أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - حين يصبح السفر تهمة: سلطة تخشى انفتاح مجتمعها














المزيد.....

حين يصبح السفر تهمة: سلطة تخشى انفتاح مجتمعها


سعاد عزيز
کاتبة مختصة بالشأن الايراني

(Suaad Aziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 11:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ما الذي يدفع سلطة سياسية إلى مطالبة مواطنيها بإبلاغ الأجهزة الأمنية قبل السفر إلى الخارج؟ وأي مفهوم للأمن القومي يجعل رحلة المواطن، أو لقاءاته خارج بلاده، موضع ريبة مسبقة؟ إن هذه الأسئلة تفرض نفسها في إيران بعد التصريحات التي أدلى بها النائب إسماعيل كوثري بشأن مشروع "مواجهة النفوذ"، والتي تضمنت مطالبة الراغبين في السفر بإخطار الجهات المعنية مسبقا، حتى لا يتعرضوا للمشكلات لاحقا. وقد نقلت وسائل إعلام إيرانية هذه التصريحات في أكتوبر 2026.
تقدم هذه الإجراءات عادة تحت عناوين براقة، من قبيل حماية الأمن القومي ومواجهة الاختراق الأجنبي. لكن المشكلة تبدأ عندما يتسع مفهوم التهديد إلى درجة يصبح معها المواطن نفسه موضع اشتباه، لا لارتكابه فعلا غير قانوني، بل لمجرد رغبته في السفر أو التواصل مع العالم. عندئذ لا يعود الأمن حماية للمجتمع، بل يتحول إلى ذريعة لفرض الوصاية عليه.
لا أحد ينكر أن الدول تواجه مخاطر التجسس والتدخل الخارجي، وأن من حقها اتخاذ إجراءات قانونية لمواجهتها. غير أن الفارق كبير بين ملاحقة أفعال محددة استنادا إلى أدلة وإجراءات قضائية، وبين إخضاع حركة المواطنين لشبكة من الإخطارات والشكوك العامة. فالأمن الحقيقي لا يقوم على افتراض أن كل مواطن مشروع متهم، ولا على جعل الحرية امتيازا تمنحه السلطة لمن تثق به.
والأكثر إثارة للتساؤل أن مشروعا يقدم باعتباره وسيلة لمواجهة النفوذ الخارجي يمكن أن ينتهي إلى تحميل المواطنين العاديين عبء إثبات براءتهم مسبقا. فإذا كان الغرض حماية البلاد، فلماذا يصبح السفر في حد ذاته مناسبة للتحذير والاشتباه؟ ولماذا لا ينصب التركيز على الوقائع والأدلة، وعلى مساءلة المسؤولين عن الاختراقات الفعلية أينما حدثت، بدلا من توسيع دائرة الرقابة لتشمل المجتمع بأسره؟
لقد أوردت صحيفة "توسعه إيراني"، بحسب التقرير الذي بين أيدينا، انتقادا لمفارقة تستحق النقاش: إن إغلاق طريق المواطنين إلى العالم لا يعني بالضرورة إغلاق طريق النفوذ. وهي ملاحظة تصيب جوهر المشكلة؛ فالمجتمعات المنفتحة لا تفقد مناعتها لمجرد اتصالها بالعالم، كما أن العزلة لا تشكل ضمانة ضد الفساد أو الاختراق. بل إن غياب الشفافية وضعف المساءلة قد يخلقان بيئة يصعب فيها كشف التجاوزات الحقيقية.
ولا تتوقف المسألة عند حرية السفر. فحين تحاصر حركة الإنسان، ويضيق على اتصاله بالمؤسسات الإعلامية والثقافية خارج بلاده، تتقلص كذلك قدرته على المقارنة واكتساب المعرفة وتكوين رأي مستقل. وهكذا تتجاوز الرقابة حدود الإجراء الأمني لتصبح وسيلة للتأثير في وعي المجتمع نفسه، وتحديد ما يسمح له بمعرفته ومن يحق له التواصل معه.
إن السلطة الواثقة لا تخشى المواطن الذي يرى العالم، ويسمع آراء مختلفة، ويقارن بين التجارب. أما تحويل السفر إلى ملف أمني مفتوح فيبعث برسالة معاكسة: أن الاتصال بالخارج خطر ينبغي ضبطه، وأن المواطن لا يؤتمن على قراراته إلا تحت مراقبة الدولة.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: كيف يمكن الحديث عن حماية الاستقلال الوطني بينما تعامل حرية المواطن وكأنها تهديد لهذا الاستقلال؟ إن الوطن ليس ملكا للأجهزة الأمنية، والمواطن ليس ضيفا يحتاج إلى إذن معنوي كي يتواصل مع البشرية. السيادة الوطنية لا تعني مصادرة الحقوق الفردية، كما أن مواجهة التدخل الخارجي لا تبرر تحويل المجتمع إلى مساحة اشتباه جماعي.
والأمن الذي لا يستند إلى القانون والمساءلة يظل معرضا للتحول إلى أداة لحماية السلطة من النقد، بدلا من حماية المجتمع من المخاطر. لذلك فإن الاختبار الحقيقي لأي مشروع من هذا النوع لا يكمن في اسمه أو الشعارات التي ترفعه، بل في مواده القانونية، وحدود صلاحيات الأجهزة، والضمانات التي تمنع التعسف، والسبل المتاحة للمواطن للطعن في القرارات التي تمس حقوقه.
إن مواجهة النفوذ الأجنبي تبدأ ببناء دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في قوانينها، شفافة في إدارتها، وواثقة من مواطنيها. أما حين يطلب من المواطن أن يشرح مسبقا لماذا يريد السفر، ومع من سيلتقي، وما الذي قد يفعله خارج الحدود، فإن السؤال الأهم يصبح: من الذي يحتاج إلى الحماية من من؟
ليس الانفتاح خيانة، وليس الاختلاف دليلا على العمالة، وليس التواصل مع العالم جريمة. وإذا كانت الدولة تريد من مواطنيها الدفاع عن استقلالها، فعليها أولا أن تحترم استقلالهم الإنساني والقانوني. فالدولة التي تجعل الخوف أساس علاقتها بالمجتمع قد تستطيع فرض الصمت لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تجعل الصمت دليلا على الثقة، ولا أن تحول الرقابة إلى بديل عن الشرعية.



#سعاد_عزيز (هاشتاغ)       Suaad_Aziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران أمام اختبار الغضب الشعبي: حين تتحول الأزمات المتراكمة ...
- لحرس الثوري الإيراني: من أداة داخلية إلى مصدر قلق دولي يستدع ...
- هل يؤمن النظام الإيراني بالتعايش السلمي؟
- الإعدامات في إيران: أزمة شرعية تتجاوز حدود القمع إلى معركة ا ...
- العراق بين وهم نزع السلاح وحقيقة الهيمنة الإيرانية
- إيران في قبضة الرقابة: حين يصبح حجب الحقيقة شرطا لبقاء السلط ...
- أذرع إيران في الخارج: عبء لا يستطيع النظام التخلي عنه
- حين يخشى النظام غضب الشارع: الاقتصاد الإيراني يضع السلطة أما ...
- كيف تغيرت معادلة الأمن الداخلي في إيران؟
- النظام الإيراني ومعضلة الاحتواء: لماذا لا غنى عن العامل الشع ...
- الاستنفار الأمني في إيران... حين يتحول القلق من الشارع إلى س ...
- حين يصبح رجل الدين رمزا للسلطة: هل تتزايد الكراهية للمؤسسة ا ...
- الإعدام كأداة بقاء مهزومة
- ولاية الفقيه حين تسقط من الرأس إلى الشارع
- حين تتحول الشوارع إلى مقياس للقوة
- إيران في ظل نظام الملالي: حين يتآكل الداخل ويتمدد الخطر إلى ...
- بعد خامنئي... هل تغير الأشخاص أم بدأت أزمة النظام؟
- نظام يفاوض تحت النار ويهدد تحت الضغط
- إيران أمام هاجس الانتفاضة
- حين تنتفض المرأة.. يبدأ النظام في فقدان السيطرة


المزيد.....




- كـ-بطة عرجاء-.. كيف يُتوقع أن يتعامل ترامب مع كونغرس -ديمقرا ...
- ترامب يراجع حظر تفريغ ناقلات الديزل الروسي
- إسرائيل تستحضر -خطر حزب الله- وسط أزمة تكليف وتشكيل حكومة وص ...
- النائب الجمهوري ماسي يسعى لتمرير تصويت جديد في الكونغرس الأم ...
- عمدة كييف يحذر سكان العاصمة من سيناريوهات صعبة في الشتاء
- ثقة الفرنسيين بماكرون تهبط إلى أدنى مستوى تاريخي لها
- 51 بطاقة حمراء في مباراة واحدة.. شجار جماعي قد يُدخل البرازي ...
- هل يصبح ترامب عبئًا على الجمهوريين بعد اكتساح الديمقراطيين ل ...
- أوكرانيا..هل وثّقت المشاهد إخراج مراهق من مركز احتجاز بعد تع ...
- بريطانيا: الحكومة تدافع أمام المحكمة العليا عن حظر مجموعة -ب ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعاد عزيز - حين يصبح السفر تهمة: سلطة تخشى انفتاح مجتمعها