أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل عبد الأمير الربيعي - أنور شاؤول: بين مياه الفرات وأفق الحرية














المزيد.....

أنور شاؤول: بين مياه الفرات وأفق الحرية


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8634 - 2026 / 3 / 2 - 10:07
المحور: الادب والفن
    


في قلب بابل القديمة، حيث ينساب الفرات بهدوء كخيط فضّي يربط الماضي بالحاضر، وُلد أنور شاؤول عام 1904، في أسرة يهودية عراقية محبة للعلم والثقافة. كان الماء، والنخيل، والهواء الذي يتسلل بين الأزقة، جزءًا من ذاكرته الأولى، يختزن في قلبه حنينًا دفينًا للوطن. لم يكن المكان مجرد أرض، بل كان مدرسة للحواس، ومعملًا للخيال، ومنبعًا للشغف بالكتابة واللغة العربية التي رافقته رغم كل ما سيعصف بالمجتمع من تحولات سياسية واجتماعية لاحقًا.
انتقلت أسرته إلى بغداد عام 1916، حيث واجه شاؤول صخب المدينة وازدحامها، لكنه وجد فيها ملتقى الحضارات، قلب العراق النابض، الذي احتضن معارفه ووسع آفاقه الفكرية. درس في مدارس الأليانس الفرنسية، حيث تعلّم الأدب العربي واللغات الأخرى، وارتوى من منابع الثقافة الكلاسيكية، قبل أن ينتقل إلى المدارس الأهلية اليهودية، مسلحًا بفضوله العلمي وحبه للتعليم، في وقت كان فيه التعليم أداة صمود للهوية والثقافة وسط التغيرات الجذرية التي ضربت العراق.
كان شاؤول شغوفًا بالكلمة منذ نعومة أظافره؛ كتب الشعر باسم مستعار "ابن السموءل"، وأصدر مجلة أدبية أسبوعية "الحاصد" عام 1929، ليكون فضاءً لنقد الواقع، واستشراف المستقبل، وملتقى للأدب والفكر الحر. ومع حصوله على شهادة الحقوق عام 1931، جمع بين القانون والشعر، بين الدفاع عن العدالة وممارسة الكلمة، لتصبح حياته مرآة للوفاء للوطن والإنسانية.
في بغداد، حيث الأزقة تتشابك كخيوط العنكبوت، والبيوت تحمل عبق التاريخ، لم يكن شاؤول مجرد شاعر أو أديب، بل كان شاهدًا على التحولات الكبرى: من الحكم الملكي إلى الاستعمار الثقافي، من التوتر الطائفي إلى صعود الاستبداد. كتب عن الحرية وكرامة الإنسان، وعن رفض الظلم والاستبداد، وكان صوته يتحدى نغمة الطغيان، سواء في مواجهة النظام النازي في ألمانيا، أو مفتي القدس أمين الحسيني ومستشاريه في العراق، الذين سعوا لبث الكراهية والتمييز.
"لقد سنه طاغٍ غشوم مسيطر، وأسلمه في كف باغٍ ومجرم، وحل محل الحق زور وباطل، ودّيس على العدل الحبيب بمنسم"
كان شعره صرخة ضد الظلم، لكنها صرخة ملؤها الحنين للأرض والإنسان، صرخة تدعو للتسامح والسلام، صرخة تأمل أن يعيش العراقيون كلهم على أرض واحدة، متحدين في وطن يحميهم جميعًا دون تفريق.
لكن الحياة لم تكن سهلة؛ جاءت حرب حزيران 1967 لتختبر الولاء والانتماء. أظهر شاؤول، مع أبناء الطائفة اليهودية، ولاءً حقيقيًا للوطن، رافضًا الانجرار وراء الحروب الطائفية والسياسات الظالمة، ومع ذلك، تعرض للاضطهاد والملاحقة، وسُلبت حقوق أبناء الطائفة، وجرى اعتقاله فترة طويلة، ثم أُطلق سراحه. ورغم ذلك، ظل متشبثًا بكتابة الشعر بالعربية، متمسكًا بالهوية الوطنية والإنسانية، رافضًا أن تصبح حياته أو كلماته أسيرة للظلم.
في شعره، امتزج الحب بالحنين، والانتماء بالوفاء، كما ظهر في حبه الصوفي لمريان، حيث كانت ابتسامتها شعاعًا يضيء روحه:
"ابسمي لي ففي ابتسامتكِ سحرٌ .........دائم الفعل في قرارة نفسي
ابسمي لي مثل ابتسامة الدراري........ واطردي ذكريات يومي وأمسي"
لم يقتصر إبداعه على الشعر فقط، بل امتد إلى الصحافة والمحاماة، حيث كان صوت العدالة والمواطنة الحقة. كما شارك في المنتديات الأدبية العراقية، ومنها المؤتمر العام للأدباء العرب في بغداد 1969، مؤكدًا على أن الأدب أداة لفهم الآخر وبناء جسور السلام، وأن الثقافة قادرة على مواجهة الجهل والاضطهاد.
وعندما ضربت عاصفة التهجير اليهود العراقيين، لم يتخلَّ شاؤول عن حبه للعراق، بل غادر محملاً بذكرياته وأعماله، محافظًا على صلته بثقافة وطنه وتراثه، مؤلفًا ديوانه "وبزغ فجر جديد" وسيرته الذاتية "قصة حياتي في وادي الرافدين"، ليخلد تجربة حياته، ورسالة العراق التي عاشها بكل تفاصيلها: الفرح والحزن، الجمال والمأساة، الحرية والقمع.
توفي أنور شاؤول في 14 كانون الأول 1984، مخلفًا إرثًا أدبيًا ووطنيًا غنيًا، وصوتًا خالدًا للحرية والعدالة، مؤكدًا أن الإنسان والإبداع والوفاء قادرون على الصمود أمام عواصف التاريخ والظلم، وأن الكلمة الحقة أبدية ما دام هناك من يحملها بالصدق والإخلاص.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصابئة المندائيون في العراق الحديث: بين ضوء التاريخ وظلال ا ...
- أمن بلدة الديوانية.. بين التجربة الفردية وذاكرة حزب
- كمال سبتي ابرز اصوات جيل السبعينات
- سمير نقاش… روائيّ المنفى وذاكرةُ بغداد المؤجَّلة
- هي لم تكن حدثاً في حياتك
- مير بصري الضمير العراقي العابر للطوائف
- قراءة في أوراق عبد الكريم قاسم
- حين يغيب الجسد ويبقى الفكر.. وداعاً عقيل الناصري
- مهد قبل القفز إلى دلاّلة الفنجان
- تأملات في رواية سعيد غازي الأميري (أشكندا)
- قراءة وتحليل مذكرات الأديب والصحفي والمترجم أحمد جاسم الزبيد ...
- محمد لقمان الخواجة والتكوينات الزخرفية في السياقات التوليدية
- لقد قصدها يوماً
- نصير الحسيني مهندساً وروائياً ناجحاً
- قابيليون ولا فكاك من التسمية
- أصدقاءٌ لا ينسون
- سعادة الوطن والإنسان في إيقاعات كوكب حمزة
- الوجع والولع مع الأخلاقيات المدمرة
- محمد علي محيي الدين سيرته وآثاره الأدبية والصحفية
- علي الوردي.. مقاربات إصلاحية في فهم الدين والذات


المزيد.....




- حكاية مسجد.. قصة الأمر النبوي في -جامع صنعاء الكبير- باليمن ...
- حرب إيران.. اتهامات لترمب بتجاوز القانون واعتراف البنتاغون ي ...
- فهد الكندري.. صوت من السماء يزين ليالي رمضان بالكويت
- كيف صورت السينما والدراما الإيرانية أمريكا وإسرائيل؟ 7 أعمال ...
- -ألوان من قلب غزة-.. أن ترسم كي لا تنكسر
- -أمير الغناء العربي- يصارع الوعكة الأشد.. نزيف مفاجئ يدخل ها ...
- لغة الفن العابرة للحواجز والحدود من غزة إلى لندن عبر لوحات م ...
- حكاية مسجد.. -مقام الأربعين- على جبل قاسيون في دمشق
- 13 رمضان.. من عهدة الفاروق بالقدس إلى دماء -مراد الأول- بالب ...
- صدور كتاب -تأثير الإسلاموفوبيا على السياسة الخارجية الأمريكي ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل عبد الأمير الربيعي - أنور شاؤول: بين مياه الفرات وأفق الحرية