أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - سوسيولوجيا المكان والذاكرة حين يتحول الركام إلى سردية بقاء














المزيد.....

سوسيولوجيا المكان والذاكرة حين يتحول الركام إلى سردية بقاء


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 17:14
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في علم الاجتماع وعلم النفس البيئي، لا يُنظر إلى المكان بوصفه مجرد مساحة هندسية صماء تُقاس بالأمتار المربعة أو الإحداثيات الجغرافية، بل باعتباره وعاءً للوجود الإنساني وشريكًا فاعلاً في صياغة الهوية والفردية والجماعية. البيت، الحي، الشارع، والساحة العامة ليست حجارة وملاطًا، بل هي نسيج مشبع بالمعاني والروابط العاطفية والتفاعلات الاجتماعية التي تتحول بمرور الوقت إلى ذاكرة مجسدة.
تتأصل الذاكرة الإنسانية في الفضاء الحسي المحيط بها، فعندما نسترجع أحداث الماضي، لا نستحضر الكلمات وحدها، بل نستحضر ضوء الغرفة، صدى الأصوات، ملمس الجدران، وتوزيع الأثاث، وهو ما يطلق عليه علماء الاجتماع التجسد المكاني للذكريات حيث يخزن الوعي الإنساني تجاربه وتاريخه الشخصي في تفاصيل المكان الذي عاش فيه.
يتحول البيت أو الحي بمرور الوقت إلى امتداد للأنا الشخصية والشاهد الصامت على مراحل النمو والخيبات والأفراح والتحولات الكبرى، مما يجعل اقتلاع الإنسان من بيته زعزعة لجذر من أعمق جذور الاستقرار النفسي والهوية الشخصية.
يمثل المكان المألوف للإنسان ما يُعرف في علم النفس بالأمان الأنطولوجي، وهو اليقين الداخلي بأن العالم مستقر ومألوف وقابل للتنبؤ، فعندما يُدمر مكان الطفولة والنشأة فجأة، ينهار هذا اليقين ويندفع الإنسان نحو حالة من الصدمة العميقة والغربة الوجودية، وعلى المستوى الاجتماعي، يرتكز الحي السكني على شبكة معقدة من العلاقات اليومية كالتحيات الصباحية والألفة بين الجيران والأماكن العامة المشتركة، وتدمير هذا الحي يعني تفكيك هذه الشبكة الحية وتحويل الجماعة المترابطة إلى أفراد مشتتين يفقدون بيئتهم الحاضنة، وكما للأفراد ذاكرة، فللمجتمعات أيضًا ذاكرة جماعية تُحفظ في معالمها وأحيائها التاريخية وأسواقها وطابعها العمراني المتوارث، فالأحياء القديمة والبيوت العتيقة متاحف حية تختزن تاريخ العائلات والأحداث الكبرى والهوية الثقافية.
تدمير هذه الأماكن لا يستهدف الحاضر فحسب، بل يستهدف الذاكرة الجماعية والاستمرارية التاريخية، وعندما تُمسح المعالم المكانية ينقطع الخيط الناظم الذي يربط الأجيال الجديدة بتاريخها، وتواجه الرواية الجماعية خطر التشويه أو التجريد.
تكمن قسوة الفقد المكاني في خسارة التفاصيل الدقيقة، فتلك الأصوات اليومية لباعة الصباح، رائحة العشب المبتل، شجرة التين أو الزيتون أمام المدخل، الزقاق الضيق، أو المقتنيات البسيطة، هي المحفزات العصبية والنفسية الحقيقية التي تستدعي الذاكرة بدقة مذهلة وتصنع تفرد الحياة اليومية وإنسانيتها، وخسارتها تعني تحويل الذاكرة الحية النابضة إلى صور باهتة والشعور بأن الروابط الحميمية الدقيقة قد انقطعت نهائيًا بلا عودة، وهو ما يفسر لماذا يكون الحنين إلى هذه التفاصيل أشد إيلامًا من خسارة الممتلكات الكبرى ذات الطابع المادي الصرف، وفي مواجهة الاقتلاع والدمار، يلجأ المهجرون والنازحون إلى حيل نفسية وثقافية لمقاومة النسيان كجمع الصور القديمة، الاحتفاظ بمقتنيات بسيطة كمفتاح قديم أو حفنة تراب، سرد الحكايات للأبناء، والحرص على وصف تفاصيل البيوت بدقة هوسية أحيانًا؛ ورغم ذلك، تشير حدود الذاكرة إلى أن الذاكرة والتخيل أدوات عزاء قوية ومهمة للمقاومة النفسية واستمرار الشعور بالهوية، لكنهما لا يعوضان نهائيًا الدفء المادي والواقعي للمكان، ليظل الحنين دائمًا يراوح بين ما هو كاستدعاء ذهني مقدس وما هو مفتقد في الواقع المعيش.
في حالتنا الفلسطينية المعاصرة، وتحديدًا في قطاع غزة، حيث يترافق التدمير الواسع للبيوت والأحياء مع نزوح متكرر، تتشكل أزمة عميقة تمس الذاكرة المكانية للأجيال القادمة، وإن الأطفال والأجيال الناشئة التي تنشأ وسط الركام وتتخبط بين خيام النزوح، يُحرمون من اختبار الاستقرار المكاني وبناء ذكريات طفولة مرتبطة بأمكنة ثابتة ومستقرة، وستعرف هذه الأجيال تاريخ عائلاتها وأحيائها عبر الرواية الشفهية والصور الرقمية المؤرشفة فقط لا عبر التجربة المعيشية الحسية المباشرة، وهذا النمط من الذاكرة الموروثة سرديًا يحمل العائلات والمجتمع مسؤولية مضاعفة لحفظ الذاكرة من التلاشي وسط سياسات المحو المنهجي، وأمام خطر المحو الشامل، تتحول الممارسات الثقافية البسيطة مثل الكتابة، التوثيق البصري، تصوير الأرشيف الشخصي، وتدوين الحكايات اليومية إلى أشكال من المقاومة الثقافية والسياسية؛ فالأرشيف الشخصي ليس مجرد ذكريات عائلية خاصة، بل يتحول في سياق النزوح والدمار إلى وثائق إثبات تاريخية وإعلانات تمسك بالهوية، حيث إن التوثيق الدقيق للأسماء وخرائط الأحياء المدمرة والأصوات هو الفعل الأبرز في مواجهة طمس المعالم، وحفظ الذاكرة من الاختفاء، ودمج الذاكرة الفردية في الذاكرة الجماعية والتاريخ الإنساني العام للحفاظ على جذوة الحق والوجود حية لا تموت.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين صمود الأجيال وشكليات الحلول المؤقتة لإنقاذ تعليم غزة
- ملحمة صمود القطاع الصحي في وجه الإبادة
- معالجة المشاكل الأسرية وصحتها تحصين للمجتمع
- المنظمات الجماهيرية والشعبية بين أزمة التحلل المؤسسي وضرورة ...
- معايير الصحة والسلامة المهنية الشاملة في مشاريع الإعمار والت ...
- مستقبل العمال والتشغيل بين أنقاض الحاضر وأمل التعافي
- صرخة لإنقاذ جيل يحارب الفوضى من أجل حقه في التعلم
- الموت الصامت يتربص بالآمنين في منازلهم المهترئة
- نحو مأسسة مهنية للعمل الاجتماعي والنفسي وبيئة ممارسة آمنة
- زواج الخيمة وبناء الأسرة في ظل النزوح بقطاع غزة
- أصالة النبل في مواجهة الخذلان
- سوسيولوجيا عمالة الأطفال في قطاع غزة في ظل حرب الإبادة
- رؤية لإسناد عمال قطاع غزة من الإغاثة العاجلة إلى سياسات التش ...
- ميثاق العمل ومدونة السلوك لحماية مستقبل الأخصائي النفسي والا ...
- الاستقلال المالي للأخصائي النفسي والاجتماعي في غزة، بين الفر ...
- خلف أرقام المانحين.. الحقيقة المسكوت عنها عن ميزانيات الدعم ...
- حق الاستقرار الوظيفي والاجر العادل للأخصائي واجبة لتأسيس حيا ...
- من يداوي المداوي؟ الأخصائي النفسي والاجتماعي في غزة بين النب ...
- وحدة الكوادر الصحية خط أحمر.. فالواجب الوطني والإنساني لا يُ ...
- التعافي المجتمعي في غزة خط الدفاع الأول فيه الأخصائي الاجتما ...


المزيد.....




- جماعة أنصار الله تقول إن غارة سعودية استهدفت سوقاً في تعز قت ...
- بعد هجوم -تشرشل-.. ستارمر يفتح قواعد بريطانيا لضربات ترامب ض ...
- هل تشعل -حرب إيران- سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط؟
- الكرملين يحذر من إتاحة منظومة -ستارلينك- لنظام كييف
- إسرائيل تعلن تصفية قيادي في -حماس- متورط في احتجاز رهائن شما ...
- رئيس حكومة شمال الراين يزور تركيا بمناسبة الذكرى الـ65 لاتفا ...
- غارات إسرائيلية واسعة على جنوب لبنان
- رئيس حكومة ولاية شمال الراين ينفي الانتقال إلى برلين ويؤكد ت ...
- إندونيسيا وكوريا الجنوبية تجددان دعمهما لحل الدولتين وتطالبا ...
- استقالة نائبة رئيس الحزب الحاكم في تركيا فاطمة سايان كايا عل ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - سوسيولوجيا المكان والذاكرة حين يتحول الركام إلى سردية بقاء