أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - نبيل عبد الأمير الربيعي - إخوان الصفا ومعطيات علم النفس والأعصاب الحديثة














المزيد.....

إخوان الصفا ومعطيات علم النفس والأعصاب الحديثة


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 08:43
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


لم تكن مسألة الإبداع وليدة العصر الحديث، بل شغلت عقول الفلاسفة والعلماء منذ أقدم الأزمنة، فتباينت حولها التفسيرات بين من رآها انحرافاً بيولوجياً، ومن اعتبرها طاقة نفسية طبيعية، وآخرين أرجعوها إلى بنية الدماغ ووظائفه العليا. وفي هذا السياق، اقدم قراءة تعيد وصل الفكر العربي التراثي، ممثلاً بإخوان الصفا، مع معطيات علم النفس والأعصاب الحديثة.
ارى أن الإبداع ليس ظاهرة معزولة، بل هو نتاج تفاعل معقد بين البنية الدماغية من جهة، والمحيط الاجتماعي والثقافي من جهة أخرى. فالدماغ، بما يحويه من مراكز ووظائف، يشكل الأساس المادي للإبداع، لكن مضمونه يتحدد عبر التجربة واللغة والتنشئة.
هذا التصور يتقاطع بشكل لافت مع ما طرحه إخوان الصفا قبل قرون طويلة، كما ورد في رسائلهم (الجزء الثالث من 244- 245) النص حين تحدثوا عن (قوى النفس) بوصفها منظومة متكاملة تعمل داخل الجسد، تتوزع بين الحس والتخيل والتفكير والحفظ والنطق، في صورة قريبة جداً مما يعرف اليوم بـ(الوظائف العقلية العليا).
في رسائلهم، شبه إخوان الصفا الدماغ بدولة يقودها "الملك" (القوة المفكرة)، وتعاونه قوى أخرى كالتخيل والحفظ والنطق والصناعة. هذا التصور الرمزي لا يبتعد كثيراً عن الفهم العلمي الحديث الذي يرى الدماغ جهازاً موحداً يعمل عبر مراكز متخصصة، لكنها مترابطة وظيفياً.
فالقوة المتخيلة، مثلاً، تقابل في المفهوم المعاصر عمليات معالجة الصور الذهنية، بينما تمثل القوة الحافظة الذاكرة، والقوة الناطقة الوظيفة اللغوية، أما القوة الصانعة فتشير إلى المراكز الحركية الدقيقة المرتبطة باليدين والأصابع.
تتجلى عبقرية إخوان الصفا أيضاً في تحليلهم لتدرج المعرفة الإنسانية. فقد ميزوا بين مراحل تبدأ بالإحساس، ثم الإدراك الحسي، وصولاً إلى الإدراك العقلي المجرد. وهذا ما أثبته لاحقاً علماء النفس المعاصرون مثل جان بياجيه (1856م)، الذين أكدوا أن المعرفة تنمو تدريجياً من التجربة الحسية إلى التفكير المجرد. فالإنسان، في بداياته، يدرك العالم عبر الحواس، ثم يبدأ بتمييز الأشياء وربطها بالأسماء، إلى أن يصل إلى مرحلة التجريد والتعميم، حيث تصبح اللغة أداة التفكير الأساسية.
تناول إخوان الصفا قضية العلاقة بين اللغة والفكر بعمق لافت، معتبرين أن الألفاظ هي (أجساد) والمعاني (أرواحها). وهذا التصور ينسجم مع ما ذهب إليه لاحقاً علماء مثل ليف فيغوتسكي (1896– 1934م)، الذي رأى أن الكلمة وحدة تجمع بين الصوت والمعنى، وأن الفكر واللغة متداخلان دون أن يذوب أحدهما في الآخر. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة لتشكيل الفكر نفسه، والإبداع لا يمكن أن ينفصل عن هذه العلاقة العضوية بينهما.
يشير النص الثالث من رسائلهم إلى أن الفروق بين الأفراد في القدرات الإبداعية ليست ناتجة أساساً عن اختلافات جوهرية في الدماغ، بل عن تفاوت الظروف البيئية والثقافية. فالإمكانات متقاربة، لكن استثمارها يختلف باختلاف فرص التعليم، ومستوى الوعي، وطبيعة البيئة الاجتماعية. وهذا يضع مسؤولية كبيرة على المؤسسات التربوية والثقافية، إذ إن تنمية الإبداع ليست شأناً فردياً فقط، بل مشروعاً مجتمعياً يرتبط بالعدالة التعليمية وتكافؤ الفرص.
ما يلفت في أطروحات إخوان الصفا هو دقتها العلمية رغم بساطة المصطلح، إذ لو استبدلت كلمات مثل (النفس) و(القوى) بمفاهيم حديثة كـ(الدماغ) و(المراكز العصبية)، لبدت هذه الأفكار وكأنها تنتمي إلى علم الأعصاب المعاصر. بل إن بعض ملاحظاتهم، تفوق في دقتها ما ذهب إليه فلاسفة لاحقون مثل ديكارت (1596- 1650م)، ما يدل على عمق التجربة الفكرية العربية وقدرتها على استباق كثير من النظريات الحديثة.
يخلص هذا الطرح إلى أن الإبداع، في جوهره، ليس لغزاً غامضاً ولا حالة استثنائية منفصلة، بل هو نتيجة تفاعل حي بين الدماغ والبيئة، بين الفطرة والتجربة، وبين اللغة والفكر.
وما قدمه إخوان الصفا قبل ألف عام، يثبت أن التراث العربي لم يكن بعيداً عن روح العلم، بل كان، في كثير من جوانبه، سابقاً لعصره… ينتظر فقط من يعيد اكتشافه بلغة العصر.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إنانا: من آلهة الحب إلى ضحية التحول الذكوري في التاريخ الإنس ...
- نوري جعفر بين الإهداء لمؤلفه والنص الإنساني العميق
- نوري جعفر سبق العالم في الذكاء الاصطناعي
- تأملات العلامة نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (2-2)
- تأملات العلامة نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (1-2)
- تأملات د. نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (1-2)
- المنعكسات الشرطية بين تجارب بافلوف وفلسفة نوري جعفر
- إيفان بافلوف في فكر نوري جعفر الفسيولوجي والسلوك الإنساني
- نوري جعفر والفكر البشري بين طبيعته وتطوره
- حين تسكن الروح جسداً آخر
- نوري جعفر… كيف نصنع الإبداع؟ قراءة في الدماغ والبيئة والإنسا ...
- نوري جعفر… الإبداع بين الدماغ والإنسان
- عبد الكريم هادي جبار الأصفر… سيرة البدايات الأولى:
- چكنم… حكاية بائع من ذاكرة الديوانية
- المنفى والاحتجاج في شعر عبد الرزاق ناصر الجمعة
- المارِدة والصبايا: سردية الألم والنجاة
- القراءة بوصفها تمرّدا
- حين تعجز الكلمات عن وصف الألم
- هكذا يعيش المناضلون
- إليها حين تتكلم الروح


المزيد.....




- إليكم سبب ارتفاع سعر النفط الجمعة رغم اتفاق وقف إطلاق النار ...
- مصدر لبناني لـCNN: نواف سلام سيُسافر إلى واشنطن بعد -طلب إسر ...
- بين التكلفة الباهظة لحرب إيران وخطاب ترامب -المتناقض-.. -مخا ...
- ورقتان متصادمتان على طاولة إسلام آباد.. هل تنجح -الورقة الثا ...
- دعوات لشد الرحال للأقصى في أول جمعة بعد إعادة فتحه
- أسرى غزة المحررون.. فرحة الحرية تصطدم بالواقع القاسي
- استعدادات إسلام آباد لاستضافة المفاوضات بين إيران والولايات ...
- الديوان الأميري القطري: أمير دولة قطر ورئيس وزراء بريطانيا ي ...
- محادثات إيران.. هل ترامب أمام اتفاق أسوأ من اتفاق أوباما؟ تح ...
- ماذا على طاولة المحادثات بين أمريكا وإيران وسط حالة الترقب؟ ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - نبيل عبد الأمير الربيعي - إخوان الصفا ومعطيات علم النفس والأعصاب الحديثة