أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - حين يصبح البقاء غاية الحكم.. إيران أمام أزمة تتجاوز حدود الحرب والسلام














المزيد.....

حين يصبح البقاء غاية الحكم.. إيران أمام أزمة تتجاوز حدود الحرب والسلام


سعاد عزيز
کاتبة مختصة بالشأن الايراني

(Suaad Aziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 13:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قد تنجح الحكومات في تجاوز الأزمات عندما تمتلك رؤية واضحة للمستقبل، وقد تتمكن من احتواء الخلافات الداخلية عندما تتوافر لديها مؤسسات قادرة على إنتاج حلول مشتركة. لكن ما تكشفه التطورات السياسية في إيران خلال أواخر أكتوبر 2026 يوحي بأن النظام يواجه مأزقا من نوع مختلف؛ مأزقا لم يعد جوهره كيفية التعامل مع التهديدات الخارجية، بل كيفية المحافظة على تماسك منظومة حكم باتت تتناقض أولوياتها مع متطلبات بقائها.
إن حالة "لا حرب ولا سلام" التي تعيشها طهران ليست مجرد مرحلة انتقالية بين مواجهتين عسكريتين أو فرصة لالتقاط الأنفاس قبل استئناف المفاوضات. إنها، في جانب أساسي منها، انعكاس لعجز النظام عن اتخاذ قرار استراتيجي يحدد طبيعة علاقته بالعالم وموقعه في المنطقة ومستقبل سياساته الداخلية.
وما يزيد المشهد تعقيدا أن هذا العجز لم يعد مستترا خلف الخطاب الرسمي الموحد، بل ظهرت ملامحه في التباين بين رسائل مجتبى خامنئي وتصريحات بزشكيان ومواقف قاليباف. فبينما تتجه بعض المواقف إلى تعزيز القدرات العسكرية وتوسيع أوراق الضغط الإقليمي، تحاول مواقف أخرى الإيحاء بأن إنهاء حالة الجمود أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط لماذا تختلف هذه الأطراف في تقدير الموقف، بل لماذا بات اتخاذ القرار نفسه بهذه الصعوبة؟
الجواب يرتبط بطبيعة التناقض الذي يحكم النظام. فالتخلي عن سياسة التصعيد قد يعني بالنسبة إلى مراكز النفوذ الأمنية والعسكرية تراجعا عن مشروع إقليمي استثمرت فيه طهران موارد هائلة لعقود، وقد يفتح الباب أمام مطالب داخلية بإعادة ترتيب الأولويات. أما الاستمرار في التصعيد، فيضع البلاد أمام احتمالات مواجهة جديدة، في وقت تتراجع فيه قدرة الاقتصاد على تحمل المزيد من الأعباء.
وهكذا تتحول السياسة الخارجية من أداة لتحقيق المصالح الوطنية إلى وسيلة لحماية توازنات السلطة، حتى عندما تتعارض تلك التوازنات مع مصالح المجتمع.
إن الحديث المتكرر عن الصواريخ والمسيرات ومضيق هرمز، باعتبارها عناصر قوة استراتيجية، لا يمكن فصله عن سؤال آخر أكثر إلحاحا: ما جدوى امتلاك أدوات الردع إذا كانت الدولة عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والمعيشي لمواطنيها؟
فالقوة الحقيقية للدول لا تقاس فقط بقدراتها العسكرية، وإنما أيضا بمتانة اقتصادها، وثقة مواطنيها بمؤسساتها، وقدرتها على تحويل مواردها إلى تنمية ورفاه اجتماعي. ومن هذه الزاوية، تبدو المفارقة الإيرانية أكثر وضوحا؛ فبينما تتواصل الاستثمارات في أدوات النفوذ العسكري والأمني، تتسع الفجوة بين إمكانات البلاد الاقتصادية وواقع حياة قطاعات واسعة من السكان.
ولا يمكن تجاهل أن استمرار التضخم وتراجع القوة الشرائية وتفاقم البطالة ليست مجرد مؤشرات اقتصادية سلبية، بل عوامل ذات أبعاد سياسية واجتماعية عميقة. فالمجتمع الذي تتآكل قدرته على تأمين احتياجاته الأساسية يصبح أقل استعدادا لقبول استمرار السياسات ذاتها، خصوصا عندما يرى أن موارد بلاده تستنزف في صراعات ومشروعات لا تنعكس إيجابا على حياته اليومية.
وهنا تحديدا تكمن العقدة التي لا تستطيع المناورات الدبلوماسية حلها. فحتى لو توصلت طهران إلى تفاهم مع القوى الدولية، فإن ذلك لن يكون كافيا لمعالجة أزمة الثقة بين المجتمع والسلطة، ما لم يترافق مع تغيير حقيقي في الأولويات السياسية والاقتصادية، واحترام الحريات والحقوق الأساسية.
كما أن الرهان على تشديد القبضة الأمنية لاحتواء الاحتقان الشعبي قد يوفر هدوءا مؤقتا، لكنه لا يلغي الأسباب التي تدفع الناس إلى الاعتراض. فالتاريخ السياسي الإيراني، بما شهده من موجات احتجاجية متعاقبة، يقدم دليلا على أن الأزمات الاجتماعية والسياسية لا تختفي بمجرد إبعادها عن واجهة المشهد.
من هنا، فإن اختزال مستقبل إيران في نتائج الصراع بين أجنحة الحكم أو في احتمالات الحرب والتفاوض يمثل قراءة ناقصة للمشهد. فالمسألة الأعمق تتعلق بحق المجتمع الإيراني في تحديد مستقبله، بعيدا عن احتكار السلطة وفرض الخيارات من أعلى.
إن التغيير الذي تحتاجه إيران لا ينبغي أن يكون مجرد انتقال من صيغة استبدادية إلى أخرى، أو استبدال مركز نفوذ بمركز آخر، بل تأسيس دولة تقوم على المواطنة والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، وتحترم التنوع القومي والثقافي والديني للمجتمع الإيراني.
وبهذا المعنى، فإن شعار رفض العودة إلى استبداد الماضي أو استمرار استبداد الحاضر، أي "لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه"، يكتسب دلالة تتجاوز الموقف السياسي الآني، ليعبر عن ضرورة بناء مستقبل مختلف.
لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن النظام الإيراني يستطيع تأجيل قراراته الصعبة، لكنه لا يستطيع تأجيل استحقاقات المجتمع إلى ما لا نهاية. فالحرب ليست مخرجا، والتسوية الخارجية ليست علاجا شاملا، واستمرار الوضع القائم ليس استراتيجية قابلة للحياة.
إن المخرج الحقيقي يبدأ عندما تتحول الدولة من مشروع لحماية السلطة إلى إطار لخدمة المجتمع، وعندما يصبح مستقبل إيران ملكا لشعبها، لا رهينة لحسابات مراكز القوة ومخاوفها.



#سعاد_عزيز (هاشتاغ)       Suaad_Aziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران بين رغيف الخبز وحصار النفط.. اقتصاد يختنق ومجتمع يدفع ...
- مرشد بلا ظهور... وتهديدات بلا حدود!
- صناعة المعارضة المصطنعة: حين تتحول البدائل السياسية إلى أدوا ...
- النظام الايراني في مواجهة الجيل الجديد.. عسكرة المدارس خوفا ...
- ثلاثة عقود من الخداع النووي: حين يسبق التخصيب الدبلوماسية وت ...
- إيران أمام إختبار مزدوج..أزمة الخلافة وإحتقان الشارع
- طهران تحت الحصار.. حين تضيق خزائن السلطة ويتسع سؤال الشارع
- النظام الإيراني... سلطة تحارب العالم وتخنق شعبها
- النظام الإيراني بين استعراض القوة والخوف من الشارع
- رضا بهلوي وإغراء استعادة العرش.. هل كان الشعب الإيراني مخطئا ...
- إدانة بلا ردع: حقوق الإنسان في إيران بين المسؤولية الأخلاقية ...
- إيران على مفترق الأزمات: تعثر التسوية وتآكل مقومات الاستقرار
- الهجوم المعلن على مقر السلطة القضائية في طهران: دلالات التصع ...
- طهران وإنكار المسؤولية: كيف تتحول الأذرع المسلحة إلى أدوات ل ...
- حين يصبح السفر تهمة: سلطة تخشى انفتاح مجتمعها
- إيران أمام اختبار الغضب الشعبي: حين تتحول الأزمات المتراكمة ...
- لحرس الثوري الإيراني: من أداة داخلية إلى مصدر قلق دولي يستدع ...
- هل يؤمن النظام الإيراني بالتعايش السلمي؟
- الإعدامات في إيران: أزمة شرعية تتجاوز حدود القمع إلى معركة ا ...
- العراق بين وهم نزع السلاح وحقيقة الهيمنة الإيرانية


المزيد.....




- طوابير طويلة تعرقل عملية التصويت في الولايات المتأرجحة
- أحمد الشرع يصل إلى السعودية.. وهذا ما سيبحثه مع محمد بن سلما ...
- تشابه أسماء بين مرشحين يغير نتائج الانتخابات في ألاسكا الأمر ...
- حزب الله ينفي وجود خبراء له في اليمن أو مشاركته في إدارة الع ...
- الشرع يزور السعودية على رأس وفد رفيع المستوى
- يبقى الأمل في تجاوب ترامب مع رغبة الأغلبية بعد نتائج الانتخا ...
- المرشد الإيراني: لا مجال للتنازل أمام واشنطن وأي اعتداء جديد ...
- إسرائيل تحذّر من احتمال استخدام إيران أسلحة كيميائية.. وشكوك ...
- بوابات محصّنة وتقنيات مضادة للمسيّرات.. إسرائيل تطوّر السياج ...
- محتجون على أزمة السكن في لشبونة يعودون إلى ساحة روسيو بعد حك ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - حين يصبح البقاء غاية الحكم.. إيران أمام أزمة تتجاوز حدود الحرب والسلام