أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - حين تنتفض المرأة.. يبدأ النظام في فقدان السيطرة














المزيد.....

حين تنتفض المرأة.. يبدأ النظام في فقدان السيطرة


سعاد عزيز
کاتبة مختصة بالشأن الايراني

(Suaad Aziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 17:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يترك نظام طهران فئة من فئات المجتمع الإيراني إلا وطالتها أدوات القمع والتمييز والاعتقال والإعدام، غير أن المرأة احتلت، منذ الأيام الأولى لقيام الجمهورية الإسلامية، موقعا استثنائيا في منظومة السيطرة، لأنها لم تعامل باعتبارها مواطنة كاملة الحقوق فحسب، بل جرى تحويل جسدها وملبسها وحضورها في الحياة العامة إلى ساحة لإثبات سلطة النظام وقدرته على فرض رؤيته على المجتمع، ولذلك فإن معركة المرأة الإيرانية مع السلطة لم تعد قضية اجتماعية محدودة، وإنما أصبحت واحدة من أكثر جبهات الصراع وضوحا، وأحد المؤشرات المهمة على طبيعة العلاقة المتوترة بين النظام والمجتمع.
فالحجاب الإلزامي، الذي حاول النظام تقديمه بوصفه مسألة دينية أو أخلاقية، تحول مع مرور الوقت إلى رمز لمنظومة أوسع من القيود التي تحدد للمرأة كيف تظهر، وأين تعمل، وكيف تتحرك، وما الذي تستطيع أن تفعله في المجال العام، ومع كل محاولة لتشديد هذه القيود كانت تتسع، في المقابل، مساحة الرفض، حتى أصبح الظهور من دون الحجاب الإلزامي، بالنسبة إلى قطاعات من النساء، فعلا يوميا من أفعال العصيان المدني، وليس مجرد مخالفة لقانون تفرضه السلطة.
لكن اللحظة التي قلبت هذه المعادلة جاءت مع وفاة جينا مهسا أميني في سبتمبر/أيلول 2022، والتي فجرت احتجاجات عام 2022، فتحولت المرأة من هدف أساسي لسياسات الإكراه إلى قوة أساسية في الاحتجاج عليها، ولم يعد الشارع الإيراني ينظر إلى قضية المرأة باعتبارها قضية نسائية منفصلة، بل باعتبارها مدخلا إلى سؤال أكبر يتعلق بالحرية والكرامة والحق في اختيار نمط الحياة، ولذلك سرعان ما تجاوز الحراك حدود المطالبة بحقوق النساء ليصبح احتجاجا واسعا على منظومة سياسية واجتماعية بأكملها.
وهنا تكمن المفارقة التي يصعب على النظام التخلص منها: كلما حاول أن يجعل من المرأة دليلا على قدرته على فرض الانضباط، تحولت المرأة إلى دليل على حدود هذه القدرة، وكلما شدد الرقابة والعقوبات، ازداد الرفض ظهورا في الشوارع والجامعات وأماكن العمل، وأصبحت المواجهة اليومية بين المرأة وأجهزة السلطة صورة مصغرة عن مواجهة أكبر بين مجتمع يريد مساحة أوسع من الحرية ونظام يريد الاحتفاظ بقدرته على التحكم في تفاصيل حياة مواطنيه.
ولذلك لم يكن رد السلطة على الاحتجاجات مجرد إجراءات قانونية عادية، بل وثقت منظمات حقوقية دولية عمليات قتل واعتقال وتعذيب وعنف جنسي واختفاء قسري واضطهاد خلال قمع احتجاجات عام 2022، كما واصلت السلطات، وفق تقارير حقوقية حديثة، استخدام قوانين وإجراءات مختلفة لفرض الحجاب الإلزامي ومعاقبة النساء اللواتي يرفضن الامتثال، بما في ذلك المراقبة الرقمية والضغوط على أماكن العمل وبعض المؤسسات التعليمية والتجارية.
غير أن القمع لم ينجح في إعادة القضية إلى ما قبل عام 2022؛ فالمرأة الإيرانية تغير موقعها في المعادلة، ولم تعد تنتظر أن يأتي التغيير إليها من داخل مؤسسات النظام، بل أصبحت هي نفسها جزءا من القوة التي تضغط من أجل التغيير، سواء من خلال الاحتجاج المباشر، أو العصيان المدني، أو النشاط الحقوقي، أو مجرد الرفض اليومي للقيود التي تريد السلطة فرضها على حياتها.
والأهم من ذلك أن قضية المرأة لم تعد منفصلة عن بقية قضايا المجتمع، بل أصبحت نقطة تلتقي عندها ملفات متعددة؛ فالنظام الذي يقمع المرأة هو نفسه الذي يعتقل المحتج، ويلاحق المعارض، ويقيد الصحفي، ويضيق على الأقليات، ويستخدم الإعدام والسجن وأجهزة الأمن لإدارة الخلاف السياسي والاجتماعي، ولذلك تحولت مقاومة المرأة إلى نافذة تكشف من خلالها قطاعات واسعة من الإيرانيين طبيعة الصراع الأوسع على مستقبل البلاد.
إن ما يقلق النظام، في نهاية المطاف، ليس مجرد امرأة تخلع حجابها في شارع أو جامعة، وإنما أن يتحول هذا الفعل البسيط إلى إعلان يومي بأن سلطة الدولة ليست مطلقة على حياة الفرد، وأن الخوف الذي اعتمدت عليه السلطة طويلا يمكن أن يتراجع عندما يقرر المواطن أن يقول "لا"، وأن المرأة التي كان يراد لها أن تكون الحلقة الأضعف في منظومة السيطرة يمكن أن تصبح إحدى أكثر حلقاتها إزعاجا للسلطة.
ولهذا فإن معركة المرأة الإيرانية ليست معركة على الحجاب وحده، ولا على قانون واحد، ولا على مساحة محددة في الحياة العامة؛ إنها معركة على حق الإنسان في أن يقرر كيف يعيش، وعلى حق المجتمع في أن يرفض الإكراه، وعلى قدرة السلطة على فرض إرادتها بالقوة إلى ما لا نهاية. ومن هنا تحديدا تكمن خطورتها بالنسبة للنظام: فالمرأة التي كان يريدها شاهدا على نجاح مشروعه في إخضاع المجتمع، تحولت إلى شاهد على حدود هذا المشروع؛ والمرأة التي أراد إسكاتها أصبحت صوتا، والتي أراد حصرها داخل جدران الخوف خرجت إلى الشارع، ومن خرجت من دائرة الخوف يصعب إعادتها إليها. ولذلك فإن السؤال لم يعد هل تستطيع السلطة قمع المرأة، فهي تستطيع ذلك بقوة أجهزتها، وإنما السؤال الأعمق هو: كم تستطيع أن تحكم مجتمعا يزداد فيه عدد النساء اللواتي لم يعدن يقبلن بأن تكون حريتهن رهنا بإرادة السلطة؟



#سعاد_عزيز (هاشتاغ)       Suaad_Aziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 64 سجنا في وجه المشنقة: حين يصبح الجوع عصيانا
- التعليم الإيراني رهينة الفقر وسياسات النظام
- بين فائض التهديد وعجز المناورة: هل يستطيع النظام الإيراني فت ...
- من ساحة الإعدام إلى ذاكرة 1988: هل يعيد النظام إنتاج سياسة ا ...
- إيران أمام أزمات متزامنة
- حين تهدم الملالي السجون خوفا من أن تتكلم الجدران
- إيران على حافة الغليان: حين يعجز القمع عن إطعام الجائعين
- المشانق في مواجهة السجون: 138 أسبوعا من -ثلاثاء لا للإعدام-
- البقاء ليس إنتصارا
- من الاحتقان الى التغيير
- فتاوى الموت لا تزال حية
- حين يبدأ النظام نفسه بإشعال بركان الغضب الإيراني
- ملف حقوق الإنسان... القنبلة التي يخشاها النظام الإيراني
- من النووي إلى الخلافة: كيف يفجر الضغط الخارجي حرب الأجنحة في ...
- إيران بين اللاحرب واللاسلم: حين تضيق حقول المناورة
- حين ينقلب سلاح هرمز على صاحبه: الساعة الرملية لطهران
- من زنزانة الولاية إلى مقعد القيادة
- شنغهاي تكشف أزمة النظام الإيراني وصراع أجنحته
- المرأة أولا… ثم المجتمع: الوجه الحقيقي لسياسة القمع الإيراني
- حبل المشنقة الذي يخنق النظام: لماذا تتحول الإعدامات في إيران ...


المزيد.....




- دون أن تكون مليارديرًا.. عش ليلة داخل طائرة خاصة فاخرة من ال ...
- صحة الحوثيين تعلن مقتل 7 أشخاص وإصابة 40 في قصف استهدف سوقا ...
- جماعة أنصار الله تقول إن غارة سعودية استهدفت سوقاً في تعز قت ...
- بعد هجوم -تشرشل-.. ستارمر يفتح قواعد بريطانيا لضربات ترامب ض ...
- هل تشعل -حرب إيران- سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط؟
- الكرملين يحذر من إتاحة منظومة -ستارلينك- لنظام كييف
- إسرائيل تعلن تصفية قيادي في -حماس- متورط في احتجاز رهائن شما ...
- رئيس حكومة شمال الراين يزور تركيا بمناسبة الذكرى الـ65 لاتفا ...
- غارات إسرائيلية واسعة على جنوب لبنان
- رئيس حكومة ولاية شمال الراين ينفي الانتقال إلى برلين ويؤكد ت ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - حين تنتفض المرأة.. يبدأ النظام في فقدان السيطرة