نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث
(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)
الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 09:42
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
ليست الألقاب التي تمنحها الصحافة للشخصيات الثقافية معياراً كافياً لتحديد مكانتها، كما أن شيوع اسم كاتب أو فيلسوف لا يعني بالضرورة أن مشروعه قد استقر في الوعي الثقافي، أو أن أفكاره أصبحت جزءاً من تاريخ المعرفة. فبين شهرة الاسم وقيمة المنجز مسافة لا يختصرها المديح، ولا تحسمها الانتماءات الأيديولوجية والسياسية، وإنما يظل التاريخ الثقافي، بما يمتلكه من قدرة على التمحيص والمراجعة، هو الحكم الذي تتكشف أمامه حقيقة المشاريع الفكرية وحدودها وآفاقها.
من هذا المنطلق، تستوقفني تجربة البروفيسور ميثم الجنابي (1955- 2021)، الذي أخذت كتاباته تصل إلى العراق بعد سقوط الدكتاتورية، لتثير نقاشاً حول موقعه في خريطة الفكر العراقي والعربي، وطبيعة مشروعه، والمرجعية المعرفية التي يستند إليها. لم يكن الالتباس المحيط بتصنيفه ناتجاً عن غياب خصوصيته الفكرية بقدر ما كان مرتبطاً بصعوبة إدراجه ضمن القوالب والتيارات المألوفة. فقد اعتاد الوسط الثقافي أن يبحث عن هوية فكرية جاهزة لكل كاتب، وأن يضعه في خانة سياسية أو أيديولوجية، وكأن قيمة المعرفة لا تكتمل إلا ببطاقة انتماء. وقد أتاحت مؤلفاته بعد عام 2007، فرصة الاقتراب من هذه الإشكالية عبر التعرف الشخصي إلى طبيعة المشروع الفكري ومعايير الحكم عليه.
في سياق الحديث عن شخصيات علمية بارزة في تاريخ العراق الحديث، مثل المؤرخين جواد علي وعبد العزيز الدوري، وصفهما الجنابي بأنهما (شخصيات فذة يرتقى كل منهم إلى مصاف مدرسة فكرية). فضلاً عن أن ميثم الجنابي هو بمثابة مدرسة فكرية وصاحب مشروع ثقافي.
وفي هذا السياق، يمثل المؤرخين والمفكرين شجرة المعرفة العراقية والعربية والعالمية، وتتباين من حيث القابلية والإمكانية والقدرة على تحقيقها، كما تختلف في الرؤية والمنهجية، وتتصارع في تأسيس ما تسعى إليه. وبالتالي، فإن التباين والاختلاف والخلاف لا يعني التضاد.
تكمن أهمية هذه الرؤية في أنها تضع الاختلاف في موقعه الطبيعي داخل الحياة الثقافية، فلا تجعل تعدد المناهج سبباً للخصومة الشخصية، ولا تحول اختلاف الرؤى إلى مبرر لإلغاء الآخر. فالمؤرخ الكبير، والشاعر المبدع، والناقد المتمرس، والمفكر والفيلسوف، قد يلتقون في أفق المعرفة الإنسانية، لكنهم يفترقون في أدواتهم وحقول اشتغالهم وطبيعة منجزهم. وليس مطلوباً من الثقافة أن توحدهم في منهج واحد، بل أن تتيح لكل منهم أن يحقق إمكاناته ضمن المجال الذي اختاره.
إن المدرسة الفكرية، وفق هذا الفهم، ليست وصفاً احتفالياً يطلقه المعجبون، ولا مرتبة تمنحها الصحافة استناداً إلى الحضور الإعلامي، وإنما هي حصيلة تراكم معرفي ومنهجي، وقدرة على إنتاج المفاهيم وفتح مسارات جديدة للبحث والتفكير. وهي، قبل كل شيء، تحتاج إلى قراءة نقدية تكشف ما أضافه المشروع إلى المعرفة، وما أثاره من أسئلة، وما تركه من أثر في الأجيال اللاحقة.
إن المفهوم الذي أراه جديراً بالتأمل، الاستخدام الشائع لكلمة (مفكر)، إذ يرى الجنابي: (أن معنى المفكر بالمعنى الشائع في الأوصاف والتوصيف الواسع الانتشار في الصحافة العربية الحالية، لغير مقبول وهي ألقاب مجانية). ولم يكن اعتراضه، في تقديري، على المفهوم ذاته، بل على تحوله إلى صفة فضفاضة تفقد معناها حين تمنح من دون معايير معرفية واضحة. فالكلمات، مثل المفاهيم، تكتسب قيمتها من دقة استعمالها، وحين يصبح اللقب وسيلة للمجاملة أو الترويج، يفقد قدرته على التمييز بين الاجتهاد العابر والمنجز العميق، وبين الكاتب الذي يعيد إنتاج الأفكار السائدة وصاحب المشروع الذي يمتلك أدواته وأسئلته الخاصة.
ويذهب الجنابي إلى أن كلمة (مفكر) في تقاليد الثقافة العربية الإسلامية الكبرى كانت تحيل إلى مكانة علمية ومعرفية رفيعة، قريبة في دلالتها من أوصاف العالم النحرير والشيخ والإمام وفريد العصر. ومن هنا تأتي صعوبة إطلاقها، في رأيه، على نطاق واسع من دون تدقيق في شروطها ومستوياتها.
قد يختلف المرء مع بعض تقديراته أو مع تشدده في ضبط المصطلح، لكن القيمة الأساسية في موقفه تكمن في دعوته إلى إعادة الاعتبار للمعايير العلمية والنقدية، بدلاً من الاستسلام لثقافة الألقاب. فالمفكر لا يصبح مفكراً لأن الآخرين كرروا وصفه بذلك، والفيلسوف لا تثبت مكانته بمجرد إدراج اسمه في قائمة الفلاسفة؛ إذ ينبغي أن يقرأ منجزه، وأن تفحص مفاهيمه، وأن تختبر حججه، وأن يقاس إسهامه في تطوير الأسئلة التي تواجه الإنسان والمجتمع. وهنا تبرز أهمية التمييز بين التعريف المهني أو الأكاديمي بالشخصية، وبين الحكم التاريخي على منجزها. فالأول قد تحدده الشهادات والوظائف والحقول المعرفية، أما الثاني فيحتاج إلى زمن وقراءات متعددة ومناقشات نقدية تتجاوز صاحب المشروع نفسه.
لعل العبارة الأكثر دلالة في رأي الجنابي تأكيده من خلال مؤلفاته: (إنني أعرف من أنا. غير أن الكلمة الفصل للتاريخ الثقافي وتاريخ الفكرة). إنها عبارة تختصر موقفاً معرفياً يتجاوز التواضع الشخصي أو الاعتداد بالذات. فمعرفة الإنسان بنفسه لا تعني أنه يمتلك وحده حق تحديد موقعه في تاريخ الثقافة، كما أن وعيه بمشروعه لا يعفيه من النقد والمراجعة. ثمة فرق بين أن يعرف الكاتب ما يريد إنجازه، وبين أن يحسم بنفسه القيمة النهائية لما أنجزه. الأولى شأنه بوصفه صاحب تجربة، والثانية شأن الثقافة بوصفها فضاءً عاماً تتفاعل فيه القراءات وتتراكم فيه الأحكام. والتاريخ الثقافي ليس محكمة تصدر أحكاماً نهائية بمعزل عن الظروف، ولا سلطة معصومة من الخطأ، بل عملية ممتدة من القراءة والمقارنة والتقييم وإعادة النظر. وقد تتغير مكانة كتاب أو مفكر حين تتغير الأسئلة التي يطرحها المجتمع، أو حين تظهر مناهج جديدة تسمح بفهم أعمق لمنجزه. ولهذا فإن الاحتكام إلى التاريخ الثقافي يعني، في جوهره، الاحتكام إلى النقاش المفتوح، وإلى الأدلة والحجج، وإلى قدرة الأفكار على الصمود أمام النقد.
أما (تاريخ الفكرة)، الذي يستحضره الجنابي في عبارته، فيحيل إلى ما يتجاوز سيرة صاحبها وألقابه ومواقفه الظرفية. فالفكرة لا تقاس فقط بما يقوله صاحبها عنها، بل بما تضيفه إلى المعرفة، وبما تفتحه من إمكانات للتفكير، وبقدرتها على الدخول في حوار مع أفكار أخرى، سواء اتفقت معها أم خالفتها. وقد يختلف القراء في تقييم مشروع بعينه، لكن اختلافهم يصبح مثمراً حين يستند إلى تحليل النصوص ومناقشة المفاهيم، لا إلى الولاء الشخصي أو الخصومة السياسية أو الرغبة في الاحتفاء.
من هنا يمكن فهم ما يدعو إليه الجنابي في إطار ما يسميه (فكرة الاحتمال العقلاني): أي إتاحة المجال أمام العقل كي يفحص الآراء والفرضيات، ويوازن بين الأدلة، ويتجنب تحويل الرغبات والانتماءات إلى حقائق نهائية. إنها دعوة إلى ثقافة لا تستعجل الأحكام، ولا تجعل الهوية السياسية أو الأيديولوجية بديلاً عن المعرفة، ولا تتعامل مع المفكر بوصفه مرجعاً لا يُناقش، أو خصماً ينبغي إقصاؤه.
نحو ثقافة تتجاوز عبادة الأسماء
إن استعادة أفكار الجنابي اليوم لا تعني الاكتفاء بإعادة نشر إجاباته أو التعامل معها بوصفها أحكاماً نهائية، بل تعني فتح المجال أمام قراءة نقدية لمشروعه، كما ينبغي أن تكون الحال مع كل مشروع فكري جاد. فاحترام المفكر لا يتحقق بتحصينه من الأسئلة، وإنما بإخضاع أفكاره للنقاش الجاد، والتمييز بين ما يقدمه من إضافات معرفية وما يمكن الاعتراض عليه أو مراجعته. وتحتاج الثقافة العراقية، في هذا السياق، إلى تجاوز ثنائية التمجيد والتجريح، وإلى بناء تقاليد نقدية تتيح الاختلاف من دون خصومة، والتقييم من دون محاباة، والاعتراض من دون إلغاء. كما تحتاج إلى استعادة الثقة بالمؤسسات الثقافية والجامعات ومراكز البحث والمجلات الرصينة، كي لا تبقى صناعة المكانة الفكرية رهينة المزاج الإعلامي أو العلاقات الشخصية أو الاصطفافات الضيقة.
إن قيمة ميثم الجنابي، مثل قيمة أي مفكر أو فيلسوف، لا يحسمها لقب نطلقه عليه، ولا موقف يتخذه أنصاره أو خصومه، بل ينبغي أن تبحث في كتبه ومفاهيمه ومنهجه والأسئلة التي يطرحها، وفي مدى إسهامه في إثراء المعرفة العراقية والعربية والإنسانية. وهذا لا ينتقص من حقه في تعريف مشروعه، ولا من حق القراء في الاختلاف معه، بل يضع الطرفين أمام المعيار نفسه: الحجة والمعرفة والنقد.
لقد علمنا تاريخ الثقافة أن الأسماء الكبيرة لا تستمد قيمتها من كثرة الألقاب المحيطة بها، بل من قدرتها على ترك أثر يتجاوز زمنها. والأفكار التي تستحق البقاء هي تلك التي تواصل إثارة الأسئلة، وتتحمل المراجعة، وتمنح الأجيال اللاحقة فرصة التفكير من جديد.
لهذا أعود إلى عبارة الجنابي: (إنني أعرف من أنا، غير أن الكلمة الفصل للتاريخ الثقافي وتاريخ الفكرة). إنها ليست نهاية النقاش حول هويته الفكرية، بل بدايته الصحيحة؛ لأن السؤال الأهم ليس ماذا نسمي المفكر، بل ماذا أنجز، وكيف نفهم منجزه، وما الذي يضيفه إلى حياتنا العقلية والثقافية. هناك، في فضاء المعرفة والنقد، تتراجع الألقاب إلى حجمها الطبيعي، وتبدأ الأفكار باختبار قيمتها الحقيقية.
#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)
Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟