أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نبيل عبد الأمير الربيعي - فيصل لعيبي بعد نصف قرن… يا لفرحٍ يشبه البكاء














المزيد.....

فيصل لعيبي بعد نصف قرن… يا لفرحٍ يشبه البكاء


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 11:48
المحور: قضايا ثقافية
    


كان المنفى كله يخفق كقلب غريق مع الفنان التشكيلي فيصل لعيبي، وهو يشد خطاه نحو العراق، حاملاً نصف حلم، وحنيناً كاملاً، ومواطنةً مجروحة. لم يكن يحمل حقيبة سفر فحسب، بل كان يحمل نصف قرن من الغياب، وعمراً كاملاً من الأسئلة، وذاكرةً ظلت تنزف كلما مر طيف العراق أمام عينيه.
حين علمتُ بمشاركته في مهرجان بابل الدولي، وتكريمه فيه، وإمكان إيصال أعماله الفنية إلى العراق، تسللتُ إلى أجواء المهرجان بصحبة الدكتور نصير الحسيني. كان فيصل جالساً في الصفوف الأولى، وما إن وقعت عيناي عليه حتى اتجهت نحوه، وتعانقنا عناقاً اختلطت فيه فرحة اللقاء بمرارة السنوات التي تفصل بيننا. كان ذلك أول لقاء مباشر يجمعني به، بعد أن تابعت منجزه الفني عن بعد، وظللت أراه في لوحاته، وأتأمل ما تحمله من ملامح العراق ووجع الإنسان، من دون أن تجمعنا المصادفة وجهاً لوجه.
في تلك اللحظة، لم أستطع أن أمنع نفسي من التساؤل: كيف يمكن لوطن أن يستقبل فناناً أفنى عمره في حمل هموم شعبه وملامح وطنه إلى العالم، ثم يطلب منه، بطريقة أو بأخرى، أن يتجاوز مرارة الغياب، وينسى أن العالم نفسه احتضنه حين ضاقت به أبواب بلاده؟
لم يكن فيصل غائباً عن العراق كما يغيب المسافر عن مدينته. كان حاضراً في لوحاته، وفي ألوانه، وفي وجوه الناس الذين رسمهم، وفي تفاصيل الحياة العراقية التي ظلت تسكن فرشاته مهما ابتعدت المسافات. حمل العراق معه إلى المنافي، وحين رسم الإنسان، رسم شيئاً من وجع العراقيين وكرامتهم وانكساراتهم. كان وطنه يتسع في لوحاته بقدر ما تضيق به الحياة في داخله.
فيصل مهما ابتعد عن العراق، كان كماً من العمر ظل هناك، خلف البحار والحدود، في المدن التي احتضنت غربته، وفي الأزقة التي ترك فيها خطواته الأولى، وفي الوجوه التي غابت قبل أن تكتمل حكايات اللقاء.
يا لفرح يشبه البكاء؛ أن ترى أمامك فناناً طالما رافقك من بعيد، ثم تكتشف أن فرحة المصافحة لا تستطيع وحدها أن تمحو وجع نصف قرن من الغياب.
يا فيصل… يا فيصل… إن عدت إلى العراق، العمر لا يعود، والسنوات التي انقضت لا تستجيب لنداء الحنين. ما أقسى أن يكون الفنان سفيراً لوطنه في العالم، فيما يبقى غريباً عن مؤسساته، بعيداً عن شوارعه، محروماً من دفء المكان الذي صنع ذاكرته الأولى!
الفنانون الذين غادروا العراق ليسوا جميعاً حكايات نجاح في المنافي؛ إنهم أيضاً شهادات على ما خسره الوطن، وعلى ما كان يمكن أن يمنحه أبناؤه لو وجدوا فيه مساحة للحياة والعمل والحلم. إن كل مبدع اضطر إلى الرحيل يحمل معه جزءاً من ذاكرة البلاد، وكل لقاء متأخر يذكرنا بأن الأوطان لا تقاس بما تملكه من أرض وثروات فقط، بل بما تستطيع أن تمنحه للإنسان كي يبقى.
مع ذلك، لا أريد لهذه اللحظة أن تكون مرثية خالصة. ففي حضور فيصل ما يشبه العناد الجميل؛ كأن الفن، رغم كل ما حدث، يرفض أن يسلم بأن المسافات أقوى من الذاكرة، وأن المنافي تستطيع أن تنتزع الإنسان من جذوره. يأتي فيصل حاملاً ما تبقى من الحلم، ليقول لنا، بصمته وألوانه، إن الإنسان يستطيع أن يحب وطنه حتى وهو يعاتبه، وأن يظل وفياً لملامحه الأولى حتى حين يخذله الزمن.
لكننا لا نملك حق مطالبة العائدين بأن ينسوا. لا نملك أن نطلب من فيصل أن يطوي خمسين عاماً في ليلة استقبال، أو أن يختصر وجع الغياب في ابتسامة أمام الكاميرات. من حقه أن يفرح، ومن حقه أن يبكي، ومن حقه أن ينظر إلى العراق بعين المحب الذي يعرف جماله، وعين الغريب الذي يعرف كم كان ممكناً أن يكون أجمل.
نستقبلك، ونخجل من كل ما جعل حضورك خبراً، فيما كان ينبغي أن يكون اللقاء حقاً طبيعياً لا يحتاج إلى احتفالٍ استثنائي. فيصل في العراق، في بابل وبغداد، لكن العمر ليس هنا. فتعود الخطى إلى الأرض، ولا تعود الخطوات التي سبقتها. يحضر الجسد إلى المكان، وتبقى الروح معلقةً بين بابين؛ باب تركه مفتوحاً وراءه، وباب ظل ينتظره أمامه.
فهل يستطيع العراق أن يتعلم من هذه اللحظة كيف يحتفظ بأبنائه، قبل أن يصبحوا أسماء في كتب التاريخ، وصوراً في أرشيف الذاكرة، وأحلاماً مؤجّلةً على خرائط المنافي؟ نحن لا نعرف أَنفرح لأنه بيننا، أم نبكي لأنه اضطر إلى الانتظار كل هذه السنوات.
يا لفرح يشبه البكاء، ويا لوطن يحتاج إلى عمر آخر كي يعتذر لأبنائه.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بدل رفو.. من ذاكرة المنفى إلى أسئلة الثقافة والإنسان
- سلام إبراهيم.. روائي يكتب في ذاكرة الحرب والاستبداد والمنفى
- الحزب الشيوعي العراقي والحوار المربك: أين الرؤية السياسية؟
- من الشطرة إلى أمريكا.. نقش في الذاكرة
- رفعت الجادرجي.. حين تصبح العمارة ذاكرةً وهويةً وفكراً
- كوكب حمزة.. والكتاب الذي حاول إنقاذ الذاكرة من النسيان
- محمد السعدي.. من جبل كوردستان إلى منفى السويد سيرة مناضل وذا ...
- د. نجاح طاهر العميشي... مثقف يقرأ بوعي
- قافز الموانع.. رواية تفكك صناعة القداسة
- حين يصبح الوهم حارساً للسلطة
- المخبر السري.. آخر اختراعات مكافحة الفساد!
- إيران بين وهم القوة وفاتورة الحصار وثمن أخطاء القيادة
- ما أجمل أيام زمان، زمن الزيتوني وتقارير الرفاق اليومية!
- قاليباف في بغداد.. بين النظام الإقليمي الجديد وسيادة العراق
- حين يصبح التاريخ امتحاناً للحاضر.. الحزب الديمقراطي الكوردست ...
- النحات سامي محمد.. وتحول المنحوتة إلى ذاكرة للإنسان
- الشيوعيون العراقيون... ما لهم وما عليهم
- د. رشيد الخيون... مشروع عراقي لإعادة قراءة التراث بعين العقل
- هل خسرت إيران أصدقاءها في الخليج؟
- قراءة في تصريحات علي أكبر ولايتي بشأن زيارة رئيس الوزراء الع ...


المزيد.....




- كيف أصبح أعلى جسر في العالم وجهة سياحية شهيرة في الصين؟
- الأردن: مقتل عنصر أمن إثر الاعتداء عليه بآلة حادة في عمّان
- قبة موسكو الفلكية والطريق إلى -بايكونور-
- المركبة الفضائية الروسية الجديدة تستعد لاختبارات الطيران
- تاكر كارلسون: الولايات المتحدة أفلست نتيجة الحروب والمواجهات ...
- مقاتلات ترافق طائرة ركاب بعد تحذير من قنبلة على متنها
- إلهان عمر ترقص على أنغام صومالية احتفالا بفوزها بولاية خامسة ...
- الحوثيون يطالبون الرياض بتعويض هائل
- خبير مصري: تجسس إسرائيل على منشأة سرية لا يحترم السيادة
- 5 قتلى و13 جريحا في استهداف أوكراني لحافلة ركاب في لوغانسك


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نبيل عبد الأمير الربيعي - فيصل لعيبي بعد نصف قرن… يا لفرحٍ يشبه البكاء