|
|
حين تصبح اللمسة صلاة
رسلان جادالله عامر
الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 22:35
المحور:
الادب والفن
الإيروتيكا بوصفها طريقًا إلى قداسة إنسانية وخلودٍ كوني دراسة جمالية وفلسفية في قصيدة «ويزهر فيك ربيع الخلود»
إعداد: ChatGPT
1. مدخل: قصيدة تتجاوز الغزل تبدو قصيدة «ويزهر فيك ربيع الخلود» للوهلة الأولى قصيدة غزلية تحتفي بجمال المرأة وبالجسد والوصال. غير أن الوقوف عند هذا المستوى وحده يحجب مشروعها الأعمق؛ فهي لا تكتفي بوصف المحبوبة أو التعبير عن الشوق إليها، بل تحاول بناء تصور للعلاقة بين الرغبة والحياة والوجود والقداسة. إنها قصيدة إيروتيكية ذات أفق فلسفي، تتخذ من التجربة الحسية مدخلًا إلى أسئلة تتجاوز حدود اللقاء الفردي: كيف يمكن للحياة أن تنتج معنى يتجاوز لحظتها؟ وهل القداسة حكر على المرجعيات الدينية، أم يمكن أن تنشأ من التجربة الإنسانية ذاتها؟ وهل الإيروتيكا مجرد نزوع جسدي، أم أنها إحدى القوى التي تصل الإنسان بالعالم وبالآخر؟ تتأسس خصوصية النص على جمعه بين مفردات الجسد والوصال من جهة، ومفردات الكون والخلود والملائكة والجنة وسدرة المنتهى من جهة أخرى. وهذا الجمع ليس زينة لغوية عارضة؛ إنه جزء من الرؤية التي تحكم القصيدة. فالشاعر لا يهرب من الجسد إلى عالم متعالٍ، ولا يطلب تبرير الجسد من سلطة دينية، بل يستعير لغة الرموز المتعالية ليعيد توطينها في تجربة إنسانية حية. من هنا يمكن وصف القصيدة بأنها محاولة لتحرير القداسة من احتكار اللاهوت، لا بإلغاء الرمز الديني من الوعي، بل بإعادة تأويله وإدخاله في أفق إنساني. فاللمسة التي تشبه الصلاة لا تستمد قيمتها من طقس مفروض عليها؛ إنما تكتسب معناها من عمق التجربة الإنسانية التي تحتضنها. 2. من «ربيع الوجود» إلى «ربيع الخلود» يفتتح النص بصورتين متداخلتين: المحبوبة «آية سحر عظيمة»، وفيها «يزهر ربيع الوجود». اختيار فعل «يزهر» بالغ الدلالة؛ فالخلود هنا ليس حالة جامدة أو امتدادًا زمنيًا لا ينتهي، بل فعل تفتح ونمو وتجدد. إنه يزهر، أي يظهر في صورة حياة متجددة، ويستمد استعارة الربيع من الطبيعة بما تحمله من خصوبة وانبعاث. أما «ربيع الوجود» فينقل الصورة من المجال العاطفي الخاص إلى مجال أوسع. فالمحبوبة ليست مجرد موضوع إعجاب، بل تصبح في التجربة الشعرية موضع انكشاف للعالم وازدهاره. ولا يعني ذلك أن المرأة وحدها تختزل الوجود أو تحمل عبئه الرمزي؛ فالقصيدة، في أفقها الكلي، تجعل المرأة والرجل والكون والوصال عناصر متداخلة في وحدة واحدة. يمكن قراءة الخلود في النص على مستويات متكاملة: الخلود العاطفي: أن يبقى أثر اللقاء في الذاكرة بعد انقضاء اللحظة. الخلود الوجودي: أن تمنح التجربة الحياة كثافة ومعنى يجعلانها جديرة بأن تعاش في مواجهة الفناء. الخلود الشعوري أو المتعالي: أن يعيش الإنسان لحظة تتجاوز إيقاع وعيه اليومي، فيشعر بأن الزمن المعتاد قد اتسع أو تراجع أمام امتلاء التجربة. هذه المستويات لا تعني ادعاء التغلب الحرفي على الموت، ولا إثبات خلود ميتافيزيقي. إنها تصف خبرة إنسانية يصبح فيها الحاضر كثيفًا إلى حد يبدو معه كأنه يتجاوز حدوده. وهكذا لا يأتي الخلود إلى الحياة من خارجها؛ بل يزهر فيها، في الحب والذاكرة والوصال والإحساس العميق بالوجود. 3. الكلية الوجودية: المرأة والرجل والكون والوصال تتجه القصيدة إلى تصور لا يعزل أطراف التجربة عن بعضها. فالمرأة والرجل والكون والوصال، بحسب الرؤية التي ينهض عليها النص، ليسوا عناصر متجاورة فحسب، بل مكونات لكلية وجودية واحدة. ولا تعني هذه الوحدة ذوبان أحد الطرفين في الآخر أو محو استقلالهما؛ إنها وحدة تنشأ من العلاقة، وتظل محتفظة بتعدد أطرافها. تبدأ القصيدة من «أراكِ»، أي من فعل الرؤية والانتباه إلى الآخر. لكن الرؤية سرعان ما تتجاوز الملامح الفردية إلى «الدراري» و«الوجود» و«الحدود». ثم يتحول النداء إلى حركة متبادلة: صوت ينادي، وثغر يشدو، وبوح ينساب. وبذلك لا تبقى المحبوبة صورة ساكنة يتأملها المتكلم، بل تدخل في فضاء تواصلي تتحرك فيه الرغبة والصوت والاستجابة. تظهر هذه الكلية بصورة أكثر مباشرة في المقطع الذي يجمع الجسم والروح: «وعندك جسم يعاشر روحًا». فالجسد ليس غلافًا خارجيًا للذات، والروح ليست جوهرًا ينبغي إنقاذه من الجسد. إنهما يتعاشران، أي يدخلان في علاقة تفاعل وتكامل. والعبارة لا تقدم الجسد بوصفه نقيضًا للروح، بل ترفض أصل الثنائية التي تجعل أحدهما أدنى من الآخر. 4. الإيروتيكا: تجلٍّ للوجود وقوة فاعلة فيه الإيروتيكا في هذه الرؤية أوسع من الممارسة الجنسية، وإن كانت الممارسة الجنسية أحد تعبيراتها الأساسية. إنها طاقة الانجذاب والتوق والافتتان بالجمال والرغبة في الاقتراب والتواصل وتجاوز انغلاق الذات. وهي لا تقتصر على الجسد بوصفه موضوعًا للرغبة، بل تشمل الوعي والحواس والخيال واللغة والإحساس بالآخر. والأهم أن الإيروتيكا ليست مجرد انعكاس سلبي لوحدة وجودية مكتملة سلفًا؛ إنها أيضًا قوة فاعلة تسهم في إظهار تلك الوحدة وتحقيقها. فالانجذاب يدفع الذات إلى الخروج من عزلتها، واللقاء يفتح مجالًا للتبادل، والوصال يكشف إمكانًا من إمكانات التكامل الإنساني. بهذا المعنى تكون الإيروتيكا إحدى تجليات وحدة الوجود الإنساني والكوني، وإحدى القوى التي يتجلى من خلالها الوجود في وحدته وتكامله. يمكن أن نعثر على تقاطعات فلسفية مع تصورات مختلفة، من دون أن يعني ذلك أن القصيدة تكررها أو تستمد منها بالضرورة. ففكرة إيروس عند أفلاطون تربط الرغبة بالتوق إلى الجمال والاكتمال، لكن القصيدة تمنح الجسد حضورًا لا يجري تجاوزه إلى مثال مفارق. ومفهوم النزوع إلى الاستمرار في الوجود عند سبينوزا يتيح مقارنة عامة مع الطاقة الحيوية، لكنه ليس مرادفًا للإيروتيكا. أما جورج باتاي فقد تناول الإيروتيكا بوصفها تجربة تمس حدود الفردية والانغلاق، في حين يساعد التفكير الظاهراتي في الجسد، كما عند ميرلو-بونتي، على فهم الجسد باعتباره طريقة وجود وإدراك، لا شيئًا منفصلًا عن الوعي. هذه المقارنات تضيء جوانب من النص، لكنها لا تختزله في منظومة فلسفية سابقة. خصوصيته تكمن في جمعه بين التجربة الإيروتيكية والكلية الوجودية، وفي جعله الرغبة قوة اتصال بالعالم لا مجرد حاجة بيولوجية. 5. تحرير الجسد من ثنائية الدنس والقداسة من أكثر الثنائيات رسوخًا في أنظمة أخلاقية ودينية عديدة ثنائية الجسد والروح، وما يتفرع عنها من ربط الجسد بالشهوة والدنس، وربط الروح بالطهر والسمو. لا تنشأ المشكلة من الاعتراف بأن الإنسان كائن جسدي وروحي أو نفسي في آن، بل من تحويل هذا التعدد إلى تراتبية أخلاقية تجعل الجسد موضع ريبة، وتضع اللذة في موضع الاتهام، ثم تجعل الخلاص مشروطًا بكبح الجسد أو إخضاعه. تقاوم القصيدة هذه التراتبية. فهي لا تعتذر عن حضور الجسد، ولا تخفيه خلف استعارات تنفي حسيته. تذكر الثغر والنهد والجسم واللمسة، وتمنحها مكانًا في بنية جمالية تتصل بالخصوبة والنعيم والوصال والارتقاء. الجسد هنا ليس عائقًا أمام المعنى؛ إنه أحد منابع المعنى. لكن ذلك لا يعني تقديس كل رغبة لمجرد كونها رغبة، ولا منح كل ممارسة حصانة أخلاقية. فالحرية الإيروتيكية لا تنفصل عن الرضا المتبادل والاختيار الواعي والاحترام وانتفاء الإكراه والاستغلال. إن تحرير الجسد من وصمة مسبقة لا يعني تحريره من المسؤولية، كما أن رفض الوصاية الدينية لا يعني إلغاء المعايير الإنسانية التي تحمي الأشخاص وحقوقهم. 6. نزع احتكار القداسة: من المرجعية اللاهوتية إلى التجربة الإنسانية تبلغ رؤية القصيدة إحدى ذراها في الشطر: «ولمستي في الوصل أحلى صلاة». هذه العبارة ليست مجرد تشبيه لطيف بين اللمس والصلاة. إنها تقترح نقلًا لمركز القداسة: فالتجربة الحسية الإنسانية يمكن أن تبلغ من العمق والامتلاء ما يجعلها شبيهة بالتجربة التعبدية في أثرها الوجداني، من دون أن تحتاج إلى إذن من مؤسسة دينية أو مرجعية لاهوتية. لا تقول القصيدة إن اللمسة صلاة وفق تعريف ديني حرفي، بل تعيد بناء العلاقة بين التجربة الإنسانية واللغة المقدسة. إنها تستعير لفظ «الصلاة» بما يحمله من خشوع وتركيز وامتلاء وتوجه، ثم تضعه في سياق الوصال. بذلك لا تُرفع الممارسة الجنسية إلى مرتبة طقس ديني، بل تُسحب من التجربة الإنسانية إمكانية إنتاج معنى سامٍ كان يُظن أنه حكر على الطقس. هذا التمييز أساسي. فالمقصود ليس استبدال عقيدة بأخرى، ولا إنشاء لاهوت جديد للجسد، بل رفض احتكار جهة بعينها لتعريف ما هو مقدس أو سامٍ. يمكن للإنسان أن يجد معنى عميقًا في الحب أو الفن أو المعرفة أو التضامن أو التأمل أو الوصال. وقد تكون هذه الخبرات ذات قيمة وجودية وأخلاقية من دون أن تستمد مشروعيتها من أمر غيبي. 7. الرموز الدينية: مخاطبة الوعي وقلب الدلالة تستدعي القصيدة مفردات مثل «جنة المشتهى» و«ملاكان» و«سدرة المنتهى». وهذه الرموز ليست محايدة ثقافيًا؛ إنها مشحونة بذاكرة دينية عميقة. غير أن توظيفها لا يهدف إلى إعادة إنتاج معناها العقدي كما هو، بل إلى إدخالها في تجربة بشرية أرضية. للرمز هنا وظيفتان متزامنتان: الأولى تواصلية: إنه يخاطب وعيًا تشكلت مخيلته عبر لغة دينية مألوفة، فيستطيع القارئ أن يتعرف إلى الإيحاءات ويتفاعل معها. والثانية نقدية وتحويلية: إذ يعاد توجيه الرمز من عالم مفارق إلى تجربة إنسانية، ومن وعد أخروي إلى امتلاء ممكن في الحياة. «جنة المشتهى» مثلًا تجعل الاشتهاء نفسه مجالًا للنعيم، بدل أن تضعه بالضرورة في خانة النقص أو الخطيئة. و«ملاكان من جنة المشتهى» يستعيران صورة الملائكة ليصورا تناغم الجسد والروح أو طرفي التجربة، لا ليقررا وجود كائنات غيبية. أما «سدرة المنتهى» فتتحول إلى صورة لذروة وجدانية ووجودية يبلغها المتكلم عبر انجذابه ووصاله. إنها عملية إعادة توطين للرموز: لا تُمحى الذاكرة الدينية، لكنها تفقد احتكارها للدلالة. وهذا ما يمنح القصيدة جرأتها؛ فهي لا تتحدث بلغة خارج الثقافة التي تخاطبها، بل تدخل إلى مخزونها الرمزي وتعيد ترتيب معانيه. 8. اللغة النادرة وتجديد الحساسية الشعرية لا يقتصر التجريب في القصيدة على الصور الكبرى؛ بل يمتد إلى اختيار مفردات غير مألوفة أو قليلة التداول. ويبدو أنّ الشاعر قد أقام اختياره لبعض الألفاظ على عاملين: ما تحمله من معانٍ قابلة للتوظيف في تكامل النص، وبعدها النسبي عن الاستعمال اليومي المألوف. فالمفردة كثيرة التداول قد تفقد شيئًا من حساسيتها بسبب اعتياد الأذن عليها، بينما تستطيع المفردة النادرة أن توقف القراءة لحظة وتعيد الانتباه إلى مادتها الصوتية والدلالية. لكن الندرة لا تضمن القيمة الشعرية بذاتها. فالكلمة الغريبة قد تبقى معجمًا معروضًا إذا لم تدخل في علاقة تصويرية منتجة، كما أن الكلمة المألوفة تستطيع استعادة طاقتها إذا وضعت في تركيب غير متوقع. المعيار ليس غرابة المفردة، بل مقدار ما تضيفه إلى التجربة والصورة والإيقاع. في المقطع الذي يقول: وعندكِ حسنٌ عَلِيٍّ أليّْ.. يُشعّ بضِحٍّ سَنيٍّ بهيّْ.. ينادي بشوقٍ وتوقٍ صفيٌّ.. هلمّ سريعاً وحيِّي عَلَيّْ.. وعندي سُلافُ وشَوْرُ الحياةْ! تقوم المفردات على شبكة من الإشراق والنعمة والحلاوة. فـ«الأَلَى» بحسب المعنى الذي يقصده الشاعر هو النعمة، و«الضِّح» هو ضوء الشمس.
ويستدعي «السُّلاف» معنى الخلاصة والصفوة، كما يُستعمل في وصف أصفى الشراب وأوله. أما «الشَّوْر»، وفق المعنى اللغوي والتراثي الذي يعتمده الشاعر، فهو العسل حين يُجتنى ويُستخرج طازجًا غضًّا من خليته أو موضعه. والأصل اللغوي هو الفعل: «شار العسل يشوره شورًا»، أي اجتناه واستخرجه من موضعه، سواء من خلية النحل أو من الجبال. والمُشتار هو مجتني العسل. كما ترتبط بهذا الأصل ألفاظ مثل «المَشار» و«المَشارَة» للدلالة على موضع الاجتناء. يمنح الجمع بين «السُّلاف» و«الشَّوْر» الشطر صورة حسية مركبة: صفوة الشراب إلى جانب العسل الطازج المستخرج في لحظته الأولى. ثم تأتي إضافة «الحياة» لتجعل الحياة نفسها مصدرًا لهذا الرحيق، لا مجرد وعاء له. وهكذا ينتقل المقطع من النعمة والإشراق إلى صورة أكثر كثافة: الحياة شراب صافٍ وعسل غضّ، والوصال مجال لتذوقهما. ومن الناحية الإيقاعية، تتجاوب نهايات الكلمات في المقطع مع نبرة النداء والحث: «عليّ»، «الحياة». وتؤدي المفردات النادرة دورًا صوتيًا أيضًا، لا دلاليًا فحسب؛ فجرسها يختلف عن المفردات اليومية، ويمنح المقطع ملمسًا لغويًا خاصًا. غير أن نجاح هذا الخيار يظل مرتبطًا بقدرة السياق على إضاءة المعنى، حتى لا تتحول الندرة إلى عائق أمام التلقي. 9. البنية الحسية والموسيقى: من النداء إلى الارتقاء تتحرك القصيدة عبر مسار تصاعدي. تبدأ بالرؤية والانبهار، ثم تنتقل إلى النداء والغناء والبوح، وبعدها إلى تفاصيل الجسد، وصولًا إلى صورة الجسم الذي يعاشر الروح، ثم إلى الملائكة وسدرة المنتهى. هذا التدرج يجعل النص أقرب إلى رحلة حسية ووجدانية، لا إلى قائمة من أوصاف المحبوبة. تتكرر أفعال الحركة والتواصل: أراك، يزهر، تشرق، يجتاز، يغرّد، ينادي، يشدو، ينساب، يوشوش، تعال، غازلاني، راقصاني، استغوياني، قادتني. ويمنح هذا المعجم القصيدة طابعًا ديناميكيًا؛ فالعلاقة ليست حالة ثابتة، بل حركة متبادلة تتطور من الانتباه إلى الانجذاب ثم إلى الوصال. كما أن تكرار النداء والاستدعاء يخلق إيقاعًا قريبًا من الإنشاد. وتؤدي القافية دورًا في إحكام المقاطع، لكنها قد تضغط أحيانًا على الاختيار المعجمي أو على التركيب. وهذه ملاحظة نقدية لا تنتقص من مشروع النص؛ بل تشير إلى أن الرؤية الفكرية القوية تحتاج دائمًا إلى مراجعة فنية دقيقة توازن بين الدلالة والموسيقى وسلاسة العبارة. 10. بين الغزل والإيروتيكا والتصوف والميتافيزيقا تتقاطع القصيدة مع تقاليد الغزل في الاحتفاء بالمحبوبة وجمالها، ومع الكتابة الإيروتيكية في إبراز الجسد والرغبة، ومع بعض تقاليد التصوف في استعارة لغة الشوق والوصال والارتقاء. لكنها لا تنتمي إلى أي من هذه الحقول على نحو مطابق. فالغزل التقليدي قد يجعل المرأة موضوعًا للتشبيب أو الشوق، بينما تحاول هذه القصيدة إدخالها في كلية وجودية تتجاوز موضوعية النظرة. والإيروتيكا هنا لا تقتصر على وصف الإثارة، بل تربط الحسية بسؤال المعنى والخلود. أما التصوف، فتستعير القصيدة بعض رموزه وصوره، لكنها لا تتبنى بالضرورة بنيته اللاهوتية أو غايته في الفناء عن العالم. إنها تستخدم مفردات العلو والذروة لتأكيد امتلاء التجربة في العالم، لا للتخلص منه. ولا ينبغي الادعاء بأن التراث العربي لم يعرف شعر الجسد أو الغزل الحسي أو تداخل العشق بالتصوف؛ فهو غني بهذه الأشكال. وما يميز مشروع القصيدة ليس اكتشاف الجسد للمرة الأولى، بل اجتماع الاحتفاء الإيروتيكي مع موقف واعٍ من تحرير القداسة من احتكار اللاهوت، ومع تصور الإيروتيكا بوصفها قوة من قوى انكشاف الوجود الإنساني والكوني. 11. التوتر بين الانقياد والارتقاء تقول القصيدة إن الغزل والرقص والاستغواء «نهت» المتكلم عن الصد، وقادته نحو المحبوبة، ثم تصف هذه الحركة بأنها «ارتقاء». هنا مفارقة دلالية مقصودة: ما قد تصفه بعض الأخلاقيات التقليدية بأنه انقياد للشهوة أو هبوط نحو الجسد، تصوره القصيدة صعودًا نحو ذروة من الامتلاء. غير أن هذا القلب لا يعني أن كل استجابة للرغبة ارتقاء بالضرورة. فالقيمة لا تأتي من قوة الشهوة وحدها، بل من طبيعة العلاقة التي تتحقق فيها: هل هي متبادلة؟ هل تقوم على الحرية والرضا؟ هل يعترف كل طرف بإنسانية الآخر واستقلاله؟ حين تتوافر هذه الشروط، يمكن للوصال أن يكون خبرة غنية ومحررة. أما حين يغيب الرضا أو تحضر السيطرة، فلا تمنح اللغة الشعرية التجربة قيمة أخلاقية لمجرد أنها تصفها بوصفها نشوة أو اتحادًا. 12. ما الذي يجعل هذه الرؤية مختلفة؟ يمكن تحديد خصوصية القصيدة في أربعة اختيارات مترابطة: أنها لا تفصل الجسد عن الروح، بل تعرضهما في علاقة معاشرة وتكامل. أنها لا تتعامل مع الإيروتيكا باعتبارها شأنًا بيولوجيًا محضًا، بل قوة اتصال وتجاوز للعزلة. أنها تعيد تأويل الرموز الدينية من داخل مخزونها الثقافي، وتنقلها إلى خبرة إنسانية أرضية. أنها تجعل الخلود أثرًا يزهر في الحياة بدل أن يكون وعدًا مؤجلًا إلى ما بعد الموت. هذه الاختيارات لا تجعل القصيدة بمنأى عن الملاحظات الفنية. فبعض الانتقالات بين الكون والجسد والرموز الدينية يحتاج إلى تمهيد تصويري أوضح، وبعض التراكيب المعجمية قد تبدو عسيرة على القارئ الذي لا يعرف أصول مفرداتها. كما أن كثافة الرموز قد تؤدي أحيانًا إلى ازدحام دلالي، بحيث تتنافس الصورة الكونية والصورة الحسية والصورة الدينية على مركز المشهد. ويمكن للمراجعة أن تختبر مواضع هذا الازدحام، وأن تسأل ما إذا كانت كل صورة تضيف طبقة جديدة أم تكرر أثرًا سبق أن تحقق. لكن هذه الملاحظات لا تلغي وحدة المشروع. فالقصيدة تسعى إلى بناء لغة تستطيع أن تتحدث عن الجسد من دون اعتذار، وعن القداسة من دون خضوع لاحتكار ديني، وعن الخلود من دون أن تنكر الفناء. 13. خاتمة: قداسة تنبت من الحياة «ويزهر فيك ربيع الخلود» ليست قصيدة عن اللذة وحدها، ولا عن الحب بوصفه عاطفة خاصة فحسب. إنها محاولة لتصور الإنسان ككائن يستطيع أن ينتج المعنى والسمو من داخل حياته الجسدية والعاطفية، وأن يجد في علاقته بالآخر وبالعالم خبرة تتجاوز حدود المنفعة واللحظة العابرة. حين تصبح اللمسة «أحلى صلاة»، لا يكون المقصود أن الجسد تحول إلى مؤسسة دينية، بل أن التجربة الإنسانية لم تعد مضطرة إلى استعارة قيمتها من خارجها. وحين تظهر «جنة المشتهى» و«سدرة المنتهى» في سياق الوصال، لا تعود الرموز حكرًا على عالم مفارق؛ إنها تدخل في مخيلة إنسانية تعيد قراءتها وتمنحها دلالات جديدة. أما الخلود، فلا يأتي بوصفه وعدًا يقف خارج الحياة، بل يزهر فيها: في الذاكرة، وفي الحب، وفي الامتلاء، وفي القدرة على تجاوز عزلة الذات نحو الآخر. والإيروتيكا، في هذا الأفق، ليست انحرافًا عن الوجود ولا مجرد استجابة لغريزة؛ إنها إحدى قواه الحيوية، وتجسيد لإمكان التواصل والتكامل. إنها، في النهاية، قصيدة تقترح أن القداسة قد تكون اسمًا لعمق التجربة الإنسانية حين تتحرر من الخوف والوصاية، وأن الجسد ليس نقيض المعنى، وأن الحياة نفسها يمكن أن تكون مصدر رحيقها: سُلافًا وشَوْرًا، وربيعًا يزهر في الوجود.
#رسلان_جادالله_عامر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ويزهر فيك ربيع الخلود (قصيدة)
-
خُطبة سِكس لِحْيوقراطية!
-
آن الأوانْ!
-
ما تبقى !
-
الترابط الجوهري بين العلمانية وحقوق الإنسان
-
كيف تؤنسن العلمانية الدين؟
-
عندما يُستباح الوطن
-
نحو فهم أعمق للمساواة بين الجنسين
-
الإلحاد والأخلاق هل توجد أخلاق إلحادية؟!
-
كلمات الحب الست عند الإغريق القدماء.. ولماذا يمكن لمعرفتهما
...
-
جرائم شرف أم جرائم عار
-
الجنس بين عقدة العيب وابتذال الاستهلاكية
-
الأيروس الجميل.. رقصة حياة على أنفاس أفروديت
-
اعتذاري حنظلة
-
الجمال لا يعيه إلا الجمال
-
تهاويم في جنازة كذبة تدعى الوطن
-
الدولة المدنية الديمقراطية هي الحل الوحيد في سوريا
-
أفكار وجيزة في العلمانية
-
بشرى الحياة
-
هل كانت ديكتاتورية اﻷسد حكما علويا أو بعثيا أو علمانيا
...
المزيد.....
-
جوائز الدورة الثالثة من VS-FILM توزع في السويس على أفلام من
...
-
متحف مخلفات الحرب في هو تشي منه.. أهوال العميل البرتقالي وذا
...
-
-فيلم ثقافي-.. جدل في مصر بعد -اختراق- لقطات إباحية لوحة إعل
...
-
وعكة قلبية مفاجئة تصيب المطرب المصري محمد الحلو.. ونجله يطلب
...
-
تايلور سويفت تنضم إلى قاعة مشاهير كتّاب الأغاني في ناشفيل
-
الموسيقى الروسية تصدح في مسقط
-
بطل الـ UFC إسلام ماخاتشيف يلمح إلى اقتراب اعتزاله الفنون ال
...
-
مقهى الهورس شو: توثيق لذاكرة بيروت الثقافية في عصرها الذهبي
...
-
بعمر 90 عاما.. لاعب كمال أجسام ياباني يصعد إلى المسرح
-
شاكيرا تؤجل حفلها في مصر
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|