أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - حين تهدم الملالي السجون خوفا من أن تتكلم الجدران














المزيد.....

حين تهدم الملالي السجون خوفا من أن تتكلم الجدران


سعاد عزيز
کاتبة مختصة بالشأن الايراني

(Suaad Aziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 14:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الجرافات لا تقتل الموتى، لكنها تستطيع أن تحاول قتل الأدلة.
والجدران لا تتكلم، لكن بعضها يحمل من آثار الجرائم ما يكفي لإدانة جلاديه.
ولهذا، وبعد أن امتدت يد النظام الإيراني إلى القبور والمقابر، وصلت اليوم إلى السجون.
فهل يريد نظام الملالي أن يهدم كوهردشت لأنه لم يعد صالحا كسجن، أم لأنه ظل صالحا جدا كشاهد على الجريمة؟
في 13 سبتمبر/أيلول 2026، بدأت السلطات الإيرانية هدم سجن كوهردشت في كرج، أحد أبرز المواقع المرتبطة بقمع السجناء السياسيين وإعدامات عام 1988. وأعلنت السلطات أن العملية جاءت بأمر من رئيس السلطة القضائية، وأن الجدران المحيطة بالموقع ستزال خلال أقل من شهر تمهيدا لاستخدام الأرض في مشاريع سكنية أو تجارية.
قد يبدو التبرير عمرانيا، لكن المشكلة أن كوهردشت ليس مجرد مبنى انتهت صلاحيته. إنه أحد المواقع التي ارتبط اسمها بأخطر صفحات تاريخ الجمهورية الإسلامية، وقد وصف ناجون ممراته وزنازينه وقاعات التعذيب و"قاعة الموت" التي شهدت عمليات إعدام خلال مجزرة 1988. كما أصبحت شهادات الناجين والخرائط وإعادة بناء تفاصيل السجن ذات أهمية في محاكمة المسؤول السابق حميد نوري في السويد.
وهنا تحديدا يصبح السؤال مشروعا:
لماذا هدم المكان قبل أن يتاح لخبراء مستقلين توثيقه وحفظ ما يمكن أن يحتويه من أدلة؟
ففي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لا تقتصر الأدلة على الوثائق والشهادات. المكان نفسه يمكن أن يكون دليلا: ممراته، تقسيماته، الزنازين، مواقع الحراسة، طرق نقل المعتقلين، وقاعات الإعدام. وكلما اختفى المكان، اختفت معه إمكانية فحص جزء من الحقيقة بصورة ميدانية.
والأكثر إثارة للقلق أن هدم كوهردشت يأتي بعد سنوات من الجدل حول العبث بمواقع دفن ضحايا الإعدامات السياسية في إيران. وقد حذر المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في إيران جاويد رحمن، في تقرير عام 2024، من تدمير مواقع المقابر الجماعية المرتبطة بضحايا إعدامات 1988، معتبرا أن ذلك يعرقل جهود كشف الحقيقة والمساءلة.
وهكذا تتشكل صورة لا يمكن تجاهلها: قبور تطمس، ومواقع دفن تغير معالمها، واليوم سجن كان مسرحا رئيسيا للقتل والتعذيب والإعدام يجري هدمه.
لا يمكن الجزم بأن الدافع الوحيد وراء الهدم هو محو الأدلة؛ فالسلطات تقدم تفسيرا عمرانيا رسميا. لكن توقيت العملية وطبيعة الموقع وتاريخه، في ظل غياب إعلان واضح عن توثيق مستقل وشامل للمكان قبل تدميره، تبرر طرح أسئلة جدية حول مصير الأدلة المادية المرتبطة به.
لقد حاول النظام طوال عقود أن يجعل من مجزرة 1988 جريمة بلا مسرح، وضحايا بلا قبور، وشهودا بلا صوت. لكنه اكتشف أن الحقيقة أكثر عنادا من القمع.
فالشاهد يحمل ذاكرته.
والوثيقة تحمل توقيعها.
والضحية تحمل اسمها.
والتاريخ لا يحتاج إلى إذن من الجلاد كي يتذكر.
لقد أثبتت قضية حميد نوري أن مرور العقود لا يعني بالضرورة موت الأدلة؛ فقد وصلت شهادات الناجين وتفاصيل كوهردشت إلى قاعة المحكمة بعد أكثر من ثلاثة عقود.
ولهذا فإن هدم كوهردشت لا ينبغي أن يكون نهاية للقصة، بل بداية لسؤال أكبر أمام المجتمع الدولي: من المسؤول عن حماية المواقع المرتبطة بالجرائم الجماعية قبل أن تتحول إلى أنقاض؟
فإذا كان النظام واثقا من روايته، فلماذا لا يسمح بتوثيق المكان قبل هدمه؟
قد تسقط الجدران، وقد تختفي الزنازين، وقد تسوى الأرض بالجرافات، لكن ذلك كله لن يغير ما حدث داخل كوهردشت.
فالجلاد يستطيع أن يهدم السجن، لكنه لا يستطيع هدم الشهادة.
ويستطيع أن يطمس القبر، لكنه لا يستطيع طمس اسم الضحية.
ويستطيع أن يسوي المكان بالأرض، لكنه لن يستطيع تسوية الحقيقة معها.
ولذلك، فإن أخطر ما في هدم كوهردشت ليس اختفاء مبنى من خريطة كرج، وإنما محاولة تحويل أحد أهم مسارح الجريمة في إيران إلى قطعة أرض صامتة.
لكن حتى الأرض تتكلم عندما يعرف التاريخ كيف يصغي إليها.
الجرافات تستطيع هدم الجدران… لكنها لا تستطيع هدم الحقيقة.



#سعاد_عزيز (هاشتاغ)       Suaad_Aziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران على حافة الغليان: حين يعجز القمع عن إطعام الجائعين
- المشانق في مواجهة السجون: 138 أسبوعا من -ثلاثاء لا للإعدام-
- البقاء ليس إنتصارا
- من الاحتقان الى التغيير
- فتاوى الموت لا تزال حية
- حين يبدأ النظام نفسه بإشعال بركان الغضب الإيراني
- ملف حقوق الإنسان... القنبلة التي يخشاها النظام الإيراني
- من النووي إلى الخلافة: كيف يفجر الضغط الخارجي حرب الأجنحة في ...
- إيران بين اللاحرب واللاسلم: حين تضيق حقول المناورة
- حين ينقلب سلاح هرمز على صاحبه: الساعة الرملية لطهران
- من زنزانة الولاية إلى مقعد القيادة
- شنغهاي تكشف أزمة النظام الإيراني وصراع أجنحته
- المرأة أولا… ثم المجتمع: الوجه الحقيقي لسياسة القمع الإيراني
- حبل المشنقة الذي يخنق النظام: لماذا تتحول الإعدامات في إيران ...
- إيجئي يهدد... والشارع يغلي: نظام الملالي أمام ساعة الحقيقة
- حين يصبح طلب العمل تهمة تستوجب الرصاص
- عندما يتحول الفقر إلى معارضة صامتة
- إيران... حين يبدأ النظام بدفع فاتورة 47 عاما
- غياب المرشد... حين يتحول الخوف إلى سياسة
- نزع سلاح ميليشيات إيران.. المعركة التي يخشاها الملالي


المزيد.....




- أسسها عرب.. شركة توصيل تتحدى منافسيها في إسرائيل
- مرموطان جبليان يتجولان في شوارع خليج سان فرانسيسكو.. كيف وصل ...
- شاهد.. شخصان يتشبثان بجذع شجرة وسط نهر بعد انقلاب قاربهما وا ...
- المغرب يطوي صفحة -الساعة الإضافية- بعد سنوات من الجدل، وعودة ...
- الثلج الذي كاد أن يبتلع خطانا
- تصعيد في كردفان.. مسيرات الدعم السريع تستهدف الأبيض ومركبات ...
- توغل إسرائيلي وقصف وغارات في مناطق عدة بجنوب لبنان
- السيسي يبحث مع مدير الاستخبارات الأمريكية قضايا الشرق الأوسط ...
- ناسا تحذر من تحرك مركز كتلة الأرض وتأثيره على أنظمة الملاحة ...
- رئيس وزراء كندا يسخر من ترامب ويقلد حركته الشهيرة -الأكورديو ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - حين تهدم الملالي السجون خوفا من أن تتكلم الجدران