أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - نبيل عبد الأمير الربيعي - سوسيولوجيا التحول الثقافي في العراق الحديث














المزيد.....

سوسيولوجيا التحول الثقافي في العراق الحديث


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 10:36
المحور: المجتمع المدني
    


شهدت الثقافة الاجتماعية في العراق تحولات عميقة ومتراكبة، لم تكن مجرد انتقالات فكرية عابرة، بل انعكاساً مباشراً لتبدلات سياسية كبرى، وأزمات تاريخية متلاحقة، وصراعات على هوية الدولة والمجتمع. ويمكن قراءة هذا المسار بوصفه سلسلة من (التحولات الثقافية) التي أعادت تشكيل وعي الإنسان العراقي من مرحلة إلى أخرى، دون أن تلغي بالكامل ما سبقها، بل تترك طبقات متراكمة من الأفكار والقيم المتداخلة.
في العهد الملكي، تشكلت ملامح ما يمكن تسميته بـ(ثقافة الأفندي)، وهي ثقافة طبقة وسطى مدينية نشأت في بغداد والمدن الكبرى، وتغذت على التعليم الحديث والإدارة الناشئة والوظائف الحكومية. كان (الأفندي) رمزاً للموظف المتعلم الذي يتقن اللغة الرسمية، وينتمي إلى منظومة الدولة الحديثة الناشئة، مع احتفاظه بقدر من القيم التقليدية.
تميز هذا المجتمع بقدر من التوازن بين الحداثة والتقاليد؛ فالتعليم كان مفتاح الصعود الاجتماعي، والوظيفة العامة هي الحلم الأكبر، بينما بقيت البنى الاجتماعية التقليدية-العشيرة والدين والعائلة- حاضرة بقوة. ومع ذلك، بدأت بذور الوعي السياسي الحديث بالظهور، خاصة في أوساط الطلبة والمثقفين.
مع منتصف القرن العشرين، وبفعل التحولات العالمية وصعود الحركات التحررية، برز في العراق تيار يساري قوي، تجسد في انتشار الفكر الشيوعي داخل المدن والجامعات والنقابات. وقد جذب هذا التيار شريحة واسعة من الشباب والطبقة المثقفة، لما حمله من شعارات العدالة الاجتماعية ومناهضة الإقطاع والاستعمار.
في هذه المرحلة، لم يعد (الأفندي) وحده هو النموذج الثقافي، بل ظهر (المثقف المناضل) و(الطالب السياسي) كفاعل اجتماعي جديد. وشهد المجتمع العراقي حراكاً فكرياً واسعاً، تداخل فيه الأدب بالسياسة، والشعر بالنضال، والفكر بالاحتجاج.
مع صعود الأنظمة القومية، ولا سيما بعد عام 1968م، دخل العراق مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الوعي الجمعي، حيث برز خطاب قومي عربي قوي، ركز على الهوية العربية والوحدة، مقابل تراجع التيارات الفكرية الأخرى أو احتوائها ضمن إطار الدولة.
ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988م)، تعززت عسكرة المجتمع بشكل غير مسبوق، إذ أصبحت الدولة جهازاً تعبوياً شاملاً، يوجه الإعلام والتعليم والثقافة نحو دعم المجهود الحربي. في هذه المرحلة، تحول المواطن إلى جزء من آلة الدولة، وتراجعت المساحات المدنية لصالح خطاب المواجهة والصمود والانضباط.
أدى سقوط النظام عام 2003م إلى انهيار البنية السياسية المركزية، وفتح الباب أمام إعادة تشكيل المجتمع العراقي على أسس جديدة. غير أن هذا التحول لم يكن سلساً، بل رافقته حالة من الفراغ السياسي والأمني، سمحت بظهور هويات فرعية متنافسة.
برز في هذه المرحلة انقسام واضح بين اتجاهين رئيسيين: المجتمع الطائفي الذي أعاد إنتاج الهويات الدينية والمذهبية كمرجعيات سياسية واجتماعية. والمجتمع المدني الذي حاول بناء فضاء وطني قائم على المواطنة والقانون وحقوق الإنسان. وقد أدى هذا التناقض إلى حالة من الاستقطاب، حيث تداخلت السياسة بالهوية، وتراجعت الثقافة الجامعة لصالح الانتماءات الجزئية، رغم استمرار محاولات بناء وعي مدني عابر للطوائف.
أخيراً إن تاريخ الثقافة الاجتماعية في العراق هو في جوهره تاريخ صراع بين مشروع الدولة الحديثة ومشاريع الهويات المتعددة. من (الأفندي) إلى (المناضل)، ومن (القومي) إلى (المقاتل)، ومن (المواطن المدني) إلى (المنقسم طائفياً)، ظل المجتمع العراقي يتشكل تحت ضغط التحولات الكبرى.
ومع ذلك، يبقى في هذا التاريخ خيط مشترك هو قدرة العراقيين على التكيف وإعادة إنتاج ذواتهم رغم الأزمات، مما يجعل الثقافة العراقية مجالاً مفتوحاً للتجدد، لا مجرد سجل للماضي، بل مشروعاً مستمراً لإعادة تعريف الهوية والمعنى.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عزيز السيد جاسم سيرة التحوّل ونهاية التغييب
- التربية بوصفها مشروعاً نهضوياً في فكر د. نوري جعفر (1914-199 ...
- حين ينتصر الضمير على السلطة
- إخوان الصفا ومعطيات علم النفس والأعصاب الحديثة
- إنانا: من آلهة الحب إلى ضحية التحول الذكوري في التاريخ الإنس ...
- نوري جعفر بين الإهداء لمؤلفه والنص الإنساني العميق
- نوري جعفر سبق العالم في الذكاء الاصطناعي
- تأملات العلامة نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (2-2)
- تأملات العلامة نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (1-2)
- تأملات د. نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (1-2)
- المنعكسات الشرطية بين تجارب بافلوف وفلسفة نوري جعفر
- إيفان بافلوف في فكر نوري جعفر الفسيولوجي والسلوك الإنساني
- نوري جعفر والفكر البشري بين طبيعته وتطوره
- حين تسكن الروح جسداً آخر
- نوري جعفر… كيف نصنع الإبداع؟ قراءة في الدماغ والبيئة والإنسا ...
- نوري جعفر… الإبداع بين الدماغ والإنسان
- عبد الكريم هادي جبار الأصفر… سيرة البدايات الأولى:
- چكنم… حكاية بائع من ذاكرة الديوانية
- المنفى والاحتجاج في شعر عبد الرزاق ناصر الجمعة
- المارِدة والصبايا: سردية الألم والنجاة


المزيد.....




- اعتقال إسرائيليين اثنين للاشتباه في عملهما لصالح استخبارات إ ...
- إيران تنفذ حكم الإعدام برجلين بتهمة -التجسس لصالح إسرائيل-
- العميد رادان: رصد واعتقال مئات الجواسيس والعملاء في الفضاء ا ...
- إعدام جاسوسين اثنين عملا ضمن شبكة تجسس مرتبطة بالموساد
- قوات الاحتلال تشن حملة مداهمات واعتقالات واسعة خلال اقتحام ح ...
- السلطة القضائية الإيرانية: إعدام شخصين بتهمة الانتماء إلى شب ...
- السلطة القضائية الإيرانية: نُفذ حكم الإعدام بالعميلين محمد م ...
- صندوق الأمم المتحدة للسكان يؤكد ضرورة زيادة الدعم الدولي للش ...
- جنوب لبنان.. عودة النازحين وحياة تنبعث من وسط الركام
- مقال بالإندبندنت: قانون إعدام الأسرى عنصرية إسرائيلية بغيضة ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - نبيل عبد الأمير الربيعي - سوسيولوجيا التحول الثقافي في العراق الحديث