أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - كيف تغيرت معادلة الأمن الداخلي في إيران؟














المزيد.....

كيف تغيرت معادلة الأمن الداخلي في إيران؟


سعاد عزيز
کاتبة مختصة بالشأن الايراني

(Suaad Aziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 15:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قد لا يكون أكثر ما يلفت الانتباه في التطورات الإيرانية الأخيرة هو الحديث عن تعزيز قوات الأمن أو زيادة تجهيزات الباسيج، وإنما انتقال مفهوم الأمن نفسه إلى مستوى أكثر التصاقا بالحياة اليومية للإيرانيين. فحين يصبح الحي والمسجد والمدرسة جزءا من منظومة الوقاية من الاضطرابات، فإن ذلك يعني أن السلطة تنظر إلى احتمال الاحتجاج باعتباره قضية تبدأ قبل وصول الناس إلى الشارع.
هذه النقلة تكشف جانبا مهما من طبيعة المرحلة الراهنة. فالسلطات الإيرانية لا تتعامل فقط مع احتجاج قائم، بل مع احتمال عودة الاحتجاج، وتحاول بناء شبكة تمنع تشكلها أو تسرع في اكتشافها واحتوائها. ومن هذه الزاوية، تصبح الدعوة إلى مراقبة الأحياء وإبلاغ الأجهزة الأمنية عن التحركات المشبوهة جزءا من منظومة أوسع لإعادة تنظيم المجال الاجتماعي حول الاعتبارات الأمنية.
وقد ظهر هذا الاتجاه بوضوح في تصريحات المسؤول الإيراني علي آقا محمدي، الذي حذر من وجود مجموعات مسلحة قال إنها مدربة في إسرائيل والإمارات ودخلت إيران، ودعا المواطنين إلى الإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة. لكن هذه المزاعم لم تدعم بأدلة مستقلة منشورة، الأمر الذي يجعلها، في الوقت الراهن، رواية صادرة عن مسؤول إيراني ينبغي التعامل معها باعتبارها كذلك.
واللافت أن خطاب الخطر الخارجي يتزامن مع خطر آخر أكثر قربا من حياة الناس: الضائقة الاقتصادية. فالتقارير الواردة من داخل إيران تتحدث عن تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع والأدوية، فيما تواجه البلاد ضغوطا إضافية نتيجة العقوبات والقيود على صادرات النفط والتجارة.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: كلما أصبحت الأزمة المعيشية أكثر حضورا في حياة المواطنين، ازداد اعتماد الخطاب الرسمي على مفردات الأمن والتهديد الخارجي. لكن تفسير الاحتجاجات المحتملة من خلال المؤامرات الخارجية وحدها لا يلغي الأسباب الداخلية التي يمكن أن تدفع الناس إلى الاحتجاج.
ثمة زاوية أخرى لا تقل أهمية، وهي أن السلطات تبدو وكأنها تستعد لسيناريو طويل الأمد، لا لمواجهة اضطراب عابر. فتدريب متطوعين ضمن مشروع "جان‌فدا"، وربط هذه المبادرات بالباسيج، يشير إلى محاولة إنشاء طبقات إضافية من الاستعداد المجتمعي والأمني. وقد أفادت تقارير إيرانية ببدء تدريب متطوعين في طهران على استخدام الأسلحة ومهارات دفاعية ضمن هذا الإطار.
غير أن عسكرة المجال المدني تحمل في المقابل كلفة اجتماعية. فعندما يطلب من المواطن أن يراقب جاره، ومن الحي أن يتحول إلى وحدة أمنية، ومن المؤسسات الاجتماعية إلى نقاط رصد، فإن الحدود بين الحياة المدنية والعمل الأمني تصبح أقل وضوحا. وقد يؤدي ذلك إلى خلق مناخ من الشك المتبادل، خصوصا في مجتمع يعاني أصلا من الاستقطاب السياسي والاقتصادي.
أما على المستوى الخارجي، فإن الأزمة الداخلية لا يمكن فصلها عن التوتر المتواصل مع الولايات المتحدة. فطهران وواشنطن ما زالتا تواجهان خلافات بشأن إنهاء الحرب والعقوبات والبرنامج النووي ومضيق هرمز، فيما تتواصل محاولات الوساطة للوصول إلى صيغة تفاهم.
وهذا التشابك بين الداخل والخارج يجعل مهمة صانع القرار الإيراني أكثر تعقيدا. فالحرب والضغط الاقتصادي يرفعان منسوب القلق داخل المجتمع، والقلق الاجتماعي يدفع إلى مزيد من الإجراءات الأمنية، بينما تؤدي الإجراءات الأمنية بدورها إلى إبقاء العلاقة بين السلطة وقطاعات من المجتمع في حالة توتر.
ولعل التطور الأكثر دلالة هو أن السلطات لا تنتظر الاحتجاج حتى يبدأ كي تتعامل معه؛ إنها تعيد ترتيب مؤسسات المجتمع تحسبا لحدوثه. وهذا يعني أن معركة الأمن الداخلي أصبحت، في نظر صانع القرار، معركة استباقية بالدرجة الأولى.
لكن التجارب التاريخية تشير إلى أن الأمن يمكن أن يحد من مظاهر الاحتجاج لفترة، لكنه لا يعالج وحده جذور الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولذلك فإن مستقبل الوضع الإيراني لن تحدده كمية المعدات التي تحصل عليها الأجهزة الأمنية فقط، بل أيضا قدرة الدولة على تخفيف الضغوط المعيشية، وإدارة التوترات الداخلية، وفتح مسارات أكثر فاعلية لمعالجة مطالب المجتمع.
في نهاية المطاف، تبدو إيران أمام معادلة دقيقة: دولة تستعد لاحتمال اتساع الاضطرابات، ومجتمع يعيش تحت ضغط اقتصادي متزايد، وبيئة إقليمية متوترة. وبين هذه العوامل الثلاثة تتشكل المرحلة المقبلة؛ مرحلة سيكون فيها السؤال الأهم ليس فقط: هل تستطيع الدولة احتواء الاحتجاج؟ بل أيضا: إلى متى يمكن أن يبقى الأمن هو الأداة الرئيسية لإدارة أزمة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والمجتمع؟



#سعاد_عزيز (هاشتاغ)       Suaad_Aziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النظام الإيراني ومعضلة الاحتواء: لماذا لا غنى عن العامل الشع ...
- الاستنفار الأمني في إيران... حين يتحول القلق من الشارع إلى س ...
- حين يصبح رجل الدين رمزا للسلطة: هل تتزايد الكراهية للمؤسسة ا ...
- الإعدام كأداة بقاء مهزومة
- ولاية الفقيه حين تسقط من الرأس إلى الشارع
- حين تتحول الشوارع إلى مقياس للقوة
- إيران في ظل نظام الملالي: حين يتآكل الداخل ويتمدد الخطر إلى ...
- بعد خامنئي... هل تغير الأشخاص أم بدأت أزمة النظام؟
- نظام يفاوض تحت النار ويهدد تحت الضغط
- إيران أمام هاجس الانتفاضة
- حين تنتفض المرأة.. يبدأ النظام في فقدان السيطرة
- 64 سجنا في وجه المشنقة: حين يصبح الجوع عصيانا
- التعليم الإيراني رهينة الفقر وسياسات النظام
- بين فائض التهديد وعجز المناورة: هل يستطيع النظام الإيراني فت ...
- من ساحة الإعدام إلى ذاكرة 1988: هل يعيد النظام إنتاج سياسة ا ...
- إيران أمام أزمات متزامنة
- حين تهدم الملالي السجون خوفا من أن تتكلم الجدران
- إيران على حافة الغليان: حين يعجز القمع عن إطعام الجائعين
- المشانق في مواجهة السجون: 138 أسبوعا من -ثلاثاء لا للإعدام-
- البقاء ليس إنتصارا


المزيد.....




- لقاء عفوي في المطار يتحول إلى قصة حب صمدت نحو 30 عامًا
- عراقجي يحدد موعد رد إيران على أمريكا بشأن أحدث مقترح للتفاوض ...
- الدفاع المدني السعودي: أضرار مادية بسقوط شظايا جراء اعتراض ص ...
- مشاهد متداولة توثق أعمدة الدخان تتصاعد من مطار الملك خالد في ...
- احتجاجات الطلاب في فرنسا مستمرة.. فماذا نعرف عنها؟
- الحوثيون يواصلون استهداف المطارات السعودية.. وزعيمهم يوجّه ر ...
- مطار الملك خالد في مرمى الحوثيين مجددًا.. ما الذي يجعل استهد ...
- موانئ وأنابيب وقطارات .. كيف تحاول الإمارات تقليل اعتمادها ع ...
- الكندية آن كارسون تفوز بجائزة نوبل للآداب 2026 لنتاجها -الجر ...
- انفجار هاتف في فم دب ينقذ حياة مراهق في روسيا


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - كيف تغيرت معادلة الأمن الداخلي في إيران؟