أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - سوسيولوجيا التكافل والضغط البنيوي بين النازح والمقيم في غزة














المزيد.....

سوسيولوجيا التكافل والضغط البنيوي بين النازح والمقيم في غزة


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 00:56
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


منذ الساعات الأولى للحرب والعدوان على غزة في السابع من أكتوبر 2023، تجلّت في القطاع ملحمة أخلاقية ونموذج فريد من التكافل التلقائي؛ حيث فُتحت البيوت وتشارك الناس المأوى واللقمة في تجسيد حي للوعي الجمعي بالخطر الموحَّد. غير أنه مع تطاول زمن العدوان وتراكم طبقات المحو، وانحسار مساحة العيش إلى ما دون ربع جغرافيا القطاع بعد تحويل معظمه إلى مناطق محرمة، أصبح مجتمعنا يمر بإنهاك بنيوي ومأزق أخلاقي غير مسبوق، وبناءً على هذا التحول القسري، بدأت تطفو على السطح سلوكيات مستجدة وقاسية، تتردد بين استغلال النازح عبر استنزافه مادياً، أو محاولات إجلائه، أو تحميله مسؤوليّة مأساته، وهي مظاهر لا يهدف رصدها مطلقاً إلى المساس بكرامة النازح ولا تبرير موقف المقيم، بل يسعى إلى تفكيك سوسيولوجيا الضغط المكاني المفرط والإنهاك الاقتصادي، وفهم كيف يؤدي الإجهاد البنيوي إلى تآكل العلاقات البشرية، بغية علاجها وحماية جبهتنا الداخلية.
وهنا تتجلى سوسيولوجيا المجال الحيوي كمدخل رئيسي لتفسير هذا التحول؛ إذ تؤكد النظريات الاجتماعية والنفسية أن السلوك البشري يرتبط وثيقاً بمساحة الحركة المتاحة، فعندما يضغط الاحتلال على أكثر من مليوني إنسان في حيز ضيق جدا في قل من 25% من مساحة قطاع غزة، يتحول المتر المربع من مجرد مساحة جغرافية إلى موضوع لنزاع وجودي يومي يُجهد الأعصاب ويقلل القدرة على التحمل، ونتيجةً لشح الموارد وتراكم الإرهاق، يُمارس العقل الجمعي أحياناً ميكانيزم الإزاحة النفسية؛ حيث يُسقط الفرد المنهك غضبه وسخطه التراكمي على النازح القريب منه بدلاً من المحتل المتسبب الرئيسي في الأزمة، فيراه منافساً على الخدمات المحدودة والبنية التحتية المتهالكة بدلاً من كونه شريكاً في المأساة تستوجب حالته الدعم والإسناد، وقد امتد هذا الضغط البنيوي ليعصف بالبناء الأسري الداخلي، إذ شهد الاحتكاك اليومي في المساحات الضيقة تآكلاً للخصوصية الفردية وانكساراً في بعض العلاقات نتيجة نفاذ المدخرات، مع ظهور سلوكيات حدية وعدوانية طارئة لدى فئات الأطفال والشباب جراء الصدمات المركبة وانقطاع التعليم والنزوح المستمر.
ولم يكن هذا الاحتقان النفسي ليتفاقم لولا اقترانه بظهور اقتصاد الحرب وتعاظم الفراغ المؤسسي؛ إذ إن استهداف الاحتلال للمقرات الإدارية والأجهزة الشرطية خلق حالة من الفراغ السيادي والأمني، شلت آليات الضبط الحكومي وأطلقت يد الاحتكار والسوق السوداء، وفي ظل الانقطاع التام للسيولة النقدية وانهيار القدرة الشرائية، وجد المقيم نفسه عاجزاً عن تأمين القوت الأساسي لأسرته في ظل توقف عجلة الإنتاج، بينما تحول النازح إلى الطرف الأضعف مالياً بعدما استُنزفت مدخراته أمام الارتفاع الجنوني لإيجارات الأراضي والبيوت، وهذا الواقع المالي المعقد جرف العلاقة التكافلية التلقائية لتتحول في بعض جوانبها إلى استنزاف متبادل يغذيه غياب الرقابة على القوانين الناظمة وتفشي الممارسات الاحتكارية.
غير أن التحليل الديموغرافي والجغرافي لهذه الديناميات يقتضي عدم النظر إلى مجتمع غزة ككتلة واحدة صامتة؛ فأنماط الاحتقان تختلف باختلاف الطبيعة الجغرافية ونوع المأوى، فبينما يكتسي الضغط في شمال غزة والمناطق المحاصرة طابع النضال الوجودي القاسي من أجل قطرة الماء وحبة القمح، يتخذ في مناطق الوسط والجنوب شكل الاكتظاظ المفرط والتنافس المحموم على البنية التحتية المنهارة، هذا ويختلف التفاعل الاجتماعي داخل البيوت والعائلات المستضيفة -حيث تعاني من استنزاف مواردها وخنق خصوصيتها- عنه في مراكز الإيواء والمخيمات المفتوحة التي تتصدرها نزاعات الفضاء العام والتنافس المباشر على المعونات الإغاثية.
ورغم مرارة هذه التطورات، فإن التفكيك النظري المنصف يمنعنا من الوقوع في فخ التعميم؛ فالأغلبية العظمى من أبناء شعبنا ما زالت تضرب أروع الأمثلة في الصمود والشهامة عبر عائلات تقاسم الخيمة والماء، ولجان محلية متطوعة تعمل ليل نهار لخدمة النازحين، ومن هذا المنطلق، فإن المظاهر الاستغلالية الطارئة لا تعبر عن سقوط أخلاقي شامل، بل هي عوارض ناتجة عما يمكن تسميته سوسيولوجياً بـالهندسة الاجتماعية للإبادة؛ وهو مخطط (إسرائيلي) خبيث يستهدف تحويل صراع الفلسطيني ضد محتله إلى صراع بنيوي بين الضحايا أنفسهم على شربة ماء، أو متر مربع لإقامة خيمة، أو كابونة إغاثية.
واستناداً إلى هذه الحقيقة، فإن إعادة بناء التماسك الاجتماعي تشكل جزءاً لا يتجزأ من معركة الصمود وإفشال مخططات التهجير والمحو، وهو ما يتطلب ترجمة عملية عاجلة تتوزع فيها الأدوار والمسؤوليات؛ إذ يُنتظر من لجان الإصلاح والوجهاء التدخل الميداني الحاسم بالعرف العشائري لفرض سقوف لإيجارات الأراضي والبيوت وتجريم الطرد التعسفي لتعويض غياب السلطة التنفيذية، مع تشكيل لجان سلم أهلي مشتركة في كل حي ومخيم تفض الخلافات اليومية بروح الأخوة، وبالموازاة مع ذلك، يقع على عاتق علماء الدين تجديد الخطاب الإيماني بالتأكيد على حرمة أكل أموال النازحين بالباطل واعتبار حسن استضافتهم رباطاً في سبيل الله واعتبار الاحتكار مساهمة غير مباشرة في أهداف العدوان، بالتزامن مع دور المؤسسات الإغاثية في ضمان عدالة التوزيع وإسناد العائلات المستضيفة لتخفيف العبء المالي عنها، ودور النخب الإعلامية والأخصائيين النفسيين في تكثيف التوعية بهذه الديناميات النفسية وتوفير مساحات للتفريغ الانفعالي والدعم النفسي الاجتماعي للحد من السلوكيات العدوانية الطارئة.
أخيراً، يتضح جلياً أن النازح والمقيم يقعان تحت سقف بلاء واحد أمام عدو لا يفرق بين من غادر بيته ومن بقي فيه؛ ومن ثَمّ فإن استيعابنا لبعضنا البعض، والتغاضي عن الخلافات الصغيرة، وتقاسم المتاح بشرف وتكافل، هو سلاحنا الأخير لكسر أهداف العدوان، لنكون الجدار الساند لبعضنا البعض حتى ينكسر هذا العدوان ونعود جميعاً إلى ديارنا سالمين معززين.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوسيولوجيا التهميش الإداري عندما تُدار المؤسسات بالمراجل اله ...
- السلامة المهنية الشاملة كمدخل للتعافي الاقتصادي والصمود في غ ...
- نحو استعادة حركة فتح الرسالة، والجماهير
- قراءة في طبيعة العلاقات حول صناع القرار
- واجب الحماية للأطقم الطبية في غزة
- من اقتصاد البقاء إلى التعافي المجتمعي في غزة
- سوسيولوجيا اقتصاد البقاء وتشكّل السوق الموازي وديناميكيات ال ...
- سوسيولوجيا الخيمة والتحولات الاجتماعية والنفسية للإقامة القس ...
- سوسيولوجيا البقاء والتحول بسبب الحرب والنزوح القسري في قطاع ...
- العمل عن بُعد في فلسطين شريان للصمود والثبات والبقاء
- تحصين المجتمع الفلسطيني من المشاكل الاجتماعية في ظلال الأزمة
- إنقاذ المعرفة في غزة يبدأ بحوكمة التعليم الشعبي وتصحيح التقي ...
- المهارة الرقمية مدخل وعامل تمكين للشباب الفلسطيني
- ثورة المهارات تحميك في زمن الذكاء الاصطناعي
- الأبعاد السوسيولوجية والأخلاقية للإدارة عن بُعد في ظروف الحر ...
- من الإغاثة الطارئة إلى الاستثمار المستدام في تشغيل الأخصائيي ...
- قراءة في طبيعة العلاقات بقرب صناع القرار
- الآليات العملية والتطبيقية لإصلاح المنظمات الجماهيرية والنقا ...
- كيف نترجم السلامة النفسية والاجتماعية في بيئات العمل الفلسطي ...
- منظومة الصحة والسلامة المهنية الشاملة في سوق العمل ثلاثية ال ...


المزيد.....




- الجيش الأردني يعلن اعتراض 10 صواريخ أُطلقت من إيران
- بوتين: جيشنا يتقدم بالجبهة والعدو ينهار
- تجدد القصف الأمريكي على إيران والأخيرة تطلق عملية رد -حاسمة- ...
- الحرس الثوري الإيراني: استهدفنا قاعدة لمشاة البحرية الأمريكي ...
- حساب خامنئي يعيد نشر تحذير سابق: لدى الشعب الإيراني وجبهة ال ...
- مطار العلمين يستقبل أولى رحلات -نسما للطيران- المباشرة من مو ...
- بوتين: العدو سينهار.. والقوات الروسية تزيد وتيرة هجومها وتحر ...
- بوتين: منظمة شنغهاي للتعاون تمثل -نصف العالم- وقراراتها تتخذ ...
- مصر.. القبض على ندى كامل ومغني راب شهير في واقعة مخدرات
- بوتين: أوكرانيا لا تستطيع إلحاق الضرر بروسيا.. وثمة ثلاث أزم ...


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - سوسيولوجيا التكافل والضغط البنيوي بين النازح والمقيم في غزة