نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث
(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)
الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 13:57
المحور:
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
في عشرينيات القرن الماضي، حين كان العراق يتلمس طريقه بين تحولات سياسية واجتماعية عميقة، كان الفقيد عبد الكريم هادي جبار الأصفر واحدا من أولئك الذين لم يكتفوا بمراقبة الزمن، بل قرروا أن يكونوا جزءا من صناعته.
بدأت الحكاية من مدينة البصرة، حيث كان يعمل في الميناء، ذلك المكان الذي لم يكن مجرد موقع للعمل، بل نافذة مفتوحة على العالم، تتلاقى فيه الثقافات والأفكار كما تتلاقى السفن. هناك تعرف على صديقه الذي سيصبح لاحقا شخصية محورية في تاريخ العراق، يوسف سلمان يوسف (فهد). كانت الصداقة بينهما أكثر من مجرد علاقة عمل، بل كانت بداية مسار فكري مشترك.
من بين البحارة القادمين من بعيد، تعرفا على البحار الروسي فاسيلي، حمل معه شيئا مختلفا عن البضائع؛ حمل أفكارا جديدة عن العدالة والمساواة، عن عالم أكثر إنصافا للناس البسطاء. لم تكن تلك الأفكار عابرة، بل وجدت في نفسيهما أرضا خصبة، فتبنياها، وبدأت تتشكل ملامح وعيٍ جديد.
لاحقا، قرر فهد أن يمضي بهذه الفكرة إلى مستوى التنظيم، فكانت الخطوة نحو تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، بينما كان لعبد الكريم جبار الأصفر دور لا يقل أهمية، إذ عاد إلى الديوانية ليؤسس أول خلية للحزب هناك، في وقت كانت فيه مثل هذه الخطوات محفوفة بالمخاطر.
لم يكن النشاط سياسيا صرفا، بل امتد إلى المجال الثقافي، حيث أدرك أن الوعي لا يبنى إلا بالقراءة. فافتتح عام 1926م مكتبة في الديوانية، لتكون نافذة للناس على الفكر والمعرفة. كانت تصلهم إصدارات من الحزب الشيوعي اللبناني، فتتداولها الأيدي، وتنير العقول في زمن لم تكن فيه الكلمة سهلة الوصول.
من الشواهد التي بقيت حية على تلك المرحلة، نسخة من جريدة النجف تعود إلى الثاني من تشرين الثاني عام 1926، تتضمن إعلانا عن المكتبة واسم صاحبها وعنوانها، وكأنها وثيقة صغيرة تختصر تاريخا كبيرا.
لكن ما يميز هذه السيرة ليس فقط بعدها السياسي أو الثقافي، بل بعدها الإنساني أيضا. فقد كان علد الكريم الأصفر يترك مكتبته مفتوحة وقت الظهيرة حين يذهب إلى بيته في شارع العلاوي لتناول الغداء. وحين سئل عن ذلك، أجاب ببساطة عميقة: "الذي يريد أن يسرق كتابا، لا بد أن يقرأه… وهذا هو المطلوب".
بهذه الروح، كان يرى المعرفة حقا مشاعا، لا يخشى عليه من الضياع، بل يرجى له الانتشار.
رحمه الله... لم يكن مجرد شاهد على زمن مضى، بل كان واحدا من أولئك الذين زرعوا بذور الوعي في أرض كانت بأمس الحاجة إليها، بقي أثره حيًا في الذاكرة، كما تبقى الكتب مفتوحة لمن يريد أن يقرأ.
21 آذار 2026
#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)
Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟