نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث
(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)
الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 09:43
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لا تتقدم المعرفة بتكرار الروايات الشائعة، ولا تتطور الدراسات التاريخية والفقهية بالتسليم بما استقر في الكتابات السابقة، وإنما تنمو بالمراجعة والنقد وإعادة قراءة النصوص في ضوء سياقاتها الفكرية والسياسية. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية النقاشات التي تتناول تاريخ الفكر السياسي الشيعي، ولا سيما ما يتعلق بنشأة نظرية النيابة العامة، وتطور مفهوم ولاية الفقيه، وطبيعة العلاقة بين المرجعية الدينية والدولة الحديثة.
في هذا السياق، تثير بعض الأطروحات الواردة في كتاب (الدولة الموازية.. السستاني والمرجعية الدينية) للباحث والكاتب أحمد الكاتب جملة من الأسئلة التي تستحق البحث والمناقشة، لا بهدف التقليل من قيمة الجهد المبذول فيه، بل لإغناء الحوار العلمي، وتصحيح بعض التصورات، والكشف عن جوانب ربما لم تحظَ بما يكفي من الاهتمام.
إن البحث في نشأة نظرية النيابة العامة ينبغي، في تقديري، ألا يبدأ من المحقق الكركي بوصفه مبتكرها، بل من جذورها في كتابات الشيخ المفيد، وما ورد بشأنها لدى أبي الصلاح الحلبي وابن إدريس الحلي وغيرهما من الفقهاء المتقدمين. فثمة فرق بين نشأة الفكرة في التراث الفقهي وبين تطورها واتساع تطبيقاتها في مراحل لاحقة. ولا يقل عن ذلك أهمية إعادة النظر في الشخصيات التي أسهمت في تشكيل الفكر السياسي الفقهي. فإلى جانب النراقي، الذي حظي باهتمام واسع في الدراسات المتعلقة بولاية الفقيه، يستحق الشيخ حسن كاشف الغطاء، صاحب كتاب (أنوار الفقاهة)، دراسة أكثر عمقاً، ولا سيما في ضوء ما أراه من أهمية إسهاماته في بعض جوانب النظرية السياسية الفقهية.
وقد يكون تفاوت الحضور بين هاتين الشخصيتين مرتبطاً، جزئياً، بطبيعة كتابة تاريخ الفكر السياسي الشيعي، التي غلبت عليها في بعض جوانبها مركزية التجربة الإيرانية. ومن هنا، فإن تجاوز هذه المركزية يتيح إعادة اكتشاف إسهامات فقهية عراقية لم تنل الاهتمام الذي تستحقه، ويعيد الاعتبار إلى تعدد البيئات التي أسهمت في تشكيل هذا الفكر.
من القضايا التي تستدعي التوقف أيضًا وصف مشروع الميرزا النائيني بأنه محاولة لأسلمة الديمقراطية. فهذا التعبير، في تقديري، يحتاج إلى تدقيق؛ لأن مفهوم الديمقراطية بمعناه السياسي الحديث لا يبدو حاضراً في منظومته الفكرية بالوضوح الذي يسمح بإدراج مشروعه تحت هذا العنوان من دون تحفظ. وأرى أن دراسة العلاقة بين أفكار النائيني وأفكار عبد الرحمن الكواكبي يمكن أن تقدم مدخلاً مهماً لفهم تكوين رؤيته السياسية. بل إنني أميل إلى أن عدداً من الأفكار الأساسية التي عرضها النائيني في هذا المجال يجد أصوله لدى الكواكبي، الأمر الذي يستوجب إجراء مقارنة نصية وتاريخية بين الرجلين، بدل الاكتفاء بالتصنيفات العامة. فالتأثر الفكري لا يُثبت بالتشابه وحده، كما لا يُنفى بمجرد اختلاف المصطلحات، وإنما يحتاج إلى دراسة النصوص وتسلسل ظهور الأفكار والظروف التي أحاطت بها.
وفي السياق نفسه، ينبغي الحذر من تفسير بعض النصوص المنقولة عن اليزدي، والمنسوبة في أصلها إلى الشيخ أحمد كاشف الغطاء وأخيه الشيخ محمد الحسين، باعتبارها دليلاً على تبني مفهوم التقليد السياسي. فالمكانة الدينية والاجتماعية للمرجع قد تمنحه تأثيراً سياسياً واسعاً، لكن هذا التأثير لا يعني بالضرورة أنه يتبنى نظرية تجعل تقليده في الشؤون السياسية امتداداً لتقليده في الأحكام الشرعية. والفصل بين الأمرين ضرورة منهجية لفهم حدود السلطة الدينية وطبيعة حضورها في المجال العام.
ثورة العشرين: بين الرواية التاريخية والدليل الوثائقي
تظل ثورة العشرين واحدة من أكثر المحطات التاريخية العراقية حاجة إلى قراءة دقيقة تتجاوز الروايات المتوارثة إلى الوثائق والنصوص الأصلية. ومن المسائل التي أرى ضرورة التحقق منها القول إن الشيخ محمد تقي الشيرازي أصدر فتوى بالثورة؛ إذ لم أعثر، في حدود ما بحثت فيه، على نص صريح يثبت صدور فتوى بهذا المضمون. لذلك، فإن السؤال عن مصدر هذه الرواية ونص الفتوى، إن كان متوافراً، ليس اعتراضاً شكلياً، بل مطلب علمي تفرضه أهمية الحدث ومكانته في الذاكرة الوطنية العراقية.
أما قراءتي لدور عدد من الفقهاء الإيرانيين في تلك المرحلة، فتميل إلى أنهم أدوا أدواراً في الوساطة بين البريطانيين والثوار، أكثر من كونهم قادة مباشرين للثورة. وهذه وجهة نظر تحتاج، بطبيعة الحال، إلى الموازنة مع الوثائق والشهادات التاريخية، وإلى التمييز بين القيادة السياسية والميدانية، والتأثير الديني، والوساطة بين الأطراف المتصارعة. وينطبق هذا المبدأ أيضاً على الرواية المتعلقة بمغادرة الميرزا النائيني والسيد أبي الحسن الأصفهاني العراق. فربط مغادرتهما بمعارضة المعاهدة مع بريطانيا وحدها قد لا يقدم صورة مكتملة عن الظروف المحيطة بالحدث، خصوصًا مع وجود مسائل أخرى تتصل بالانتخابات ومقاطعتها، وموقفهما من الشيخ مهدي الخالصي.
أرى أن ثمة ضرورة للتمييز بين الإبعاد القسري والمغادرة الاختيارية، والنظر في احتمال أن تكون مغادرتهما قد جاءت في سياق التضامن مع الخالصي. فالتاريخ لا يستقيم بالاكتفاء بعنوان سياسي عام، وإنما يتطلب تفكيك الوقائع إلى دوافعها وملابساتها وأطرافها المختلفة.
وتتسع دائرة النقاش حين نصل إلى موقف السيد علي السيستاني من نظرية ولاية الفقيه. فالقول إنه لم يتناول موضوع النيابة يحتاج، في تقديري، إلى مراجعة نصوصه في مباحث الاجتهاد والتقليد، ولا سيما ما يتصل بوظائف الفقيه وحدود ولايته. فقد لا يبحث الموضوع دائماً تحت عنوان مستقل، لكن ذلك لا يعني غياب مضامينه عن النقاش الفقهي.
كما أرى أن من المهم دراسة نقد السيستاني لآراء الخميني في ضوء السياق التاريخي الذي صدرت فيه بعض مباحثه، ولا سيما السنوات الأخيرة من الحرب العراقية الإيرانية. ولدي قراءة خاصة لهذه المناقشات، سبق أن أشرت إليها في بعض كتاباتي، مفادها أن تأكيد السيستاني حدود التفويض الذي تستند إليه ولاية الفقيه يمكن أن يقرأ بوصفه اعتراضًا ضمنيًا على إطلاق سلطة الفقيه في اتخاذ القرارات السياسية الكبرى. وفي ضوء استمرار الحرب آنذاك، وما كان موجودًا داخل المجتمع الإيراني من اتجاهات تدعو إلى إنهائها، أحتمل أن يكون هذا النقد الفقهي قابلاً للقراءة بوصفه اعتراضاً غير مباشر على استمرار الحرب بقرار من الخميني. غير أنني أؤكد أن هذه قراءة تفسيرية للسياق الفكري والسياسي، وليست تصريحًا مباشراً من السيستاني بموقفه من الحرب، ولا يصح التعامل معها باعتبارها حقيقة ثابتة من دون أدلة نصية وتاريخية إضافية.
إن أهمية هذه المسألة تكمن في أنها تفتح باباً لدراسة العلاقة بين الاجتهاد الفقهي والقرار السياسي، وكيف يمكن للمناقشة النظرية أن تتضمن دلالات تتجاوز حدودها الاصطلاحية، من دون أن يجيز ذلك لنا تحميل النص ما لا يحتمل.
من هنا أيضاً، لا أتفق مع نسبة القول بالولاية العالمية المطلقة إلى السيستاني. فعدم حصر الولاية في إقليم جغرافي ثابت لا يعني بالضرورة امتدادها إلى العالم كله بلا قيود. وينبغي، في هذا السياق، التمييز بين نطاق التفويض الذي يمنحه الناس للفقيه، والموارد التي تثبت فيها الولاية من باب الحسبة، وبين افتراض سلطة عالمية مطلقة لا تتحدد بحدود أو شروط.
إن تحديد نطاق الولاية يستلزم الرجوع إلى النصوص الفقهية ذات الصلة، وفهم مصادر مشروعيتها وحدودها، بدل الاكتفاء باستنتاجات عامة قد تخلط بين تعدد مجالات ممارسة الولاية وبين إطلاقها.
ومن القضايا التي أرى أنها تستحق مساحة أوسع في دراسة تاريخ الفكر السياسي الإمامي التحول من مفهوم (النيابة عن الإمام المعصوم) إلى بروز مفهوم (ولاية الفقيه) بصورة أكثر وضوحاً في الخطاب الفقهي، ولا سيما خلال القرن التاسع عشر. وأعتقد أن دراسة هذا التحول لا تكتمل من دون بحث أثر الشيخ أحمد الأحسائي ومدرسته الشيخية في النقاشات التي دارت حول موقع الفقيه وصلاحياته. فقد ميز التصور الشيخـي بين الفقيه العام الذي يرجع إليه الناس في الأحكام الشرعية، والفقيه الخاص الذي تنسب إليه الولاية ومقام (الركن)، مع القول بخصوصية موقعه وصلته بالإمام المهدي.
في مواجهة هذه الأطروحة، اتجه الفكر الأصولي إلى تأكيد أن ما يثبت للفقيه من صلاحيات ينبغي أن يستند إلى الفقاهة والاجتهاد والأدلة الشرعية، لا إلى ادعاء مقام استثنائي أو صلة خاصة بالإمام الغائب. وبذلك لم يقتصر الخلاف بين المدرستين على تحديد الشخص الذي يحق له ممارسة الولاية، بل امتد إلى السؤال الأعمق: ما مصدر هذه الصلاحية، وما الأساس الذي يمنحها مشروعيتها؟ وهنا تكمن أهمية تتبع التحولات الاصطلاحية والفكرية؛ فهي لا تعكس مجرد تغير في اللغة الفقهية، بل قد تكشف عن تحولات في فهم السلطة الدينية ومصادرها وحدودها. غير أن إثبات العلاقة السببية بين هذه التحولات وتأثير المدرسة الشيخية يتطلب دراسة تاريخية مقارنة للنصوص، لا الاكتفاء بالتزامن الزمني أو التشابه في المصطلحات.
المؤسسة الدينية والدولة الحديثة
إن هذه الأسئلة جميعها تقودنا إلى القضية الأوسع: طبيعة العلاقة بين المؤسسة الدينية والدولة الحديثة. وهي قضية لا تتعلق بالنقاش الفقهي وحده، بل تمتد إلى الرقابة المالية، وإدارة الأوقاف والمؤسسات الدينية، والسيادة القضائية، والتقليد، وحدود تدخل المرجعيات في الشأن العام. وأرى أن معالجة هذه المسائل تقتضي التمييز بين المرجعية الدينية بوصفها مؤسسة اجتماعية وأخلاقية تؤدي دورًا في حياة المجتمع، وبين الدولة بوصفها مؤسسة سياسية وقانونية تستمد شرعيتها من الأمة، وتخضع سلطاتها للدستور والقانون والمساءلة. ولا يعني هذا الفصل الانتقاص من مكانة المؤسسة الدينية أو إنكار تأثيرها الاجتماعي، بل يعني تحديد المسؤوليات والصلاحيات، ومنع التداخل غير المنضبط بين المجال الديني ومؤسسات الدولة، بما يحفظ استقلال المؤسسات وحقوق المواطنين ومبدأ سيادة القانون.
إن الدولة الحديثة لا تستقيم إذا ظلت مصادر السلطة فيها ملتبسة، كما أن المؤسسة الدينية لا تحتاج إلى امتلاك أدوات الدولة كي تؤدي دورها الأخلاقي والاجتماعي. فوضوح الحدود بين المجالين يمكن أن يتيح علاقة أكثر توازنًا، قائمة على احترام القانون، وصيانة حرية الاعتقاد، وحماية الحقوق، وإخضاع المؤسسات العامة للمساءلة.
إن مناقشة كتاب (الدولة الموازية) وما يثيره من قضايا لا ينبغي أن تتحول إلى سجال شخصي أو محاولة لتثبيت موقف مسبق، بل إلى فرصة لإعادة قراءة تاريخ الفكر السياسي الشيعي، ومراجعة مصادره، والكشف عن تعدد مدارسه وبيئاته وإسهاماته. ومن هذا المنطلق، أقدر الجهود النقدية التي تسعى إلى مساءلة الموروث وإعادة النظر في الروايات السائدة، وأرى أن الاختلاف مع بعض الاستنتاجات لا ينتقص من قيمة العمل، بل قد يمنحه مزيدًا من الحيوية، متى استند إلى المصادر الدقيقة والحجج القابلة للفحص والمراجعة.
فالبحث الرصين لا يكتفي بإعادة إنتاج ما قيل، ولا يتعامل مع الشخصيات التاريخية بوصفها رموزاً فوق النقد؛ وإنما يضع الأفكار في سياقاتها، ويميز بين الوثيقة والتفسير، وبين الواقعة والاستنتاج، وبين التأثير الفكري والتطابق في الرأي.
إن حاجتنا اليوم ليست إلى تاريخ يكتب من مركز واحد، ولا إلى فقه يقرأ بمعزل عن تحولات المجتمع والدولة، بل إلى معرفة نقدية تنصف الشخصيات التي غُيّبت إسهاماتها، وتراجع الروايات التي لم تخضع بما يكفي للفحص، وتفتح المجال أمام حوار علمي يحترم الاختلاف ولا يخشى السؤال.
فبقدر ما نمتلك شجاعة مراجعة أفكارنا، ونزاهة التعامل مع مصادرنا، وقدرة التمييز بين الحقيقة والتأويل، نستطيع أن نعيد قراءة تراثنا بعيداً عن التقديس غير النقدي، وأن نجعل من البحث التاريخي والفقهي أداة لفهم الحاضر، لا مجرد استعادة للماضي.
#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)
Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟