والنيلون نتيجة شح الموارد وإغلاق المعابر، فضلاً عن تكاليف تأمين الأثاث البدائي من أغطية وأدوات طهي وبطاريات للإنارة، وفي ظل الارتفاع الخيالي لإيجارات الشقق السكنية إن وجدت، أصبحت الخيمة هي الخيار المادي الوحيد المتاح لبداية هذه الأسرة.
وتتجاوز صعوبة هذا الاقتران التحدي المادي لتلامس عصب الحياة اليومية والكرامة الإنسانية، حيث يتلاشى الحد الفاصل بين الخصوصية الأسرية والرقابة المجتمعية؛ إذ تحول الجدران القماشية دون امتلاك الزوجين لفضائهما الخاص، مما يضع تفاعلاتهما اليومية تحت أنظار وأصوات المحيط، ويولد ضغطاً نفسياً ينال من استقرارهما العاطفي، ويرافق ذلك تحول عميق في إدارة البقاء، لتصبح المهام البسيطة كتأمين المياه الصالحة للشرب أو جلب الحطب للطهي عبئاً يضغط على الشريكين ويقلص الأفق الزمني للتفكير من بناء المستقبل إلى التدبير اليومي، تضاف إلى ذلك التحديات الصحية المعقدة المتمثلة في انعدام شبكات الصرف الصحي، وشح المياه، ومخاطر انتشار الأمراض، إلى جانب الصعوبات الجسيمة التي تواجه قرار الإنجاب في ظل غياب الرعاية الطبية للحوامل وصعوبة توفير بيئة دافئة وآمنة للأطفال الرضع.
ورغم أن الخيمة مساحة غاية في الهشاشة وغير قابلة لاستدامة الأسرة على المدى الطويل، إلا أن استمرار هذا الكيان الأسرى مرهون بابتكار آليات تكيف واعية تبدأ من انتزاع مساحة من الخصوصية الرمزية عبر تنظيم المساحة المكانية والتوافق على أوقات محددة للحوار الهادئ بعيداً عن أوقات الحركة في المخيم، ويتكامل ذلك مع التخفيف من سقف التوقعات المثالية لبدايات الزواج، وممارسة إدارة مشتركة للضغوط كفريق عمل واحد، إلى جانب ترشيد وتأجيل قرار الإنجاب لحين توفر الحد الأدنى من الأمان الصحي والنفسي، وبناء شبكات أمان مجتمعية تتيح فضاءات للتفريغ النفسي دون خوف من الأحكام المسبقة.
إن الزواج في خيمة النزوح ليس حدثاً طارئاً فحسب، بل هو شهادة حية على صلابة الإنسان وإصراره على إعادة بناء المجتمع من وسطه المهدوم؛ غير أن حماية هذه الأسر الشابة لا تتحقق بالتعاطف المجرَّد، بل بتمكينها عبر التدخل المؤسسي والإغاثي العاجل لتوفير مقومات كرامتها، وتوفير الخدمات الصحية والنفسية المخصصة، ليبقى هذا الزواج -برغم كل القسوة- حصناً أخلاقياً ونفسياً يمنع انهيار اللبنة الأولى للمجتمع ويؤكد أن إرادة البناء أقوى بكثير من أسباب الهدم والشتات.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أصالة النبل في مواجهة الخذلان
- سوسيولوجيا عمالة الأطفال في قطاع غزة في ظل حرب الإبادة
- رؤية لإسناد عمال قطاع غزة من الإغاثة العاجلة إلى سياسات التش ...
- ميثاق العمل ومدونة السلوك لحماية مستقبل الأخصائي النفسي والا ...
- الاستقلال المالي للأخصائي النفسي والاجتماعي في غزة، بين الفر ...
- خلف أرقام المانحين.. الحقيقة المسكوت عنها عن ميزانيات الدعم ...
- حق الاستقرار الوظيفي والاجر العادل للأخصائي واجبة لتأسيس حيا ...
- من يداوي المداوي؟ الأخصائي النفسي والاجتماعي في غزة بين النب ...
- وحدة الكوادر الصحية خط أحمر.. فالواجب الوطني والإنساني لا يُ ...
- التعافي المجتمعي في غزة خط الدفاع الأول فيه الأخصائي الاجتما ...
- سوسيولوجيا التكافل والضغط البنيوي بين النازح والمقيم في غزة
- سوسيولوجيا التهميش الإداري عندما تُدار المؤسسات بالمراجل اله ...
- السلامة المهنية الشاملة كمدخل للتعافي الاقتصادي والصمود في غ ...
- نحو استعادة حركة فتح الرسالة، والجماهير
- قراءة في طبيعة العلاقات حول صناع القرار
- واجب الحماية للأطقم الطبية في غزة
- من اقتصاد البقاء إلى التعافي المجتمعي في غزة
- سوسيولوجيا اقتصاد البقاء وتشكّل السوق الموازي وديناميكيات ال ...
- سوسيولوجيا الخيمة والتحولات الاجتماعية والنفسية للإقامة القس ...
- سوسيولوجيا البقاء والتحول بسبب الحرب والنزوح القسري في قطاع ...


المزيد.....




- المغرب يحيل تقريرا حول -انتهاكات- سبتة ومليلية إلى الأمم الم ...
- شهيد في البيرة وحملة اعتقالات واسعة تطال عشرات الفلسطينيين ب ...
- الجنائية الدولية تحدد موعد محاكمة -ملاك الموت- الليبي بتهم ج ...
- اليمن مباشر.. غارات للقوات حكومية على الساحل الغربي والأمم ا ...
- شاهد حي على حق العودة.. لماذا تسعى إسرائيل لمحو مخيمات الضفة ...
- ترامب يندد بـ-مؤامرة خبيثة- ضد الذكاء الاصطناعي والأمم المتح ...
- الأمم المتحدة تحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي وتدعو إلى تحرك ...
- ممداني: إدارة ترمب تستهدف ملايين المهاجرين في نيويورك
- -مشروع المحو- الاستئصالي.. كيف تحيك إسرائيل شبكة التطهير الع ...
- برنامج الأغذية العالمي يحذر من تفاقم أزمة الجوع والنزوح في ا ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سلامه ابو زعيتر - زواج الخيمة وبناء الأسرة في ظل النزوح بقطاع غزة