|
|
كيف تؤنسن العلمانية الدين؟
رسلان جادالله عامر
الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 18:47
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
للوهلة الأولى قد يبدو من عنوان هذا المقال أنه مقال جهوي متحيز يحابي العلمانية، ويندرج في إطار ما ينصر العلمانية في مواجهتها مع الدين. لكن بالنسبة للفكر العلماني الناضج، لا وجود لمثل هذه المواجهة من الأساس، فالعلمانية لا تتغيا قطعا القضاء على الدين وإلغاؤه، والعلاقة بينها وبين الدين -من جهة العلمانية- هي علاقة احتواء وليست علاقة إلغاء، وفي هذه العلاقة تسعى العلمانية لوضع الدين في مكانه الإنساني الصحيح في المجتمع، مع التركيز جدا على صفة "إنساني"، وهذا ما لا تدركه الذهنية الدينية التقليدية، أو تتجاهله رغم إداركه، فترى في خلافها مع العلمانية ليس خلاف دور ووظيفة، بل خلاف وجود وبقاء، ولذلك تعادي العلمانية، وبالطبع فهذه المعاداة تخفي في باطنها قدرا من الحقيقة الموعاة غير المعلنة، التي تدرك أن العلمانية ليست عدوة الدين، وليست ضده كليا، ولكنها فقط ضد دوره السياسي، وضد ما يمكن أن ينجم عنه من مفاعيل ضارة إنسانيا، لكن الزعامة الدينية بالطبع ترفض أن تفقد نفوذها وتأثيرها السياسيين الهامين، ليس فقط بدافع العصبية العقدية إن وجد، بل أيضا بدافع المصلحة الخاصة، الذي غالبا ما يكون هو السبب الرئيس أو الأوحد، فهنا هذه الزعامة الدينية.. تعادي العلمانية ليس خوفا على عقيدتها، بل على سلطتها.. أي على مصلحتها.
لن ندخل في هذه المقالة في مناقشة الجانب السياسي من موقف العلمانية من الدين، وسنركز على على ما هو أهم، وهو الجانب الإنساني، الذي يغدو الجانب السياسي جزءا عضويا منه على الصعيد التكويني، وأحد ضروراته التي لا بد منها على الصعيد السببي.
إذاً أين تكن نقاط الخلاف الأساسية على المستوى الإنساني بين العلمانية والدين، وكيف تأنسن العلمانية الدين، وهو السؤال الذي يعني طرحه اعتبار الدين بحد ذاته حالة غير مؤنسنة! ذاك ما نجد أجوبته في الدين في ما يلي:
١هامشية الإنسان: في الدين المركزية هي للإله، والإله هو مركز وأساس الوجود، والكون كله هامشي وثانوي بالمقارنة مع هذا الإله، والإنسان نفسه هو مجرد مخلوق تافه الشأن من مخلوقات الإله، الذي تمتد مركزيته وربوبيته حتى إلى عالم الإنسان، الذي يغدو حتى في عالمه تابعا ذليلا للإله الرب لا أكثر. وهذه المركزية الإلهية في الدين مقترنة بشكل جوهري بما سيليها في البيان من إشكالات.
٢ غياب العقل: فوجود مركزية الإله لا يقوم قطعا على العقل، ولا يعتمد على التفكير العقلي كسبيل لإثبات هذه الحقيقة المفترضة للوجود الإلهي، ولا للتواصل معه، فعلي مستوى الإثبات يعتمد الدين على الإيمان التسليمي المحض، أما على مستوى التواصل، فهو يستبدل العقل ببدائل غير عقلانية كالقول بتجسد الآلهة أو الوحي الإلهي أو الرسالات السماوية وما شابه، وكل ذلك يقوم بدوره أيضا على الإيمان والتسليم، ودور العقل الحقيقي فيه غائب، أما الدور الذي يعطيه الدين للعقل، فهو دائما يبقى مؤطرا بحدود العقيدة ومسقوفا بسقف الإيمان الغير عقلانيين أساسا، ولا يسمح للعقل قطعا بتجاوزهما، وإلا كفر! وإضافة إلى ذلك، فالعقل قد يوظف من قبل الدين لخدمة الدين وتعزيز مقولاته وادعاءاته.
٣ لاإنسانية الغاية: فالغاية في الدين ومن الدين هي ليست خدمة الإنسان بصفته الإنسانية، ولا العمل الإنساني لصالحه، لأن الغاية الدينية هي إرضاء الإله وخدمته والعمل من أجله، والمطلوب من الإنسان في الدين هو أن يكرس نفسه للإله، وأن يعمل من أجل الإله وفي سبيله.
٤ رفض الاختلاف: بما أن الدين يعتبر حقائقه كاملة ومقدسة، كونها تصدر عن الإله، فهو بالتالي يرفض كل العقائد التي تخالف حقائقه هذه، وهذا يؤدي إلى رفض كل الأديان والمعتقدات والفلسفات والفكريات الأخرى المختلفة عنه، وإلى تكفير أهلها، ما يؤدي بدوره في كثير من الأحيان إلى صراعات عنيفة ومدمرة مع هؤلاء الآخرين المختلفين، أو إلى اضطهادهم والتغول على حقوقهم.
٥ لاإنسانية الحق: يدافع الدين عن حقوق الإله، وهذه الحقوق تصبح واجبات وفروض على البشر، لكنهم كبشر لا حقوق لهم بدورهم على الإله، وهو ليس عليه أية واجبات أو التزامات تجاههم، وكل ما يقدمه الإله للبشر هو "منن" إلهية فقط، وهم في علاقتهم معه لا "يحق لهم".. ولكن "يُمَن عليهم"؛ واجتماعيا، ليس هناك في الأنظمة الدينية للإنسان حقوق تبنى على هويته الإنسانية، ومبدأ حقوق الإنسان الإنسانية نفسه لا وجود له في الدين، فحقوق الإنسان في الدين هي مجرد ظلال لحقوق الإله وتوابع انعكاسية لها، وما يحق للإنسان يحق له ليس بصفته إنسانا مطلقا وإنما بصفته مخلوقا إلهيا يمن عليه خالقه بمنن تحدد حقوقه في عالمه البشري وعلى غيره من البشر، وهي تـُقر بناء على وضع الإنسان الديني وليس على جوهره الإنساني، فتصبح "حقوق مؤمن"، وليس "حقوق إنسان" و"حقوق إيمانية وليس حقوق إنسانية"، أما الكافر فلا حق له! وهكذا تكون هذه الحقوق أشبه "بالإنعامات" التي ينالها العبد المطيع الذي يرضي سيده بخدمته، وليست حقوقا تقوم على مبدأ الكرامة والغاية الإنسانيتين.
٦ لاإنسانية الخير: الخير في الدين أيضا لا يقوم على أساس إنساني وهو مرتبط كليا بالإله، وليس فيه أية مرجعية أو معيارية إنسانية، فهو يصدر عن الإله، ومعياريته مرتبطة بمدى موافقته لإرادة الإله وصلاحيته لخدمة الإله، ما يعني أن الكافر، وهذه "هوية" غير المؤمن أو المختلف إيمانيا، يبقى في الذهن الديني كافرا، ومنفيا من نطاق الخير مهما كانت أخلاقه وأفعاله رفيعة بالمعيارية الإنسانية، ولا قيمة حقيقية لها فعليا، وهذا الكافر مهما كان صالحا إنسانيا يمكن أن يُؤذى إلى أقصى حد دون أي جرم إنساني، ولكن بذريعة دينية، وهذا الأذى الذي هو جريمة وشر حقيقي بالمعيار الإنساني، لأنه يصيب إنسانا بريئا إنسانيا، يكون على العكس من ذلك في الدين وبالمعيارية الدينية، فهو هنا يصبح عدلا، وبالتالي خيرا، ولذلك فالخير الديني يعتبر قتل الهراطقة والزنادقة وسبي الكفرة وما شابه أعمالا خيّرة، وتخدم الإله!
٧ عصبوية الهوية: ينشئ الدين بين أتباعه رابطة تقوم على وحدة عقيدتهم، وهذه الرابطة تصنع بدورها هوية، هوية لا تقوم على الوحدة الإنسانية والمشترك الإنساني، بل على صفة جهوية خاصة، وهذه الصفة القائمة على أساس لاعقلاني إيمانوي مقترن بشحن عاطفي شديد الكثافة عادة، تتحول في صاحبها إلى هوية عليا، وتستعلي على غيرها من الهويات أو تنفيها، ولا تعترف بالهوية الإنسانية المطلقة، وبذلك تكون الهوية الناشئة عنصرية بطبيعتها، وتنمو حولها جماعة عصبوية أو عُصبة، وهذه العنصرية تصبح دوما مصدر خطر دائم في المجتمع، لأن العنصرية الدينية هي حالة مقترنة دوما بعداء تكفيري للآخر، يمكنه في الظروف المحيطية المؤاتية أن يتحول إلى عدوانية وعنف ضده، وتزيد هذه الحالة الخطرة بشكل طردي مع زيادة عدد العُصب في وسط اجتماعي ما، أو مع كبر بعضها في الحجم، أو مع غلواء عصبويتها الذاتية نفسه، أو مع تردي الظروف الاجتماعية الذي يمكنه أن يدفع هذه العصبوية إلى الغلواء وينمي عدوانيتها.
٨ سلطوية العلاقة مع الإنسان: في علاقته مع الإنسان يضع الدين نفسه في موقع يتعالى ويتسيّد على الإنسان، معتمدا في ذلك على تعالي وربوبية مصدره الإلهي المطلقين، اللذين على الإنسان أن يخضع بشكل تام لهما، ما يصادر حرية الإنسان ويلغي خياراته، وهكذا تتحول المؤسسة الدينية إلى سلطة متسلطة متحكمة، وغالبا ما تستعمل سلطتها لقمع واستغلال الناس.
وهكذا نجد أن للدين مفاعيل جد سيئة على الصعيد الإنساني، فهو:
أ- يمركز الإله المفترض بدون أي إثبات عقلاني أو أدلة يثبتها العقل على وجوده، ويهمش الإنسان المثبت الوجود. ب- يعمل الدين من أجل الإله المزعوم، وليس من أجل الإنسان، ولذلك فهو لا يبالي بالضرر الذي يمكن أن يلحق بالإنسان تحت راية ما يسمى بالعمل في سبيل الإله كما هو الحال في قتل الكفرة مثلا.. حتى وإن كانوا من كبار العقلاء أو العلماء أو المبدعين، فلا شفاعة لكافر. ج- يهمش العقل، ويقيده بقيود العقيدة اللاعقلانية، ويكفر العقل الحر، وبذلك يكبل حركة العقل، وهذا.. عدا عن تكبيله لعقل الفرد ومنع تطوره العقلاني الإنساني، فهو أيضا يكبل تطور المجتمع الإنساني، الذي يعود بالخير على الإنسان، فيحرم الإنسان من هذا الخير الكبير. د- ينشئ الدين روابط عصبوية عنصرية لا تعترف بالمساواة بين الناس على أساس إنسانيتهم، وتكون فيه الهوية الدينية هي العليا عند المتدين، وتكون وحدها هي الهوية البشرية الصالحة، فيما تتدرج الهويات الأخرى بنظره في فسادها، الذي كثيرا ما يغدو ذريعة لممارسة العنف ضدها. ه- لا يقبل الدين الاختلاف، ويرفضه ويكفر المختلفين، ما يتسبب في كثير من الأحيان أو يُستغل في صراعات أو انتهاكات طائفية كارثية. و- لا يعترف بحقوق الإنسان المجردة ولا يقبل بمعيارية الخير الإنساني، ما يؤدي إلى انتهاك أو انتقاص حقوق الناس، ويجيز أذية المختلف دينيا البريء إنسانيا بذريعة دينية محضة، والأدهى من ذلك أن هذا الأذى مهما كان شريرا فهو يعتبر خيرا دينيا رغم كونه جريمة إنسانية بحق إنسان! ز- لا يساوي بين الناس، حتى وإن كانوا أتباعه، فالتمييز الجندري مثلا يبقى عادة قائما بما يتناسب مع جندرية المجتمع ويشرعن، وبذلك ينتقص قدر وحق المرأة، واستثناءات ذلك نادرة. ح- في كونه سلطة، فكثيرا ما تتحالف سلطتي الكاهن والسلطان على تجهيل واستغلال الناس، أو تتصارعان أحيانا على المصالح، وفي كلتا الحالتين يدفع الناس الأثمان الباهظة، وشيء مماثل يحدث عندما تتصارع أطراف مختلفة على مصالح مختلفة، فيُقحم فيها الدين من قبل المتصارعين، ويُستغل فيها بأخبث وأقبح وأخطر الطرقِ عصبيةَ ولاعقلانيةَ وغوغائيةَ سواد المتدينين.
في هذا الكلام ليس هناك أي تجنّ على الدين، فتاريخ الأديان الواقعي حافل بحالات ووقائع توحش المعتقد أو توحش المقدس، ونجد فيه الكم والكيف الكبيرين من العنف والصراعات والاضطهادات الطائفية، والتحالف مع السلاطين المتسلطين، والاستغلال الخبيث في المصالح الخاصة، والتمييز والعنف ضد المرأة، والأمثلة على ذلك جد كثيرة، فهناك طوائف أبيدت بالكامل في هذه النزاعات كطائفة الكثاريين وطوائف الغنوصيين قبلها مثلا، وهناك أعداد غفيرة جدا قتلت في الحروب التي قامت باسم الدين أو تحت غطاء الدين على غرار ما يسمى بالفتوحات الإسلامية والحملات الصليبية، ويضاف إلى ذلك ما تسببت به هذه الحروب أيضا من دمار وخسائر فادحة على صعد أخرى، هذا عدا عن ملاحقة العلماء والمفكرين والتنكيل بهم، وعدا عن الدوس على الحقائق العلمية التي ما يزال المتدينون يدوسون عليها حتى اليوم على غرار نظرية التطور سواء في البيولوجيا أو الاجتماع، ويجب ألا ننسى أيضا الويلات الناجمة عن تسييس الدين واستغلاله في قضايا غير دينية خبيثة وهذا ما يزال مستمرا حتى اليوم!
طبعا ليس كل ما في التاريخ الديني هو شرور على غرار الشرور المذكورة أعلاه، فهناك أيضا حسنات عديدة في هذا التاريخ، وهذا طبيعي عندما ننظر إليه كتاريخ بشري محض، يجمع الصواب والخطأ، والصالح والطالح، والتحضر والبربرية! لكن هنا قد يزعم زاعم أن الدين بحد ذاته بريء من تلك الجرائم، التي يتحمل وزرها من أساؤوا فهم الدين أو استغلوه بشكل متعمد! واقعيا ليس هناك دين بريء بالكامل أو مدان بالكامل إلا في أندر الأحوال، فالدين هو دائما عنصر عضوي جدلي من كلية اجتماعية معقدة متداخلة، وفي كل لحظة.. كل نسقية دينية لها بعدان، ذاتي وموضوعي، وبعدها الذاتي دائما يتفاعل مع بعدها الموضوعي الذي يشكله واقعها محيطها، وبنتيجة ذلك تنتج نتائج مختلفة، فالدين الواحد دوما قابل لقراءات ومفاهيم مختلفة في سياقات اجتماعية واقعية مختلفة، وعندما تكون النسقية الدينية نفسها في لحظة ما متشددة أو متشنجة أو منغلقة وما شابه، فهي لن تنتج في قراءاتها المحيطية نماذج دينية معتدلة، بل ستنتج نماذج تتراوح بين التزمت والتطرف، وستكون كالفيروس الذي يصاب به الناس، فيكون مرض بعضهم فاتكا وبعضهم شديدا وبعضهم أقل شدة.. وقد تكون أمراض البعض منهم طفيفة، لكن هذا كله يبقى مرضا ناتجا عن هذا الفيروس، ويبقى انتشاره مرهونا بمدى مناسبة الظروف الموضوعية المحيطة لهذا الانتشار؛ وكذلك هو حال التشدد والتطرف والتكفير، فجميعها أمراض عقائدية تعود إلى عامل مرضي واحد، وهو النسقية المعتقدية المأزومة نفسها، التي تبقى طبيعتها نفسها وإمكانية انتشارها دوما جدلية العلاقة مع تدهور الظروف الاجتماعية المحيطة، ولا حل لهذا إلا بتحسين الظروف الاجتماعية والثقافية العامة٠، وبالتكامل مع ذلك، بمراجعة ذكية وشجاعة ونزيهة لهذه النسقية من قبل أهلها، ولكن هؤلاء غالبا ما يكونون عاجزين عن ذلك بسبب إيمانوية وغيبانية الذهنية التي لا تستطيع ولا تريد أن تبصر عيوبها الذاتية.. ولا تقدر أن تعترف بها!
في العلمانية الأمور مختلفة جذريا! مع أن الفكر العلماني يتواضع، فلا يضع الإنسان في مركز الكون ولا يعطيه المركزية في الوجود، ولا يضع أجوبة نهائية قطعية لمركز الإنسان في الكون.. ويدع هذه المسألة لحرية الفكر تبحث فيها كما تشاء، إلا أن هذا التواضع لا يحرم الإنسان من حقه الأصيل بالمركزية في عالمه الإنساني، الذي لا يحتله هنا أي إله متجبر ومسيطر، وليس هذا لأن العلمانية ملحدة وتنفي الوجود الإلهي، بل لأن العلمانية التي تقوم على العقل، تجعل العقل سيد الموقف، كونه الملكة والميزة الإنسانية التي يتميز بها الإنسان كنوع، وهنا معيارية الحقيقة العقلية تقتضي أن يكون العقل هو السبيل إلى كل الحقائق، وأية حقيقة مفترضة لا يُعترف بها كحقيقة إلا إذا أقيم البرهان العقلي عليها، والأمر ينطبق على كل الحقائق، بما في ذلك الحقائق الميتافيزيائية المفترضة، فإما هي حقائق يمكن للعقل الوصول إليها كعقل مجرد أو عقل محض، أو هي ليست بحقائق ولا وجود لها، ولذلك ترفض العلمانية الأسس اللاعقلانية أو نصف العقلانية التي تقوم عليها الأديان، وبناء على ذلك تَعتبر هذه الأديان كلها وبلا استثناء نتاجات عقل بشري غير عقلاني أو عقل غير ناضج، ولكن مع ذلك فهي لا تطردها خارج المجتمع، بل تبقيها فيه بصفتها منتجات بشرية مايزال البشر، وبالأدق كما منهم، بدرجة أو بأخرى يحتاجونها وإن كانت غير عقلانية، وهذا يعني أن العلمانية تقبل الدين على أساس بشرية مصدره، التي ينفيها الدين نفسه زاعما سماوية مصدره!
وفي العلمانية مرجعية ومعيارية الخير كلاهما إنسانيتان كليا، ولذلك ترفض العلمانية الأذى لأي إنسان مهما كانت الذريعة، وهي لا تقيم للذريعة الدينية أو المعتقدية وزنا، ولا تعطيها قطعا أي حق بأن تكون سببا لأذية إنسان مختلف معها عقائديا، أو لتقييد أي حق من حقوق الإنسان في المجتمع. وحقوق الإنسان بدورها في العلمانية تقوم حصريا على إنسانية هذا الإنسان، أي على كونه إنسانا، وتنطلق من هويته الإنسانية، وهذه الهوية الإنسانية تشكل وحدة تامة يدخل في مجالها كل الناس ولا فرق فيها بين إنسان وإنسان على الإطلاق. حريات الإنسان وخياراته في العلمانية مصونة تماما، فالعلمانية التي تحترم الإنسان وتقدر العقل، تدرك أن الحرية شرط رئيس لكي يكون هذا الاحترام والتقدير محققين واقعيا، فالعقل الذي تقوم عليه العلمانية لا يكون عقلا مسؤولا وبنّاءً إلا إذا كان حرا، وكرامة الإنسان التي تضعها العلمانية في صدارة غاياتها تأبى مصادرة حرية الإنسان، فالكرامة والحرية الإنسانيتين لا تنفصلان، ولا كرامة لغير حر، أو حرية لمن هو غير مكرم. وفي العلمانية الاختلاف يعتبر حسنة وليس سيئة كما في الدين، وهي تعترف به ليس لأنه يُعتبر شرا لا مفر منه، ولا يمكن إلغاؤه، وبذلك لا تكرر العلمانية خطيئة الدين الذي يعتبر الاختلاف شرا، ويرفضه، ويسعى لإلغائه، فيتسبب بصراع المختلفين، فيكون الصراع ويبقي الخلاف! الاختلاف في العلمانية يقيّم تقييما إيجابيا كبيرا، فهو - عدا عن اعتباره تمظهرا لحرية الضمير والتعبير - يعتبر أيضا وسيلة لرؤية الحقيقة من زوايا مختلفة، ولتكوين منظور متكامل للمعرفة، فهذا الاختلاف يخرج العقل من نطاق فرديته وجهويته إلى مداه الجمعي، الذي يكون فيه عقل النوع الإنساني وليس عقل الفرد الإنساني. كما أن الاعتراف بالاختلاف واحترامه هو شرط أساسي من شروط الحرية، فلا حرية حيث لا خيار، ولا خيار حيث لا تعدد، ولا تعدد حيث يمنع الاختلاف. والاختلاف يعتبر في العلمانية منسجما تماما مع طبيعة العقل المنفتح دوما واللامحدود، الذي تقتضي لا محدويته تطوره المستمر، وللاختلاف بعدان: التغاير: ويعني اختلاف العقول المختلفة في اللحظة الراهنة حول مسألة ما، وهذا هو الاختلاف المتوازي أو الأفقي. والتغيّر: وهو ما يتعرض له موقف نفس العقل من تطور لاحق في المسألة عينها، وهذا هو الاختلاف التسلسلي أو العامودي. أي أن العقل في البعد الأول يختلف مع غيره، وفي الثاني يختلف مع نفسه، وبالتالي يصبح الاختلاف ليس علاقة مع الغير وحسب، بل ومع الذات أيضا بنفس القدر، بوصف هذه الذات ذاتا ديناميكية تطورية!
وهكذا يمكن القول عن العلمانية أنها إنسانية الغاية، عقلانية المبدأ، واقعية الأسلوب، وتعمل لصالح الإنسان بمعايير ومقاصد إنسانية، وتعترف بوحدة وحرية وتساوي جميع الناس مهما اختلفوا، وتعتبر الاختلاف نفسه حسنة وميزة إنسانيتين جوهريتين، وهي بذلك توحد الناس، ولا تشرذمهم إلى عُصب وتميز عنصريا بينهم، وتصنفهم إلى مؤمنين صالحين وكفرة أشرار وتجعلهم بسبب ذلك يتصارعون أو يَضطهدون ويُضطهدون!
عندما تكون مرجعية الدين وغائيته غير إنسانيتين، فلا عجب أنه لا يقيم وزنا للخسائر الإنسانية التي يتسبب بها في سعيه في سبيل غايته منطلقا من مرجعيته، وكلاهما هنا هو الإله المفترض. أما العلمانية المتمركزة حول مركزية الإنسان، فكل شيء مقترن فيها بالإنسان، وهذا ما يجعلها تقبل بوجود الدين وتحتويه كشكل من أشكال التنوع الإنساني، ولكنها تقول للدين بحزم: "بما أنك قُبلت على أساس بشريتك، فلكي يستمر بقاؤك عليك أن تحقق إنسانيتك"، وهي بذلك تلزم الدين وتدفعة بشكل فعال إلى التأنسن، وذلك عبر العمل بشروط إنسانية وفي ظروف إنسانية، وهذا ما يتم كـ : أولا- أنسنة تحت ضغط القوانين العلمانية التي تلغي سلطة الدين، واستعماله بالتالي للقوة القاهرة ضد مخالفيه، وتمنع كذلك أي عنف بين المختلفين وتلزمهم بالسلمية، ما يلزم كل الأديان والمعتقدات بالتخلي عن ممارسة العنف. ثانيا- أنسنة تحت ضغط تحديات المجتمع العلماني التي يدخل في عدادها العلم والفكر العقلاني والأخلاق الإنسانية والنقد والتنافس العقائدي وسواها، ما يضطر الدين إلى رفع سويته الفكرية والأخلاقية لمواجهة هذه التحديات ومنافسة مصادرها. ثالثا- أنسنة تنتجها التربية العلمانية التي ترفع نوعية ثقافة المؤمنين أنفسهم بفضل حسنات المجتمع العلماني من علم وفكر عقلاني وتنوع ثقافي وتسامح، التي يتربى هؤلاء المؤمنون في وسطها، وهذا ينعكس إيجابيا على علاقاتهم مع أديانهم نفسها، ويؤدي إلى ترقيتها إنسانيا.
في النظام الديني يتعالى الدين على الإنسان ويتموضع فوقه، كونه يشكل حلقة وصل مفترضة بين مستوى الإله الأعلى ومستوى الإنسان الأدنى، ويكون على الإنسان فيه أن يترقى بمعايير دينية، أما العلمانية فهي تضع الإنسانية فوق كل شيء ويصبح الدين هو الملزم بأن يرتقي بمعايير إنسانية، وهكذا يكون على الدين أن يقبل بموقعه تحت سقف الإنسانية، وهو سقف منفتح دائم الارتفاع، ويغدو -أي الدين- موجوبا بتحقيق المقتضيات الإنسانية، وعليه أن يعمل لغايات إنسانية وبأخلاق إنسانية، وأن يحترم العقل الإنساني وأن يستجيب لمواقفه وخياراته ويقدرها، وأن يقلل باستمرار من لاعقلانيته وسلطويته وعصبويته وذكوريته، ويرفع مستوى سلميته وتسامحه وموقفه من الغير، وهذه كلها أمور إنسانية شديدة الأهمية. وهكذا تأنسن وتعصرن العلمانية الدين، وتجعله أكثر إنسانية، وبالتالي أكثر تهذيبا وسلاما ولطفا وغائيةً إنسانية، بما يجعله قابلا لأن يكون شكلا من أشكال التعددية الثقافية والتنوع الإنساني، والمثال على ذلك هو الغرب الحديث رغم عيوبه الكثيرة، فبعد ظلامية ووحشية القرون الوسطى أصبحت الكنائس مؤسسات بناءة في المجتمع، إنسانية التوجه، تغني ثقافة المجتمع وفعالياته بلون مميز جميل. وعندنا في ما نسميه مجتمعاتنا الشرقية العربية الإسلامية لا خلاص من البؤس الديني وتوحش المعتقد وهمجية العصبة إلا بعلمنة المجتمع، ووضعه على طريق التطور الإنساني الصحيح.
وأخيرا قد يعترض معترض بأن اعتبار الدين بحد ذاته حالة غير مؤنسنة هو جور على الدين وإنكار لما فيه من عناصر إنسانية، وهذا الكلام محق نسبيا من حيث أنه لا يمكن ولا يجوز إنكار أن الدين فيه كم هام من العناصر الإنسانية، وهذا أمر طبيعي وعادي تماما عند وضع الدين كظاهرة في سياقه البشري التاريخي، ولكن ما يجب عدم إنكاره أيضا أن هذه العناصر الإنسانية في الدين لا تقوم بحد ذاتها على أسس إنسانية جلية صارمة، ولا تحكمها معايير عقلانية أخلاقية إنسانية قاطعة، وهي بالتالي حالة غير مبدئية في الدين، وهي دوما انعكاس لمبادئ ربوبية يؤمن بها الدين، وقابلة في انعكاساتها دوما لإنتاج ما هو إنساني وغير إنساني وضد إنساني بنفس الوقت والقدر، ما يعني أن الإنسانية في الدين عمليا هي دوما حالة شديدة الهشاشية وعلى درجة جد خطيرة من الالتباس والتشوش والتذبذب والاضطراب، وهذا ما يبقي الدين سلوكيا متأرجحا بقوة بين الإنسانية والبربرية. أما العلمانية ففيها تتبلور الإنسانية وتترسخ وتتطور على أسس عقلانية أخلاقية واضحة وحازمة، وعندما تُموضِع العلمانية الدين كمنتج بشري في منظومتها الإنسانية هذه وتلزمه بمعاييرها.. فهي بذلك تصل به إلى الحد الإنساني الفاصل أو إلى "الفيصل الإنساني" بين الخير والشر، وتحميه من الاضطراب والنكوص ما بين الإنسانية ونقيضها، وبذلك تعطي العلمانية للدين شكله الإنساني النهائي الدائم، وهي فعليا تعيد انتاج الدين مؤنسنا وتؤنسنه غايةً والتزاما وفعلا.
*
٢٩ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٠ السويداء ٥ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٦ بيروت
#رسلان_جادالله_عامر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عندما يُستباح الوطن
-
نحو فهم أعمق للمساواة بين الجنسين
-
الإلحاد والأخلاق هل توجد أخلاق إلحادية؟!
-
كلمات الحب الست عند الإغريق القدماء.. ولماذا يمكن لمعرفتهما
...
-
جرائم شرف أم جرائم عار
-
الجنس بين عقدة العيب وابتذال الاستهلاكية
-
الأيروس الجميل.. رقصة حياة على أنفاس أفروديت
-
اعتذاري حنظلة
-
الجمال لا يعيه إلا الجمال
-
تهاويم في جنازة كذبة تدعى الوطن
-
الدولة المدنية الديمقراطية هي الحل الوحيد في سوريا
-
أفكار وجيزة في العلمانية
-
بشرى الحياة
-
هل كانت ديكتاتورية اﻷسد حكما علويا أو بعثيا أو علمانيا
...
-
ديالكتيك العَلمانية
-
ما هي العلمانية؟
-
التناقض الجوهري بين الدولة المدنية الديمقراطية ونظام المحاصص
...
-
ما هي -الدولة المدنية الديمقراطية-؟
-
الكتابة عن الحب والجنس في موضع جدل
-
إشكالية الاختلاف، دور النظام الاجتماعي وإمكانية الحل
المزيد.....
-
ماليزيا تقدم 600 ألف دولار عبر صندوق (AAKRP) لدعم المؤسسات
...
-
اعتناق الإسلام وشائعة إسرائيل والاعتزال.. إسرائيل تنبش في أس
...
-
تعزيزات أميركية مرتقبة إلى إسرائيل.. إيهود باراك يتهم نتنياه
...
-
المستعمرة تقتل المسيحيين في فلسطين
-
-كيف يحمل اسم المسيح؟-.. جورجينا تهاجم مدرب البرتغال بسبب رو
...
-
تصعيد في الضفة: هجمات للمستوطنين على سلفيت ونابلس وحملة اعتق
...
-
الكنيسة القبطية تهنئ السيسي والقوات المسلحة والشعب المصري بذ
...
-
ماء مغلي لإثبات الصداقة.. التحدي يعود في مصر رغم تحذيرات الأ
...
-
دعا الى الاستثمار في مستقبل الشباب المسيحي كجزء من بنية الاق
...
-
على بعد خطوات منه.. 35 قرارا إسرائيليا تفصل فلسطينيا عن المس
...
المزيد.....
-
في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الخروج من الإسلام السياسي
/ رزيقة عدناني
-
حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
المزيد.....
|