أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الغاء عقوبة الاعدام - سعاد عزيز - الإعدامات في إيران: أزمة شرعية تتجاوز حدود القمع إلى معركة المستقبل السياسي















المزيد.....

الإعدامات في إيران: أزمة شرعية تتجاوز حدود القمع إلى معركة المستقبل السياسي


سعاد عزيز
کاتبة مختصة بالشأن الايراني

(Suaad Aziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 15:10
المحور: الغاء عقوبة الاعدام
    


لا يمكن قراءة التصاعد الحاد في تنفيذ أحكام الإعدام في إيران بمعزل عن طبيعة الأزمة التي تواجهها السلطة، ولا عن العلاقة المتوترة بين مؤسسات الحكم ومجتمع يطالب بالحرية والتغيير. فالمسألة لم تعد مقتصرة على عقوبة قضائية مثيرة للجدل، بل باتت تتصل بوظيفة الدولة، وحدود استخدام القوة، ومدى قدرة النظام على إدارة التناقضات الداخلية من دون اللجوء إلى الترهيب. ومن هذه الزاوية، فإن الأرقام المتزايدة للإعدامات تطرح سؤالا سياسيا يتجاوز عدد الضحايا: لماذا تحتاج السلطة إلى تكثيف أدوات القتل إذا كانت تمتلك من الشرعية والقبول ما يكفي لضمان استقرارها؟
تقدم التقارير الحقوقية الصادرة بالتزامن مع اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام صورة مقلقة عن حجم الظاهرة. فقد أشارت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران، ماي ساتو، إلى توثيق ما لا يقل عن 600 عملية إعدام خلال عام 2026، مع احتمال ارتفاع الحصيلة إلى نحو ألف. وفي المقابل، استند مفوض الحكومة الألمانية لحقوق الإنسان، لارس كاستيلوتشي، إلى بيانات منظمة العفو الدولية التي تفيد بتنفيذ 2159 حكما بالإعدام على الأقل خلال عام 2025، في زيادة كبيرة مقارنة بالعام السابق.
هذه الأرقام، على اختلاف الفترات التي تغطيها، تشير إلى نمط يستحق التدقيق السياسي والحقوقي. فحين تتسع دائرة الإعدام بالتزامن مع استمرار الاحتجاجات والتوترات الاجتماعية، يصبح من الضروري النظر في مدى ارتباط العقوبة بوظيفة الردع السياسي، لا بمجرد تطبيق القانون. وقد ذهب المسؤول الألماني إلى أن الإعدام يستخدم لبث الرعب بين المتظاهرين والنشطاء والمعارضين. وإذا صح هذا التوصيف في الحالات التي تناولتها التقارير، فإننا نكون أمام استخدام للقضاء لا لمعالجة النزاعات وفق ضمانات العدالة، بل لتغيير حسابات المجتمع عبر التهديد بأقصى عقوبة ممكنة.
القضاء بين شرعية القانون ومنطق السلطة
تكشف التقارير الأممية عن جانب أكثر خطورة من حجم الإعدامات، يتمثل في ظروف المحاكمات ذاتها. فالحديث عن قضايا تخص أشخاصا نسبت إليهم أفعال ارتكبوها قبل بلوغ الثامنة عشرة، وعن جلسات مقتضبة واعترافات قسرية تبث قبل المحاكمة، وعن التضييق على المحامين المستقلين، يثير تساؤلات جوهرية حول استقلال القضاء وحقوق الدفاع.
سياسيا، لا تكمن خطورة هذه الممارسات في احتمال وقوع ظلم بحق متهمين فحسب، بل في إضعاف الثقة بالمؤسسات التي يفترض أن تفصل بين الدولة والمواطن على أساس القانون. فعندما يشعر الفرد بأن المحاكمة لا توفر ضمانات حقيقية، وأن الاعتراف قد ينتزع تحت الضغط، وأن المحامي نفسه معرض للملاحقة، تتراجع قدرة القضاء على أداء وظيفته بوصفه مرجعا للعدالة، ويتحول في نظر المجتمع إلى امتداد لأجهزة السلطة.
ويكتسب هذا التحول أهمية مضاعفة في الأنظمة التي تواجه اعتراضا سياسيا متزايدا؛ إذ إن تجريم المعارضة أو التعامل معها بمنطق أمني صرف لا يعالج أسباب السخط، بل قد يعمقها، ويحول المظالم الفردية إلى قضية عامة تتعلق بمستقبل الحكم نفسه.
الخوف لا يضمن الاستقرار
من الدلالات اللافتة في التقارير استمرار حملة «ثلاثاء لا للإعدام»، التي ينظم المشاركون فيها إضرابات أسبوعية عن الطعام منذ أكثر من عامين وثمانية أشهر، واتسع نطاقها، وفق التقرير، ليشمل 66 سجنا على الأقل. إن استمرار هذا التحرك من داخل السجون يحمل قيمة سياسية تتجاوز شكله الاحتجاجي؛ فهو يكشف أن أدوات العزل والحرمان لا تنجح بالضرورة في إنهاء الاعتراض، وأن السجن قد يتحول، على الرغم من القيود المفروضة فيه، إلى مساحة للتعبير الجماعي عن رفض سياسات السلطة.
وتتضح الصورة أكثر عند النظر إلى ما تتعرض له عائلات الضحايا من ضغوط، بما في ذلك القيود على تسلم الجثامين وإقامة مراسم العزاء، والتهديدات الرامية إلى منعها من الحديث علنا. فهذه الممارسات، بحسب التقارير، تعكس محاولة لتوسيع أثر العقوبة من المحكوم عليه إلى محيطه الاجتماعي. غير أن استهداف العائلات قد يمنح القضية بعدا أخلاقيا واجتماعيا أوسع، ويجعلها أكثر حضورا في الوعي العام.
ولا يعني ذلك أن استمرار الاحتجاج يثبت وحده قرب حدوث تغيير سياسي، أو أن المعارضة تمتلك بالضرورة القدرة على إدارة مرحلة انتقالية. لكنه يدل على أن القمع لا يمكن اعتباره مقياسا كافيا للاستقرار، وأن ارتفاع عدد الإعدامات لا يقدم، بحد ذاته، دليلا على نجاح السلطة في احتواء أسباب الاعتراض.
المعارضة واختبار البديل الديمقراطي
في هذا السياق، جاء المؤتمر الدولي الذي عقده المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في التاسع من أكتوبر 2026 ليطرح الإعدامات ضمن رؤية أوسع للصراع السياسي في البلاد. وقد دعا المشاركون إلى وقف تنفيذ الأحكام، وإتاحة وصول المراقبين المستقلين إلى السجون، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وربط العلاقات السياسية والاقتصادية مع طهران باحترام حقوق الإنسان.
كما عرضت مريم رجوي مبادرة تتضمن الاعتراف الدولي بالجرائم السابقة، ووقف إعدام المعارضين والسجناء السياسيين، وتفعيل آليات العدالة الجنائية والولاية القضائية العالمية. وقدم المشاركون في المؤتمر المجلس الوطني للمقاومة وخطته السياسية باعتبارهما جزءا من البديل المطروح لمستقبل إيران.
لكن التقييم السياسي الرصين يقتضي التمييز بين مطالب حقوقية يمكن قياسها بمعايير القانون الدولي، وبين ادعاءات سياسية تتعلق بتمثيل المعارضة وقدرتها على قيادة التغيير. فالإدانة الواسعة للإعدام لا تعني تلقائيا إجماعا دوليا على جهة سياسية بعينها، كما أن استمرار المقاومة لا يغني عن اختبار أي مشروع انتقالي من حيث ضمان التعددية، واحترام الحريات، وقبول التنافس السياسي، وخضوع السلطة للمساءلة الشعبية.
ومن هنا، فإن مستقبل إيران لا ينبغي أن يختزل في الاختيار بين الحكم الديني والعودة إلى الملكية. فالمعيار الديمقراطي ليس هوية الحاكم أو خلفيته، بل طبيعة النظام الذي يحكم من خلاله، ومدى احترامه حق المواطنين في اختيار ممثليهم وتغييرهم سلميا.
من الإدانة إلى سياسة المساءلة
تكمن المسؤولية الدولية في الانتقال من بيانات الاستنكار إلى سياسة واضحة ومتسقة. ويشمل ذلك المطالبة بوقف الإعدامات، وضمان المحاكمات العادلة، وحماية المحامين والنشطاء، وإتاحة الوصول المستقل إلى أماكن الاحتجاز، ودعم التحقيقات الموثوقة في الانتهاكات. كما ينبغي دراسة العقوبات الموجهة والمساءلة القضائية وفق الأدلة والإجراءات القانونية، مع تجنب العقوبات الجماعية التي قد يتحمل المواطنون العاديون كلفتها.
إن جوهر الأزمة الإيرانية، كما تعكسه هذه التقارير، لا يتعلق بالمشانق وحدها، بل بحدود السلطة وحق المجتمع في مساءلتها. وقد تستطيع الدولة فرض الصمت لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تجعل الخوف بديلا دائما عن الشرعية، أو أن تحول العقوبة إلى وسيلة لحسم الخلاف السياسي إلى الأبد.
لذلك، فإن وقف الإعدامات يمثل اختبارا عمليا لأي حديث عن الإصلاح أو الانفتاح، كما يمثل معيارا لجدية المجتمع الدولي في الدفاع عن حقوق الإنسان. أما التحول الديمقراطي، إن أريد له أن يكون بديلا مستداما، فلا بد أن يقوم على إنهاء الإفلات من العقاب، وضمان استقلال القضاء، ورفض جميع أشكال الاستبداد، وإعادة القرار السياسي إلى الشعب الإيراني. فالمعركة الحقيقية ليست بين سلطة ومناهضيها فحسب، بل بين منطق الحكم بالخوف ومبدأ الحكم بإرادة المواطنين.



#سعاد_عزيز (هاشتاغ)       Suaad_Aziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين وهم نزع السلاح وحقيقة الهيمنة الإيرانية
- إيران في قبضة الرقابة: حين يصبح حجب الحقيقة شرطا لبقاء السلط ...
- أذرع إيران في الخارج: عبء لا يستطيع النظام التخلي عنه
- حين يخشى النظام غضب الشارع: الاقتصاد الإيراني يضع السلطة أما ...
- كيف تغيرت معادلة الأمن الداخلي في إيران؟
- النظام الإيراني ومعضلة الاحتواء: لماذا لا غنى عن العامل الشع ...
- الاستنفار الأمني في إيران... حين يتحول القلق من الشارع إلى س ...
- حين يصبح رجل الدين رمزا للسلطة: هل تتزايد الكراهية للمؤسسة ا ...
- الإعدام كأداة بقاء مهزومة
- ولاية الفقيه حين تسقط من الرأس إلى الشارع
- حين تتحول الشوارع إلى مقياس للقوة
- إيران في ظل نظام الملالي: حين يتآكل الداخل ويتمدد الخطر إلى ...
- بعد خامنئي... هل تغير الأشخاص أم بدأت أزمة النظام؟
- نظام يفاوض تحت النار ويهدد تحت الضغط
- إيران أمام هاجس الانتفاضة
- حين تنتفض المرأة.. يبدأ النظام في فقدان السيطرة
- 64 سجنا في وجه المشنقة: حين يصبح الجوع عصيانا
- التعليم الإيراني رهينة الفقر وسياسات النظام
- بين فائض التهديد وعجز المناورة: هل يستطيع النظام الإيراني فت ...
- من ساحة الإعدام إلى ذاكرة 1988: هل يعيد النظام إنتاج سياسة ا ...


المزيد.....




- اعتقال مهندس سعودي في أمريكا بتهمة التنصت سرا على محادثات حس ...
- قيادة محافظة الشمال ولجنة الشهداء والأسرى تزوران عائلة القائ ...
- تصعيد إسرائيلي واسع في الضفة: إصابات واقتحام لمؤسسات حقوقية ...
- الاحتلال يواصل استهداف الأسرى المحررين وإعادة اعتقالهم
- العليمي: إنهاء التهديد الحوثي قرار لا رجعة عنه.. وحل عادل لل ...
- إيران وعمان قد تسجلان اتفاق مضيق هرمز في المنظمة البحرية الد ...
- ملك إسبانيا في سبتة لطمأنة مواطنيه بعد أزمة المهاجرين
- حائزة نوبل للسلام تحث أميركا على العودة للدفاع عن حقوق الإنس ...
- صحة غزة تندد باعتداء الاحتلال على الطبيب مروان الهمص وتطالب ...
- مستشار الأمن القومي العراقي: براءة 400 سوري نقلوا إلى العراق ...


المزيد.....

- نحو – إعدام! - عقوبة الإعدام / رزكار عقراوي
- حول مطلب إلغاء عقوبة الإعدام في المغرب ورغبة الدولة المغربية ... / محمد الحنفي
- الإعدام جريمة باسم العدالة / عصام سباط
- عقوبة الإعدام في التشريع (التجربة الأردنية) / محمد الطراونة
- عقوبة الإعدام بين الإبقاء و الإلغاء وفقاً لأحكام القانون الد ... / أيمن سلامة
- عقوبة الإعدام والحق في الحياة / أيمن عقيل
- عقوبة الإعدام في الجزائر: الواقع وإستراتيجية الإلغاء -دراسة ... / زبير فاضل
- عقوبة الإعدام في تونس (بين الإبقاء والإلغاء) / رابح الخرايفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الغاء عقوبة الاعدام - سعاد عزيز - الإعدامات في إيران: أزمة شرعية تتجاوز حدود القمع إلى معركة المستقبل السياسي