أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نبيل عبد الأمير الربيعي - معركة السفور في العراق: حين تحولت إلى قضية مجتمع















المزيد.....

معركة السفور في العراق: حين تحولت إلى قضية مجتمع


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 09:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكن معركة السفور في العراق مجرد خلاف على الحجاب أو العباءة، ولم تكن معركة بين زي وآخر بقدر ما كانت مواجهة فكرية واجتماعية حول طبيعة المجتمع العراقي الذي أخذ يتشكل مع قيام الدولة الحديثة في عشرينيات القرن الماضي. فقد طرحت هذه المعركة سؤالاً يتجاوز المظهر الخارجي للمرأة إلى موقعها في المجتمع، وحقها في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، وحدود سلطة التقاليد في تقرير مصيرها. كانت القضية، في جوهرها، جزءاً من صراع أوسع بين قوى التجديد ومؤسسات المحافظة الاجتماعية، في مرحلة أخذت فيها الصحافة والمدرسة والمنتديات الثقافية تؤدي دوراً متنامياً في تشكيل الوعي العام.
تعود جذور الجدل إلى أواخر العهد العثماني، حين بدأت الأسئلة المتعلقة بالتعليم والإصلاح ومكانة المرأة تفرض نفسها على النخب الثقافية. غير أن قيام الدولة العراقية عام 1921 أتاح لهذه الأسئلة مجالاً أوسع، في ظل محاولات بناء مؤسسات حديثة وتوسيع التعليم وتنامي تأثير الصحافة والأفكار الإصلاحية العربية والعالمية.
في هذا المناخ، برز الشاعر جميل صدقي الزهاوي مدافعاً عن حقوق المرأة وناقداً القيود التي تحول دون تقدمها، كما ارتبط اسم معروف الرصافي بالدعوة إلى إصلاح المجتمع ومواجهة مظاهر التخلف والجمود. ولم يكن اهتمام هؤلاء بالمظهر منفصلاً عن رؤيتهم لمكانة المرأة، بل ارتبط بإشكالية أعمق تتمثل في العلاقة بين النهضة الاجتماعية واستمرار إخضاع النساء لأعراف تحد من استقلالهن. ومع ذلك، لا يصح اختزال جميع مواقف دعاة السفور في رؤية واحدة، كما لا يجوز تصوير جميع المحافظين باعتبارهم كتلة متجانسة. فقد تباينت المواقف والدوافع، واختلفت التصورات بشأن العلاقة بين الدين والتقاليد والتحديث، لكن القضية كشفت بوضوح عن حجم التوتر الذي رافق انتقال المجتمع العراقي إلى مرحلة جديدة.
لقد شهدت عشرينيات القرن الماضي تصاعداً ملحوظاً في النقاش بشأن المرأة، وأصبحت الصحافة إحدى أهم ساحاته. ومن المحطات البارزة في هذا السياق صدور مجلة (الصحيفة) في 28 كانون الأول 1924، وارتباطها بمجموعة من المثقفين الشباب، من بينهم حسين الرحال ومحمود أحمد السيد ومصطفى علي وسليم فتاح.
مثلت المجلة اتجاهاً فكرياً يدعو إلى التجديد الاجتماعي وتحرير المرأة وتوسيع حقوقها، في وقت كانت فيه أصوات محافظة تحذر من آثار السفور في القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية. وهكذا تحولت الصحف إلى فضاء تتواجه فيه الحجج والمواقف، وتطرح عبر صفحاتها أسئلة تتعلق بحدود الحرية الفردية وطبيعة المجتمع الذي ينبغي للعراق أن يبنيه. ولم يكن هذا الجدل محلياً معزولاً، بل تأثر بالنقاشات التي شهدتها المجتمعات العربية بشأن النهضة والتعليم وحقوق النساء. ومع ذلك، اكتسب خصوصيته العراقية من ظروف تأسيس الدولة الجديدة، ومن التفاوت بين تطلعات النخب الثقافية والقيود الاجتماعية السائدة.
من المهم ألا نقرأ معركة السفور باعتبارها سجالاً بين رجال يتحدثون باسم المرأة، فالتاريخ العراقي شهد منذ عشرينيات القرن الماضي بدايات واضحة لنشاط نسوي منظم، سعت من خلاله النساء إلى انتزاع مساحة أوسع للتعبير والعمل والمشاركة. ففي عام 1923 أصدرت بولينا حسون مجلة (ليلى)، التي تعد من البدايات المهمة للصحافة النسوية العراقية. وفي 23 تشرين الثاني 1924 افتتح نادي النهضة النسائية في بغداد، في خطوة عكست انتقال الاهتمام بقضايا المرأة من مستوى النقاش الفكري إلى مستوى التنظيم والنشاط الاجتماعي.
كانت هذه المبادرات مؤشراً إلى أن المرأة العراقية لم تكن مجرد موضوع للجدل بين المحافظين والمجددين، بل أخذت تتحول تدريجياً إلى طرف مشارك في صياغة الأسئلة المتعلقة بمستقبلها. ومع أن هذه الحركة واجهت قيوداً اجتماعية وثقافية، فإنها أسهمت في توسيع المجال العام وفتح الطريق أمام أجيال لاحقة من النساء. إن هذه الحقيقة تستحق التأكيد؛ فتحرير المرأة في العراق لم يكن فكرة مستوردة فحسب، بل ارتبطت أيضاً بتجارب عراقية محلية وبنساء امتلكن الشجاعة للمطالبة بالتعليم والاستقلال والمشاركة في الحياة الثقافية والاجتماعية.
لم تنتهِ معركة السفور بانتصار نهائي لطرف على آخر، لأن التحولات الاجتماعية لا تحسم بقرار واحد أو موقف عابر. فقد استمر الجدل في العقود التالية، وتداخل مع توسع تعليم الفتيات، وازدياد مشاركة النساء في الوظائف، ونمو الحركات السياسية والثقافية والنسوية. وفي الأربعينيات والخمسينيات، ارتبطت بعض التيارات اليسارية والطلابية بالدعوة إلى التخلي عن العباءة، بوصف ذلك تعبيراً عن التحرر من القيود التقليدية. لكن هذه المرحلة تكشف أيضاً عن مفارقة ينبغي عدم إغفالها: فقد تتحول الدعوة إلى التحرر نفسها إلى ضغط اجتماعي إذا طالبت المرأة بالتخلي عن لباسها لإثبات تقدمها أو انتمائها إلى تيار بعينه.
فالحرية لا تتحقق باستبدال إلزام بآخر، ولا يمكن بناء مجتمع ديمقراطي بفرض نموذج واحد للسلوك أو المظهر. وإذا كان من حق المرأة أن تتحرر من القيود التي تمنعها من التعليم والعمل والمشاركة، فمن حقها كذلك أن تختار لباسها من دون تهديد أو إكراه، سواء اختارت الحجاب أم السفور.
إن استعادة هذه المعركة اليوم لا ينبغي أن تكون مناسبة لتصفية الحسابات مع الماضي أو لإدانة المجتمع العراقي بأثر رجعي، بل فرصة لفهم التحولات التي صنعت جانباً من تاريخه الحديث.
لقد كان الجدل حول السفور جزءاً من سؤال النهضة: كيف يمكن لمجتمع أن يحافظ على هويته الثقافية والدينية، وفي الوقت نفسه يفتح أبوابه أمام المعرفة والتعددية وحقوق الإنسان؟ وهذا سؤال لا يجاب عنه بإقصاء التراث أو بتقديسه، وإنما بإخضاع الممارسات الاجتماعية للنقاش العقلاني، والتمييز بين الإيمان بوصفه اختياراً روحياً، واستخدام الدين أو العرف لتبرير مصادرة حقوق الآخرين.
كما أن المظهر الخارجي لا يصلح معياراً وحيداً للحكم على وعي المرأة أو تحررها. فقد تكون المرأة سافرة لكنها محرومة من حقوقها الاقتصادية والاجتماعية، وقد تكون محجبة وتمتلك استقلالاً فكرياً ومكانة فاعلة في المجتمع. المعيار الحقيقي هو قدرتها على الاختيار، ومدى تمتعها بحقوقها، ومشاركتها في صنع القرارات التي تمس حياتها ومستقبلها. ومن هنا، فإن الدرس الأهم من معركة السفور هو أن حرية المرأة لا تمنح لها بوصفها منحة من الرجل أو المجتمع، بل تصان باعتبارها حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان.
لذلك تظل معركة السفور في العراق واحدة من المحطات المهمة في تاريخ الفكر الاجتماعي العراقي، لأنها كشفت أن الخلاف حول المظهر قد يخفي وراءه صراعاً أعمق على الحرية والسلطة والمعرفة ومكانة الفرد في المجتمع.
لقد أسهم الزهاوي والرصافي ومثقفو جماعة (الصحيفة) وغيرهم في فتح أبواب النقاش، فيما شاركت النساء العراقيات في تحويل المطالب النظرية إلى مبادرات ثقافية واجتماعية. ولم تكن التحولات اللاحقة ثمرة موقف فرد أو تيار واحد، بل حصيلة مسار طويل تشابكت فيه عوامل التعليم والسياسة والثقافة والتغير الاجتماعي.
إن المجتمع الذي يحترم المرأة لا يختزلها في لباسها، ولا يجعل جسدها ميداناً للصراع الأيديولوجي، بل يعترف بها إنساناً كامل الحقوق والمسؤوليات. فمعركة الحرية الحقيقية ليست معركة السفور ضد الحجاب، وإنما معركة حق الإنسان في الاختيار ضد كل أشكال الإكراه والتمييز.
المصادر والمراجع
1- خيري العمري، حكايات سياسية من تاريخ العراق الحديث، في موضوع معركة السفور.
2- إبراهيم خليل العلاف، «جماعة الصحيفة 1924–1932: فصل من تاريخ حركة الفكر والثقافة العراقية المعاصرة»، الحوار المتمدن، 24 آذار 2008.
3- خليل علي حيدر، صفحة من تاريخ المرأة في العراق، جريدة الجريدة الكويتية، 1 و2 كانون الأول 2016.
4- حيدر محمد الكعبي، النسوية العراقية في قرن: أضواء على تاريخ النشاط النسوي في العراق (1923–2023)، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية.
5- خالد القشطيني، معركة العباءة في العراق، مادة تاريخية عن استمرار الجدل الاجتماعي في العقود اللاحقة.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المدنية في العراق: من هوية الانتماء إلى دولة المواطنة
- مسك محمد المرعب تخطو بثقة نحو عوالم التشكيل في معرضها الأول ...
- سعد مبارك.. الفنان الذي حول شناشيل الحلة إلى ذاكرة من خشب وض ...
- فيصل لعيبي بعد نصف قرن… يا لفرحٍ يشبه البكاء
- بدل رفو.. من ذاكرة المنفى إلى أسئلة الثقافة والإنسان
- سلام إبراهيم.. روائي يكتب في ذاكرة الحرب والاستبداد والمنفى
- الحزب الشيوعي العراقي والحوار المربك: أين الرؤية السياسية؟
- من الشطرة إلى أمريكا.. نقش في الذاكرة
- رفعت الجادرجي.. حين تصبح العمارة ذاكرةً وهويةً وفكراً
- كوكب حمزة.. والكتاب الذي حاول إنقاذ الذاكرة من النسيان
- محمد السعدي.. من جبل كوردستان إلى منفى السويد سيرة مناضل وذا ...
- د. نجاح طاهر العميشي... مثقف يقرأ بوعي
- قافز الموانع.. رواية تفكك صناعة القداسة
- حين يصبح الوهم حارساً للسلطة
- المخبر السري.. آخر اختراعات مكافحة الفساد!
- إيران بين وهم القوة وفاتورة الحصار وثمن أخطاء القيادة
- ما أجمل أيام زمان، زمن الزيتوني وتقارير الرفاق اليومية!
- قاليباف في بغداد.. بين النظام الإقليمي الجديد وسيادة العراق
- حين يصبح التاريخ امتحاناً للحاضر.. الحزب الديمقراطي الكوردست ...
- النحات سامي محمد.. وتحول المنحوتة إلى ذاكرة للإنسان


المزيد.....




- بعد هزيمة حزبه في الانتخابات.. ترامب يوضح مصير وزير دفاعه
- صور-رومانسية- لبيرلا حرب مع جوزيف عطية على أنغام -عم حبو كتي ...
- أوروبا.. آمال بعودة العلاقات عبر الأطلسي
- زعيم الديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي يتعهد بوقف حرب إيران ...
- سلام يحذر من جر لبنان لحرب جديدة
- ممداني يشير إلى دلالة كبيرة وراء فوز عبدول السيد على -حيتان ...
- سوريا تشدد على مواطنيها في مصر: احملوا وثائقكم واحذروا الشائ ...
- الرياض ودمشق.. التعاون وملفات الإقليم
- مقتل شخصين في إطلاق نار بمجمع مكاتب -سيتي بنك- بفلوريدا
- رغم هزيمة الجمهوريين: ترامب يدافع عن حرب إيران ويدعم وزير ال ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نبيل عبد الأمير الربيعي - معركة السفور في العراق: حين تحولت إلى قضية مجتمع