أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نبيل عبد الأمير الربيعي - حين يصبح الوهم حارساً للسلطة














المزيد.....

حين يصبح الوهم حارساً للسلطة


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 15:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن الدكتور علي الوردي، حين تناول ظاهرة (وعّاظ السلاطين)، منشغلاً بنقد الأشخاص بقدر انشغاله بكشف وظيفة اجتماعية وسياسية يمكن أن يؤديها الخطاب حين يفقد استقلاله الأخلاقي، ويتحول من وسيلة لتهذيب السلطة ومساءلتها إلى أداة لتبريرها وإضفاء المشروعية على ممارساتها.
فالسلطة لا تحتاج دائماً إلى القمع المباشر كي تضمن استمراريتها. أحياناً يكون أكثر الأساليب فاعلية أن تقنع الإنسان بأن ما يعيشه ليس نتيجة خيارات سياسية واقتصادية قابلة للنقاش والتغيير، بل قدر محتوم ينبغي التسليم به. وحين يقتنع المظلوم بأن الظلم جزء من طبيعة الحياة، وأن الفقر قدر لا سبيل إلى تغييره، وأن طاعة الحاكم فضيلة في كل الظروف، وأن الاعتراض على الواقع خروج على النظام أو تهديد للاستقرار، تكون السلطة قد قطعت شوطاً بعيداً في إحكام قبضتها من دون أن تضطر إلى رفع العصا. وهنا تحديداً يتحول الوهم إلى أداة سياسية. فالاستبداد لا يعيش بالقوة وحدها؛ يحتاج أيضاً إلى منظومة من الأفكار والتبريرات التي تجعل الخضوع يبدو طبيعياً، والاعتراض يبدو شاذاً، والصمت يبدو حكمة، والتسليم يبدو فضيلة. وحين تتولى بعض الأصوات ذات التأثير الديني أو الاجتماعي مهمة إنتاج هذه التبريرات، فإنها لا تعود تمارس دور الوعظ والإرشاد فحسب، بل تصبح، عن وعي أو من دونه، جزءاً من البنية التي تحمي السلطة من النقد.
وهذه هي المفارقة الأكثر خطورة: أن يصل الإنسان إلى مرحلة يدافع فيها عن النظام الذي يضيق عليه، ويبرر السياسات التي تزيد معاناته، ويبحث عن الأعذار لمن يمارسون السلطة عليه، ثم ينظر بعين الريبة إلى من يحاول كشف الخلل أو المطالبة بالتغيير. عندها لا تعود السلطة بحاجة إلى مراقبة الجميع؛ لأن بعض الناس يبدأون بمراقبة بعضهم بعضاً، ولا تحتاج إلى إسكات كل الأصوات؛ لأن المجتمع نفسه قد يتولى إسكات الأصوات المختلفة.
إن صناعة الإنسان المطيع ليست عملية سياسية خالصة، بل هي نتاج تفاعل معقد بين عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية، فضلاً عن الظروف التاريخية والجغرافية التي تشكل وعي المجتمعات. فالفقر، والجهل، والخوف، والتهميش، وضعف التعليم، وانعدام العدالة الاجتماعية، كلها يمكن أن تهيئ بيئة خصبة لانتشار الخرافة والتفسير الجامد للأحداث. لكن العامل السياسي يكتسب خطورة استثنائية عندما يتداخل مع هذه العوامل جميعاً.
فالسلطة التي لا تريد أن تسأل، ولا ترغب في أن تحاسب، قد تجد في مجتمع ضعيف التعليم، مثقل بالفقر والخوف، قليل الثقة بقدرته على التغيير، بيئة أكثر ملاءمة لبقائها من مجتمع يمتلك وعياً نقدياً قادراً على السؤال والمناقشة والاعتراض. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة ليس أن تمنع الإنسان من التفكير بالقوة، بل أن تجعله يعتقد أن التفكير لا فائدة منه.
إن المجتمع الذي يفقد القدرة على السؤال يفقد تدريجياً القدرة على التغيير. وحين تصبح الأسئلة جريمة، والنقد خيانة، والاختلاف خروجاً عن الجماعة، يتحول الاستقرار المزعوم إلى غطاء للجمود، ويصبح الخوف أحد مكونات الحياة العامة.
ومن هنا يمكن قراءة أهمية تراث علي الوردي في حاضرنا أيضاً. ففكرة (وعاظ السلاطين) لا ينبغي أن تحصر في زمن تاريخي معين، ولا أن تفهم بوصفها اتهاماً عاماً لرجال الدين أو أصحاب الخطاب الديني؛ إنها قبل كل شيء تحذير من فقدان الخطاب الأخلاقي لاستقلاله أمام السلطة.
فالخطاب الذي يذكر الحاكم بمسؤوليته أمام الناس يختلف جذرياً عن خطاب يطلب من الناس الصبر على أخطاء الحاكم. والخطاب الذي ينتصر للفقير والمهمش يختلف عن خطاب يفسر فقره بوصفه قدراً لا ينبغي الاعتراض عليه. والخطاب الذي يرفع قيمة العدالة يختلف عن خطاب يطلب من المظلوم أن يصمت حفاظاً على الاستقرار.
المشكلة إذن ليست في الدين ولا في الوعظ ولا في الإيمان، وإنما في توظيف المقدس لخدمة مصالح دنيوية، وتحويل القيم الأخلاقية إلى أدوات لتدجين المجتمع. فالسلطة بحاجة إلى القانون لكي تحكم، لكنها حين تفشل في إقناع الناس بعدالة حكمها قد تبحث عن وسائل أخرى تمنحها القبول. وهنا تبدأ صناعة المبررات، وتتسع مساحة التلقين، ويصبح الواقع المفروض وكأنه الواقع الوحيد الممكن. غير أن التاريخ لا يتغير بالتسليم، والمجتمعات لا تتقدم بالخوف، والعدالة لا تتحقق بالصمت.
إن بناء مجتمع حر لا يبدأ بإسقاط سلطة واستبدالها بأخرى، بل يبدأ بتحرير العقل من فكرة أن السلطة فوق السؤال، وأن الحاكم فوق النقد، وأن الواقع لا يمكن تغييره. فكل سلطة تخاف من السؤال، وكل خطاب يطلب من الإنسان أن يعطل عقله، يلتقيان في نقطة واحدة: إبقاء الواقع كما هو. وهنا تكمن أهمية النقد الذي تركه علي الوردي؛ ليس بوصفه موقفاً من الماضي، وإنما باعتباره دعوة دائمة إلى تفكيك العلاقة بين السلطة والوعي، وبين الخوف والطاعة، وبين الوهم والواقع.
حين يصبح الإنسان قادراً على السؤال، تبدأ السلطة بمواجهة الحقيقة. وحين يفقد الإنسان حقه في السؤال، يصبح الوهم حارساً أميناً للسلطة.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المخبر السري.. آخر اختراعات مكافحة الفساد!
- إيران بين وهم القوة وفاتورة الحصار وثمن أخطاء القيادة
- ما أجمل أيام زمان، زمن الزيتوني وتقارير الرفاق اليومية!
- قاليباف في بغداد.. بين النظام الإقليمي الجديد وسيادة العراق
- حين يصبح التاريخ امتحاناً للحاضر.. الحزب الديمقراطي الكوردست ...
- النحات سامي محمد.. وتحول المنحوتة إلى ذاكرة للإنسان
- الشيوعيون العراقيون... ما لهم وما عليهم
- د. رشيد الخيون... مشروع عراقي لإعادة قراءة التراث بعين العقل
- هل خسرت إيران أصدقاءها في الخليج؟
- قراءة في تصريحات علي أكبر ولايتي بشأن زيارة رئيس الوزراء الع ...
- الحلم الكوردي بين الواقع والطموح
- الألم يوحّد العراقيين… حلبجة صفحة مضيئة في سجل الإنسانية
- البقاء على قيد المهزلة: قراءة في كتاب الأديب ثامر الحاج أمين
- كريم عباس حسن وسرديات الذاكرة والمنفى في الرواية العراقية ال ...
- سلام إبراهيم.. سردية المنفى والذاكرة والجسد المعذّب
- ثامر الحاج أمين.. حارس الذاكرة الثقافية في الديوانية
- العرب بين ثقافتي الهند وفرنسا: قراءة في حوار كامل الزهيري مع ...
- العاشقة والسكير: سردية المنفى والتجربة الإنسانية
- إدغار موران.. قرنٌ من الفكر في مواجهة تعقيد العالم
- نظرية نوري جعفر في الإبداع وآليات الدماغ


المزيد.....




- مستوطنون إسرائيليون يحاصرون منزلًا فلسطينيًا قبل مهاجمته
- أول سيارة باكستانية ذاتية القيادة تقود صاحبها إلى الشرطة! (ف ...
- بوتين: الشعب الروسي متضامن مع الشعب الإيراني في نضاله من أجل ...
- أزمة مياه تضرب إسرائيل.. 5 محطات تحلية تتوقف وظاهرة غامضة تع ...
- ترامب يلوّح بتغيير موقف واشنطن من جزر فوكلاند.. هل تتصدع الع ...
- -كان هناك في ساعة مبكرة-.. سارة نتنياهو تهاجم يائير غولان وت ...
- ترامب يتعهد بأن تستحوذ الولايات المتحدة على كل نفط فنزويلا م ...
- تحالف يتجاوز السلاح.. تقرير يكشف تعاوناً عسكرياً متنامياً بي ...
- مهمة فاشلة… لكن بلا عواقب
- المساعدات الاجتماعية في ألمانيا .. ما جديدها وكيف ستطبق؟


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نبيل عبد الأمير الربيعي - حين يصبح الوهم حارساً للسلطة