أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نبيل عبد الأمير الربيعي - المدنية في العراق: من هوية الانتماء إلى دولة المواطنة














المزيد.....

المدنية في العراق: من هوية الانتماء إلى دولة المواطنة


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 09:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست المدنية صفة يكتسبها الإنسان بمجرد انتمائه إلى تيار فكري أو سياسي، ولا هي نقيض للدين بالضرورة، كما لا تختزل في العلمانية أو الشعارات الحزبية. إنها مفهوم تتداخل فيه طبيعة الدولة ومصدر السلطة مع منظومة الحقوق والحريات والمساواة. ومن هنا، فإن فهم المدنية في العراق يقتضي التمييز بين بعدها السياسي المتعلق بشرعية السلطة وتنظيمها، وبعدها الحقوقي المتعلق بالمواطنة المتساوية واحترام القانون.
تعود جذور المدنية إلى الفكر اليوناني، ولا سيما أرسطو الذي وصف الإنسان بأنه (حيوان سياسي بالطبع)، فيما ربط الفارابي في (المدينة الفاضلة) و(السياسة المدنية) كمال الإنسان بالتعاون داخل الجماعة. لكن الانتماء إلى المدينة قديماً لم يكن يعني المساواة بين البشر؛ فقد استبعدت فئات واسعة من الحقوق السياسية. وقد تطورت المواطنة الحديثة عبر صراعات طويلة ضد الامتيازات واحتكار السلطة. ومثلت الماغنا كارتا عام 1215 محطة في تقييد بعض صلاحيات الملك الإنجليزي، قبل أن تتوسع المشاركة السياسية تدريجياً. ثم جاء روسو ليعيد طرح سؤال الشرعية السياسية، مؤكداً في (العقد الاجتماعي) أهمية الإرادة العامة في تأسيس السلطة. وهكذا انتقل النقاش من مجرد الانتماء إلى الجماعة السياسية إلى طبيعة الحقوق التي يتمتع بها أفرادها.
أما في الفكر العربي الحديث، برزت قضايا المدنية والتمدن مع الاحتكاك بأوروبا، لدى الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده وغيرهم. ثم أثار علي عبد الرازق، في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) عام 1925، جدلاً حول طبيعة الخلافة وعلاقة الدين بالدولة. ومع ذلك، لا يصح نقل التقابل الغربي بين المدني والديني إلى التجربة الإسلامية بصورة آلية؛ لاختلاف السياقات التاريخية والمؤسسية. فالمسألة ليست إقصاء الدين من المجتمع، بل تحديد طبيعة السلطة وضمان عدم احتكارها باسم الدين أو المذهب أو أي مرجعية أخرى.
لا يمكن فهم إشكالية المدنية في العراق بمعزل عن تاريخ الدولة الحديثة، وتعاقب الأنظمة السلطوية والانقلابات والحروب، وما رافقها من صراعات على السلطة والهوية والموارد. فالعراق مجتمع متنوع دينياً ومذهبياً وقومياً وثقافياً، تتداخل فيه الهوية الوطنية مع الانتماءات العشائرية والمناطقية والدينية. وهذه الروابط ليست عائقاً بذاتها أمام المواطنة، لكنها تتحول إلى مشكلة حين تستخدم لتوزيع النفوذ والامتيازات أو لتبرير الإقصاء.
بعد عام 2003، اتسعت المشاركة السياسية والتعددية الانتخابية، لكن أزمات المحاصصة وضعف المؤسسات والفساد وتداخل النفوذ الحزبي مع أجهزة الدولة، إلى جانب وجود قوى مسلحة خارج السيطرة الحكومية الكاملة، كشفت عن عمق التحديات التي تواجه بناء الدولة. لذلك، لا تمثل المدنية في العراق نقاشاً فلسفياً مجرداً، بل قضية تتصل بطبيعة الدولة: هل هي مؤسسة عامة لجميع المواطنين، أم مجال لتقاسم النفوذ بين القوى السياسية؟ وهل تدار الاختلافات بالقانون والمؤسسات، أم بموازين القوة والانتماءات الفرعية؟ لذلك لا يتحقق بناء الدولة المدنية بالشعارات، بل باستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وضمان التداول السلمي للسلطة، وإخضاع السلاح للقانون، وتحقيق المساواة في الحقوق والواجبات.
كما لا تنحصر المدنية في شكل النظام السياسي؛ فهي تتطلب أيضاً ثقافة اجتماعية تحترم الاختلاف وتقبل التعدد. ولا يعني ذلك إلغاء الروابط الدينية والعشائرية والقومية، بل تنظيمها بحيث لا تتحول إلى بديل عن القانون أو أساس للتمييز. فقد تؤدي العشيرة دوراً في التكافل الاجتماعي، لكن ذلك لا ينبغي أن ينتقص من سلطة القضاء. وقد يشكل الدين مرجعية أخلاقية للفرد، لكنه لا يجوز أن يكون سبباً لتفاوت الحقوق السياسية والمدنية.
من هنا، تحتاج المدنية العراقية إلى تعزيز ثقافة المواطنة، واحترام حرية الاعتقاد والتعبير، وتوسيع مشاركة النساء والشباب، ودعم النقابات والجامعات ومنظمات المجتمع المدني. فالدولة المدنية لا تقوم بالدستور وحده، بل تحتاج إلى مجتمع يؤمن بأن الاختلاف حق، وأن القانون إطار مشترك للجميع.
أما الخطاب السياسي العراقي فيضع المدنية أحياناً في مقابل الإسلام السياسي أو الطائفية أو العسكرة. لكن هذه التقابلات لا تكفي للحكم على الأفراد والجماعات. فهل يكون الإسلامي غير مدني لمجرد مرجعيته الدينية، إذا كان يؤمن بدولة القانون والمساواة والتداول السلمي للسلطة؟ وهل يصبح العلماني مدنياً تلقائياً، إذا كان يؤيد الاستبداد أو الحكم العسكري أو امتلاك السلاح خارج الدولة؟
إن المرجعية الفكرية لا تحدد وحدها طبيعة الموقف السياسي. فقد يستند العلماني إلى الحرية والسيادة الشعبية في رفض احتكار السلطة، بينما يستند الإسلامي إلى فهم معين للنصوص الدينية، ويلتقي الاثنان في الدفاع عن المبادئ نفسها. وقد يحدث العكس أيضاً. وهنا ينبغي التمييز بين الأسس الفلسفية والمعرفية التي ينطلق منها الأفراد، وبين المبادئ السياسية والحقوقية التي يلتزمون بها في المجال العام. وتواجه المدنية العراقية ثلاث مشكلات أساسية: تحولها إلى هوية حزبية مغلقة، وادعاء بعض المنتسبين إليها، منها: التفوق الأخلاقي والمعرفي، واختزالها في معاداة الدين. فالمدنية لا تثبت بالشعارات، بل باحترام المختلف، ورفض التمييز، وقبول المحاسبة، والالتزام بالقانون.
لا يحتاج العراق إلى تعريف مغلق للمدنية يحتكرها تيار بعينه، بل إلى معايير واضحة تختبر بها المواقف والممارسات. فعند مناقشة السلطة، يكون المعيار رفض احتكارها؛ وعند مناقشة السلاح، يكون المعيار إخضاعه للدولة؛ وعند مناقشة الحقوق، تكون المساواة والحريات وعدم التمييز هي الأساس.
إن المدنية، بهذا المعنى، ليست هوية جاهزة، بل مشروع وطني يعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، ويحرر المؤسسات من الولاءات الضيقة، ويضمن عدالة توزيع الفرص والموارد، ويحمي التنوع من دون تحويله إلى مبرر للتجزئة.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسك محمد المرعب تخطو بثقة نحو عوالم التشكيل في معرضها الأول ...
- سعد مبارك.. الفنان الذي حول شناشيل الحلة إلى ذاكرة من خشب وض ...
- فيصل لعيبي بعد نصف قرن… يا لفرحٍ يشبه البكاء
- بدل رفو.. من ذاكرة المنفى إلى أسئلة الثقافة والإنسان
- سلام إبراهيم.. روائي يكتب في ذاكرة الحرب والاستبداد والمنفى
- الحزب الشيوعي العراقي والحوار المربك: أين الرؤية السياسية؟
- من الشطرة إلى أمريكا.. نقش في الذاكرة
- رفعت الجادرجي.. حين تصبح العمارة ذاكرةً وهويةً وفكراً
- كوكب حمزة.. والكتاب الذي حاول إنقاذ الذاكرة من النسيان
- محمد السعدي.. من جبل كوردستان إلى منفى السويد سيرة مناضل وذا ...
- د. نجاح طاهر العميشي... مثقف يقرأ بوعي
- قافز الموانع.. رواية تفكك صناعة القداسة
- حين يصبح الوهم حارساً للسلطة
- المخبر السري.. آخر اختراعات مكافحة الفساد!
- إيران بين وهم القوة وفاتورة الحصار وثمن أخطاء القيادة
- ما أجمل أيام زمان، زمن الزيتوني وتقارير الرفاق اليومية!
- قاليباف في بغداد.. بين النظام الإقليمي الجديد وسيادة العراق
- حين يصبح التاريخ امتحاناً للحاضر.. الحزب الديمقراطي الكوردست ...
- النحات سامي محمد.. وتحول المنحوتة إلى ذاكرة للإنسان
- الشيوعيون العراقيون... ما لهم وما عليهم


المزيد.....




- يحبّها المسافرون وتكرهها شركات الطيران: طائرة على وشك الاختف ...
- -فشل كامل في التنفيذ-.. هبة قصاص تتحدث عن وقف إطلاق النار في ...
- مستشار بارز سابق بالبيت الأبيض يعلق على -حلف مكة- وما ينطوي ...
- بوتين يؤكد: لا يجوز نسيان معاناة فلسطين ولا بديل عن حل الدول ...
- آيزنكوت: نتنياهو وشركاؤه يقودون عملية تأثير بهدف التشكيك بشر ...
- الدفاع الروسية: تدمير 1425 مسيرة وتحييد 1155 جنديا أوكرانيا ...
- بوتين يستذكر موقفا للرئيس المصري الراحل مبارك فاجأه في الكرم ...
- -روساتوم- تكشف طبيعة أعمال التخريب لمشروع الضبعة النووي في م ...
- بوتين يشيد بمساهمة ميلانيا ترامب في تنظيم المهمة الإنسانية ب ...
- الاتحاد الأوروبي يتراجع عن منح كندا صفة -عضو منتسب-


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نبيل عبد الأمير الربيعي - المدنية في العراق: من هوية الانتماء إلى دولة المواطنة