أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نبيل عبد الأمير الربيعي - وطنٌ بين الذاكرة والخذلان














المزيد.....

وطنٌ بين الذاكرة والخذلان


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 08:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ثمة أوطان لا تسكن الخرائط فحسب، بل تستقر عميقاً في الروححتى إذا ما أصابها الخراب شعر الإنسان وكأن التصدع قد أصاب قلبه هو. والوطن الذي يبدأ حكاية البشرية لا يستحق كل هذا التعب، ولا يليق به أن يتحول إلى ساحة تتقاسمها الأيدي العابثة والوجوه التي جاءت من ظلام الطمع والجشع لتقتات على أحلام الناس وآلامهم.
إنه شعور بالغ القسوة أن يطول انتظار الإنسان لسنوات وهو يحدق في أفق كان يظنه ممتلئاً بالضوء، ثم يكتشف في النهاية أن الضوء كان يبتعد كلما اقترب منه. كنا ننتظر وطناً يشبه أحلامنا البسيطة قليل من الأمان، شيء من الكرامة، وفسحة للحياة من دون خوف. لكن السنوات مرت ثقيلة، ومع كل صباح كنا نفقد جزءاً من يقيننا القديم بأن الغد سيكون أجمل.
من كان يتخيل أن الأرض التي خطت الحرف الأول، وعلمت الدنيا كيف تبني المدن وتغني للحياة، ستصبح نهباً للخراب؟ كيف لبلاد كانت مهد الحضارات أن تتحول إلى غنيمة يتقاسمها الطامعون وتنهشها أفواه الفاسدين ؟ كأن التاريخ نفسه يقف اليوم مذهولاً أمام ما جرى لهذه البلاد التي كانت يوماً تتزين بالفن والشعر والمعرفة.
لقد تعبنا من فرط التفاؤل. نعم، أتعبنا الأمل حين بقينا نتمسك به رغم كل الخيبات. كنا نظن أن الوطن أقوى من الانكسار، وأن الغرباء لن يتمكنوا من اقتلاع جذوره، لذلك كنا نسخر أحياناً من مراثي الشعراء وهم يتحدثون عن زمن يُنفى فيه أهل البلاد ويستوطن الغرباء أمكنتهم. لم نكن نصدق أ يوم نشعر فيه بأننا غرباء في مدننا، وأن الأزقة التي حفظت ستنظر إلينا بوجوه متعبة لا تعرفنا.
أي غفلة تلك التي عبر منها كل هؤلاء ؟ كيف استطاع اللصوص أن يتسللوا إلى بيوت الروح، فيسرقوا أغنياتنا القديمة، ويطفئوا ضحكاتنا، ويزرعوا الخوف في حدائق الطفولة؟ لقد أرعبوا حتى الطيور التي كانت تحط مطمئنة فوق أشجارنا، ولوثوا الحقول التي كانت تتباهى بخضرتها، حتى صار الحزن جزءاً من المشهد اليومي.
ومع ذلك، لا نستطيع أن نتوقف عن حب هذا الوطن. فالأماكن التي منحتنا طفولتنا الأولى لا يمكن التخلي عنها بسهولة، حتى لو تغيرت ملامحها. هنا لعبنا صغاراً، وهنا عرفنا صداقات العمر الأولى، وهنا اكتشفنا معنى الفرح والحزن والانتظار. لهذا يبدو الوطن، مهما ابتعد عنا، جزءاً من ذاكرتنا الشخصية، لا مجرد جغرافيا نسكنها.
لقد شابت رؤوسنا ونحن نلاحق حلم البلاد الجميلة كبرنا تحت شمسها القاسية والحنونة معاً، ورغم كل شيء ما زلنا نتأمل صباحاتها كما لو أننا ننتظر معجزة صغيرة تعيد إليها بعض ما فقدته. فالإنسان قد يشيخ، لكنه لا يتعب من الحنين إلى المكان الذي أحبه بصدق.
إن المأساة الحقيقية ليست في الخراب وحده، بل في اعتياد الخراب. حين يصبح الخوف أمراً عادياً، والفساد خبراً يومياً، والخذلان جزءاً من تفاصيل الحياة، ندرك أن الجرح صار أعمق مما نظن. غير أن الأمم التي صنعت التاريخ قادرة، مهما طال انكسارها، على أن تستعيد عافيتها ذات يوم، لأن الذاكرة الحية لا تموت.

سيبقى هذا الوطن، رغم كل ما أصابه، أكبر من اللصوص والعابرين والطامعين. فهؤلاء يجيئون ويذهبون، أما البلاد فتبقى، تحمل أسماء عشاقها الحقيقيين الذين تعبوا من الحروب، لكنهم لم يتعبوا من محبتها. وربما لهذا السبب تحدب لنا نكتب عنها، ونغني لها، ونبكي عليها، لأن الوطن حين يـ قلب لا يغادره أبداً.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوسيولوجيا التحول الثقافي في العراق الحديث
- عزيز السيد جاسم سيرة التحوّل ونهاية التغييب
- التربية بوصفها مشروعاً نهضوياً في فكر د. نوري جعفر (1914-199 ...
- حين ينتصر الضمير على السلطة
- إخوان الصفا ومعطيات علم النفس والأعصاب الحديثة
- إنانا: من آلهة الحب إلى ضحية التحول الذكوري في التاريخ الإنس ...
- نوري جعفر بين الإهداء لمؤلفه والنص الإنساني العميق
- نوري جعفر سبق العالم في الذكاء الاصطناعي
- تأملات العلامة نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (2-2)
- تأملات العلامة نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (1-2)
- تأملات د. نوري جعفر في الفكر والدماغ عند الإنسان (1-2)
- المنعكسات الشرطية بين تجارب بافلوف وفلسفة نوري جعفر
- إيفان بافلوف في فكر نوري جعفر الفسيولوجي والسلوك الإنساني
- نوري جعفر والفكر البشري بين طبيعته وتطوره
- حين تسكن الروح جسداً آخر
- نوري جعفر… كيف نصنع الإبداع؟ قراءة في الدماغ والبيئة والإنسا ...
- نوري جعفر… الإبداع بين الدماغ والإنسان
- عبد الكريم هادي جبار الأصفر… سيرة البدايات الأولى:
- چكنم… حكاية بائع من ذاكرة الديوانية
- المنفى والاحتجاج في شعر عبد الرزاق ناصر الجمعة


المزيد.....




- صور تكشف جمالاً خفيًا لبركان خامد في السعودية
- اصطدام حافلة بفيل.. شاهد اللحظات الدامية
- رغم التوترات الإقليمية.. نحو مليوني مسلم يتوافدون لأداء مناس ...
- بعد تراجع المواليد.. عدد سكان مصر يزيد بمعدل 5000 نسمة في ال ...
- فيروس إيبولا: كندا وجزر البهاما تفرضان حظرا على دخول القادمي ...
- عطل فني يوقف موقتا البث المباشر لقناة فرانس24 عبر منصاتها ال ...
- سنتكوم: غيرنا مسار 108 سفن منذ بدء حصار إيران
- ماذا لو قلصت أمريكا مساعداتها العسكرية لإسرائيل؟
- إثيوبيا تستعد للانتخابات العامة السابعة بمشاركة أكثر من 50 م ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال القائد العسكري الجديد لحماس


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نبيل عبد الأمير الربيعي - وطنٌ بين الذاكرة والخذلان