أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - إيران في قبضة الرقابة: حين يصبح حجب الحقيقة شرطا لبقاء السلطة














المزيد.....

إيران في قبضة الرقابة: حين يصبح حجب الحقيقة شرطا لبقاء السلطة


سعاد عزيز
کاتبة مختصة بالشأن الايراني

(Suaad Aziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 20:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس القمع السياسي في إيران مجرد ملاحقة للمعارضين أو اعتقال للمتظاهرين، بل هو منظومة متكاملة تستهدف الفكر والكلمة والمعلومة، وتسعى إلى إخضاع المجال العام لرقابة السلطة الدينية. فالنظام الذي يضيق على حرية التعبير، ويلاحق أصحاب الرأي المخالف، ويحجب المنصات الرقمية، لا يكتفي بمصادرة حق المواطن في الاعتراض، بل يحاول أيضا حرمانه من الوسائل التي تمكّنه من معرفة ما يجري حوله ونقل الحقيقة إلى الآخرين.
وتكشف التطورات المتصلة بالإنترنت الفضائي، ولا سيما شبكة "ستارلينك"، جانبًا مهما من هذه المعركة بين سلطة تريد التحكم في تدفق المعلومات ومجتمع يتطلع إلى فضاء أوسع من الحرية. فالقضية لم تعد تقنية بحتة، بل باتت تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن: هل يحق للسلطة أن تحدد ما يقرأه الناس، وما يشاهدونه، وما يستطيعون نشره، ومن يحق لهم التواصل معه؟
لقد وثقت منظمات حقوقية دولية، بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، استخدام السلطات الإيرانية حجب الإنترنت وفرض قيود واسعة على الاتصالات، بالتزامن مع حملات القمع والاعتقالات. وفي مارس/آذار 2026، حذرت هيومن رايتس ووتش من أن انقطاع الإنترنت والقيود المفروضة على الاتصالات يعرضان المدنيين للخطر، ويعيقان توثيق الانتهاكات والوصول إلى المعلومات المستقلة. كما وثقت منظمة العفو الدولية تجريم السلطات محاولات الالتفاف على القيود الرقمية، بما في ذلك استخدام الإنترنت الفضائي.
إن السلطة التي تخشى الكلمة الحرة لا تحارب المعلومات فحسب، بل تحارب حق الإنسان في تكوين رأيه المستقل.
ومن هنا يمكن فهم حساسية النظام الإيراني تجاه التقنيات التي تتيح الاتصال خارج البنية التقليدية التي تسيطر عليها الدولة. فشبكة "ستارلينك"، التي تعتمد على الأقمار الصناعية لتوفير الإنترنت، تقدم لبعض المستخدمين مسارا بديلا للوصول إلى الشبكة العالمية، بما قد يساعد الصحفيين والمواطنين على نقل الصور والشهادات والمعلومات إلى الخارج، خصوصا عندما تتعرض الشبكات المحلية للحجب أو الانقطاع.

وقد اكتسب هذا الملف بعدا دبلوماسيا جديدا في أكتوبر/تشرين الأول 2026، عندما استدعت وزارة الخارجية الإيرانية السفير النرويجي للاحتجاج على استمرار نشاط "ستارلينك" داخل البلاد، متهمة أوسلو بعدم اتخاذ إجراءات لمنع ما وصفته طهران بالإرسال غير المصرح به. وأعقب ذلك تصعيد في الخطاب الإيراني بشأن الشبكة وبنيتها التحتية.
وبصرف النظر عن الحجج القانونية والتنظيمية التي تسوقها السلطات، فإن السؤال الأساسي يبقى: لماذا تتحول وسيلة اتصال إلى قضية أمنية بهذا الحجم عندما يستخدمها المواطن للوصول إلى المعلومات؟ إن السيادة الوطنية لا ينبغي أن تكون ذريعة لإقامة جدار رقابي يعزل المجتمع عن العالم، كما أن الأمن لا يمكن أن يبرر تجريم الحق في المعرفة أو تحويل التواصل الرقمي إلى مصدر للخوف والملاحقة.
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تصوير الإنترنت الفضائي بوصفه حلا سحريا. فهذه التقنية ليست بمنأى عن التشويش والمراقبة، ولا تضمن حماية مستخدميها من التعرف إليهم أو ملاحقتهم. وقد أشار تحليل نشره موقع "كونفرسيشن" في يناير/كانون الثاني 2026 إلى أن السلطات الإيرانية تمكنت من تعطيل الاتصالات الفضائية بدرجات متفاوتة خلال فترات الانقطاع الواسع، ما يؤكد أن تجاوز الرقابة معركة تقنية مستمرة، لا انتصارا مضمونا بضغطة زر.
لكن أهمية هذه الوسائل تتجاوز قدرتها التقنية المباشرة؛ فهي تضعف احتكار الدولة للمعلومة، وتمنح الأصوات المستقلة فرصة إضافية لإيصال رواياتها. وعندما تنتشر شهادات المعتقلين وأسرهم، وتصل صور الاحتجاجات إلى وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية، يصبح من الأصعب إبقاء الانتهاكات بعيدة عن الرقابة الدولية. فالتعتيم لا يمحو ما حدث، لكنه قد يؤخر كشفه ويمنح المسؤولين عن الانتهاكات فرصة للإفلات من المساءلة.
ولا ينفصل هذا القمع الرقمي عن القمع الفكري والسياسي الأوسع. فحين تحاصر الصحافة المستقلة، ويضيق على الناشطين، وتلاحق الآراء المخالفة، يصبح حجب الإنترنت حلقة أخرى في سلسلة تهدف إلى تقليص مساحة المجتمع المستقل. والنتيجة ليست حماية الاستقرار، بل تعميق انعدام الثقة بين السلطة والمواطن، وتوسيع الهوة بين خطاب رسمي يتحدث باسم الدين والثورة، وواقع يطالب فيه الناس بحقوق أساسية لا ينبغي أن تكون موضع مساومة.
إن الحرية لا تعني الفوضى، والديمقراطية لا تعني غياب القانون؛ بل تعني أن يخضع القانون للمساءلة، وأن يتمكن المواطن من انتقاد السلطة دون خوف، وأن تكون وسائل الإعلام قادرة على كشف التجاوزات، وأن يحتكم المجتمع إلى إرادته الحرة في تقرير مستقبله.
إن أخطر ما تواجهه السلطة المستبدة ليس طبقا لالتقاط الإنترنت من الفضاء، بل عقلا يرفض الوصاية، ومواطنا يطالب بحقه في معرفة الحقيقة. فالأقمار الصناعية قد تفتح نافذة على العالم، لكن بناء مجتمع حر يتطلب أكثر من التكنولوجيا: يتطلب ضمانات قانونية، ومؤسسات مستقلة، وقضاء نزيها، واحتراما للتعددية وحق الاختلاف.
وستظل معركة الإيرانيين من أجل حرية الفكر والتعبير مرتبطة بهذا السؤال الجوهري: هل تكون التكنولوجيا أداة في يد السلطة لعزل المجتمع، أم وسيلة في يد المجتمع لتوسيع أفقه واستعادة حقه في المعرفة؟ إن الإجابة الديمقراطية واضحة: لا شرعية لرقابة تجعل الحقيقة امتيازا تمنحه السلطة متى شاءت، ولا استقرار مستداما يقوم على إسكات الناس بدل الإصغاء إليهم.



#سعاد_عزيز (هاشتاغ)       Suaad_Aziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أذرع إيران في الخارج: عبء لا يستطيع النظام التخلي عنه
- حين يخشى النظام غضب الشارع: الاقتصاد الإيراني يضع السلطة أما ...
- كيف تغيرت معادلة الأمن الداخلي في إيران؟
- النظام الإيراني ومعضلة الاحتواء: لماذا لا غنى عن العامل الشع ...
- الاستنفار الأمني في إيران... حين يتحول القلق من الشارع إلى س ...
- حين يصبح رجل الدين رمزا للسلطة: هل تتزايد الكراهية للمؤسسة ا ...
- الإعدام كأداة بقاء مهزومة
- ولاية الفقيه حين تسقط من الرأس إلى الشارع
- حين تتحول الشوارع إلى مقياس للقوة
- إيران في ظل نظام الملالي: حين يتآكل الداخل ويتمدد الخطر إلى ...
- بعد خامنئي... هل تغير الأشخاص أم بدأت أزمة النظام؟
- نظام يفاوض تحت النار ويهدد تحت الضغط
- إيران أمام هاجس الانتفاضة
- حين تنتفض المرأة.. يبدأ النظام في فقدان السيطرة
- 64 سجنا في وجه المشنقة: حين يصبح الجوع عصيانا
- التعليم الإيراني رهينة الفقر وسياسات النظام
- بين فائض التهديد وعجز المناورة: هل يستطيع النظام الإيراني فت ...
- من ساحة الإعدام إلى ذاكرة 1988: هل يعيد النظام إنتاج سياسة ا ...
- إيران أمام أزمات متزامنة
- حين تهدم الملالي السجون خوفا من أن تتكلم الجدران


المزيد.....




- مستوطنون إسرائيليون يهاجمون دبلوماسيين أوروبيين في الضفة الغ ...
- سوريا.. ألغام النظام السابق تقتل وتجرح جنديين بمنطقة التنف ب ...
- السيسي: سننفذ أي إجراء لحماية السعودية
- موقع: أوكرانيا فشلت باعتراض أي صواريخ باليستية أو جوية روسية ...
- الشيباني: قرار إسرائيل ضم الجولان السوري المحتل حبر على ورق ...
- زيلينسكي: القيود على -ستارلينك- لا تزال تعيق عمليات الجيش ال ...
- تهديد زيلينسكي لأوروبا يثير التهكم والسخرية في بولندا
- الحوثيون: إسقاط طائرة أباتشي تابعة للجيش السعودي قبالة منطقة ...
- إذا حاول الديمقراطيون عزله مجددًا.. ترامب يلوّح بفتح ملفات ض ...
- -السلطات لا تصغي إلينا-.. غضب الشباب الفرنسي يتصاعد في باريس ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - إيران في قبضة الرقابة: حين يصبح حجب الحقيقة شرطا لبقاء السلطة