أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نبيل عبد الأمير الربيعي - نوري جعفر سبق العالم في الذكاء الاصطناعي














المزيد.....

نوري جعفر سبق العالم في الذكاء الاصطناعي


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 10:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لم يكن سؤال العلامة والدكتور نوري جعفر في تموز من عام 1985م مجرد استفسار علمي عابر، بل كان استشرافاً مبكراً لقلق معرفي يتجاوز حدود التقنية إلى عمق الإنسان ذاته. فحين طرح معادلته بين (الذكاء الاصطناعي حقيقة ام وهم؟)، كان يلامس منطقة رمادية لم تكن قد انكشفت بعد، حيث تتقاطع الآلة بالعقل، والبرمجة بالوعي.
لقد بدا الذكاء الاصطناعي آنذاك مصطلحاً غائماً، يتأرجح بين طموح علمي مشروع وخيال يكاد يلامس حدود الفلسفة. وما أشار إليه الكاتب من التباس بين البعد التكنولوجي والبعد السيكولوجي، لم يكن نقصاً في التعريف بقدر ما كان انعكاساً لطبيعة هذا الحقل نفسه؛ إذ هو بطبيعته عابر للتخصصات، يتغذى من علوم متباعدة ليصوغ كياناً جديداً لا يستقر على تعريفٍ واحد.
واليوم، وبعد عقود من ذلك التساؤل، لم يعد الذكاء الاصطناعي وهماً يجادل في وجوده، بل واقعاً يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، من أبسط التطبيقات إلى أعقد المنظومات العسكرية والاقتصادية التي أشار إليها النص. غير أن الغموض الذي تحدث عنه لم يتلاش كلياً، بل تبدل شكله؛ فبدل السؤال عن وجود الذكاء الاصطناعي، أصبح السؤال عن حدوده، وأخلاقياته، ومدى اقترابه من جوهر (الذكاء) الإنساني.
لم يكن التساؤل الذي طرحه الدكتور نوري جعفر في منتصف ثمانينيات القرن الماضي سؤالاً تقنياً بحتاً، بل كان سؤالاً فلسفياً عميقاً يتصل بجوهر الإنسان وحدود الآلة. ففي زمن كانت فيه الحواسيب لا تزال في طورها الأول، وقف هذا العلامة والمفكر متأملاً مشروعاً علمياً هائلاً، تتقاطع فيه الرياضيات بالفيزياء، والتكنولوجيا بعلم النفس، ليطرح إشكالية لا تزال حاضرة حتى اليوم: هل يمكن صنع عقل يضاهي العقل البشري؟
منذ البدايات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بدأ مصطلح (الذكاء الاصطناعي) يتشكل تدريجياً، حاملاً معه طموحاً علمياً غير مسبوق. وقد أدرك نوري جعفر مبكراً أن هذا المصطلح ليس مجرد تسمية تقنية، بل هو حقل ملتبس بطبيعته، لأنه يجمع بين عالمين متباعدين: عالم المادة الصلبة القائم على القوانين الفيزيائية، وعالم النفس والوعي القائم على التجربة الإنسانية والمعنى.
لقد استندت مشاريع الذكاء الاصطناعي، كما يشير النص، إلى منظومة علمية معقدة تشمل علوم الرياضيات، ونظرية المعلومات، والسيبرنيتيك، والحوسبة الإلكترونية. ومع التطور الذي شهدته الثورة الإلكترونية في سبعينيات القرن العشرين، ظهرت الحواسيب المتقدمة التي استطاعت أن تؤدي بعض وظائف الدماغ البشري، مثل خزن المعلومات واسترجاعها، وترجمة اللغات، ومعالجة الرموز. وكان هذا التقدم، في نظر الكثيرين، خطوة أولى نحو تحقيق الحلم الأكبر: بناء (عقل صناعي).
غير أن نوري جعفر، برؤية نقدية عميقة، لم ينجرف وراء هذا التفاؤل العلمي. فقد ميز بوضوح بين القدرة على محاكاة بعض وظائف الدماغ، وبين امتلاك جوهر الذكاء الإنساني. فالآلة، مهما بلغت دقتها، تبقى محكومة ببرمجتها، وتفتقر إلى المرونة الحقيقية التي يتميز بها الإنسان في مواجهة المواقف المتغيرة.
ويبرز هنا أحد أهم محاور تحليله، وهو أن الذكاء الإنساني ليس مجرد عمليات حسابية أو رمزية، بل هو منظومة متكاملة تشمل الفهم، والتأويل، والإحساس بالمعنى. فاللغة، على سبيل المثال، ليست مجرد كلمات تترجم، بل شبكة دلالية عميقة تتضمن المجاز والكناية والسياق الثقافي، وهي أمور يصعب-إن لم يستحل-على الآلة أن تدركها إدراكاً حقيقياً.
كما أن الدماغ البشري، بتكوينه البيولوجي المعقد الذي يضم مليارات الخلايا العصبية المتشابكة، يمثل تحدياً هائلاً لأي محاولة لمحاكاته صناعياً. فهذه الشبكة العصبية لا تعمل بطريقة ميكانيكية جامدة، بل تتسم بالمرونة والتكيف الفوري مع الظروف، وهو ما يجعلها بعيدة عن أي نموذج تكنولوجي معروف في زمن الكاتب.
ومع ذلك، فإن ما طرحه نوري جعفر من شكوك لم يكن رفضاً للعلم، بل كان دعوة إلى التمييز بين (المحاكاة) و(الحقيقة). فالآلة قد تقلد بعض مظاهر الذكاء، لكنها لا تمتلك بالضرورة وعياً أو فهماً ذاتياً. وهذا الفارق هو ما يجعل السؤال قائماً: هل الذكاء الاصطناعي امتداد للعقل البشري، أم مجرد أداة متقدمة تحاكيه؟
إذا انتقلنا إلى واقعنا المعاصر، نجد أن كثيراً من التوقعات التي أشار إليها النص قد تحققت بالفعل. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من الحياة اليومية، يدخل في مجالات الاقتصاد، والطب، والصناعة، بل وحتى في التطبيقات العسكرية التي أشار إليها الكاتب بوصفها أحد دوافع هذا التطور. غير أن هذا التحقق لم يُلغِ الإشكاليات التي طرحها، بل أعاد صياغتها بشكل أكثر تعقيداً.
فالأنظمة الحديثة باتت قادرة على التعلم، وتحليل البيانات، واتخاذ قرارات معقدة، لكنها لا تزال-في جوهرها-تعتمد على نماذج رياضية وخوارزميات صممها الإنسان. وهي، رغم قدرتها على محاكاة اللغة والتفكير، لا (تفهم) بالمعنى الإنساني العميق، ولا تمتلك وعياً ذاتياً أو تجربة شعورية.
وهنا تتجلى أهمية رؤية نوري جعفر، التي تبدو اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى. فقد أدرك أن التحدي الحقيقي لا يكمن في بناء آلة ذكية، بل في فهم معنى الذكاء ذاته. وهل هو مجرد معالجة معلومات، أم تجربة وجودية معقدة تتجاوز حدود الحساب والمنطق؟
إن الذكاء الاصطناعي، في ضوء هذا التحليل، هو حقيقة بلا شك، لكنه ليس الحقيقة الكاملة. هو إنجاز علمي هائل، لكنه لا يختزل الإنسان، ولا يلغي فرادته. وبينما تتقدم التكنولوجيا بخطى متسارعة، يبقى السؤال الذي طرحه نوري جعفر مفتوحاً، لا بوصفه شكاً في العلم، بل بوصفه دعوة دائمة للتأمل:
هل نصنع آلات تشبهنا، أم أننا-في طريقنا إلى ذلك- نكتشف أنفسنا من جديد؟
الملحق:
صورة لمقال بقلم د. نوري جعفر (الذكاء الاصطناعي حقيقة أم وهم؟) جريدة الجمهورية، الأثنين 29/ 7/ 1985. ملف طب وعلوم صفحة 5 . https://zenodo.org/records/15364872



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأملات العلامة نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (2-2)
- تأملات العلامة نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (1-2)
- تأملات د. نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (1-2)
- المنعكسات الشرطية بين تجارب بافلوف وفلسفة نوري جعفر
- إيفان بافلوف في فكر نوري جعفر الفسيولوجي والسلوك الإنساني
- نوري جعفر والفكر البشري بين طبيعته وتطوره
- حين تسكن الروح جسداً آخر
- نوري جعفر… كيف نصنع الإبداع؟ قراءة في الدماغ والبيئة والإنسا ...
- نوري جعفر… الإبداع بين الدماغ والإنسان
- عبد الكريم هادي جبار الأصفر… سيرة البدايات الأولى:
- چكنم… حكاية بائع من ذاكرة الديوانية
- المنفى والاحتجاج في شعر عبد الرزاق ناصر الجمعة
- المارِدة والصبايا: سردية الألم والنجاة
- القراءة بوصفها تمرّدا
- حين تعجز الكلمات عن وصف الألم
- هكذا يعيش المناضلون
- إليها حين تتكلم الروح
- من أراد راحة البال فليترك التحزّب والأحزاب
- الضعف والتداعي الذي اصاب جسد اليسار
- الأزرق… بين أسطورة الحماية وعمق المعنى الإنساني


المزيد.....




- سرقة لوحات بقيمة ملايين الدولارات في عملية سطو استغرقت 3 دقا ...
- إنهاء حرب إيران -بغضون أسبوعين أو أكثر بقليل-.. شاهد ما قاله ...
- هل تضع الصين نفسها في موقف وسيط سلام بين أمريكا وإيران؟
- بعيدًا عن هرمز.. طرق بديلة للنفط تحت وطأة المخاطر
- نتائج ضربات إيران على دول الخليج صباح الأربعاء.. ماذا نعلم ل ...
- حرب الشرق الأوسط: غارات على طهران وبيروت واعتراض صاروخ من ال ...
- احتجاج لسائقي الشاحنات قرب باريس رفضًا لارتفاع أسعار الوقود ...
- كيف يواصل طلاب لبنان دراستهم في زمن الحرب؟
- حرب إيران بين وهم النصر وفخ التصعيد وفوضى القرار
- هيئة بريطانية: إصابة ناقلة نفط بمقذوف قبالة -رأس لفان- في قط ...


المزيد.....

- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نبيل عبد الأمير الربيعي - نوري جعفر سبق العالم في الذكاء الاصطناعي