أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - نبيل عبد الأمير الربيعي - الألم يوحّد العراقيين… حلبجة صفحة مضيئة في سجل الإنسانية














المزيد.....

الألم يوحّد العراقيين… حلبجة صفحة مضيئة في سجل الإنسانية


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 10:01
المحور: المجتمع المدني
    


في لحظات الحزن الكبرى، حين تتراجع التفاصيل الصغيرة أمام ثقل الفاجعة، تتكشف المعادن الأصيلة للشعوب، ويظهر ما تختزنه المجتمعات من قيم إنسانية راسخة تتجاوز الخطابات والشعارات. فالمحن ليست مجرد أحداث عابرة في حياة الأمم، بل هي مرآة صادقة تعكس عمقها الأخلاقي، وقدرتها على التراحم والتضامن، وإعادة تعريف معنى الانتماء المشترك.
وفي هذا السياق، جاء المشهد الإنساني الذي شهدته مدينة حلبجة ليقدم مثالاً بالغ الدلالة على وحدة الألم العراقي، حين استقبلت المدينة والد الطفلة الكربلائية (رقية) بعد رحيلها المأساوي، في موقف تجاوز حدود التعزية التقليدية ليصبح رسالة وطنية وإنسانية عميقة، مفادها أن الحزن حين يكون صادقاً، يصبح لغة جامعة، وأن الألم يمكن أن يكون أحد أقوى عوامل التلاقي بين البشر مهما اختلفت مدنهم أو تنوعت انتماءاتهم.
إن ما جرى في حلبجة لم يكن مجرد فعل تعاطف عابر، بل كان تجسيداً حياً لفكرة (الوطن المشترك) بمعناها الأخلاقي والوجداني، حيث تتداخل المشاعر قبل أن تتقاطع المصالح، وتلتقي القلوب قبل أن تلتقي المواقف. لقد بدا واضحاً أن الفاجعة لم تُقرأ بوصفها حدثاً فردياً، بل بوصفها جرحاً إنسانياً مفتوحاً، يخص الجميع دون استثناء.
لقد عبر أهالي حلبجة، بمختلف مكوناتهم، إلى جانب السيدة (نوخشة صالح) محافظ حلبجة، عن قيم راسخة من الوفاء والتراحم والتكافل، وهي القيم التي طالما شكلت جزءاً أصيلاً من الذاكرة الأخلاقية للشعب الكوردي، بل وللشعب العراقي عموماً. كانت الورود التي قُدمت، والكلمات التي قيلت، والدموع التي سالت، أبلغ من أي خطاب سياسي أو بيان رسمي، لأنها خرجت من عمق الشعور الإنساني، لا من سياق المجاملة أو البروتوكول.
ولعل الأثر الأعمق في هذا المشهد يتمثل في كونه أعاد التذكير بأن العراق، رغم ما مر به من انقسامات وصراعات وآلام، ما يزال قادراً على إنتاج لحظات نقية تعيد الثقة بالإنسان قبل كل شيء. ففي لحظة فقد الطفلة رقية، لم تكن الهويات الفرعية حاضرة بقدر ما حضرت الهوية الإنسانية الجامعة، التي تذوب أمامها المسافات بين كربلاء وحلبجة، وبين الجنوب والشمال، وبين كل المدن التي يجمعها وطن واحد ووجع واحد.
إن مشاركة المواطنين، والشرطة، والبيشمركة في عمليات البحث والمساندة، لم تكن مجرد إجراءات ميدانية، بل كانت تعبيراً عملياً عن معنى التضامن الحقيقي، ذلك التضامن الذي لا يعلن في البيانات، بل يمارس في الميدان، حين يصبح الألم مسؤولية مشتركة، والإنقاذ واجباً إنسانياً لا يعرف الحدود.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن ما جرى قدم درساً بالغ الأهمية في معنى المواطنة الحقيقية، تلك المواطنة التي لا تختزل في الانتماء الإداري أو السياسي، بل تتجسد في القدرة على الشعور بالآخر، ومشاركته ألمه، والوقوف إلى جانبه في لحظة الانكسار الإنساني.
لقد كشفت هذه الواقعة أن المحبة والرحمة ما تزالان أقوى من كل ما يفرّق الناس، وأن الوجدان العراقي، رغم تراكمات السياسة والاختلاف، ما يزال يحتفظ بقدر عالٍ من الصفاء الإنساني الذي يظهر في اللحظات الحرجة. فحين يحضر الموت، تتراجع كل العناوين، ويبقى الإنسان هو العنوان الأسمى.
إن ما قامت به حلبجة في هذه المناسبة المؤلمة يستحق أن يُسجل بوصفه صفحة بيضاء في تاريخ الأخوة الإنسانية داخل العراق، صفحة لا تُقرأ فقط بوصفها حدثاً عاطفياً، بل بوصفها قيمة أخلاقية يمكن البناء عليها في ترسيخ مفهوم الشراكة الوطنية الحقيقية. فالأوطان لا تُبنى فقط بالسياسة والاقتصاد، بل تُبنى أيضاً بالمواقف النبيلة التي تعيد تعريف معنى العيش المشترك.
وفي نهاية المطاف، يبقى هذا المشهد شاهداً على حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن الألم حين يُشارك، يصبح أخف، وأن الإنسانية حين تتجلى، تجعل من الفاجعة فرصة لإعادة اكتشاف ما هو أجمل فينا. لقد كان الحزن واحداً، والدعاء واحداً، والوفاء واحداً… وهكذا فقط تُكتب معاني الوطن حين يكون الإنسان هو جوهره الأول والأخير.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البقاء على قيد المهزلة: قراءة في كتاب الأديب ثامر الحاج أمين
- كريم عباس حسن وسرديات الذاكرة والمنفى في الرواية العراقية ال ...
- سلام إبراهيم.. سردية المنفى والذاكرة والجسد المعذّب
- ثامر الحاج أمين.. حارس الذاكرة الثقافية في الديوانية
- العرب بين ثقافتي الهند وفرنسا: قراءة في حوار كامل الزهيري مع ...
- العاشقة والسكير: سردية المنفى والتجربة الإنسانية
- إدغار موران.. قرنٌ من الفكر في مواجهة تعقيد العالم
- نظرية نوري جعفر في الإبداع وآليات الدماغ
- أصحاب الظل في زمن التسويق الثقافي أو (المسوگجية)
- قراءة في كتاب (نوري جعفر: رجل النهضة والإصلاح) للأستاذ ياسر ...
- يونس بحري.. من إذاعة برلين إلى مقبرة الغزالي
- وطنٌ بين الذاكرة والخذلان
- سوسيولوجيا التحول الثقافي في العراق الحديث
- عزيز السيد جاسم سيرة التحوّل ونهاية التغييب
- التربية بوصفها مشروعاً نهضوياً في فكر د. نوري جعفر (1914-199 ...
- حين ينتصر الضمير على السلطة
- إخوان الصفا ومعطيات علم النفس والأعصاب الحديثة
- إنانا: من آلهة الحب إلى ضحية التحول الذكوري في التاريخ الإنس ...
- نوري جعفر بين الإهداء لمؤلفه والنص الإنساني العميق
- نوري جعفر سبق العالم في الذكاء الاصطناعي


المزيد.....




- الأمم المتحدة: نحو 100 مليون طفل محرومون من التعليم بسبب الن ...
- بعد سنوات المجاعة.. إثيوبيا السابع عالميا في إنتاج القمح
- الأمم المتحدة تكشف حجم الضرر بالمباني في جنوب لبنان
- لهيب الصيف يضاعف معاناة النازحين في غزة: الخيام تتحول إلى أف ...
- الأمم المتحدة تبدأ إجلاء أكثر من 11 ألف بحار عالقين في الشرق ...
- الحر الشديد وانعدام الكهرباء يضاعفان معاناة النازحين في غزة ...
- النيجر: المجلس العسكري الحاكم يودع طلب الانسحاب رسميا من الم ...
- نهر إسمنتي غامض في مخيم المغازي يتحول إلى ملاذ لترميم منازل ...
- السعودية تفوز بأرفع جائزة للأمم المتحدة في مجال الخدمة العام ...
- مداهمات إسرائيلية واعتقال شاب في القنيطرة وسط توغلات متصاعدة ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - نبيل عبد الأمير الربيعي - الألم يوحّد العراقيين… حلبجة صفحة مضيئة في سجل الإنسانية