أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سلامه ابو زعيتر - غزة في مفترق الطرق بين الحوكمة الانتقالية، وحماية الحقوق، وصيانة الثوابت الوطنية















المزيد.....

غزة في مفترق الطرق بين الحوكمة الانتقالية، وحماية الحقوق، وصيانة الثوابت الوطنية


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 12:01
المحور: القضية الفلسطينية
    


يقف قطاع غزة اليوم على أعتاب لحظة فارقة في تاريخه المعاصر، تتجاوز أبعادها الدمار المادي والبشري لتلامس عمق الهندسة الإدارية والديموغرافية والسياسية للقطاع؛ إذ لم يعد ممكناً الاستمرار في إدارة الأزمة الإنسانية بالأساليب التقليدية أمام حجم الضغوط والتوافقات الدولية الرامية للتأسيس لمرحلة اليوم التالي لإنهاء العدوان، وفي خضم هذا الواقع المعقد، تبرز الحاجة الملحة لتدخلات مؤسسية وتنظيمية طارئة تقود القطاع من دوامة الاستجابة الإغاثية المؤقتة إلى أفق الحوكمة الانتقالية والإنعاش الشامل، بشرط أن تستند هذه التحركات إلى بوصلة وطنية صلبة ترتكز على قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتضمن عدم المساس بالسيادة والحقوق الوطنية المشروعة.
ولأن أي خطة تعافٍ واقتصادي جادة لا يمكن أن تتشكل في الفراغ، فإن هذه التحركات تعتمد بالأساس على مدخل إحصائي وديموغرافي جديد يهدف إلى حصر شامل يتناول البشر والشجر والحجر والمنشآت عبر مسح مساند دولياً وإقليمياً بشراكة كاملة مع الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وبإشراف أممي محايد، وتتجلى أهمية هذا المسح في كونه لا يكتفي بإعادة بناء قاعدة البيانات التحتية والسكانية، بل يمتد ليوفر قاعدة قانونية صلبة لتوثيق الجرائم والمخالفات الجسيمة بحسب المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة، تمهيداً للمطالبة بالتعويضات وفق أحكام المسؤولية الدولية، وفي الوقت ذاته، يجب التأكيد الصارم على أن إعادة حصر النازحين داخل القطاع لا تمس مطلقاً بالصفة القانونية والسياسية للاجئ الفلسطيني المسجل لدى الأونروا بموجب القرار الأممي 302، والمكفول بحق العودة والتعويض وفق القرار 194، انسجاماً مع أحكام المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر النزوح القسري وتوجب العودة الفورية إلى الديار.
ومن هذا المنطلق الإحصائي والنظامي، تتشكل ملامح الهيكلية الإدارية الانتقالية في صيغتها المطروحة باللجنة الوطنية لإدارة غزة أو "لجنة التكنوقراط"، بوصفها جسماً فلسطينياً محلياً مستقلاً ومتفقاً عليه إقليمياً ودولياً لتسيير الشؤون المدنية والحياتية بعيداً عن التجاذبات السياسية والحزبية، وتستمد هذه اللجنة شرعيتها الإدارية والدولية من استنادها الأصيل إلى الإجماع الوطني الفلسطيني ومبدأ تقرير المصير المكفول في المادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وحتى لا تتحول هذه الترتيبات الإدارية الطارئة إلى أداة لتكريس الفصل السياسي أو الجغرافي، فإنه يُشترط أن تعمل هذه الإدارة الانتقالية تحت المظلة الجامعة والمرجعية الوطنية العليا المتمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية -الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا- لضمان وحدة الإقليم الفلسطيني بين قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس، وقطع الطريق نهائياً أمام أي مشاريع مشبوهة تستهدف سلخ القطاع عن جسده الوطني العام، وتكمن نجاعة هذا الجسم في الفصل التام بين المسارات الخدماتية والإدارية اليومية من جهة، وبين القرارات السياسية والحقوق السيادية الوطنية من جهة أخرى، مما يضمن تدفق شريان الحياة في القطاع مرونة وشفافية لحين وضوح الرؤية السياسية النهائية.
وفي صلب هذه المنظومة الإدارية الناشئة، يقف القطاع الصحي كأولوية قصوى وشريان حياة لا يحتمل المماطلة أو التأجيل؛ فالانهيار الكبير الذي طال المستشفيات يفرض تدخلاً إغاثياً نوعياً يتسق كلياً مع المادتين 18 و19 من اتفاقية جنيف الرابعة اللتين تمنحان المنشآت الطبية حماية مطلقة، ويستلزم هذا الواقع إنشاء مستشفيات ميدانية متطورة وإعادة تأهيل المراكز الحيوية كأقسام الأورام وغسيل الكلى، بالتوازي مع حماية الكوادر الطبية والتمريضية وتوفير حقوقها المالية وبيئة عمل آمنة لها وفق المادة 20 من الاتفاقية ذاتها والمادة 15 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، فضلاً عن كفالة حركة الإجلاء الطبي السريع للجرحى والمرضى بموجب المادة 21 دون معوقات.
وبموازاة القطاع الصحي، يأتي قطاع التعليم ركيزة أساسية لبناء الإنسان وحماية الأجيال القادمة من الضياع والتجهيل؛ إذ إن الاستهداف الواسع للقطاع التعليمي واستهداف المدارس والجامعات يفرض استجابة طارئة لإعادة تشغيل المنظومة التعليمية بشقيها المدرسي والجامعي، ويتسق هذا الجهد مع المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية اللتين تكفلان الحق الأصيل في التعليم، بالإضافة إلى المادة 28 من اتفاقية حقوق الطفل والمادة 50 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم بإعادة فتح المؤسسات التعليمية وتأمين دراسة الأطفال والشباب في حالات النزاع والإنعاش، ويتطلب هذا الواقع اعتماد حلول تعليمية مدمجة وطارئة، وتأهيل المدارس والمساحات التعليمية المؤقتة، ودعم وتأمين المعلمين والكوادر الأكاديمية وضمان حقوقهم الوظيفية.
وإلى جانب ذلك، تبرز الحاجة الملحة لإشراك القطاع الاقتصادي والخاص باعتباره رافعة أساسية لصمود الناس واستمرار عجلة الإنتاج، بالتوازي مع تمكين الفئات الأكثر تضرراً وخصوصاً الشباب الخريجين، والنساء المعيلات، والجرحى وذوي الإعاقة، عبر برامج تشغيل طارئة وتمكين مجتمعي تحفظ كرامتهم وتضمن مشاركتهم الفاعلة في عملية البناء.
غير أن نجاح هذه الترتيبات الخدمية يظل مرهوناً باستحضار دور النقابات المهنية والعمالية ومؤسسات المجتمع المدني بوصفها صمام الأمان والبوصلة الوطنية الحقيقية، استناداً إلى الحق في التنظيم النقابي والمدني المكرس في المادة 22 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والمادة 8 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فهذه الأطر التراكمية تشكل الجسر الناظم بين الإدارة الانتقالية والمواطنين، حيث تتولى حماية حقوق الطبقات الهشة، وتضمن عدالة التوزيع في صندوق الإعمار، وتُمارس دوراً رقابياً مدنياً يحمي الموارد من التبدد، فضلاً عن دورها المحوري في صيانة السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي في وجه الهزات المتلاحقة.
وعلى توازٍ مع هذا البناء الداخلي، يجب أن تتجه خطط التعافي نحو فتح منافذ الحركة وتدفق الأموال عبر آليات تنفيذية مبتكرة وإشراف صندوق دولي مخصص لإعمار غزة، التزاماً بقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة (كالقرار 2720) الداعية لإنهاء الحصار وفتح المعابر، وإعمالاً للإعلان الأممي بشأن الحق في التنمية لعام 1986 وللمادة 11 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تكفل الحق في السكن الملائم والعيش الكريم، وتعتمد هذه المرحلة على فصل برامج الإنعاش الاقتصادي السريع عن الحسم السيادي النهائي، مع طرح مناقصات عالمية وإقليمية ومحلية بشفافية مطلقة لإعادة بناء البنية التحتية.
إن هذه السيناريوهات، بما تحمله من حلول تكنوقراطية وإغاثية فرضتها طوارئ المرحلة، تضع الشارع الفلسطيني ونخبه الحية أمام اختبار تاريخي يتطلب الموازنة الدقيقة بين الاستجابة الواعية لمتطلبات التعافي المعيشي والصحي والتعليمي والاقتصادي، وبين التمسك الصلب بالثوابت والحقوق السياسية الوطنية، فالإدارة الانتقالية والتدخل الدولي المنشود يجب ألا يقفا عند حدود الترتيبات الإدارية المؤقتة أو يتحولا إلى أداة هيمنة، بل ينبغي أن ينطلقا من شراكة حقيقية مع المجتمع المدني والنقابات والقطاع الخاص، ليُشكلا مدخلاً فعلياً نحو إنهاء الحصار والاحتلال، وفتح أفق سياسي عادل وشامل يضمن الكرامة والاستقلال والحرية والسيادة الكاملة للشعب الفلسطيني.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من أجل استدامة العمل الإنساني يجب تجسيد التعاون الحقيقي بين ...
- حين يمتزج الشغف العمالي بملوحة البحر وشموخ المخيم.. وداعاً ل ...
- أزمة مواصلات طلبتنا في الجنوب تصرخ بحل عاجل
- ماذا ينتظر الفلسطينيون من الانتخابات الإسرائيلية؟.. أوهام ال ...
- ماذا ينتظر الفلسطينيون من الانتخابات الإسرائيلية؟.. أوهام ال ...
- من الشراكة إلى العزلة وكيف أعادت الحرب صياغة دور المرأة في ق ...
- أخلاقيات العمل والمسؤولية المهنية تمثل الضمير المهني
- الأونروا بين التفويض الأممي وإجراءات التقليص: الدفاع عن حقوق ...
- سوسيولوجيا المهنة وتضامن أبنائها بين أخلاقيات التأسيس وواقع ...
- تداعيات تقليص المساعدات تجويعٌ مُمنهج وانهيارٌ للنسيج الاجتم ...
- استراتيجية بنيوية لإنقاذ وإحياء قطاع العمل الفلسطيني
- أسباب تراجع التنظيم العمالي وتفكك الجبهة النقابية الفلسطينية
- دور الشركاء الاجتماعيين في إعادة صياغة عقد اجتماعي عادل
- التدخلات الإغاثية المشوهة وأثرها على قضايا العمال الفلسطينيي ...
- من يستفيد من إهدار مقدرات الدولة وتغييب القانون ؟
- تحديات البطالة في فلسطين وانعدام الأمان الوظيفي
- التفكك البنيوي لسوق العمل الفلسطيني وأزمة الوجود التنموي
- سوسيولوجيا المكان والذاكرة حين يتحول الركام إلى سردية بقاء
- بين صمود الأجيال وشكليات الحلول المؤقتة لإنقاذ تعليم غزة
- ملحمة صمود القطاع الصحي في وجه الإبادة


المزيد.....




- من بينها -أرز الستارة-.. تعرّف إلى أبرز 10 أطباق شعبية في تر ...
- تيجان الأزهار.. كيف تحوّلت الورود إلى إكسسوار للشعر مع النجم ...
- محامون و-فيتو-.. هكذا تستعد إدارة ترامب لاحتمال سيطرة الديمق ...
- -التحالف- يعلن إسقاط وتدمير مسيّرة في مكة.. والحوثيون يعلقون ...
- 8 أقمار روسية قادمة للملاحة والاتصالات
- -الرجال الزرق-.. الطوارق في عيون الرحالة الأوروبيين
- هل ينتظر ترامب إغلاق الصناديق لفتح باب الحرب؟ ابحثوا عن -جبل ...
- إغلاق مطار وارسو إثر إنذار بوجود قنبلة على متن طائرة ركاب قا ...
- نائب إيراني: نمتلك صواريخ تصل إلى الولايات المتحدة
- ناشط فرنسي يطالب باريس بكشف خرائط التجارب النووية في الجزائر ...


المزيد.....

- العصر الفارسي وأصول إسرءيل / محمود الصباغ
- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سلامه ابو زعيتر - غزة في مفترق الطرق بين الحوكمة الانتقالية، وحماية الحقوق، وصيانة الثوابت الوطنية