أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل عبد الأمير الربيعي - حين تعجز الكلمات عن وصف الألم














المزيد.....

حين تعجز الكلمات عن وصف الألم


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 08:55
المحور: الادب والفن
    


ثمة آلام في حياة الإنسان يمكن للكلمات أن تقترب من وصفها، ثمة آلام أخرى تبقى عصية على اللغة مهما اتسعت مفرداتها. من بين هذه الآلام ما يعرف بجرح الروح؛ ذلك الجرح العميق الذي لا يرى بالعين ولا يقاس بميزان ظاهر، لكنه يترك في النفس أخدوداً طويلاً من الحزن والتأمل والصمت. فمن ذا الذي يستطيع أن يشرح هذا الألم لمن لم يختبره؟ حتى لو امتلك المرء مفردات اللغات جميعها، فلن يبلغ جوهر الحقيقة كاملة؛ قد يلامس أطرافها، لكنه لن يلامس عمقها كما يشعر بها صاحبها.
أحياناً يعجز حتى من يحمل هذا الجرح عن وصفه. تخرج الكلمات من فمه مبهمة، متعثرة، كأنها تحاول أن تعبر عن شيء أكبر من قدرتها على البوح. قد لا يخرج من القلب سوى تنهيدة ثقيلة، كأنها صادرة من جوف بركان لم ينفجر بعد. في أحيان أخرى تنهمر الدموع بلا توقف، كأنها محاولة يائسة لغسل الألم الذي لا يندمل. قد تنساب دمعة واحدة بصمت مهيب، أكثر بلاغة من ألف كلمة. لكن أشد اللحظات قسوة هي تلك التي يصمت فيها الجسد، تجف العين، تبقى الكلمات عالقة في الحلق كغصة لا طريق لها إلى الخروج.
حينها يتبدل إيقاع الحياة في الداخل؛ يجافي النوم العيون، يتثاقل الجسد عن استقبال الفرح، بينما يظل العقل أسيراً لدائرة لا تنتهي من التفكير. روح مجروحة تبحث عن خلاصها، لكنها لا ترى طريقاً واضحاً. الأفكار تتردد في الذهن بلا جدوى، الوجوه من حولها تبدو بعيدة، كأنها لا تنتمي إلى العالم نفسه. في غياب اليد الصادقة التي تفهم لغة الألم، يبدأ الجسد في الانهاك شيئاً فشيئاً؛ قد ينهار العقل من ثقل الحيرة، أو يتصدع القلب من فرط الصمت. مع ذلك يبقى جرح الروح حاضراً، محفوراً في الداخل كأخدود طويل لا يندمل بسهولة.
لعل الإنسان، في لحظة ضعف، يحاول أن يخفف من ألمه بالاقتراب من آلام الآخرين، كأنه يريد أن يغمر روحه في جراحهم عله يجد فيها عزاءً أو شفاءً. لكنه يكتشف أن تلك الجراح تذوب في عذاباته كما يذوب الملح في البحر؛ يفهم لغة أرواحهم، لكنه لا يجد روحاً تفهم لغته الخاصة. حتى تلك الروح التي ظن أنها الأقرب إليه، لم تستطع أن تقرأ ما كان يخفيه في أعماقه. مع ذلك لم يحمل لها إلا الشفقة والرجاء.
في لحظة ما، حين تراجعت عنه لظروفها الخاصة وهو يحترم قرارها ذلك بقناعة، شعر كأنه يتراجع هو أيضاً عن جزء من ذاته. لقد وهبها ملاذاً من روحه، فقبلت الدفء لحظة ثم مضت، تاركة تلك الروح تتلمس طريقها في تيهٍ طويل. وحين غادرت، أحس كما لو أن الروح قد فارقت الجسد وهو ما يزال حياً؛ شعور يشبه الغياب في قلب الحضور. صمتها حين احتاج إلى إجابة كان أشبه بباب موصد في وجه أسئلته. ومع ذلك لم يتعلم الكراهية؛ فبعض القلوب، مهما جرحت، تبقى عاجزة عن تحويل الحب إلى خصومة.
لقد أدرك في النهاية أن أكثر ما يجرح الروح ليس الغضب ولا اليأس ولا الحزن، بل كتمان الحب نفسه؛ ذلك الحب الذي أدخره الإنسان سنوات طويلة، تمنى أن يهبه لمن يعتقد أنه يستحقه. حين يحبس هذا الشعور في الداخل، يتحول إلى ثقل لا يراه أحد، لكنه يترك أثره العميق في الروح.
مع مرور الوقت يتعلم الإنسان درساً قاسياً لكنه ناضجاً: أن الضوء الحقيقي في العالم لا تراه العيون وحدها، بل تشعر به الروح. ربما لم تستطع تلك الروح الأخرى أن ترى الضوء الذي حمله في داخله، لكنه ما يزال قادراً على رؤيته في نفسه وفيها. وهكذا يكتشف أن الصدق أثمن ما يملكه، أن الحب الحقيقي قد يختبر الإنسان ويكسره لحظة، لكنه يعلمه في النهاية كيف ينهض أكثر قوة ووعيا.
فالحب الصادق، مهما جرح، لا يموت تماماً، يترك لحظة اللقاء في يومٍ ما. قد يتحول إلى ذكرى، أو إلى نور خافت يرافق صاحبه في طريقه، لكنه يظل شاهداً على قدرة الروح على العطاء حتى في أكثر لحظاتها ألماً. لهذا يبقى جرح الروح، على قسوته، باباً لفهمٍ أعمق للحياة وللقلب الإنساني؛ جرحاً يعلم الإنسان أن الألم، مثل الحب، جزء من رحلته نحو النضج والضوء.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هكذا يعيش المناضلون
- إليها حين تتكلم الروح
- من أراد راحة البال فليترك التحزّب والأحزاب
- الضعف والتداعي الذي اصاب جسد اليسار
- الأزرق… بين أسطورة الحماية وعمق المعنى الإنساني
- بين خوف المنفى وامتحان الاندماج
- أنور شاؤول: بين مياه الفرات وأفق الحرية
- الصابئة المندائيون في العراق الحديث: بين ضوء التاريخ وظلال ا ...
- أمن بلدة الديوانية.. بين التجربة الفردية وذاكرة حزب
- كمال سبتي ابرز اصوات جيل السبعينات
- سمير نقاش… روائيّ المنفى وذاكرةُ بغداد المؤجَّلة
- هي لم تكن حدثاً في حياتك
- مير بصري الضمير العراقي العابر للطوائف
- قراءة في أوراق عبد الكريم قاسم
- حين يغيب الجسد ويبقى الفكر.. وداعاً عقيل الناصري
- مهد قبل القفز إلى دلاّلة الفنجان
- تأملات في رواية سعيد غازي الأميري (أشكندا)
- قراءة وتحليل مذكرات الأديب والصحفي والمترجم أحمد جاسم الزبيد ...
- محمد لقمان الخواجة والتكوينات الزخرفية في السياقات التوليدية
- لقد قصدها يوماً


المزيد.....




- لندن تحتفي بيوم المرأة العالمي: أصوات من إيران وموزمبيق والد ...
- ثلاثة أفلام فلسطينية في القائمة المختصرة للأوسكار: هل انكسر ...
- الكويت تمنع إقامة المسرحيات والحفلات والأعراس خلال فترة عيد ...
- 3 أفلام في سباق الأوسكار.. هل تكسر فلسطين حصار هوليوود؟
- لماذا رفضت الفنانة اللبنانية صباح ارتداء فستان -بنت الضيعة- ...
- 23 رمضان.. مقتل آخر أكاسرة فارس وطرد البرتغاليين من إندونيسي ...
- تمثال لترامب وإبستين بوضعية من فيلم تايتانيك يظهر في واشنطن ...
- -الألكسو- تختار الفنان الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربي ...
- من صوت -البيدوغ- إلى رحلة -الموديك-.. كيف يعيش الإندونيسيون ...
- تحديات التعليم العالي في مرآة كتاب


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل عبد الأمير الربيعي - حين تعجز الكلمات عن وصف الألم