نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث
(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)
الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 13:03
المحور:
كتابات ساخرة
هناك من يستعيد الماضي بحنين عجيب، ويقول لك، بنبرة يغلب عليها الشجن: (الله على أيام زمان، زمان القائد الضرورة… ما أجملها!)
ولأن الذاكرة العراقية قصيرة أحياناً، أو لأنها تصاب بمرض انتقائي غريب، يصبح من الضروري أن نعيد تشغيل شريط الماضي، ولكن هذه المرة من دون موسيقى حزينة، ومن دون فلاتر تجميلية، فأنا من مواليد عام 1958م، ومررت بأيام الزمن الجميل، زمن الزيتوني وتقارير الرفاق اليومية، والجرد اليومي للبيوتات، والسؤال؛ هل لديكم شقيق أو أحد من الدرجة الرابعة معدوم لخيانته الوطن؟ هل لديكم هارب من الخدمة العسكرية؟ هل لديكم هارب خارج الوطن؟ الرجاء أكتب لي عدد أفراد الأسرة!!!
نعم… ما أجمل أيام زمان!
ما أجمل أن تقف ساعتين في طابور من أجل طبق بيض، أو علبة معجون الطماطة، ثم تعود إلى بيتك مزهواً بالانتصار، بعد أن يقول لك شرطي الأمن المصاحب لوكيل بيع البيض أو معجون الطماطة؛ على المواطنين: (راجعنا الأسبوع المقبل)!
وما أجمل الأسواق وهي تخلوا من أبسط المواد، بينما تمتلئ نشرات الأخبار بالأزمات التي لا تنتهي. أزمة قرطاسية المدارس، أزمة الأجهزة الكهربائية، أزمة الأجهزة الدقيقة، أزمة النقل أيام الحرب العبثية مع إيران، وأزمة هناك، وأزمة فوق الأزمة… حتى صار المواطن نفسه يشعر أنه يعيش داخل (أزمة وطنية مستمرة).
وما أجمل حرية اختيار السيارة!
تسجل على سيارة في الشركة العامة للسيارات، وتدفع المبلغ لقاء وصل، وتنتظر عام أو أكثر حتى تحصل عليها، وأن اللون والموديل والنوع كلها من اختصاص (الجهات ذات العلاقة)، البرازيلي، الكرونا، التيوتا، الفولكا الروسي. أما أنت، فمهمتك أن تدفع وتسكت وتشكر الله على نعمة الاختيار! أو تدخل السوق لتشتري سيارة، فتكتشف أن السيارة اختارتك قبل أن تختارها أنت.
وما أجمل المدرسة!
قبل أن يسألوك عن الرياضيات والفيزياء والأدب، كان السؤال الأهم: لماذا لا تنتمي إلى الاتحاد الوطني لطلبة العراق؟ فالانتماء ليس خياراً، بل مادة دراسية، والولاء ليس شعوراً، بل امتحاناً يومياً، والنجاح فيه يحتاج إلى أن تحفظ ما يجب أن تقول، وما لا يجوز أن تفكر فيه أصلاً.
وما أجمل الاستمارات!
استمارة للمدرسة، وأخرى للعمل، وثالثة للسفر، ورابعة للأمن، وخامسة لا يعرف المواطن لماذا ملأها، لكنه يملؤها على أي حال، لأن الدولة تعرف عنه كل شيء، باستثناء السؤال البسيط: هل هو سعيد؟
أما إذا قررت أن تنتمي إلى حزب آخر، فهنا يصبح الأمر أكثر جمالاً. وقد لا تحتاج إلى محكمة، ولا إلى محامٍ، ولا حتى إلى تهمة واضحة. يكفي أن تكون في المكان الخطأ، أو أن تكون قريباً للشخص الخطأ، أو أن يعرفك الشخص الخطأ! وأحياناً يكفي أن تكون قد سمعت نكتة ولم تبلغ عنها. نعم، كانت النكتة في ذلك الزمن أخطر من القنبلة!
وما أجمل أن تستيقظ صباحاً فلا تجد جارَك. تسأل عنه، فيقال لك: (لا تسأل). فتفهم أن السؤال نفسه قد يكون تهمة. وبعد فترة تعرف أنه اختفى، ثم تعرف أنه أُعدم، ثم لا تعرف أين دفن. يا لها من دولة حريصة على مشاعر عائلة الضحية! حتى الجثمان كان يعامل كأنه وثيقة سرية!
وما أجمل أن يأتيك خبر استشهاد أخيك أو ابنك أو قريبك في الحرب العراقية الإيرانية، بينما أبناء أصحاب القرار يتابعون أخبار المعارك من أماكن أكثر أمناً وراحة. كان الوطن للجميع… لكن يبدو أن بعض المواطنين كانوا أكثر مساواة من بعض!
وما أجمل أن تقضي ثماني سنوات في الخنادق، بينما يتعلم أبناء المسؤولين فنون الحياة بعيداً عن صفارات الإنذار. ثم يعود إليك المسؤول ليحدثك عن البطولة والصمود والتضحية! أي تضحية؟ ومن دفع ثمنها؟ ومن قبض أرباحها؟ لا بأس… المهم أن نصفق.
وما أجمل أن تكون البقلاوة ترفاً، والبيبسي والتفاح والموز امتيازاً، والسفر حلماً، والدولار حلماً أكبر، والكهرباء ضيفاً عزيزاً لا يطيل المكوث!
وما أجمل أن تنصب جهاز استقبال فضائي (ستلايت)، فتتحول فجأة من مواطن إلى (حالة أمنية)! كان العالم كله يشاهدنا عبر الأقمار الصناعية، ونحن نعاقب لأننا حاولنا مشاهدة العالم!
وما أجمل أن يكون راتب المعلم والمدرس والموظف والمهندس سنوات طويلة أقل مما يكفي لشراء حاجيات أسبوع، أو طبقة بيض، بينما تفتح أبواب النعيم أمام أهل السلطة وحاشيتهم. كان الاقتصاد اشتراكياً في الشعارات، رأسمالياً في الامتيازات، وعبودياً في توزيع الثروة!
وما أجمل أن يكون الضابط ورجل الأمن والحزبي من أصحاب الحظوة، بينما المواطن العادي يكتشف أن أفضل قطعة أرض في البلاد قد ذهبت إلى شخص لم يعرف يوماً الفرق بين خدمة الوطن وخدمة السلطة.
وما أجمل (الدلالات)! كان هناك من يقف بين الدولة والمواطن ليأخذ حصته من كل شيء، حتى صار المواطن يشعر أن إنجاز معاملته يحتاج إلى موافقة الدولة، ورضا الدلال، وبركة المختار، وربما دعاء الوالدين!
وما أجمل الأمن! يأتي رجال الأمن، يطرقون الباب، يأخذونك معهم (لدقائق). ثم تتسع الدقائق إلى أيام، والأيام إلى أشهر. وبعد ستة أشهر يكتشفون أنك لست الشخص المطلوب! يا لها من كفاءة أمنية تستحق شهادة تقدير! المشكلة الوحيدة أنهم لم يعيدوا إليك الأشهر الستة!
وما أجمل الحرب! إذا فررت من الجبهة، تنتظرك كتيبة إعدام. وإذا بقيت، قد تتهم بالخيانة. وإذا انتقدت، فأنت خائن. وإذا صمت، فأنت مشبوه. وإذا تحدثت، فأنت أخطر! أما إذا قلت نكتة، فهنا لا تسأل عن مصيرك. أنت الآن مشروع تقرير أمني مكتمل الأركان!
ثم جاء اليوم الذي دخل فيه الأمريكان. وفجأة، حدثت المعجزة! اختفت خطابات البطولة، واختفى أصحابها. هربت القيادات، وتوارى المسؤولون، وغادر كثير من الذين كانوا يطالبون الناس بالموت من أجل الوطن، بينما اكتشف المواطن العراقي أن بعض (الأبطال) كانوا يحتاجون إلى طائرة أسرع من حاجتهم إلى بندقية! لقد انكمش كثيرون مثل الدجاج، فيما كان المواطن الذي اتهم بالجبن هو من بقي في الشارع!
وهنا بدأ العراقي يسأل نفسه:
من كان الجبان فعلاً؟ ذلك الذي بقي؟ أم ذلك الذي كان يهدد الناس بالموت ثم اختفى عند أول صافرة؟ وهنا تصبح عبارة (ما أجمل أيام زمان) أكثر إثارة للسخرية. لأن أجمل ما في تلك الأيام، على ما يبدو، أن هناك من يريدنا أن نتذكر الشعارات وننسى الضحايا، أن نتذكر الاستقرار وننسى الخوف، أن نتذكر قوة الدولة وننسى أن المواطن كان يخاف من الدولة!
يريدون منا أن نتذكر (هيبة الدولة) ولا نتذكر أن تلك الهيبة كانت أحياناً تعني أن يأتيك رجال الأمن منتصف الليل ولا يحق لك أن تسأل: إلى أين؟ يريدون منا أن نتذكر (الأمن) ولا نتذكر الذين اختفوا. أن نتذكر (الرخاء) ولا نتذكر الطوابير. أن نتذكر (الاستقلال) ولا نتذكر أن المواطن كان يحتاج إلى إذن كي يغادر وطنه. أن نتذكر (الكرامة) ولا نتذكر أن كلمة واحدة قد تجعل صاحبها بلا كرامة ولا وظيفة ولا بيت ولا قبر!
لكن المفارقة الأشد مرارة ليست في الماضي وحده. المفارقة أن بعض الذين يحنون إلى ذلك الماضي لا يفعلون ذلك حباً بالماضي، وإنما احتجاجاً على حاضر لم يحقق لهم ما وعدهم به.
وهنا نقول لهم: لا بأس أن تكرهوا حاضرنا. ولا بأس أن تنتقدوا فساد اليوم. ولا بأس أن تقولوا إن العراق بعد 2003 لم يحقق الدولة التي نحلم بها. لكن لا تجعلوا فشل الحاضر سبباً لتجميل الماضي. فساد اليوم لا يغسل استبداد الأمس. وسوء الخدمات اليوم لا يحول السجون القديمة إلى منتجعات. والفوضى الحالية لا تجعل المقابر الجماعية أكثر جمالاً. والسلاح المنفلت اليوم لا يجعل السلاح المنضبط بالأمس أقل رعباً حين كان موجهاً إلى صدر المواطن. واللصوص الذين سرقوا العراق اليوم لا يبرئون اللصوص الذين سرقوا أعمار العراقيين بالأمس.
العراق لا يحتاج إلى حنين أعمى. يحتاج إلى ذاكرة يقظة. ذاكرة لا تسب الماضي لأنها تكره الماضي، ولا تقدسه لأنها تكره الحاضر. ذاكرة تقول الحقيقة كاملة: كان هناك خوف. وكان هناك قمع. وكانت هناك حروب. وكان هناك حصار. وكان هناك فقر. وكان هناك فساد. وكان هناك أيضاً أناس شرفاء قاوموا الظلم ودفعوا أثماناً باهظة. وكان هناك مواطنون عاشوا وماتوا وهم يحلمون بوطن طبيعي، لا يطلب منهم فيه أن يهتفوا كي يثبتوا أنهم وطنيون، ولا أن يصمتوا كي يثبتوا أنهم غير خونة.
لذلك، عندما يقول لنا أحدهم: (الله على أيام زمان!) نجيبه بابتسامة ساخرة: نعم، الله على تلك الأيام… لكن دعونا نتذكرها كلها. دعونا نتذكر الطوابير، والسجون، والإختفاءات، والحروب، والبطاقات، والاستمارات، والخوف، والجوع، والرقابة، والنكات الممنوعة، والهتافات الإجبارية، وأبناء المسؤولين الذين كانوا يعرفون طريقاً آخر غير طريق الخندق.
ودعونا نتذكر أيضاً الذين بقوا. الذين دفعوا الثمن. الذين لم تكن لهم قصور ولا طائرات ولا حماية ولا جوازات خاصة. الذين كان الوطن بالنسبة إليهم بيتاً لا شعاراً. أما إذا كان البعض يريد أن يعيد لنا (أيام زمان) بحذافيرها، فليتفضل. ولكن بشرط واحد: أن يعيد معها كل شيء. الطوابير. والخوف. والسجون. والحروب. والاستمارات. والرقابة. والنكات التي لا تُضحك. والقنابل التي لا تصل إلى بيوت المسؤولين. والأهم من ذلك كله… أن يعيد لنا أعمار الذين ضاعت أعمارهم! أما نحن، فقد شبعنا من عبارة: (ما أحلى أيام زمان)! فقد كانت (حلوة) إلى درجة أننا ما زلنا، بعد كل هذه العقود، نحاول أن نتذوق مرارتها!
والسؤال اليوم: هل كانت أيام زمان جميلة؟ بل: هل تعلمنا منها شيئاً؟ لأن الكارثة الحقيقية ليست أن يحن بعض الناس إلى الماضي… الكارثة أن نعيد إنتاجه بأسماء جديدة، ووجوه جديدة، وشعارات جديدة، ثم نطلب من الضحية أن يصفق ويقول:
(الله… ما أحلى أيام زمان!).
اللوحة المصاحبة للمقال من إنتاج الذكاء الاصطناعي؛ وربما لو كان هذا الذكاء قد عاش في سنوات حكومة البعث، لاحتاج هو الآخر إلى طبيب نفسي!
#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)
Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟