أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل عبد الأمير الربيعي - القراءة بوصفها تمرّدا














المزيد.....

القراءة بوصفها تمرّدا


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 06:27
المحور: الادب والفن
    


صدر عن دار المدى للإعلام والثقافة والفنون عام 2022 كتاب الإعلامي والصحفي القدير علي حسين الموسوم بـ(المتمردون)، في (239) صفحة من الحجم الوسط. وهو كتاب يندرج ضمن أدب التأمل في القراءة وسير الأفكار، إذ يأخذ القارئ في رحلة بين الكتب والشخصيات الفكرية التي صنعت روح التمرد في الثقافة الإنسانية.
ثمة كتب نقرأها لنملأ بها الوقت، وأخرى نقرأها لنضيف معرفة عابرة إلى ذاكرتنا، لكن هناك نوعاً ثالثاً من الكتب لا نقرأه إلا لأننا نشعر بأنه يوقظ فينا شيئاً عميقاً، شيئا يشبه التمرّد على المألوف. تلك هي الكتب التي يمكن أن نسمّيها الكتب المتمرّدة؛ الكتب التي لا تكتفي بأن تمنح القارئ معلومات، بل تدفعه إلى إعادة النظر في العالم وفي نفسه معاً.
فالقراءة، في جوهرها، ليست مجرد عادة ثقافية، بل تجربة وجودية. فالقارئ الحقيقي لا يكتفي بتصفح الصفحات، بل يدخل في حوار طويل مع الكاتب ومع الأفكار التي يطرحها. ولهذا فإن الحديث عن كتاب أو كاتب يتطلب شجاعة معرفية، لأن الرأي في كتاب عظيم ليس حكماً عابراً، بل موقف فكري يتشكل عبر علاقة طويلة مع النص. إن قراءة كاتب مثل صمويل بيكيت أو جيمس جويس أو ليو تولستوي ليست واجباً ثقافياً، بل حالة عشق حقيقية، لأن القراءة حين تتحول إلى متعة عميقة تصبح جزءاً من تكوين الإنسان الفكري والروحي.
وقد أدرك كثير من المفكرين هذا البعد العميق للقراءة. فـالبير كامو كان يرى أن الكتاب الأول الذي نقرؤه بوعي يفتح أمامنا أرضاً مجهولة مليئة بالحرية. أما سيغموند فرويد فقد اعتبر القراءة نوعاً من التعويض النفسي، لأنها تمنح الإنسان عوالم بديلة يعيش فيها ما لا يستطيع أن يعيشه في الواقع. بينما كان ستندال يذهب أبعد من ذلك حين يقول إن القراءة هي التي تجعله يحب الحياة.
لكن الكتب المتمردة تختلف عن غيرها من الكتب في أنها لا تهادن القارئ ولا تمنحه الطمأنينة بسهولة. إنها كتب تثير القلق والأسئلة، وتدفع القارئ إلى التفكير في المسلّمات التي نشأ عليها. ولهذا كانت هذه الكتب غالباً مرتبطة بأزمنة الأزمات الكبرى، حين يشعر الإنسان بأن العالم القديم لم يعد قادراً على تفسير الواقع. فبعد الحربين العالميتين، مثلاً، ظهر أدب كامل يقوم على التمرد والاحتجاج، حيث وجد الكتّاب أنفسهم أمام عالم محطم يحتاج إلى لغة جديدة لفهمه.
وفي تلك اللحظات التاريخية ظهرت أسماء صنعت ما يمكن تسميته أدب الغضب والتمرد. فالفلاسفة والمفكرون الذين تحدوا أنظمة الفكر والسياسة لم يكونوا مجرد كتّاب، بل كانوا أصواتاً قلقة تبحث عن معنى الحرية. من الفوضوي الروسي ميخائيل باكونين الذي رأى أن الهدم قد يكون فعلاً خلاقاً، إلى المفكر هربرت ماركيوز الذي تحدث عن الإنسان ذي البعد الواحد في المجتمعات الصناعية، حيث تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة للسيطرة على الإنسان بدل أن تكون وسيلة لتحريره.
ولم تكن هذه الكتب مجرد نصوص نظرية، بل كانت أشبه بشرارات فكرية ساهمت في إشعال حركات ثقافية وسياسية واسعة، مثل انتفاضات الطلبة في أوروبا عام 1968، حين أصبح الفكر النقدي جزءاً من روح التمرد لدى جيل كامل.
والكتب المتمردة لا تنتمي إلى الفلسفة وحدها، بل تمتد إلى الأدب والفن والشعر. فالروايات التي تكشف عيوب السلطة أو تحاكم المجتمع، والقصائد التي تفضح الخوف والقمع، كلها تشارك في بناء هذا التقليد الثقافي الذي يرى في الأدب مساحة للحرية. ولهذا فإن كثيراً من هذه الأعمال تعرض للمنع أو النقد العنيف في بداياتها، قبل أن تتحول لاحقًا إلى علامات كبرى في تاريخ الفكر الإنساني.
إن القراءة المتمردة ليست دعوة إلى رفض كل شيء، بل هي دعوة إلى التفكير الحر. فالكتب التي تهز يقيننا لا تفعل ذلك لكي تدمره فقط، بل لكي تمنحنا يقيناً أعمق وأكثر إنسانية. إنها تعلمنا أن الحقيقة ليست فكرة واحدة ثابتة، بل مجموعة أفكار تتصارع من أجل البقاء، وأن المعرفة الحقيقية تولد من هذا الصراع.
ولهذا فإن القارئ الذي يغامر بدخول عالم الكتب المتمردة لا يعود كما كان قبلها. فكل كتاب حقيقي يترك أثراً في الروح، وكل فكرة جريئة تفتح نافذة جديدة على العالم. وربما لهذا السبب قال هنري ميلر إن الكتب العظيمة ليست أوراقاً صامتة، بل كائنات حية تتحدث إلينا وترافقنا في حياتنا.
في النهاية، نحن لا نقرأ الكتب المتمردة لأننا نبحث عن الإجابات السهلة، بل لأننا نبحث عن الحرية. والحرية في جوهرها تبدأ دائمًا من فكرة، ومن كتاب، ومن قارئ قرر أن يفتح الصفحة الأولى بشجاعة.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تعجز الكلمات عن وصف الألم
- هكذا يعيش المناضلون
- إليها حين تتكلم الروح
- من أراد راحة البال فليترك التحزّب والأحزاب
- الضعف والتداعي الذي اصاب جسد اليسار
- الأزرق… بين أسطورة الحماية وعمق المعنى الإنساني
- بين خوف المنفى وامتحان الاندماج
- أنور شاؤول: بين مياه الفرات وأفق الحرية
- الصابئة المندائيون في العراق الحديث: بين ضوء التاريخ وظلال ا ...
- أمن بلدة الديوانية.. بين التجربة الفردية وذاكرة حزب
- كمال سبتي ابرز اصوات جيل السبعينات
- سمير نقاش… روائيّ المنفى وذاكرةُ بغداد المؤجَّلة
- هي لم تكن حدثاً في حياتك
- مير بصري الضمير العراقي العابر للطوائف
- قراءة في أوراق عبد الكريم قاسم
- حين يغيب الجسد ويبقى الفكر.. وداعاً عقيل الناصري
- مهد قبل القفز إلى دلاّلة الفنجان
- تأملات في رواية سعيد غازي الأميري (أشكندا)
- قراءة وتحليل مذكرات الأديب والصحفي والمترجم أحمد جاسم الزبيد ...
- محمد لقمان الخواجة والتكوينات الزخرفية في السياقات التوليدية


المزيد.....




- -شهود عيان من غزة- على مسرح لندني: حكايات الألم التي عبرت ال ...
- سرير من رماد
- اسمي حسن... أعاد الدراما العراقية إلى نصابه
- تلاوة القرآن في ماليزيا.. نهضة تعليمية تواجه إشكالية التقليد ...
- لندن تحتفي بيوم المرأة العالمي: أصوات من إيران وموزمبيق والد ...
- ثلاثة أفلام فلسطينية في القائمة المختصرة للأوسكار: هل انكسر ...
- الكويت تمنع إقامة المسرحيات والحفلات والأعراس خلال فترة عيد ...
- 3 أفلام في سباق الأوسكار.. هل تكسر فلسطين حصار هوليوود؟
- لماذا رفضت الفنانة اللبنانية صباح ارتداء فستان -بنت الضيعة- ...
- 23 رمضان.. مقتل آخر أكاسرة فارس وطرد البرتغاليين من إندونيسي ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل عبد الأمير الربيعي - القراءة بوصفها تمرّدا