أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - سلامه ابو زعيتر - من الشراكة إلى العزلة وكيف أعادت الحرب صياغة دور المرأة في قطاع غزة؟














المزيد.....

من الشراكة إلى العزلة وكيف أعادت الحرب صياغة دور المرأة في قطاع غزة؟


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 14:03
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


تفرض الحرب المتواصلة على قطاع غزة واقعاً مأساوياً يتجاوز أبعاد الدمار العمراني والخسائر المادية، ليطال عمق البنية الاجتماعية والإنسانية للأسرة الفلسطينية، حيث تخوض المرأة معركة وجودية صامتة لإعادة صياغة حياتها وحياة أسرتها وسط أنقاض النزوح، وفي قلب هذا المخاض القاسي، أزاحت الحرب المعايير التقليدية للأدوار الأسرية والاجتماعية جانباً، دافعة بالمرأة من موقع الشراكة التكاملية إلى مواجهة صدمة الأدوار الفجائية، لتجد نفسها بين ليلة وضحاها المعيل والمسؤول الوحيد عن أسر ممتدة ومشتتة.
إن هذا التحول القسري داخل بيئة نزوح غير آمنة لا يمثل مجرد عبء معيشي إضافي، بل يشكل زلزالاً نفسياً واجتماعياً يضع المرأة أمام استنفار دائم لتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة لأطفالها، بينما تتآكل روحها بصمت أمام العجز عن حمايتهم من أهوال القصف وبرد الخيام ومخاطر الحصار.
لقد فرضت قسوة العيش في خيام مفتوحة تفتقر لأدنى درجات الخصوصية والأمان آليات تكيف طارئة ومضنية، أجبرت النساء على الانخراط في مهن شاقة وغير مألوفة، كقطع الحطب ونقله من بين الركام وجلب المياه النقية عبر مسافات طويلة، وإن هذه الممارسات الإجبارية للبقاء لا توفر سوى الحد الأدنى من الكفاف، لكنها تقتطع في المقابل من كرامة المرأة وخصوصيتها الإنسانية وصحتها الجسدية، وتضع قدرتها التربوية على المحك في ظل بيئة مكشوفة تُمحى فيها الحدود الفاصلة بين العام والخاص.
ويكتمل هذا المشهد المؤلم بتوريث العبء وتشويه الطفولة، حيث يدفع الفقر المدقع وإرهاق الأمهات بالصغار نحو العمالة المبكرة في الشوارع لبيع المستلزمات البسيطة، بينما تحولت الفتيات القاصرات إلى أمهات بديلات يحملن على أكتفهن الصغيرة مسؤوليات طاهية ومربية وغاسلة ثياب، في مصادرة قسرية ومفجعة لأبسط حقوقهن في التعلم والطفولة الآمنة.
ومع استمرار هذا التدهور المركّب، تتجلى مظاهر تآكل شبكات الأمان التقليدية التي طالما شكلت العائلة الممتدة جدارها الحصين، إذ أدّت حالة الفقر الشامل والنزوح المشتت إلى قطع أواصر التكافل الأسرية وعزل المرأة المعيلة في مهب الريح، ويصاحب هذا العزل الاجتماعي حرمان أليم من الجيرة المألوفة الناتجة عن التهجير المتكرر، والتي كانت تمثل في السابق شبكة حماية واحتضان غير رسمية تقدم الدعم النفسي والاجتماعي التلقائي، وفي وسط هذه العزلة، تصطدم الأمهات بخيارات بقاء مستحيلة تحملهن أعباء نفسية وجسدية طاحنة، مثل اقتطاع حصصهن الشحيحة من الطعام لتمريرها للأطفال، أو مقايضة السلال الإغاثية المتواضعة للحصول على حليب أطفال أو دواء ضروري، في ظل إيثار يتجاوز حدود الاحتمال البشري.
وعلى صعيد آخر، تبرز معضلة الفقد المعلق كإحدى أشد صور الضغط المجتمعي قسوة على زوجات المفقودين والمعتقلين، اللواتي يُحكم عليهن بالعيش في منطقة رمادية قاتلة تتأرجح بين صفتي المتزوجة والأرملة، وتعاني هؤلاء النساء من حالة ترقب دائم تحرمهن من نيل الحقوق الاجتماعية والقانونية لإعالة أسرهن رسمياً، فضلاً عن تعقيدات المعاملات الإدارية والشرعية التي تضاعف من استنزافهن، وترفض منحهن المساحة الإنسانية الطبيعية لممارسة الحداد وطي الصفحة، مما يضاعف من معاناتهن في مجتمع يعجز عن استيعاب خصوصية مأساتهن.
وهنا تظهر الفجوة الصارخة في برامج الإغاثة والتعافي الحالية، إذ تفشل المساعدات الإنسانية التقليدية ذات الطابع النمطي في الاستجابة لاحتياجات الأسر التي تقودها نساء، باقتصارها على الدعم الغذائي الطارئ وإغفالها التام لمتطلبات الصحة النفسية، والاحتياجات الصحية الخاصة، والحماية الجسدية، والتمكين الاقتصادي الموجه.
إن قراءة واقع المرأة الفلسطينية في غزة تستدعي نقد كافة المقاربات الإغاثية والسياسية الدولية والمحلية التي تتعاطى معها كأرقام أو مجرد أهداف لسلال المساعدات الموسمية، وإن التعافي الحقيقي والمستدام يتطلب صياغة منظومة دعم متكاملة ترتكز على مراعاة الخصوصية النفسية والاجتماعية للمرأة والمعيلة الوحيدة، وتوفير أدوات تمكين اقتصادية تمنحها القدرة على الانفكاك من التبعية المباشرة للإغاثة، إلى جانب بناء شبكات حماية قانونية ومجتمعية تنصف زوجات المفقودين وتعيد الاعتبار لكرامتهن، ولا ينبغي لهذه الرؤية أن تكتفي بتقديم حلول مسكنة للأزمة، بل يجب أن تتوج بموقف إنساني وأخلاقي حاسم يطالب بوقف العنف والتأسيس لبنية مجتمعية تحمي المرأة وأطفالها من الانهيار، وتضمن لهن حق الاستقرار والكرامة الإنسانية فوق أرضهن.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أخلاقيات العمل والمسؤولية المهنية تمثل الضمير المهني
- الأونروا بين التفويض الأممي وإجراءات التقليص: الدفاع عن حقوق ...
- سوسيولوجيا المهنة وتضامن أبنائها بين أخلاقيات التأسيس وواقع ...
- تداعيات تقليص المساعدات تجويعٌ مُمنهج وانهيارٌ للنسيج الاجتم ...
- استراتيجية بنيوية لإنقاذ وإحياء قطاع العمل الفلسطيني
- أسباب تراجع التنظيم العمالي وتفكك الجبهة النقابية الفلسطينية
- دور الشركاء الاجتماعيين في إعادة صياغة عقد اجتماعي عادل
- التدخلات الإغاثية المشوهة وأثرها على قضايا العمال الفلسطينيي ...
- من يستفيد من إهدار مقدرات الدولة وتغييب القانون ؟
- تحديات البطالة في فلسطين وانعدام الأمان الوظيفي
- التفكك البنيوي لسوق العمل الفلسطيني وأزمة الوجود التنموي
- سوسيولوجيا المكان والذاكرة حين يتحول الركام إلى سردية بقاء
- بين صمود الأجيال وشكليات الحلول المؤقتة لإنقاذ تعليم غزة
- ملحمة صمود القطاع الصحي في وجه الإبادة
- معالجة المشاكل الأسرية وصحتها تحصين للمجتمع
- المنظمات الجماهيرية والشعبية بين أزمة التحلل المؤسسي وضرورة ...
- معايير الصحة والسلامة المهنية الشاملة في مشاريع الإعمار والت ...
- مستقبل العمال والتشغيل بين أنقاض الحاضر وأمل التعافي
- صرخة لإنقاذ جيل يحارب الفوضى من أجل حقه في التعلم
- الموت الصامت يتربص بالآمنين في منازلهم المهترئة


المزيد.....




- معارك وقصف وحصار في تعز.. تقرير حقوقي يوثق مقتل 107 من النسا ...
- لقطات توثق اعتداءً مزعومًا على رجل يهودي في نيويورك.. واتهام ...
- حديث الأحوال الشخصية: السياق الاقتصادي والاجتماعي لمنظومة ال ...
- من القضاء إلى الملاعب.. انتصار شنيب أول امرأة تترأس نادياً ر ...
- الاقتصاد الرقمي … فرصة جديدة أم هشاشة من نوع آخر؟
- بحث: العمل عن بُعد قد يتحول إلى فخ للنساء داخل المنزل
- تغلظ عقوبات الاغتصاب وهتك العرض.. مشروع أمام البرلمان بتعديل ...
- في غزة.. سرطان الثدي ينهش أجساد النساء والعلاج ينتظر الإذن ب ...
- كيف يقوم الجن بنكاح المرأة ليلاً وبماذا تشعر المرأة وهل تنجب ...
- السلطات تغلق مدرسة للفتيات التبتيات


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - سلامه ابو زعيتر - من الشراكة إلى العزلة وكيف أعادت الحرب صياغة دور المرأة في قطاع غزة؟