أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - النظام الإيراني... سلطة تحارب العالم وتخنق شعبها














المزيد.....

النظام الإيراني... سلطة تحارب العالم وتخنق شعبها


سعاد عزيز
کاتبة مختصة بالشأن الايراني

(Suaad Aziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 12:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قلما شهدت المنطقة نظاما يصر على معاداة محيطه، وتحدي المجتمع الدولي، وقمع شعبه، ثم يتصرف وكأن العالم بأسره هو المخطئ، وأنه وحده يمتلك الحقيقة والصواب. هذه هي المفارقة الصارخة في سلوك النظام الإيراني، الذي يبدو أنه دخل مرحلة متقدمة من التخبط السياسي، بعدما تراكمت أزماته على مختلف الجبهات، من الداخل المضطرب إلى الخارج المتوتر، فيما لا يزال يراهن على سياسات بالغة الخطورة، وكأن العناد يمكن أن يتحول إلى استراتيجية للنجاة، أو أن المغامرات تستطيع أن تعوض إخفاقات الحكم.
إقليميا، لم يعد مشروع النظام الإيراني مجرد طموح لتوسيع النفوذ، بل تحول إلى مصدر دائم للقلق وعدم الاستقرار. فمن خلال دعمه أطرافا مسلحة وشبكات نفوذ في عدد من دول المنطقة، أسهم في تعقيد أزمات قائمة وتغذية صراعات أنهكت المجتمعات وأضعفت مؤسسات الدولة. وباسم شعارات أيديولوجية فضفاضة، جرى التعامل مع سيادة الدول وكأنها تفصيل ثانوي يمكن تجاوزه متى تعارض مع حسابات طهران.
وهنا تتجلى إحدى أكبر مفارقات هذا النظام: فهو يرفع شعار الاستقلال في مواجهة القوى الكبرى، لكنه لا يتردد في التدخل في شؤون الآخرين، وكأن الاستقلال حق حصري له، فيما تتحول سيادة الدول المجاورة إلى مساحة مباحة لنفوذه. فأي منطق سياسي هذا الذي يطالب العالم باحترام مصالحه، بينما لا يمنح الآخرين الحق نفسه؟ وأي مشروع إقليمي يمكن أن يحقق الاستقرار إذا كان يقوم على تصدير الأزمات وتوسيع دوائر الصراع؟
أما دوليا، فيواصل النظام سياسة المناورة والتحدي، متوهما أن التصعيد المستمر سيجبر خصومه على التراجع، وأن كسب الوقت يمكن أن ينقذه من استحقاقات أزماته. لكنه يتجاهل حقيقة أساسية: العالم لا يبقى ثابتا أمام سياسات تتكرر إخفاقاتها، والدول لا تستطيع بناء مستقبلها على صدام مفتوح مع محيطها الدولي. فالدبلوماسية ليست استعراضا للقوة، والسياسة ليست مسابقة في العناد، والقدرة على إشعال الأزمات لا تعني القدرة على التحكم بنتائجها.
لكن الوجه الأكثر قسوة للنظام يظهر في الداخل الإيراني، حيث تتسع الهوة بين شعاراته وممارساته. فسلطة تتحدث باسم الدين والعدالة وكرامة الإنسان، ثم تقمع الاحتجاجات وتضيق على الحريات وتلاحق المعارضين وتفرض قيودا على النساء، تضع نفسها أمام تناقض أخلاقي وسياسي لا يمكن إخفاؤه بالخطب والشعارات.
ولم تكن القرارات والإجراءات الدولية المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في إيران أحداثا معزولة عن سياق أوسع من الانتقادات والمطالبات بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. ومع ذلك، يواصل النظام التعامل مع الضغوط الحقوقية كما لو أنها مؤامرة تستهدف وجوده، بدلا من أن يراها فرصة لمراجعة سياساته واحترام الحقوق الأساسية لمواطنيه.
إن المأساة الحقيقية أن السلطة التي تدعي تمثيل الشعب تتصرف أحيانا كما لو أن الشعب خصمها الأول. فحين يخرج المواطن مطالبا بحريته وكرامته، لا ترى فيه السلطة صاحب حق، بل تهديدا ينبغي احتواؤه أو إسكات صوته. وحين يطالب بمستقبل أفضل، يطلب منه الصبر والتضحية، بينما تظل الأولويات السياسية والأمنية للنظام متقدمة على احتياجاته اليومية.
اقتصاديا، لا يمكن تجاهل أثر العقوبات والضغوط الخارجية، لكن استخدامها ذريعة لتبرئة السلطة من مسؤولياتها ليس سوى هروب من الحقيقة. فسوء الإدارة والفساد والاختلالات البنيوية، إلى جانب الكلفة الباهظة للسياسات الإقليمية، عوامل تتحمل القيادة الإيرانية مسؤولية التعامل معها. ولا يجوز مطالبة المواطن بتحمل نتائج خيارات لم يشارك في صنعها، ثم حرمانه من حقه في الاعتراض عليها.
والأكثر إثارة للقلق أن النظام، وهو يواجه هذه الأزمات المتزامنة، يبدو كأنه يضاعف رهاناته بدلا من تقليص خسائره. إنه سلوك سياسي ينطوي على قدر بالغ من المجازفة؛ إذ قد يعتقد صانع القرار في طهران أن التصعيد الخارجي سيعيد ترتيب الأوراق، أو أن التوتر الإقليمي سيمنحه فرصة لفرض شروطه، أو أن تشديد القبضة الداخلية سيمنع انفجار الغضب الشعبي. لكن هذه الحسابات قد تقود إلى نتائج معاكسة تماما، لأن الضغط المتراكم لا يختفي بالقوة، والأزمات لا تُحل بإنكارها، والمغامرات لا تضمن دائما النجاة لأصحابها.
إن المشكلة الجوهرية للنظام الإيراني أنه يريد الاحتفاظ بكل شيء من دون أن يدفع ثمن مراجعة أي شيء: يريد نفوذا إقليميا واسعا من دون تحمل مسؤولية تداعياته، ويريد علاقات دولية تخدم مصالحه من دون تقديم تنازلات متبادلة، ويريد شعبا مطيعا من دون منحه حقوقه، ويريد شرعية سياسية لا تتعرض للمساءلة.
لكن هذه المعادلة لا يمكن أن تستمر إلى الأبد. فالدول لا تدار بالأوهام، والشعوب لا تحكم إلى ما لا نهاية بالخوف، والمكانة الدولية لا تبنى بمجرد تحدي الآخرين. وكلما أصر النظام على تجاهل هذه الحقائق، ازدادت الفجوة بين طموحاته وقدراته، وبين الصورة التي يرسمها لنفسه والواقع الذي يعيشه.
في نهاية المطاف، لا تكمن خطورة النظام الإيراني في خصومه وحدهم، بل في إصراره على إنتاج أزماته بنفسه، ثم البحث عن مخرج لها في مزيد من التصعيد والاستبداد. وقد تكون أخطر مقامراته تلك التي يخوضها وهو يعتقد أنه لا يزال يملك زمام المبادرة، بينما تتآكل خياراته وتتراكم الأخطاء من حوله.
فالتاريخ لا يمنح صكوك بقاء للأنظمة لمجرد أنها ترفع الشعارات أو تمتلك أدوات القمع. وحين تصبح السلطة عبئا على الدولة، والسياسة تهديدا للشعب، والمغامرة بديلاً عن الحكمة، فإن السؤال لم يعد كم تستطيع هذه السلطة أن تصمد، بل كم ستكلفها مواصلة هذا النهج من مستقبل بلادها وحقوق شعبها واستقرار المنطقة.



#سعاد_عزيز (هاشتاغ)       Suaad_Aziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النظام الإيراني بين استعراض القوة والخوف من الشارع
- رضا بهلوي وإغراء استعادة العرش.. هل كان الشعب الإيراني مخطئا ...
- إدانة بلا ردع: حقوق الإنسان في إيران بين المسؤولية الأخلاقية ...
- إيران على مفترق الأزمات: تعثر التسوية وتآكل مقومات الاستقرار
- الهجوم المعلن على مقر السلطة القضائية في طهران: دلالات التصع ...
- طهران وإنكار المسؤولية: كيف تتحول الأذرع المسلحة إلى أدوات ل ...
- حين يصبح السفر تهمة: سلطة تخشى انفتاح مجتمعها
- إيران أمام اختبار الغضب الشعبي: حين تتحول الأزمات المتراكمة ...
- لحرس الثوري الإيراني: من أداة داخلية إلى مصدر قلق دولي يستدع ...
- هل يؤمن النظام الإيراني بالتعايش السلمي؟
- الإعدامات في إيران: أزمة شرعية تتجاوز حدود القمع إلى معركة ا ...
- العراق بين وهم نزع السلاح وحقيقة الهيمنة الإيرانية
- إيران في قبضة الرقابة: حين يصبح حجب الحقيقة شرطا لبقاء السلط ...
- أذرع إيران في الخارج: عبء لا يستطيع النظام التخلي عنه
- حين يخشى النظام غضب الشارع: الاقتصاد الإيراني يضع السلطة أما ...
- كيف تغيرت معادلة الأمن الداخلي في إيران؟
- النظام الإيراني ومعضلة الاحتواء: لماذا لا غنى عن العامل الشع ...
- الاستنفار الأمني في إيران... حين يتحول القلق من الشارع إلى س ...
- حين يصبح رجل الدين رمزا للسلطة: هل تتزايد الكراهية للمؤسسة ا ...
- الإعدام كأداة بقاء مهزومة


المزيد.....




- الخارجية السورية تعلن تحفظ دمشق على تنفيذ الجيش الأردني عملي ...
- برلمان مصر.. قوات دفاعية لدعم السعودية
- سوريا تعلن إغلاق منفذ نصيب الحدودي مع الأردن نظرا للتطورات ا ...
- الانتخابات الإسرائيلية اليوم.. اقتراع مفصلي بلا حسم مضمون وم ...
- رئيس الوزراء الجزائري يصل موسكو
- الجيش الأمريكي يتدرب على حفر قبور مؤقتة استعدادا لنزاعات كبر ...
- وقف إطلاق النار في أليوشكي بمقاطعة خيرسون يدخل حيز التنفيذ ف ...
- RT ترصد وضع بلدة زوطر الغربية جنوب لبنان
- ترامب يعلن عن مكافأة بمليون دولار لمن يبلغ عن أي عملية تزوير ...
- أوكرانيا مطالبة بسداد نحو 140 مليار دولار لمؤسسات مالية دولي ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - النظام الإيراني... سلطة تحارب العالم وتخنق شعبها