أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي - المسار 117















المزيد.....



المسار 117


الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
(The Syrian Communist Party-polit Bureau)


الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 18:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    






المسار
الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)

سياسية • ثقافية • فكرية • اقتصادية • اجتماعية



كل النصوص والمقالات الواردة في العدد لا تعبّر بالضرورة عن رأي الحزب ما عدا الافتتاحية والبيانات الموقعة من الحزب والبيانات الصادرة عن هيئة التنسيق الوطنية التي حزبنا أحد الأحزاب المنضوية فيها
(الذاتي) و(الموضوعي) في السياسة
الافتتاحية


هناك ثلاثة قادوا أهم الثورات في القرن العشرين: لينين ، وماوتسي تونغ ، والخميني. لم يكونوا كذلك فقط، بل كانوا أعظم من قاد ثورات بالتوازي مع كرومويل وروبسبيير، وذلك بعدما استهان بهم الخصوم. في تاريخ أجهزة الاستخبارات، هناك دروس «حول الخيط الرفيع بين الضعف والقوة في السياسة». وهناك حادثة جرت مع ألن دالاس، الذي كان رئيس فرع الاستخبارات الأميركية في سويسرا، حين رفض نصيحة صديق بالتعرف إلى مهاجر روسي مقيم في غرفة صغيرة في مدينة زيورخ السويسرية عام 1917 بحجة أنه مرتبط بموعد لمباراة تنس قبل أن يفاجأ بعد ثلاثة أشهر، بأن هذا الشخص قد عاد إلى روسيا في نيسان ثم «هزّ العالم» مع ثورة أكتوبر 1917.
بالتأكيد كانت «الاستهانة»، هي سر إبعاد صدام حسين للخميني من النجف إلى خارج الحدود العراقية في تشرين الأول 1978، إرضاءً لشاه إيران وكانت القراءة المعاكسة ( عند واشنطن ولندن وباريس) هي سر استضافة الرئيس الفرنسي، جيسكار ديستان، للخميني في باريس، حيث قاد الثورة الإيرانية من إحدى ضواحيها قبل تسلمه السلطة في 11 شباط 1979.
لم يستهن الخصوم فقط بماوتسي تونغ، وهذا كان سلوك شيانغ كاي شيك زعيم حزب (الكيومنتانغ: الحزب القومي)، وإنما أيضاً شمل هذا جوزيف ستالين، منذ أن عارض ماو أوامر الكرملين عام 1924 باندماج الشيوعيين عبر الانتساب الفردي في الكيومنتانغ. دفع الشيوعيون الصينيون ثمن سياسة ستالين عبر مذبحة شانغهاي في آذار 1927 التي قادها شيانغ كاي شيك، وعندما وجههم ستالين نحو انتفاضة «كانتون» في كانون أول 1927 كان ماو معارضاً أيضاً لذلك لأنه كان يعتقد بأن هذا أيضاً سيقود نحو مجزرة ثانية من خلال مجابهة غير متكافئة مع «الكيومنتانغ». بعد سنتين من تولي ماو قيادة الحزب، وافق عام 1937على التحالف مع الكيومنتانغ من أجل صد الغزو الياباني، قبل أن يعود للمجابهة معه بعد الحرب ويصل إلى السلطة عام 1949 ويطرد الكيومنتانغ إلى جزيرة فورموزا (تايوان).
ما يميز الثلاثة هو تفعيلهم لـ«العامل الذاتي» في السياسة وإدارته القصوى للعامل الموضوعي (=الواقع) عبر كون السياسة هي إدارة عبر الذات «للممكنات الواقعية».
عندما عاد لينين إلى روسيا في نيسان 1917 كان معارضاً لسياسة التعاون مع الحكومة المؤقتة. عندما قدم «موضوعات نيسان» في مؤتمر الحزب البلشفي لم يقف معه من المندوبين سوى ألكسندرا كولونتاي. واجهه البلاشفة بكتابه عام 1905 «خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديموقراطية»، وبأن على الشيوعيين عدم اجتياز ذلك نحو ثورة اشتراكية في بلد متخلف وغير مكتمل النمو الرأسمالي: أجابهم بأن ثورة شباط 1917 تجعل هناك إمكانية «لثورة ذات أفق اشتراكي في ظرف الحرب من خلال ممري (الأرض)و(السلم)"، وبأن الحكومة المؤقتة أو التحالف معها «لا يتيح حتى العبور في طريق اكتمال الثورة الديموقراطية». خلال أيام، نجح لينين في كسب غالبية المؤتمر البلشفي نحو ثورة جديدة ونحو السلطة. كان يرى أبعد من الآخرين ويملك القدرة على تلمس رياح الشارع. كان أقرب إلى «نبي سياسي»، ومن دون شخصه ما كان للعامل الذاتي، ممثلاً في الحزب البلشفي و«السوفياتات»، أن يدير ممكنات العامل الموضوعي في اتجاه ثورة أكتوبر.
في المقابل، كان ماوتسي تونغ في وضع أصعب من لينين: ليس زعيماً للحزب، وليس على وفاق مع الكرملين الذي يضغط على الشيوعيين الصينيين من أجل سياسات تلائم استراتيجية ستالين في التحالف مع الكيومنتانغ في ظل عزلة موسكو الأوروبية في العشرينيات، وحاجة ستالين إلى حليف آسيوي. أصبح ماو في عام 1935 زعيماً لحزب مثخن الجراح. أمام العدو الياباني الغازي والمحتل قام بتغليب التناقض الرئيسي على الثانوي،وهو مانراه معروضاً في نص :"في التناقض"عام1937، حيث رأى التناقض الرئيسي مع الغزاة اليابانيين وليس مع خصومه المحليين ، ولكن بعد انتهاء الحرب وهزيمة اليابانيين عام 1945 لم يعد مستعداً لتقديم أذن صاغية لستالين الذي عقد مع شيانغ كاي شيك معاهدة تحالف في 14 آب 1945، أي قبل 19 يوماً من استسلام اليابانيين. لم تكن الثورة الصينية منذ كانون الأول 1947 وحتى انتصارها في الأول من تشرين الأول 1949 برضا الكرملين بل رغماً عنه.
كانت ظروف الخميني أصعب من لينين وماوتسي تونغ: قبل أشهر من احتفال شاه إيران الفخم عام 1971 بالذكرى 2500 لتأسيس الإمبراطورية الفارسية كان هناك شخص يجلس في زاوية صغيرة من مسجد النجف يملي على تلاميذه القلائل كتابه: «الحكومة الإسلامية» الذي عرض فيه نظريته حول «ولاية الفقيه» التي تعارض كل التراث الشيعي البادئ مع إعلان ابن بابويه القمي (غيبة الإمام الثاني عشر صاحب الزمان) في عام 940 ميلادية. كان معزولاً ليس فقط في النجف بل وفي قم أيضاً، وبالذات في طهران التي كان حاكمها يستضيف في احتفاله ذاك الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ورئيس الوزراء السوفياتي أليكسي كوسيغين، وكان كيسنجر بعد الانسحاب البريطاني من الخليج عام1971قد أسماه «شرطي الخليج». عندما فاجأته الاحتجاجات ضد الشاه في بداية 1978، كما فاجأت ثورة شباط 1917 لينين، حزم عدته واستطاع تجيير الشارع المتدين ضد الشاه «العلماني» حليف واشنطن وتل أبيب، ولكن مع إدراكه بأن هذا ليس كافياً لإسقاط الشاه فقد قام بالتحالف مع شيوعيي حزب توده ومع مجاهدي خلق ومع فدائيي خلق ومع الليبراليين ومع الأقليات القومية الكردية والعربية، ومن باريس استطاع قيادة ملايين الناس في الشارع الإيراني. اجتمع الجميع وراء عباءته وعمامته، وأعطى الجميع ما يرضيهم، ولكن عندما تسلم السلطة بطش بالجميع بعد أن اكتشفوا بأنه لن ينفذ سوى كتابه ذاك الذي أملاه في النجف والذي على الأرجح لم يكن أحد منهم قد قرأه قبل يوم 11 شباط 1979.
هناك حالات معاكسة في ما يخص «العامل الذاتي»: زعيم «الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر»، عباسي مدني، بين عامي 1990 و1991 عندما فشل في استثمار قوة مليونية كانت بين يديه من أجل تحقيق أهدافه: لم يفشل في الوصول إلى السلطة فقط بل لم يستطع منع الحركة الإسلامية الجزائرية من أن تكون قوة منفرة للآخرين من يساريين وليبراليين وبربر وعلمانيين ومن وقوع هؤلاء جميعاً في أحضان العسكر الجزائريين، وعملياً بعد سجنه في حزيران 1991 استطاع تنظيمه الفوز في الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية في الأسبوع الأخير من العام. ولكن عندما قام العسكر بانقلاب 11 كانون الثاني 1992 لمنع الجولة الثانية من الانتخابات، التي كانت تقول بأغلبية اسلامية في البرلمان المنتخب، وجد الإسلاميون أنفسهم في حالة عزلة حيث لم يقف أحد معهم وانقسموا بين «جبهة الإنقاذ» و«الجماعة الإسلامية»، فيما وجد العسكر غطاءً كبيراً من القوى السياسية الخائفة من الإسلاميين أو المتنافرة والمختلفة معهم، وقد وجد العسكر غطاء اجتماعياً كبيراً استطاعوا استثماره في الحرب العسكرية-الأمنية ضد الإسلاميين بعد انزلاق الأخيرين نحو حمل السلاح إثر 11 كانون الثاني 1992. كان عباسي مدني ليس مديراً فاشلاً في «إدارة الممكنات» بل أيضاً مبدداً للقوة التي بين يديه.
موضوع علاقة (الذاتي) مع (الموضوعي) هو قديم في التاريخ السياسي وخاصة في تراث الحركة الماركسية العالمية، فالكثيرون قاموا بنقد تجربة تحالف القوى الشعبية، الذي كان عماده الحزبان الاشتراكي والشيوعي في تشيلي والذي أوصل سلفادور أليندي للرئاسة عبر الطريق الانتخابي عام1970، بعد انقلاب 1973الذي أطاح بأليندي، عبر طروحات تقول بأن الطريق الانتخابي ليس طريقاً إلى سلطة اليساريين، بل يجب التقيد بالطرق الثورية العنيفة التي أوصلت لينين وماوتسي تونغ للسلطة، حيث الاثنان قاما بتفعيل (العامل الذاتي) في عملية استعمال وتوظيف ممكنات (العامل الموضوعي) نحو تحقيق الهدف، الذي السلطة هو طريق له، أي لينين من خلال توظيف مسألتي (السلم) و(الأرض)، وماو من خلال مسألتي (الكفاح الوطني ضد الاحتلال) و(المسألة الزراعية)، ولينين عندما قال بأن "اللحظة الثورية تأتي مرة واحدة، وإن لم يتم التقاطها في وقتها، لا تعود"، في لحظة تصويت قيادة الحزب البلشفي على القيام بثورة أكتوبر وسط معارضة كامينيف وزينوفييف، كان يقدم مثالاً على كيف يستطيع (الذاتي) استخدام (الموضوعي) في اللحظة المناسبة.
ولكن يبقى سؤالاً مفتوحاً: أليس ما قدمته (الشيوعية الأوروبية) من طريق ديمقراطي سلمي نحو تحقيق الهدف، عند الحزبين الشيوعيين بالسبعينيات في اسبانيا وإيطاليا، هو الأفضل، كما تثبت التجربة التاريخية للحركة الماركسية العالمية؟
حيث العامل الذاتي الذي يدير الممكنات عبر وسيلة الصندوق الانتخابي هو أكثر ديمومة وأرسخ جذوراً من اللحظة الثورية التي هي حسب لينين مؤقتة وزائلة وإن لم تقتنصها في وقتها تذهب ولا تعود إلا بعد زمن طويل، وقد اكتشف البلاشفة بأن لحظة ثورة أكتوبر قد أعطتهم قوة لحظية أوصلتهم للسلطة، ثم اكتشفوا بعد استلام السلطة بأن هذه القوة اللحظية لا تدوم وبأن قوتهم الاجتماعية ليست راسخة لقيام حكم مستقر، لذلك قاموا باللجوء للعنف السلطوي، وعملياً كان انتصارهم في الحرب الأهلية 1917-1920مع خصوم البلاشفة مؤدياً إلى انتصار لهم فوق الخراب، وهو ما فتح المجال والطريق إلى ديكتاتورية ستالين 1924-1953، حيث الديكتاتورية تقوم على معادلة ممارسة القوة الوقائية عند سلطة ضعيفة الجذور الاجتماعية لكي تكون القوة واقية وتعويضية عن هذا الضعف، والستالينية هي التي زرعت البذور للتفكك وانهيار الاتحاد السوفياتي في عام1991.

الخط السياسي المرحلي لهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي
14102026
هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي في سورية
تتطلع سورية، بعد سقوط النظام البائد إلى مرحلة إعادة تأسيس شبيهة بما جرى عام ١٩٢٠ في المؤتمر الوطني السوري العام، إلى مؤتمر تأسيسي جامع للسوريين، وشبيه بما تم في التوحيد والاستقلال الوطني عام ١٩٤٦واقامة الدولة الوطنية الديمقراطية، التي تقوم على أساس المواطنة عام ١٩٤٧ .
والخشية مازالت قائمة البوم وقد رفض النظام البائد تطبيق القرار٢٢٥٤، من استمرار السلطة الجديدة في إعادة تأسيس البلاد وفق القواعد التي تراها باحتكار السلطة والدولة، دون مشا ركة القوى الوطنية والديمقراطية والمعتدلة في الانتقال الديمقراطي والبناء الوطني الجديد بما يخلق أزمة سياسية في البلاد.
ويتضح من خلال تصرفات بعض الفصائل المنفلتة والاحداث الدامية في البلاد أن السلم الأهلي، أمنا للمواطنين وحماية لهم واستقرارا للدولة، مازال مهددا، وأن الأزمة الاجتماعية تتفاقم مع انتشار البطالة وبقاء أغلبية الشعب الواسعة في المدن والأرياف، تحت خط الفقر، وعدم القدرة على التمكن من ضرورات الحياة، ودفع فواتير الكهرباء والماء والوقود والدواء.
وسورية التي عرفت مختلف الصراعات عليها وفيها تتعرض لأفدح الأخطار بوجود قوى الاحتلال الأجنبية فيها والتدخلات في شؤونها، بل وتوسع اسرائيل في الجنوب وإعلانها عن البقاء فيه، بما يتطلب وقوف كافة السوريين في الداخل والخارج ضد هذه الأخطار.
إننا، في هيئة التنسيق الوطنية (ومنذ "الرؤية السياسية لهيئة التنسيق الوطنية" الصادرة في 13تموز2025")، نرى أن إعادة التأسيس تتطلب بناء حقل مشترك للسوريين، يمنح المجتمع القدرة على انتاج المجال العام وبناء الدولة الوطنية التي تقوم على أساس المواطنة واعتبار السياسة أداة للمشاركة وإدارة الاختلاف والتنافس على البرامج والمصالح العامة، عبر الدعوة إلى مؤتمر وطني عام وشامل تشارك فيه القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
أن هذا المؤتمر هو الرحم التوليدي لعملية إعادة التأسيس الوطني بعد الخراب الشامل الذي قادت إليه الديكتاتورية الأسدية، وذلك بناء على واقع أن البلد بعد سقوط تلك الديكتاتورية يعيش أزمة وطنية عامة مفتوحة على احتمالات خطرة لا يمكن التحكم بمساراتها، وأن هذه الأزمة يحتاج حلها إلى خريطة طريق للانتقال إلى نظام ديمقراطي يرسم المؤتمر الوطني العام ملامحها، مسترشداً بالمبادئ والأهداف الموضوعة في القرارات الدولية حول سورية.
تطرح هيئة التنسيق الوطنية في نهجها ضد العنف وضد الطائفية والتدخلات الأجنبية ، وكمؤسسة وطنية ديمقراطية مستقلة في قراراتها السياسية على مختلف المستويات ،هذه الورقة، كمشروع يهدف إلى انشاء توافق وطني عام بين كل القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مهما كان موقعها في عملية الاصطفاف السياسي السورية الراهنة، للوصول إلى سوريا الجديدة عبر المؤتمر الوطني الجامع العام الذي يحدد خارطة طريق المرحلة الانتقالية ويصدر اعلاناً دستورياً جديداً وتنبثق عنه سلطات تشريعية وتنفيذية ،على أن تنتهي المرحلة الانتقالية بانتخابات رئاسية ونيابية ومحلية .
في هذا، ننطلق من المحددات التالية التي نعتبرها أساساً لتشكيل مشتركات للتوافق الوطني العام، وهي:
1) سوريا وطن لجميع مواطنيها متساوين في الحقوق والواجبات، والحفاظ على سورية موحدة أرضاً وشعباً وسيادتها على كامل ترابها الوطني، واستعادة الجولان المحتل إلى الوطن الأم.
2) دولة المواطنة المتساوية والتعددية السياسية وفصل السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وسيادة القانون.
3) بناء جيش وطني جامع ومؤسسات أمنية على أساس الحياد في السياسة وعدم ممارسة العمل السياسي.
4) فتح المجال السياسي والمدني، وضمان حرية الرأي والتعبير وإطلاق الحريات العامة السياسية وحق الاجتماع والتظاهر السلمي وتشكيل الأحزاب والنقابات والمنظمات والجمعيات.
5) اللامركزية الإدارية الواسعة عبر اعطاء صلاحيات للمجالس المحلية المنتخبة، تكون محددة الملامح تجاه صلاحيات المركز.
6) تجريم العنف وخطاب الكراهية والتحريض الطائفي والعرقي ووضع تحت طائلة القانون والقضاء.
7) الدفاع عن مصالح الشعب في الحياة الكريمة، تلببة للخدمات الضرورية كهرباء وماء ودواء، وبناء اقتصاد وطني، يتيح للسوريين إقامة المنشآت الاقتصادية الصغيرة والوسطى في كافة المناطق واضطلاع الدولة بمسؤوليتها في النهوض بالمصالح العامة للبلاد وحمايتها، وتحفيز اعادة إعمار سورية تحت رقابة وسلطة القانون الوطني السوري.
من دون ذلك، لا يمكن لسورية أن تقوم على قدميها، فمن الواضح أن الفترة المنصرمة على سقوط النظام البائد، بأن هذا لم يتحقق وبأن الأزمة الوطنية العامة تزداد شرخاً عميقاً بين السلطات القائمة وشرائح واسعة من المجتمع في وضع من البؤس المعيشي وتكرار الأحداث الدامية والفلتان الامني والتدخلات الأجنبية.
نحن ندعو إلى توافق وطني بين كل السوريين مهما كانت مواقعهم في الاصطفاف السياسي، ونحن نؤمن بأن المؤتمر الوطني السيادي العام في اتخاذ القرارات التي يراها، هو الطريق لخروج بلادنا من أزمتها الوطنية العامة بفضل كافة الجهود السورية المشتركة التي عرفتها سورية في اشد محنها والأخطار المحدقة التي تهددها.
لقد وجدت سورية لتبقى شعبا واحدا ووطنا واحدا وحياة كريمة لجميع السوريين.

دمشق 14102026 المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق الوطنية
د. مخلص الصيادي، فقيه شرعية الغلبة وأيديولوجي المركزية الدينية
د. منذر أبو مروان اسبر

نشر د. مخلص الصيادي مقالاً نقدياً، يتناول فيه مبحث الأستاذ محمد سرميني مدير مركز جسور للدراسات بعنوان "بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار 2026-2030"
الصيادي وسمات النظام البائد
ذلك أن الصيادي يرى أنه كان على الباحث أن يقيم استراتيجيته على منهج توصيف النظام الأسدي البائد الذي لا يتعرض له بما يدعوه إلى طرح سماته الأساسية:
١- طائفية النظام، وهذا لا يعني أنه كان ممثلاً للعلويين وغيرهم كما يقول، وإنما لأنه كان "يمنح ويمنع" انطلاقاً من رؤية طائفية.
٢- فساد النظام وهذا لا يعني أيضاً عدم وجود ظاهرة الفساد عموماً إذ "لا يخلو كل نظام منه" إنما كون الفساد ظاهرة طغت في إدارة الدولة.
٣- استبداد النظام بوضع الدستور والقانون والقضاء في خدمة الحاكم الفرد الذي يصبح مرجع ومعيار الحق والعمل والحرية.
٤- وأخيراً إرهاب النظام باعتباره القيمة العليا له في علاقته مع المجتمع، والذي تمارسه أجهزة مخابراته دون أي وازع قانوني أو أخلاقي.
لماذا يصر الصيادي على هذا التوصيف؟ لأنه كما يقول "من الواجب إقامة سلطة ودولة مبرأة من تلك الصفات".
والصيادي وهو يشير إلى أن الدول التي دعمت النظام خلال 50 عاماً، تخلت عنه وأرادت تغييره وأن هيئة تحرير الشام لجأت بالدعم والمساعدة الأجنبية إلى "اقتناص الفرصة للانتقال بقواتها من إدلب إلى العاصمة دمشق".
ولما كان النظام الجديد يحتاج إلى الشرعية الداخلية فإن الصيادي يطرح نفسه فقيه هذه الشرعية، بالمعنى "الفقهي والتاريخي والواقعي، أي من خلال شرعية الغلبة" حسب ما يقول.
ويضيف قائلاً "بكل المقاييس بات الرئيس مصدر الشرعية لكل ما يتم إنجازه في سورية وهو مركز القرار. من إرادته أخذ الإعلان الدستوري شرعيته وإليه يعود أي تعديل أو تغيير في النص الدستوري ومنه يستمد الوزراء شرعياتهم....". بهذا هل هناك من صلاحيات مطلقة يعطيها الصيادي للرئيس الجديد دون أن تعيدنا إلى شرعية وصلاحيات استبداد النظام السابق؟
من الموالاة إلى النقد المتهافت
بيد أن الصيادي رغم دعمه المطلق لسلطة غلبة المنتصر، يقوم بنقد مجلس الشعب على أنه "مجلس غير تمثيلي إذ يختصر 18 مليون ناخب من السوريين إلى 6 آلاف".
على هذا النحو لا يمكن للمجلس "أن ينجز دستوراً وقانون أحزاب وعدالة انتقالية"، بحيث يتقدم الصيادي بنقد راديكالي لمبحث محمد سرميني، بسبب إعطائه المجلس نفسه مهام في استراتيجية تعافي سورية.
من الواضح أن الصيادي يصل في تناقضاته إلى طريق مسدود، ولهذا وبمفارقة يرى الخروج منه باستمرارية مجلس الشعب ردحاً وقد "بات أمراً واقعياً" وأن "تدفع القوى المتحكمة في سلطته التشريعية، إلى تبني الدعوة إلى مؤتمر وطني جامع". ولكن كيف لهذه القوى المتحكمة فيه أن تقوم بذلك والرئيس الجديد "مصدر كل تشريع"؟
إن الصيادي يضع بذلك كله شرعية الغلبة الفقهية في معضلة تاريخية، لأنها لا تقول بمجلس تشريعي مدني ولا بسن القوانين ولا من دستور يفصل بين السلطات.
كيف تدار سورية؟
يجيب الصيادي أن كل الشواهد تدل على أن سورية في عهدها الجديد تحكم من خلال "حزب / قوة منظمة" هي التي "وضعت السيد أحمد الشرع في منصب الرئيس وهي التي صاغت الوثيقة الدستورية وحددت مجلس الشعب وبناء الجيش...."
بناء عليه فإن هذا "الحزب / القوة المنظمة" هي هيئة تحرير الشام التي تعيدنا بدورها إلى نفس آلية "الحزب القائد" الأسدي بحيث تصبح معادلة إدارة البلاد:
الحزب / القوة المنظمة (هيئة تحرير الشام) = صياغة الدستور الانتقالي + تشكيل مجلس الشعب + إدارة الجيش + هيكلة الاقتصاد + السياسة الخارجية.
ولكن إذا كانت هذه المعادلة لم تستقم مع الحزب الأسدي فكيف لها أن تستقيم اليوم أو غداً مع حزب هيئة تحرير الشام والذي "يجب الإعلان عنه" حسب الصيادي ليصبح الحزب القيادي مع السلطة الجديدة. إذن كفى الأحزاب في سورية بحثاً عن التعددية السياسية ومنافسة البرامج الحزبية .
القوى الوطنية الديمقراطية المقصية وبناء المستقبل
وبالرغم من إشارة الصيادي إلى تضحيات قوى الشعب المختلفة ضد النظام البائد، فإنه يقفز عن مشروع التغيير الوطني الديمقراطي السيادي الذي كان قد سبق الانتفاضة الشعبية 2011 واستمر معها وحتى اليوم وما زالت قواه تطالب بالشرعية السيادية السورية والانتقال الديمقراطي وتطبيق القرار 2254 وكافة القرارات الدولية بصدد سوريا.
بهذا فإن سورية في مأزقين:
أولاً - مأزق سياسي داخلي برفض السلطة الحالية الانتقال الديمقراطي والبناء الوطني المشترك على منوال المنتصر يقرر. إنه مأزق احتكار السلطة والدولة الجهادية الأحادية العسكرية وحزبها القيادي، لماذا؟ لأن "هيئة تحرير الشام أصبحت منذ كانون الأول 2024 هي المسؤولة عن الانتقال بسورية نحو المستقبل" كما يؤكد الصيادي نفسه.
ثانياً - مأزق استراتيجي فالصيادي وإن يشير إلى الأخطار الاستراتيجية لتعافي سورية الداخلي، فإنه لا يربطها بالأخطار الخارجية، ذلك إن جيوشاً أجنبية محتلة لم تخرج من الشمال أو الجنوب مع نهاية النظام البائد حتى اليوم وبالتالي كيف يمكن لسورية أن تتعافى بالاحتلال الأجنبي لأراضيها في الشمال والجنوب؟
الصيادي والانقطاعات الفكرية والسياسية
وإذا كان الصيادي يتحدث عن "الوحدويين الناصريين" فإنه يقطع مع الناصرية وحدة وهوية ومشروعاً عربياً شكل جزءاً من الثورة العالمية ضد الإمبريالية والتبعية الأجنبية.
كما أنه يتموقع على الضفة الأخرى من تجديد الناصرية مع د. جمال الأتاسي على ركائز الديمقراطية الاجتماعية والحياد في الصراعات الدولية والتعددية السياسية الديمقراطية.
ولا يمكننا إلا الإشارة بنفس الوقت إلى رؤية الصيادي على أن "السنة والعرب في سورية، وفي العالم العربي هم الأمة، ليس لأنهم الأكثرية - وهم الأكثرية حقاً - وإنما لأنهم الحاضن لكل أطياف الأمة".
نجدنا في هذه الأطروحة الأيديولوجية التي تستخدمها بعض أطراف السلطة الحالية في مقولة الأكثرية والأقليات الدينية، على نفس نمط المثقفين التقليديين في فرنسا والذين كانوا يعتبرون أن الأمة الفرنسية هي أمة كاثوليكية وأنها حاضنة لكافة الأطياف الأخرى.
بيد أن التاريخ لا يدلل على ذلك لأن هذه المركزية الأيديولوجية الدينية أشعلت الحروب المذهبية وفتحت الطريق واسعاً لأن يقول الملك لويس الرابع عشر الكاثوليكي "أنا الدولة"، عدا عن أن النظام الشرقي السلطاني كان قد وظفها سلطة استبدادية "لطبائع الاستبداد".
الانقلاب على الفكرة النهضوية وخطها التاريخي
والواقع أن الصيادي يجد في نمط رؤيته الفكرية والسياسية والاجتماعية بديلاً إن لم نقل انقلاباً على الخط التاريخي لفكرة النهضة الثقافية واللغوية والتحررية ضد الوصاية العثمانية وضد الانتداب الأجنبي.
فهذه الفكرة تنطلق من وحدة المجتمع الكلي اجتماعياً، وإقامته للدولة الدستورية سياسياً وإنجاز شرعية الحكم عبر صناديق الاقتراع .
إنها الفكرة التي تجسدت خطاً تاريخياً في المؤتمر التأسيسي الجامع عام 1920 واستمرت صعوداً ضد المجتمع التجزؤي الطائفي والقبلي والعرقي في وحدة سورية عام 1936 بالدين لله والوطن للجميع، وفي الاستقلال الوطني عام 1946 والدولة الوطنية البرلمانية عام 1947 وفي تأصيل تأسيس سورية وحدة وطن ومواطنة وشعب ودولة عام 1954 ضد المجتمع العسكري الأحادي، دولة وقيادة وحكم الغلبة، على غرار ما طرحه الصيادي.
إنها فكرة المجتمع الواحد الكلي الذي ينهض بعقده الوطني المواطني وبدولته الدستورية على قاعدة الدين لله والوطن للجميع، ومنه تأتي شرعية الحاكم الانتخابية، وبه تتعافى سورية اليوم وغداً.
المؤتمر الوطني السوري العام
خاتمة نقول إن د. الصيادي فيما يقدم لم يخرج السلطة الجديدة من سمات بنية النظام المنصرم، بل إن سورية تستمر في مأزق تاريخي لشرعية الغلبة الصيادية وتسويق جهادية المنتصر مصدراً لكل السلطات وبوضع سورية في أزمة سياسية واجتماعية وجيو-استراتيجية حادة جديدة لن تجد حلاً لها إلا بمؤتمر وطني لكل السوريين.


النظرات المتعددة إلى السياسة
محمد سيد رصاص

بعد ثمانين عاماً من قول ستالين: “كم دبابة عند بابا الفاتيكان؟”، في سؤال استهزائي من الزعيم السوفياتي موجّه لرئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل، عندما أخبره الأخير في مؤتمر يالطا (شباط/ فبراير 1945) بأن دولة الفاتيكان قد أعلنت الحرب على ألمانيا الهتلرية، نجد أن هذا القول لا يزال موضع رفض واستنكار من أوساط عديدة تشتغل في العمل السياسي وفي ميدان الفكر والثقافة، في استناد عندهم بأن ما قاله ستالين يعبر عن نزعة فكرية ترى السياسة بوصفها محددة بالقوة المجردة، وبأنها لا ترى تأثيراً سياسياً لزعيم روحي – ديني يتبعه مئات الملايين في أنحاء العالم، ما دام هذا الزعيم هو رئيس لدولة عدد سكانها لا يتجاوز المئات من رجال الدين وليس عنده قوات مسلحة.
ستالين ماركسي يؤمن بقول كارل ماركس 1818-1883 بأن “الإنسان كائن تُسيّره المصالح المادية”، وبأن الأفكار قوتها تأتي، ليس من بناها المنطقية أو الفكرية، بل من قوة حامليها الاجتماعيين، وبأن السياسة عملية تقررها توازنات القوى المادية على الأرض، ومنها التوازن الاقتصادي والعسكري، وأيضاً امتداد الحركة السياسية في المجتمع ووزنها فيه، والسياسة هي انعكاس لهذه التوازنات.
من يستعرض التاريخ يرى السياسة تجري وفقاً لقول ستالين، بما فيها السياسة المعاصرة، وليس وفقاً لما يقوله أصحاب النظرات المستنكرة لقول ستالين، سواء كانت النظرات التي ترى السياسة من منظور أخلاقي بوصفها “صراعاً بين الخير والشر”، أو من منظور حقوقي باعتبارها “صراعاً بين الحق والباطل”، أو من منظور ثقافي يرى السياسة صراعاً بين أفكار وأن كل تيار سياسي يمكن تفسيره بمؤلفات المؤسسين الفكريين له، وأن كل تيار هو تطبيق عملي لهذه المؤلفات، وبناءً عليه يمكن أن نفسر الماركسية بـ “البيان الشيوعي” (1848) والليبرالية بكتاب جون ستيوارت ميل: “في الحرية” (1859)، والنازية بكتاب “كفاحي” (1925) لهتلر.
من ينظر الآن إلى التيارات السياسية الكبرى في العالم، التي ألقت بثقلها في تحديد ورسم السياسة، يراها كلها لا تعتمد النظرات الأخلاقية، أو الحقوقية، أو الثقافية، بل نرى هناك قناعة ضمنية، لا تُحكى ولكن تُمارس، بأن السياسة تُقرَّر بقوة السلاح. أي أن الحروب هي “امتداد للسياسة بوسائل أخرى” كما قال كلاوزفيتز 1780-1831، وأيضاً السياسة تُرسم من خلال حصيلة الحروب، وهي تُقرَّر وتُحدَّد بالقوة الاقتصادية التي يمكن أن تُترجم عسكرياً، كما حصل في ألمانيا بعد وحدة 1871 عندما قادت العملقة الاقتصادية إلى نزعات عسكرية للتوسع خارج الحدود، مما قاد للصدام مع الدول الكبرى، إنكلترا وفرنسا وروسيا القيصرية، في الحرب العالمية الأولى. ويمكن لهذا أن يحصل الآن من خلال الصين التي تحولت إلى عملاق اقتصادي منذ عام 2010 باحتلالها المرتبة الاقتصادية الثانية بعد الولايات المتحدة.
في التيارات السياسية المعاصرة، نرى (المدرسة الواقعية في السياسة الخارجية) عند هنري كيسنجر التي تؤمن بأن السياسة تُرسم من خلال التوازنات القائمة بين الدول (سياسة الوفاق مع الاتحاد السوفياتي)، أو عبر وسائل عسكرية تقود إلى تغيير التوازنات القائمة (تزويد إسرائيل بالسلاح الأميركي)، أو عبر تحولات داخلية تأتي من انقلابات عسكرية (انقلاب تشيلي عام 1973 الذي كان كيسنجر مهندسه) تساهم في تغيير توازنات اللوحة القائمة للعلاقات الدولية بين قطبي الحرب الباردة (واشنطن وموسكو)، أو عبر استمالة دول (مثل مصر أنور السادات في السبعينيات) تريد الاستقالة من حروب إقليمية ولا ترى طريقاً سوى الطريق الأميركي نحو “السلام المصري – الإسرائيلي” لتوجيه ضربة للنفوذ السوفياتي في منطقة الشرق الأوسط التي دخلت موسكو إليها عبر البوابة المصرية عام 1955.
في أثناء مفاوضات كيسنجر مع المفاوض الفييتنامي الشمالي لي دوك ثو، التي قادت إلى اتفاقيات باريس عام 1973، والتي أدت إلى انسحاب القوات الأميركية من منطقة الهند الصينية (فييتنام الجنوبية – كمبوديا – لاوس) بالترافق مع تشكيل حكومات وفاق يشترك بها الشيوعيون مع الأنظمة الموالية لواشنطن في فييتنام الجنوبية وكمبوديا ولاوس، كان كيسنجر عند تعثر المفاوضات يطلب زيادة القصف الجوي على المرافئ والمدن الفييتنامية الشمالية كوسيلة إقناعية ملموسة، ولم يكن عنده الوهم بأن “المنطق” و”قوة الحجة” هما الطريق إلى نتائج يريدها من المفاوضات.
هذا الذي فعله هنري كيسنجر في المفاوضات ليس بعيداً عن الذهنية والنظرة للسياسة التي نراها عند ديفيد بن غوريون ومناحيم بيغن وبنيامين نتنياهو وجوزيف ستالين وفلاديمير بوتين ودونالد ترامب ورجب طيب أردوغان والخميني وخامنئي وقاسم سليماني وأحمد وحيدي.
لا توجد هذه الذهنية والنظرة للسياسة عند العرب حتى الآن، والرئيس المصري أنور السادات في مفاوضات كامب ديفيد عام 1978 مع مناحيم بيغن، احتجّ على تصلّب رئيس الوزراء الإسرائيلي بالمفاوضات، من خلال تذكيره بأن زيارته لإسرائيل العام السابق هي بادرة كان يحلم بها الإسرائيليون منذ عام 1948، وبأنه لم يحصل من الإسرائيليين ما يوازيها، ليجيبه بيغن: “الورقة تفقد قيمتها بعد أن توضع على الطاولة”. والغريب أن هذه الذهنية والنظرة العربية للسياسة، والتي تسيطر عليها المنظورات الأخلاقية والحقوقية، هي في حالة فوات أثناء قراءة مجرى الصراع العربي – الإسرئيلي الذي كانت القوة هي القلم الوحيد الذي كتب السطور في كل صفحاته.
هنا، كيسنجر ليس بعيداً عن النظرة الماركسية إلى السياسة، وأيضاً ليس بعيداً عن النظرة إلى السياسة التي أتت من الفلسفة البراغماتية عند ويليام جيمس 1842-1910، والتي “ترى الأفكار والسياسات من خلال نتائجها”، وليس من خلال “منطقيتها ومعقوليتها”، ونتائجها تعتمد على حاملها، في مجتمع معيّن أو عند دولة أو دول في خريطة العلاقات الدولية، وكم عنده من قوة وتأثير، وليس على أي شيء آخر.
عندما قال القيادي في الحزب الشيوعي الصيني دينغ سياو بينغ: “ليس المهم لون القطط، المهم أنها تقتل الفئران”، اعتبره ماوتسي تونغ “براغماتياً وانتهازياً”، وقام بسجنه عام 1966 مع مجموعة من القياديين الشيوعيين، منهم والد الرئيس الصيني الحالي شي جين بينغ والذي كان نائباً لرئيس الوزراء. بعد وفاة ماو عام 1976 استلم دينغ سياو بينغ وتياره دفة القيادة الصينية، وهؤلاء هم من صنع العملقة الاقتصادية الصينية الراهنة.
يمكن أن يذكر قول دينغ سياو بينغ بقول مكيافللي 1469-1527، قبل خمسة قرون: “الغاية تبرر الوسيلة”، والذي هو قول لا يتملكه الوسواس من طرق تحقيق الهدف، والحقيقة أن مكيافللي، مع كارل ماركس وويليام جيمس، من الآباء الفكريين للسياسة المعاصرة، والكثيرون يستنكرون قول مكيافللي هذا، مثلما تم استنكار قول ستالين المذكور، ولكن يجب الاعتراف بأن السياسة الحديثة والمعاصرة ليست خارجهما. وأيضاً هي ليست خارج تلك النظرة للإنسان، التي قالها الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز في كتاب: “اللفياثان”، عام 1651: “الإنسان ذئب، ومن أجل أن لا يأكل الجميع الجميع، يجب أن تحتكر القوة جهة واحدة، هي الدولة”، ومفهوم الدولة الحديثة، وبالذات النظام الديمقراطي، انبنى على نظرة هوبز للإنسان.
كل تلك النظرات للسياسة، عند مكيافللي وهوبز وكارل ماركس وويليام جيمس، مبنية على نظرة للإنسان ترى فيه “الشر أكثر من الخير”، وبالتالي هناك نظرة للسياسة ترى أنها تشتغل في ميدان تحكمه القوة المجردة، سواء أخذت شكل السلاح أو القوة الاقتصادية أو القوة الجماهيرية بين أفراد المجتمع الواحد، أو السلاح أو القوة الاقتصادية في علاقات الدول بميدان العلاقات الدولية، وليس بعيداً القول إن العلاقات الدولية هي غابة تسودها الوحوش، فشلت عصبة الأمم (1919-1939)، والأمم المتحدة (منذ عام 1945)، في قوننة وضبط ما يجري في هذه الغابة. وهنا، مفهوم (التقوى) الديني ليس بعيداً عن تلك النظرة المتشائمة للإنسان، حيث التقي هو من “يتقي غضب الله في الدنيا وعذابه في الآخرة “، من خلال الامتناع عن معصية الله واجتناب ما نهى عنه، فـ “النفس أمّارة بالسوء”، ومعظم الأديان لها نظرة للإنسان تنطلق فيها من أن (التحريم) هو الأصل أو المبدأ الرئيسي، وليس (الإباحة)، في تحديد (الحلال والحرام)، وهو ما نراه بالذات في اليهودية والإسلام.
كتكثيف: لا يعني ما سبق أن يكون السياسي، في سلوكه الشخصي، غير أخلاقي أو لا يتمتع بالأخلاق الحسنة، بل يعني أنه مطالب بإدراك أن ميدان السياسة لا يُقرَّر من خلال شيء آخر سوى توازنات القوة، بكل ما تعنيه كلمة القوة من أشكال، وأن الأفكار السياسية، والتي هي أيديولوجيات (والإنسان كائن أيديولوجي، أي منحاز إلى رؤية للواقع الموضوعي وفق مصالحه حيث “السياسة هي مملكة الأفعال الموضوعية” وليس الرغبوية الذاتية التي لا تؤمن بالسياسة كإدارة لممكنات الواقع الموضوعي) سواء كانت قريبة من الواقع أو بعيدة عنه بهذه الدرجة أو تلك، وهو أمر غير ثاتب بل متحرّك، هي عناوين للاتجاهات السياسية، وهذه الاتجاهات والميول السياسية تُرسم من خلال المصالح، سواء كانت مصالح يتم السعي لتحقيقها عبر السياسة وفق “مبدأ إدارة الممكنات” – وليس شرطاً أن تكون فقط مصالح مادية يسعى لها، بل قد تكون الرغبة في تحقيق فضاء عام في كامل المجتمع، بحيث يشعر الإنسان بأن شروط حياته تصبح أفضل له – أو مصالح تتجسد في منع تحقيق وضع أو إسقاط وضع يراه الفرد مضرّاً بمصالحه أو معيقاً لحياة أفضل يسعى لها.
تبقى الأخلاق في ميدان السلوك الشخصي، بينما السياسة هي في ميدان لا شخصي يتمثّل في “إدارة الشأن العام”، وأن هذه الإدارة هدفها الوصول إلى ترقية المجتمع الإنساني نحو فضاء عام، يستطيع فيه الناس أن يعيشوا بشكل أفضل من أوضاعهم الماضية والحاضرة.

ما بعد الأسد: حين يسقط النظام وتبدأ معركة تأسيس الدولة
سوريا أمام الاختبار التاريخي: من شرعية التغيير إلى شرعية الحكم، ومن سلطة المرحلة الانتقالية إلى دولة المواطنين
بهاء الشايب

لم يكن سقوط نظام بشار الأسد نهاية الأزمة السورية بقدر ما كان انتقالًا بها إلى اختبار تاريخي مختلف. فقد انتهى شكل من أشكال الحكم الذي احتكر الدولة والمجال السياسي لعقود، لكن سقوط النظام لا يعني تلقائيًا زوال البنية التي سمحت باحتكار السلطة، ولا يضمن أن تكون المرحلة الجديدة قادرة على بناء دولة مختلفة في مؤسساتها، وعلاقتها بالمجتمع، وقدرتها على حماية الحقوق وإدارة الاختلاف.
هنا تبدأ المسألة السياسية الأكثر أهمية في سوريا ما بعد الأسد: كيف يمكن تحويل سقوط النظام من حدث تاريخي إلى عملية تأسيس دستوري ومؤسسي مستدامة؟ وكيف تنتقل البلاد من شرعية التغيير إلى شرعية الحكم، ومن ضرورة استعادة مؤسسات الدولة إلى ضرورة إخضاعها للقانون والمساءلة؟
ليست هذه أسئلة نظرية منفصلة عن الواقع، بل تمسّ مستقبل سوريا ووحدتها، وموقعها الإقليمي، وقدرة مجتمعها على تجاوز آثار الصراع، ومصير ملايين السوريين الذين ينتظرون أن تنعكس التحولات السياسية على أمنهم وحقوقهم وأوضاعهم المعيشية.
إن المعيار الحقيقي للمرحلة الراهنة ليس ما إذا كانت السلطة الجديدة قد ورثت مؤسسات الدولة فحسب، بل ما إذا كانت قادرة على إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قواعد تمنع احتكار القرار، وتضمن المشاركة، وتُخضع القوة للقانون، وتجعل المواطنة أساسًا للحقوق والواجبات.
أولًا: سقوط النظام يفتح الطريق إلى الدولة، لكنه لا يبنيها أحدث سقوط نظام الأسد تحولًا جوهريًا في المشهد السوري، وفتح المجال أمام إمكانية إعادة بناء الحياة السياسية ومؤسسات الحكم بعد عقود من السلطوية والصراع. غير أن هذه اللحظة، مهما بلغت أهميتها، لا تمنح أي سلطة تفويضًا غير محدود، ولا تجعل نجاح المرحلة الانتقالية نتيجة مضمونة.
فالدولة ليست الحكومة القائمة، ولا مجموعة المؤسسات التي تحمل أسماء رسمية، ولا الأجهزة القادرة على فرض القرارات الدولة، في معناها السياسي والقانوني، هي منظومة من المؤسسات والقواعد التي تنظّم ممارسة السلطة، وتحدّد صلاحياتها، وتحمي حقوق المواطنين، وتضمن خضوع الحاكم والمحكوم للقانون.
ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يحكم سوريا اليوم، بل بكيفية الحكم، وحدود السلطة، ومصادر شرعيتها، وآليات محاسبتها، والضمانات التي تمنع تحوّل المرحلة الانتقالية إلى نظام مغلق جديد.
قد تنجح سلطة في بسط نفوذها على مؤسسات الدولة، لكنها لا تحقق بذلك بالضرورة الاندماج الوطني أو الاستقرار المستدام. وقد تتمكن من فرض قراراتها في المدى القصير، فيما تبقى أسباب انعدام الثقة قائمة في المجتمع، أو تتشكل مراكز نفوذ يصعب إخضاعها لاحقًا للمساءلة.
ولهذا، لا يُقاس نجاح الانتقال بمدى تركيز القرار في يد السلطة، بل بمدى قدرتها على بناء مؤسسات تعمل وفق قواعد واضحة، وتقبل الرقابة، وتتيح التداول السلمي للسلطة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا هو الاعتقاد بأن إسقاط النظام السابق يكفي لمنح السلطة الجديدة شرعية دائمة. فالشرعية ليست رصيدًا تاريخيًا يُستهلك بلا حدود، وإنما علاقة مستمرة بين السلطة والمجتمع، تتجدد بقدر احترام القانون، وتحقيق العدالة، وتوسيع المشاركة، والاستجابة لحقوق المواطنين.
ثانيًا: التحدي الدستوري — من إدارة المرحلة إلى تحديد قواعد الحكم
لا يمكن لأي مرحلة انتقالية أن تستمر مستندةً إلى الضرورات السياسية والأمنية وحدها. فالضرورات قد تفسّر بعض التدابير المؤقتة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل قواعد دستورية واضحة تحدد من يملك القرار، وكيف يُمارس، وما الحدود التي لا يجوز تجاوزها.
وفي سوريا، تزداد أهمية هذا الاستحقاق مع استمرار العمل على إعادة تشكيل المؤسسات السياسية والتحضير لاستحقاقات انتخابية مستقبلية. وقد أشارت إحاطة الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن في 17 سبتمبر/أيلول 2026 إلى مناقشات بشأن انتخابات برلمانية ورئاسية مستقبلية في إطار دستور جديد خلال الفترة الانتقالية.
لكن الإعلان عن استحقاقات مستقبلية لا يغني عن الإجابة عن الأسئلة التي تحدد معناها السياسي: ما طبيعة الدستور الذي ستُجرى الانتخابات في ظله؟ وكيف ستُصاغ قواعده؟ وما الضمانات التي تكفل التنافس السياسي الحر؟ وكيف يمكن التأكد من أن المؤسسات المنتخبة تمتلك صلاحيات فعلية، وليست مجرد واجهة لقرارات تُتخذ خارجها؟
إن الانتخابات، على أهميتها، ليست بديلًا عن النظام الدستوري، بل إحدى آلياته. ولا تكتسب قيمتها الكاملة بمجرد تنظيمها، وإنما بوجود شروط تضمن حرية الاختيار، وتكافؤ الفرص، وشفافية الإجراءات، واستقلال الجهات المشرفة، وإمكانية تداول السلطة.
كما أن بناء المؤسسات لا يكتمل بتشكيلها قانونيًا إذا لم تكن قادرة على ممارسة وظائفها باستقلال وفاعلية. فالبرلمان الذي لا يستطيع مراقبة السلطة التنفيذية، والقضاء الذي لا يتمتع باستقلال فعلي، والأجهزة الرقابية التي لا تملك صلاحيات حقيقية، لا تحقق الغاية التي أُنشئت من أجلها.
المطلوب، إذن، ليس مجرد استكمال الشكل المؤسسي للدولة، بل بناء منظومة دستورية تحدّ من تركيز السلطة، وتمنع تضارب الصلاحيات، وتضمن الرقابة المتبادلة، وتفتح المجال أمام مشاركة سياسية لا تُختزل في تأييد السلطة القائمة.
فالدستور ليس وثيقة تمنح الحاكم صلاحيات فحسب؛ إنه، قبل ذلك، اتفاق على حدود الحكم، وحقوق المواطنين، والقواعد التي يحتكم إليها الجميع.
ثالثًا: وحدة سوريا لا تُختبر بحدودها وحدها
تواجه سوريا معضلة وطنية تتجاوز الحفاظ على وحدة الجغرافيا إلى إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، وبين المناطق السورية المختلفة، وبين المواطنين الذين عاشوا تجارب متباينة خلال سنوات الصراع.
ولا يمكن اختزال الوحدة الوطنية في الاعتراف بالحدود الدولية أو توحيد المؤسسات إداريًا وأمنيًا. فهذه عناصر مهمة، لكنها لا تكفي إذا بقيت قطاعات من المجتمع تشعر بأن مشاركتها في القرار محدودة، أو أن حقوقها مرهونة بهويتها، أو أن أمنها يعتمد على قوى محلية بدلًا من مؤسسات وطنية موثوقة.
إن وحدة الدولة تحتاج إلى وحدة الحقوق، وإلى شعور المواطنين بأن القانون يحميهم بالتساوي، وأن المؤسسات العامة ليست ملكًا لجماعة أو تيار أو منطقة، وأن اختلافهم السياسي أو الثقافي لا ينتقص من مواطنتهم.
وفي المقابل، فإن الاعتراف بالتنوع السوري لا يعني التسليم بتقسيم البلاد إلى كيانات متنافسة، كما أن الحفاظ على وحدة الدولة لا يبرر إنكار التعدد أو التعامل معه بوصفه تهديدًا ينبغي إخضاعه.
المعادلة المطلوبة هي بناء دولة موحدة في سيادتها وإطارها الدستوري، قادرة في الوقت نفسه على إدارة التنوع، وتوزيع الصلاحيات بصورة عادلة، وضمان المشاركة المحلية، وحماية الحقوق الثقافية واللغوية، ومنع احتكار المركز للقرار والموارد.
وهنا تبرز أهمية النقاش حول اللامركزية الإدارية، ليس باعتبارها حلًا سحريًا لجميع المشكلات، بل باعتبارها أحد الخيارات المؤسسية التي يمكن أن تساعد على تحسين الإدارة المحلية، وتقريب القرار من المواطنين، وتوزيع المسؤوليات بوضوح، ضمن دولة واحدة وقواعد دستورية مشتركة.
ولا ينبغي التعامل مع هذا النقاش بمنطق التخوين أو التخويف. فالاختلاف بشأن شكل الإدارة وتوزيع الصلاحيات يمكن أن يكون جزءًا طبيعيًا من السياسة، ما دام يجري ضمن إطار وطني يحترم وحدة البلاد وحقوق مواطنيها.
إن الدولة القادرة على استيعاب التنوع من خلال القانون أقل اعتمادًا على الإكراه، وأكثر قدرة على إنتاج استقرار طويل الأمد.
رابعًا: الجنوب السوري — اختبار عملي لشرعية الدولة
يقدّم الجنوب السوري، بما يشمله من درعا والسويداء والقنيطرة، مثالًا واضحًا على تعقيد العلاقة بين استعادة سلطة الدولة وتحقيق الاستقرار المجتمعي.
فالمشهد في الجنوب لا يمكن تفسيره بعامل واحد، ولا يمكن اختزاله في مواجهة بين المركز والأطراف. هناك إرث طويل من الصراع، وتشكيلات مسلحة وشبكات محلية من النفوذ، وتباينات في المواقف والتجارب، ومخاوف أمنية واجتماعية، فضلًا عن التدخلات الخارجية والانتهاكات المرتبطة بالسيادة السورية.
وتشير تقارير عن الوضع الأمني إلى أن حضور السلطة الانتقالية في درعا لا يعني أن قدرتها على فرض سلطة قانونية موحدة قد ترسخت بالكامل، في ظل استمرار نشاط جماعات محلية مسلحة وتفاوت السيطرة الفعلية على الأرض. كما ظل وضع السويداء من أكثر الملفات تعقيدًا في العلاقة بين الحكومة المركزية والقوى المحلية.
تفرض هذه الوقائع ضرورة التمييز بين استعادة سلطة الدولة وبناء شرعيتها. فالأولى تتعلق بقدرة المؤسسات على ممارسة اختصاصاتها، أما الثانية فتتعلق بقبول المواطنين بهذه المؤسسات، وثقتهم بأنها تعمل لحمايتهم وفق القانون، لا وفق منطق الغلبة أو الانتقام.
ولا يمكن تحقيق ذلك عبر المقاربة الأمنية وحدها. فالأمن ضرورة لا غنى عنها، لكنه لا يصبح مستدامًا إلا حين يرتبط بالقانون والمساءلة، وبقنوات سياسية تتيح معالجة الخلافات قبل تحولها إلى مواجهات.
وفي درعا، تتطلب الأولوية تعزيز مؤسسات القانون، ومواجهة الجريمة والسلاح المنفلت وفق إجراءات قانونية، ومعالجة شبكات النفوذ التي تعيق انتظام الحياة العامة، من دون تحميل المجتمع مسؤولية جماعية عن أفعال أفراد أو مجموعات.
وفي السويداء، لا يمكن فصل أي تسوية مستدامة عن معالجة المخاوف المحلية، وضمان حقوق السكان، وفتح مسار سياسي جاد يحدد العلاقة بين السلطات المركزية والمحلية، ويعالج الانتهاكات على أساس الأدلة والمساءلة.
أما القنيطرة، فإن موقعها الحدودي يجعل أمن السكان والسيادة الوطنية جزءًا أساسيًا من أي تصور للاستقرار، في ظل التحركات والعمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب.
وقد تناولت الأمم المتحدة هذه التطورات باعتبارها من التحديات التي تواجه السيادة السورية واستقرار المنطقة، ودعت إلى احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها والقواعد الدولية ذات الصلة.
إن أي سياسة وطنية تجاه الجنوب ينبغي أن تقوم على ثلاثة مبادئ مترابطة: حماية المدنيين، وإخضاع السلاح والمؤسسات للقانون، وإشراك المجتمعات المحلية في صياغة الحلول التي تمس مستقبلها.
فلا يمكن مطالبة المواطنين بالثقة بالدولة قبل أن يلمسوا أثرها العادل في حياتهم، ولا يمكن بناء الاستقرار بتجاهل المظالم أو تأجيل معالجتها إلى أجل غير محدد.
خامسًا: السيادة الوطنية ليست شعارًا منفصلًا عن حماية المواطنين
لا تزال السيادة السورية تواجه تحديات خارجية جدية، وفي مقدمتها الوجود والعمليات العسكرية الإسرائيلية في أجزاء من الجنوب. ولا تقتصر آثار هذه التطورات على التوازنات الإقليمية؛ فهي تمس أمن السكان، واستقرار المناطق الحدودية، وقدرة الدولة على ممارسة سيادتها على أراضيها.
وقد أشار تقرير مجلس الأمن بشأن سوريا في أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى استمرار التوغلات والأنشطة العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، وإلى النزاع حول تنفيذ اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. كما تناولت الأمم المتحدة آثار هذه العمليات على المدنيين، ودعت إلى حل دبلوماسي يحترم السيادة السورية والقانون الدولي.
لكن الدفاع عن السيادة لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب لا يقابله مسار سياسي وقانوني واضح. فالدولة تحتاج إلى توثيق الانتهاكات، واستخدام القنوات الدبلوماسية، وتعزيز الحضور القانوني الدولي، وحماية السكان، وبناء قدرات مؤسسية تتعامل مع التهديدات ضمن تقدير مسؤول للمخاطر.
كما ينبغي ألا تصبح التحديات الخارجية ذريعة لتأجيل الإصلاح الداخلي. فحماية السيادة وبناء الشرعية ليسا مسارين متعارضين، بل يعزز أحدهما الآخر.
الدولة التي تتمتع بمؤسسات شرعية، ومجتمع أكثر ثقة بها، وقدرة واضحة على تحديد مصالحها الوطنية، تمتلك أسسًا أفضل لإدارة علاقاتها الخارجية والتفاوض بشأنها.
ولا يعني الانفتاح على القوى الإقليمية والدولية التفريط بالاستقلال، كما لا يعني الاستقلال الانعزال عن العالم. المطلوب سياسة خارجية متوازنة، تُخضع الاتفاقات للمصلحة العامة والشفافية، وتمنع تحويل احتياجات إعادة الإعمار أو ضرورات الأمن إلى أدوات ضغط على القرار الوطني.
إن السيادة ليست مجرد قدرة على إعلان المواقف؛ إنها قدرة على حماية الحقوق والمصالح ضمن مؤسسات واضحة ومسؤولة.
سادسًا: العدالة الانتقالية — شرط لبناء الثقة لا ملف لتأجيله
لا يمكن لسوريا أن تؤسس مستقبلها على النسيان القسري، كما لا يمكنها أن تحقق العدالة من خلال الانتقام الجماعي. وبين هذين المسارين تقع المهمة الأكثر تعقيدًا: إنشاء منظومة للعدالة الانتقالية تكشف الحقيقة، وتحاسب المسؤولين عن الجرائم، وتنصف الضحايا، وتجبر الضرر، وتضع ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات.
وتكتسب هذه المهمة أهميتها من حجم المظالم التي خلّفتها سنوات الصراع، ومن الحاجة إلى معالجة الانتهاكات التي وقعت في مراحل مختلفة وعلى أيدي جهات متعددة، وفق الأدلة والمعايير القانونية.
ولا تعني مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات مساواة الوقائع أو الأطراف أو مستويات المسؤولية، بل تعني أن المسؤولية الفردية يجب أن تُحدّد على أساس الأدلة والأفعال والأدوار، لا على أساس الانتماء أو الموقع الاجتماعي أو الولاء السياسي.
كما أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاكمات، بل تشمل معرفة مصير المفقودين، وحفظ الأدلة، وتوثيق الانتهاكات، وحماية الشهود، ودعم أسر الضحايا، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات التي سمحت بوقوع الجرائم أو أخفقت في منعها.
وفي هذا السياق، رحبت الأمم المتحدة بالتقدم المحرز في إنشاء مؤسسات وطنية معنية بالعدالة الانتقالية والمفقودين، وبالتحقيق في أعمال العنف التي شهدتها مناطق سورية مختلفة، مع التشديد على ضرورة تطوير المساءلة وإشراك الضحايا والمجتمع المدني في هذا المسار.
لكن تأسيس المؤسسات لا يكفي وحده لإثبات فاعليتها؛ فالمعيار هو استقلالها، ووضوح صلاحياتها، وقدرتها على الوصول إلى الأدلة، وحماية الشهود، وإجراء تحقيقات جدية، ونشر نتائج موثوقة، وضمان المحاكمات العادلة.
كما أن العدالة لا يجوز أن تكون انتقائية أو خاضعة للحماية السياسية. فالعدالة التي تتجاهل انتهاكات جهة بسبب نفوذها، أو تلاحق جهة أخرى بمعايير مختلفة، تعيد إنتاج الشعور بالظلم وتضعف الثقة بالدولة.
ولا يمكن مطالبة الضحايا بإغلاق ملفاتهم قبل معرفة الحقيقة، أو مطالبة المجتمع بالمصالحة من دون ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات.
إن العدالة الانتقالية ليست عقبة أمام الاستقرار، بل إحدى الوسائل التي يمكن أن تمنحه أساسًا قانونيًا وأخلاقيًا متينًا.
سابعًا: الاقتصاد وإعادة الإعمار — من استقطاب الأموال إلى بناء اقتصاد وطني
لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي في أي تقييم للمرحلة السورية. فالأزمة المعيشية، وتضرر البنية التحتية، وضعف الخدمات، والحاجة إلى فرص العمل، ليست نتائج جانبية يمكن تأجيلها إلى ما بعد اكتمال التسوية السياسية؛ إنها عوامل تؤثر مباشرة في ثقة المواطنين بالمؤسسات وفي قدرتهم على الاستمرار داخل البلاد.
وتُظهر التطورات الاقتصادية الأخيرة اهتمامًا متزايدًا من شركات ومجموعات استثمارية بفرص العمل في سوريا، ولا سيما في قطاعي السياحة وإعادة الإعمار. غير أن حجم الاحتياجات يبقى هائلًا؛ فقد نقلت رويترز في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026 تقديرًا للبنك الدولي يضع كلفة إعادة إعمار سوريا عند نحو 216 مليار دولار، مع استمرار تحديات البنية التحتية والاستقرار والتمويل.
وهنا ينبغي طرح السؤال السياسي الذي يسبق السؤال المالي: أي اقتصاد تريد سوريا أن تبنيه؟
فإعادة الإعمار ليست مجرد استثمارات وعقود ومشروعات؛ إنها عملية تحدد من يحصل على الفرص، وكيف تُوزّع الموارد، وما إذا كانت المناطق والفئات الأكثر تضررًا ستنال نصيبًا عادلًا من التعافي.
ومن دون شفافية في العقود، ورقابة مستقلة على الإنفاق العام، وقواعد واضحة للمنافسة، ومكافحة فعالة للفساد وتضارب المصالح، قد تتحول إعادة الإعمار إلى مصدر جديد لتركيز الثروة والنفوذ، بدلًا من أن تكون مدخلًا للتعافي الوطني.
كذلك، فإن جذب الاستثمار لا يُقاس بحجم الوعود المعلنة فقط، بل بقدرة الدولة على توفير بيئة قانونية مستقرة، وحماية الملكية، وضمان تنفيذ العقود، وتطوير البنية التحتية، وتوفير شروط عادلة للمنافسة.
ولا ينبغي أن يُختزل التعافي في المؤشرات الكلية أو المشروعات الكبرى. فاستعادة الخدمات الأساسية، وتوفير فرص العمل، ودعم الإنتاج المحلي، وحماية الفئات الأكثر تضررًا، عناصر أساسية في استعادة الثقة بين المواطن والدولة.
إن الاستقرار الاقتصادي لا ينفصل عن العدالة السياسية؛ فحين يشعر المواطن أن الثروة العامة تُدار بشفافية، وأن الفرص لا تتوقف على الولاء والقرب من مراكز النفوذ، يصبح التعافي أساسًا للثقة، لا مجرد تحسن محدود في بعض القطاعات.
ثامنًا: الخطر المؤسسي — أن تتغير الوجوه وتبقى طريقة الحكم
لا يمكن الحكم على المرحلة الجديدة من خلال الخطاب السياسي وحده، ولا من خلال أسماء المؤسسات التي يجري تشكيلها. فالتحول الحقيقي يظهر في كيفية اتخاذ القرارات، وتوزيع الصلاحيات، والتعامل مع المعارضة، واستقلال القضاء، وحدود تدخل الأجهزة الأمنية في الحياة العامة.
وتبرز هنا مسألة مركزية: هل تُبنى المؤسسات لتقييد السلطة وتنظيمها، أم يجري تشكيلها لتوسيع قدرة السلطة القائمة على تنفيذ قراراتها؟
هذا السؤال لا يفترض مسبقًا أن المرحلة الجديدة تعيد إنتاج النظام السابق، لكنه يحدد معيارًا ضروريًا للحكم على مسارها.
فقد تتغير القيادات والرموز والخطابات، فيما تبقى آليات الحكم قائمة على احتكار القرار، وتهميش الخصوم، وتقديم الولاء على الكفاءة، وربط الحقوق بالقرب من السلطة. وقد تُستخدم تحديات الأمن والاستقرار لتبرير استمرار تركيز الصلاحيات أو تأجيل الضمانات الدستورية.
لهذا، لا يكفي إعلان الالتزام بسيادة القانون؛ بل ينبغي أن يظهر هذا الالتزام في قدرة المواطنين على الاعتراض من دون خوف، وفي استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية، وفي خضوع الأجهزة الأمنية للقانون، وفي حماية حرية الصحافة والعمل السياسي والمدني.
كما أن المعارضة ليست، في ذاتها، خطرًا على الدولة، والنقد ليس دليلًا على العداء الوطني. ففي النظام السياسي الذي يستند إلى المؤسسات، يؤدي الاختلاف وظيفة ضرورية في كشف الأخطاء وتصحيح السياسات ومنع تركّز السلطة.
ولا تعني قوة الدولة أن تكون خالية من الأصوات المخالفة، بل أن تكون قادرة على إدارة الخلاف وفق قواعد تحمي الجميع.
إن الفرق بين بناء الدولة وإعادة إنتاج السلطوية لا يتحدد بالنوايا المعلنة وحدها، وإنما بالقواعد التي تنظم ممارسة السلطة، وبالضمانات التي تبقى نافذة حتى عندما تتعارض مع مصالح القائمين عليها.
تاسعًا: سوريا بين الانفتاح الدولي والحاجة إلى عقد وطني
إن عودة سوريا إلى توسيع علاقاتها الدولية، واستقطاب الدعم لإعادة الإعمار، واستعادة حضورها الدبلوماسي، تمثل فرصًا يمكن أن تساعد على التعافي. لكنها لا تحل محل الحاجة إلى عقد وطني واضح يحدد شكل الدولة، وطبيعة الحكم، وحقوق المواطنين، وآليات المشاركة والمساءلة.
فالدعم الخارجي قد يساعد في تمويل المشروعات، وتطوير المؤسسات، وتوفير الخبرات، لكنه لا يستطيع أن ينشئ وحده شرعية داخلية مستدامة. كما أن الاعتراف الدولي لا يغني عن بناء الثقة داخل المجتمع، مثلما أن الموارد المالية لا تعوّض غياب الشفافية والرقابة.
وفي المقابل، لا ينبغي التعامل مع الانفتاح الدولي باعتباره تنازلًا بالضرورة، أو مع الاستقلال الوطني بوصفه رفضًا للتعاون. المعيار هو ما إذا كانت العلاقات الخارجية تخدم أهدافًا وطنية واضحة، وتخضع لمساءلة مؤسسية، وتدعم قدرة السوريين على تقرير مستقبلهم.
وتحتاج سوريا إلى سياسة خارجية متوازنة، تتعامل مع المصالح المتعارضة للقوى الإقليمية والدولية بواقعية، وتحمي القرار الوطني من التبعية، وتستثمر فرص التعاون من دون رهن مستقبل البلاد لاتفاقات غامضة أو ترتيبات غير خاضعة للرقابة.
لكن القدرة على إدارة هذا التوازن تبدأ من الداخل. فكلما كانت مؤسسات الدولة أكثر وضوحًا واستقلالًا ومساءلة، أصبحت قدرتها على التفاوض أقوى، وأصبح القرار الخارجي أقل ارتباطًا بحسابات الأفراد وأكثر تعبيرًا عن المصلحة الوطنية.
عاشرًا: ما الذي ينبغي أن تقيس به سوريا نجاح المرحلة الانتقالية؟
إذا كانت المرحلة الراهنة مرحلة تأسيس، فإن نجاحها يحتاج إلى معايير يمكن تقييمها، لا إلى وعود يصعب قياسها.
أول هذه المعايير هو وجود مسار دستوري واضح، يحدد صلاحيات السلطات، ويضمن استقلال القضاء، ويفتح المجال أمام التنافس السياسي السلمي.
وثانيها توسيع المشاركة السياسية والمجتمعية، بما يشمل النساء والشباب ومختلف المناطق والمكونات، مع ضمان أن تكون المشاركة مؤثرة في القرار لا شكلية.
وثالثها بناء قطاع أمني يعمل وفق القانون، وتخضع مؤسساته للمساءلة، وتُعالج فيه مسألة السلاح والتشكيلات المسلحة ضمن خطة مؤسسية واضحة، تحمي المدنيين وتمنع الإفلات من العقاب.
ورابعها إطلاق مسار للعدالة الانتقالية يستند إلى الأدلة، ويعالج الانتهاكات من دون انتقائية، ويضمن حقوق الضحايا والمفقودين وأسرهم.
وخامسها وضع سياسة اقتصادية شفافة، تجعل إعادة الإعمار وسيلة للتعافي الوطني، لا قناة جديدة لتركيز الثروة والنفوذ.
وسادسها حماية السيادة السورية ووحدة البلاد، من خلال سياسة خارجية واقعية ومؤسسات داخلية قادرة على إدارة التحديات، مع احترام حقوق المواطنين في جميع المناطق.
هذه المعايير ليست قائمة أمنيات منفصلة عن الواقع، بل إطار يمكن من خلاله تقييم القرارات والسياسات والنتائج. كما أنها لا تفترض أن جميع الملفات قابلة للحل في وقت واحد، أو أن المرحلة الانتقالية تستطيع تجاوز آثار سنوات الصراع بسرعة. لكنها تقتضي أن يكون اتجاه التغيير واضحًا، وأن تُعلن الأولويات، وأن تُقاس النتائج، وأن تبقى السلطة مسؤولة أمام المجتمع عن مسارها.
فالاعتراف بصعوبة المرحلة لا يعني منحها حصانة من النقد، مثلما أن النقد الجاد لا يعني إنكار ما تحقق من خطوات أو تجاهل التحديات التي تواجه البلاد.
المطلوب هو تقييم موضوعي يميّز بين التقدم والتعثر، وبين النوايا والنتائج، وبين الإجراءات المؤقتة والتحولات المؤسسية المستدامة.
خاتمة: الامتحان ليس في إسقاط النظام، بل في منع عودة الاستبداد
دخلت سوريا، بعد سقوط الأسد، مرحلة لا يكفي فيها الاحتفاء بنهاية النظام السابق، كما لا يكفي فيها التشكيك في كل خطوة جديدة. المطلوب هو الانتقال من الأحكام المطلقة إلى معيار سياسي ومؤسسي واضح: هل تتجه البلاد نحو دولة تحكمها القواعد، أم نحو سلطة تستمد قوتها من قدرتها على احتكار القرار؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يوجّه النقاش السوري اليوم؛ لأنه يجمع بين قضايا الدستور، ووحدة البلاد، والعدالة، والاقتصاد، والسيادة، والمشاركة السياسية ضمن قضية واحدة: طبيعة الدولة التي ستخرج من المرحلة الانتقالية.
لا تحتاج سوريا إلى استبدال مركز احتكار بآخر، ولا إلى تأجيل الحقوق باسم الضرورات، ولا إلى مصالحة تتجاوز الحقيقة، ولا إلى إعادة إعمار تُغفل العدالة وتكافؤ الفرص. إنها تحتاج إلى مؤسسات تحمي المواطنين، وقانون يقيّد السلطة، وسياسة تسمح بالاختلاف، واقتصاد يخدم المجتمع، وعقد وطني يجعل السوريين شركاء في تقرير مستقبلهم.
ولا يعني ذلك أن بناء الدولة يمكن أن يكتمل بقرار واحد، أو أن جميع التحديات ستُحل سريعًا. لكنه يعني أن صعوبة الطريق لا تعفي من تحديد اتجاهه، وأن شرعية المرحلة الانتقالية ينبغي أن تتعزز كلما توسعت المشاركة، وازدادت المساءلة، وتحسنت حماية الحقوق، وتراجعت الفجوة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
إن التاريخ لا يمنح الشرعية الدائمة لمن أسقط نظامًا، ولا يحسم الحكم على مرحلة سياسية بمجرد خطابها أو وعودها. إنما يكشف الزمن قيمة ما تبنيه من مؤسسات، وما تتيحه من حقوق، وما تمنعه من تكرار للمظالم.
لن يكون السؤال التاريخي عن سوريا الجديدة: من تسلّم السلطة بعد الأسد؟ بل: هل استطاع السوريون بناء دولة لا يحتكر فيها أحد السلطة، ولا يحتاج فيها المواطن إلى ثورة جديدة كي يستعيد حقوقه؟
عند هذه النقطة تحديدًا، تنتقل سوريا من مرحلة تغيير الحكم إلى مرحلة تأسيس الدولة. وهناك، لا تُقاس قيمة السلطة بما تملكه من صلاحيات، بل بما تقبله من قيود قانونية؛ ولا تُقاس وحدة البلاد بقدرة المركز على فرض إرادته، بل بقدرة الدولة
على ضمان الحقوق والمشاركة والثقة؛ ولا يُقاس نجاح الانتقال بما يعلنه القائمون عليه، بل بما يصبح السوريون قادرين على ممارسته من حرية وكرامة ومساءلة.
ذلك هو الاختبار الحقيقي لما بعد الأسد: أن يصبح سقوط النظام بدايةً لتاريخ سياسي مختلف، لا مجرد فصل جديد في تاريخ احتكار السلطة.

عدم اليقين مع تراجع الردع الأميركي إقليمياً
مازن كم الماز

إذا لم يتمكن ترامب قريبًا من حسم الوضع في الخليج، ولا يبدو أنه مستعد أو قادر أن يفعل أكثر مما فعل منذ فبراير شباط الماضي حتى اليوم، فإن هذا يعني التسريع بانهيار النظام الأمني الإقليمي في الخليج القائم أساسًا على الوجود العسكري الامريكي الحاسم وتداعي النظام العالمي ما بعد الحرب الباردة و تراجع دور أمريكا عالميًا و إقليميًا، وما تسمى بالمنظمات الدولية لصالح تحالفات أمنية إقليمية مؤقتة أو دائمة تعوض انحسار القدرة الأميركية على توفير الأمن سواء في الخليج أو أوروبا او غيرها من المناطق.
يحاول أطراف تحالف مكة إعادة ترتيب النظام الإقليمي من الخليج إلى البحر الأحمر بعد فشل المظلة الأميركية في الدفاع عن أنظمة المنطقة، وفشلها في اقتلاع النظام الايراني الذي ما زال يشكل تهديدًا للوجود الامريكي نفسه، و لتمدد حليفه الاسرائيلي عدا عن استمرار تحكمه بإمدادات النفط و الغاز عبر مضيق هرمز وانكشاف الداخل السعودي أمام الهجمات الصاروخية الحوثية التي أبعد من مجرد استهداف المطارات السعودية قد تضاعف من التهديدات لإمدادات النفط السعودي و تفاقم أزمة الطاقة عالميًا.
وتتجه أوروبا نحو إعادة رص صفوفها وتعزيز دفاعها المشترك في مواجهة الخطر الروسي وتراجع الانخراط الأمريكي في دفاعات الناتو خاصةً مع الحديث عن عودة بريطانيا إلى صفوفها بعد أن اتضح أن دول أوروبا الشرقية تشكل حاجزًا أمام الخطر الروسي المتزايد والتي تسبب انضمامها إلى الاتحاد الاوروبي بمشاكل اقتصادية واجتماعية دفعت جزءً مهمًا من البريطانيين للانفصال عنه.
من الواضح اليوم أن عدة تحالفات إقليمية ستحل مكان الردع الأميركي الذي ساد عمليًا بعد الحرب العالمية الثانية وتكرس بعد نهاية الحرب الباردة خاصةً بعد حرب الخليج الأولى وأن هذا سيترافق مع تراجع دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى والقيم التي حكمت العالم منذ انتصار الحلفاء فيها ، لكن هذا النظام الذي ترتسم ملامحه اليوم عبر مبادرات وتحالفات يبدو حتى الساعة مؤقتًا بانتظار حسم الصراعات في الخليج والبحر الأحمر وأوكرانيا وتبلور موقف القوى الصاعدة من الصين إلى الهند حتى البرازيل المرشحة للعب أدوار إقليمية أكبر.
وإذا استمر إغلاق مضيق هرمز أو عدم الحسم فيه طويلًا سيعني هذا نشوء وترسخ سلاسل توريد جديدة للنفط والغاز بعيدًا عنه وقد تعني تراجع أهمية المنطقة في سوق الطاقة العالمي، وإذا استمر تراجع الوجود الامريكي في المنطقة بسبب التهديد الإيراني المتواصل ومحاولة دول الإقليم الاعتماد على تحالفات جديدة لضمان أمنها قد يجري تلزيم المنطقة لحلفاء إقليميين موثوقين كتركيا وإسرائيل، و هذا قد يعني توسيع الاتفاقيات الابراهيمية من جهة ومحاولة احتواء جهاديين سابقين ليتم تلزيم دول كاملة لهم مقابل التزامهم بمصالح امريكا و جزئيًا أوروبا و تركيا و إسرائيل، وقد يعني هذا أيضًا هامش أكبر لقمع الأنظمة بما في ذلك العربية في مواجهة شعوبها، خاصةً مع تراجعها عن التزاماتها الاجتماعية وتحميلها لشعوبها تبعات الأزمات الاقتصادية و السياسية الإقليمية والدولية، لكن هذا لن يعني بالضرورة أن النتيجة محسومة لصالح قمع أكثر ونهب أو استغلال أكثر، فتراجع قدرة أمريكا على التدخل لصالح أنظمة حليفة وتناقض مصالح القوى المتنافسة إقليميًا قد يمنح هذه الشعوب قدرة أكبر على مواجهة أنظمتها و ردعها، كلمة السر بالنسبة للشعوب فيما سيأتي ستظل نفسها كما كانت من قبل : التنظيم والنضال

الناشطون اليساريون الذين يريدون تغيير السياسة الأمريكية
باتريك هيجين
• هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)

في ظهر يوم سبت من أواخر شهر نوفمبر/تشرين الثاني، يجتمع نحو 30 شخصاً في واجهة متجر قديمة في منطقة مانهاتن السفلى. تبدو المساحة الضيقة وكأنها كانت تضم في يوم من الأيام مقهى مريحاً، لكنها أصبحت الآن مكتظة بمعدات المكاتب، ولافتات الاحتجاج، وكراسي قابلة للطي وغير متناسقة. إنه مقر فرع مدينة نيويورك للاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين، أو ما يُعرف بـ "NYC-DSA" - وهو أكبر فرع للمنظمة في البلاد.
ومع تدفق الناس، يُستقبلون بعبارة "أهلاً بك!" بصوت عالٍ من ستيليانوس كاروليديس، المنظم في الفرع والذي يقود فعالية تُسمى "DSA-101".وهدفها هو تقديم ملخص أساسي عن المنظمة للأعضاء الجدد، أو لأي شخص مهتم بالاشتراكية.
يقول كاروليديس: "كنا متوترين قليلاً لأن عدد المسجلين كان كبيراً جداً". ومع ذلك، فهو معتاد على ذلك في هذه المرحلة. ففي وقت سابق من ذلك الشهر، أكد أكثر من 400 شخص حضورهم لأول فعالية من هذا النوع بعد انتخابات عام 2024. ولاستيعابهم، قام الفرع باستئجار مساحة في كنيسة القرية (Church of the Village). ويضيف: "اضطررنا لرفض بعض الناس لمجرد بلوغنا القدرة الاستيعابية القصوى". ومنذ ذلك الحين، أصبحت تقريباً كل فعاليات "DSA-101" مكتظة عن آخرها.
هذه ليست المرة الأولى التي يتدفق فيها الناخبون -المصابون بخيبة الأمل من الحزب الديمقراطي والخائفون من رئاسة ترامب- على هذه المنظمة. فبعد الانتخابات الرئاسية لعام 2016، ساعدت موجة من الانتساب تُعرف باسم "دفعة ترامب" (Trump bump) في تحول حركة هامشية إلى قوة سياسية ناشئة وعدت بتغيير اليسار الأمريكي.
والآن، ومع ضعف الحزب الديمقراطي بشكل ملحوظ عما كان عليه قبل ثماني سنوات، يأمل الكثيرون في المنظمة في استغلال "دفعة ترامب" الأخيرة هذه لتحويلها إلى حركة وطنية، وربما حتى إطلاق حزب بديل قابل للحياة. لكن المنظمة تواجه أيضاً تحديات خطيرة -فكرية وعملية على حد سواء- قد تعيق قدرتها على الاستفادة من اللحظة الراهنة، وربما تهدد وجودها ذاته.
يبدأ كاروليديس جلسة "DSA-101" بأغنية: ترديد ثلاث مرات لنشيد النقابات العمالية "التضامن إلى الأبد" (Solidarity Forever)، الذي كتبه في عام 1915 رالف تشابلن، الشاعر والمنظم لصالح منظمة "العمال الصناعيين في العالم". في البداية، يغني كاروليديس ومضيفوه المشاركون فقط بينما يهمهمس الباقون بالكلمات. ولكن بحلول النهاية، ينضم الجميع إلى الجوقة مرددين:
التضامن إلى الأبد!
التضامن إلى الأبد!
التضامن إلى الأبد!
لأن الاتحاد يجعلنا أقوياء.
بعد ذلك، يطلب كاروليديس من الجميع مشاركة أسمائهم، وضمائر مخاطبتهم، وسبب حضورهم. وغالباً ما تكون الإجابات حتمياً: الانتخابات و/أو غزة.
ثم، وكأنه تذكر متأخراً، يطلب كاروليديس من جميع أعضاء النقابات رفع أيديهم. ومن بين الحاضرين البالغ عددهم نحو 30 شخصاً، لا يوجد سوى شخصين. يضحك كاروليديس متفاجئاً بشكل واضح ويقول: "حسناً، أظن أن هذا منطقي. ففقط 10% من العمال الأمريكيين منضوون في نقابات"، قبل الانتقال إلى البند التالي على جدول الأعمال: "ما هي الاشتراكية؟".
اليوم، تبدو الاشتراكية الأمريكية وكأنها تناقض ظاهري. لكن في النصف الأول من القرن العشرين، كانت امراً واقعاً، مكتملة بحزب سياسي (الحزب الاشتراكي الأمريكي)، وقائد كاريزمي (يوجين في. ديبس، الذي ترشح للرئاسة خمس مرات بين عامي 1900 و1920، حيث قام بحملته الانتخابية من داخل زنزانة السجن)، وقاعدة ناخبين معتبرة (حاز ديبس على 6% من الأصوات في عام 1912)، بل وحتى مؤيدين مشاهير (من بينهم دبليو. إي.بي. ديبوا، وتشارلي تشابلن، وغلين كيلر، وودي غاثري). كما ساعدت في تعميم أفكار كانت تُعتبر مستبعدة في يوم من الأيام مثل الحد الأدنى للأجور، وحق المرأة في التصويت، والرعاية الطبية (Medicare).
ما كان ينقص الاشتراكيين الأمريكيين الأوائل هو أعضاء منتخبون في المناصب الفيدرالية. فقد خسر ديبس محاولاته الخمس للرئاسة، ووفقاً للمؤرخ مايكل كازين، الأستاذ في جامعة جورجتاون ومؤلف كتابي "ما تطلبه الأمر للفوز: تاريخ الحزب الديمقراطي" و"الحالمون الأمريكيون: كيف غير اليسار أمة"، فإنه على الرغم من تولي العديد من الاشتراكيين مناصب محلية، إلا أن اثنين فقط وصلا إلى مستوى مجلس النواب.
ثم جاءت الحرب الباردة عام1947ومعها الخوف الأحمر الثاني (Red Scare) -وهو حملة قادها السيناتور جوزيف مكارثي بالخمسينيات اضطهدت ووضعت الاشتراكيين الأمريكيين في القوائم السوداء، متهمة إياهم بأنهم عملاء سوفيت (في حين أن الغالبية العظمى لم تكن كذلك). ورغم أن هذه الحملة فقدت مصداقيتها في النهاية وتم التنديد بها علناً، إلا أنها نجحت في وصم الاشتراكيين بأنهم غير أمريكيين (مثل "لجنة النشاطات غير الأمريكية في مجلس النواب").وأعقب ذلك الصعود المستمر للنيوليبرالية في سبعينيات القرن الماضي، وتوج ذلك بسقوط الاتحاد السوفيتي في عام 1991 -وهو ما اعتبره الكثيرون دليلاً على عيوب الاشتراكية كمفهوم. وبحلول نهاية القرن العشرين، كان دعم الاشتراكية الأمريكية في أدنى مستوياته على الإطلاق.
لكن القضية لم تكن ميتة. ففي عام 1982، اندمج "لجنة التنظيم الاشتراكي الديمقراطي" -وهي مجموعة من الناشطين المناهضين للحرب والنقابيين- مع "الحركة الأمريكية الجديدة" -وهي منظمة اشتراكية نسوية- لإنشاء "الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين". وكان المهندس الرئيسي لهذا الاندماج هو الكاتب والناشط مايكل هارينغتون، الذي اشتهر بكتابه المؤثر لعام 1962 "أمريكا الأخرى: الفقر في الولايات المتحدة"، والذي ألهم إدارة جون إف.كينيدي لإطلاق حرب على الفقر. ومن خلال هذه المنظمة، أراد هارينغتون ورفاقه بناء تحالف يساري قوي يقاوم التحول نحو اليمين في عهد الرئيس ريغان1981-1989عبر استراتيجية تسمى "إعادة التشكيل" (Realignment).
وكانت الفكرة الأساسية هي: بدلاً من المنافسة ضد الحزب الديمقراطي في الانتخابات، ستؤيد المنظمة المرشحين والسياسات داخل الحزب التي تراها اشتراكية "بما يكفي"، مما يدفع الديمقراطيين أكثر فأكثر نحو اليسار حتى يصبحوا في النهاية -فعلياً إن لم يكن بالاسم- اشتراكيين. وبعبارة أخرى، أرادوا تحويل الحزب الديمقراطي من الداخل.
خلال عقودها الثلاثة الأولى، نجحت المنظمة في إيصال عدد قليل من أعضاء مجلس النواب الأمريكي، ولكن بتأثير ضئيل على الحزب الديمقراطي.بالإضافة إلى ذلك، ركدت عضويتها. فعند تأسيسها عام 1982، بلغ عدد أعضائها نحو 6,000 عضو. وبحلول عام 2012، لم تكتسب سوى 500 عضو إضافي.
ثم في أواخر عام 2014، أطلقت المنظمة حملة منسقة بعنوان "نحتاج إلى بيرني" (We Need Bernie) حثت بيرني ساندرز على الترشح للرئاسة، وتحديداً في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لأقصى قدر من التعرض والفعالية، بدلاً من الترشح كمستقل. في البداية، بدا الأمر وكأنه رهان خاسر آخر. فالسيناتور المستقل عن ولاية فيرمونت، والذي طالما عرّف نفسه علناً بأنه اشتراكي ديمقراطي، كان يدعو إلى رعاية صحية مجانية شاملة، وندد بتأثير الأموال الكبيرة في كلا الحزبين الرئيسيين، وكان يواجه مؤسسة الحزب الديمقراطي.
لكن حملته للترشح عن الحزب الديمقراطي عام2016في الانتخابات الرئاسية كانت تحظى بشعبية صادمة. فقد تلقت رقماً قياسياً بلغ 2.5 مليون مساهمة فردية. وأراد جيل كامل من الناخبين الشباب، الذين ما زالوا يعانون من تداعيات الأزمة المالية لعام 2008، بديلاً للسياسات النيوليبرالية التي تسببت في تلك الكارثة. وتوج هذا السخط في حركة "احتلوا وول ستريت" عام 2011.
وعلى الرغم من أن ساندرز خسر في النهاية الانتخابات التمهيدية أمام هيلاري كلينتون، إلا أن حملته أعادت تنشيط اليسار السياسي ودفعت بالمنظمة إلى قلب النقاش الوطني. وبعد فوز دونالد ترامب بالرئاسة، يُقال إن المنظمة اكتسبت نحو 2,000 عضو جديد، وفي عام 2015، أصبحت كلمة "اشتراكية" هي الأكثر بحثاً على موقع "ميريام وبستر".
على مدار السنوات الأربع التالية، تحولت دفعة ترامب تلك إلى موجة اشتراكية حقيقية. ومع نمو العضوية، ظهرت العشرات من الفروع الجديدة للمنظمة في جميع أنحاء البلاد وقدمت مرشحين. ومنذ عام 2016، فاز 128 مرشحاً مدعوماً من المنظمة في سباقات محلية وفيدرالية وعلى مستوى الولايات، وفقاً للجنة الانتخابية الوطنية للمنظمة. كما تم إقرار 31 مبادرة اقتراع مدعومة منها تتعلق بحقوق الإسكان، وحماية العمال، والطاقة المتجددة. وبينما كان معظم هذه الانتصارات في أماكن مثل مدينة نيويورك، وبوسطن، واشنطن، فقد شوهدت أيضاً في سانت لويس، وتشارلوتسفيل في فرجينيا، وأكرون في أوهايو.
والجدير بالذكر أنه تم انتخاب مرشحين مدعومين من المنظمة لعضوية مجلس النواب الأمريكي: ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز ورشيدة طليب. ومن خلال تشكيل مجموعة يسارية فضفاضة مع أيانا بريسلي وإلهان عمر تُعرف باسم "الفرقة" (The Squad)، جلبن المزيد من الاهتمام الوطني للممنظمة وعملها. وفي عام 2019، قدمت النائبة أوكاسيو-كورتيز (المعروفة شعبياً باسم AOC) قرار "الصفقة الخضراء الجديدة("، والذي تضمن مقترحات جذرية وشاملة لمحاربة تغير المناخ. وعلى الرغم من فشلها في إقرار القانون، إلا أنه كان له تأثير كبير على ما أصبح لاحقاً قانون خفض التضخم لعام 2022، لدرجة أن الرئيس دونالد ترامب لا يزال يشير إلى الأخير باعتباره "الاحتيال الأخضر".
وفي هذا الوقت تقريباً، أعادت الإضرابات الكبرى التي قادها اتحاد عمال السيارات المتحدين (UAW) ،نقابة كتاب أمريكا، إلى جانب تأسيس اتحاد عمال أمازون وستاربكس وركرز يونايتد، الصراعات العمالية إلى واجهة السياسة الوطنية. وعلى المستوى المحلي، تصدرت الأماكن ذات التمثيل القوي للمنظمة عناوين الأخبار، كما حدث في عام 2019 عندما أجبرت منظمة نيويورك أمازون على إلغاء بناء مقرها الثاني في المدينة بسبب مخاوف بشأن التحسين الحضري ومزايا الضرائب للشركات.
وبحلول عام 2021، كان للمنظمة نحو 100,000 عضو على مستوى البلاد. وفي غضون بضعة أعوام فقط، أصبحت المنظمة، كما يصفها كازين، "أكبر منظمة تطلق على نفسها اسم اشتراكية في أمريكا منذ ذروة الحزب الاشتراكي" قبل قرن من الزمن.
وظهر ،وكأن إعادة تشكيل الحزب الديمقراطي التي حلم بها هارينغتون، من دون أن يعش ليرها، قد بدأت أخيراً. لكن مع تزايد شعبية المنظمة وتأثيرها، تزايدت الطموحات أيضاً.
في عام 2016، كتب سيث أكرام، أحد محرري مجلة "جاكوبين"، مقالاً للمجلة الاشتراكية بعنوان "خطط لحزب جديد". جادل فيه لصالح منظمة يسارية تبدو وتعمل كحزب سياسي مستقل ولكنها تتجنب "فخ الحزب الثالث" من خلال الترشح على بطاقة الاقتراع الديمقراطية. وفي حين سيتم تصنيف هؤلاء المرشحين تقنياً كديمقراطيين، إلا أنه سيكون بالاسم فقط، وسيلتزمون بخلاف ذلك ببرنامج اشتراكي منفصل. وبكلمات أخرى، بدلاً من محاولة إصلاح الحزب الديمقراطي -كما دعا هارينغتون- ينبغي على المنظمات استخدام هيكله لبناء قاعدتها والدفع بقضاياها. تُعرف هذه الاستراتيجية ضمن المنظمة باسم "البقاء القذر" (dirty stay). وفي حين تم تبنيها بسرعة من قبل البعض داخل المنظمة، إلا أن الأخيرة كانت تركز في ذلك الوقت بشكل أكبر على توسيع قاعدة مؤيديها ووضوحها، ولذا لم تفعل الكثير لتأكيد استقلاليتها عن الحزب الديمقراطي.
لنمضي قدماً سبع سنوات حتى المؤتمر الوطني للمنظمة لعام 2023، حيث أقرت تعديل قرار التوافق الأول: "تصرف كحزب مستقل"، والذي ينص على:
تريد المنظمة أن تكون مستقلة عن الحزبين الديمقراطي والجمهوري وتقدم بديلاً ثالثاً لكلا الحزبين الرئيسيين. هذا هو مفتاح هزيمة اليمين المتطرف وهزيمة الحزب الديمقراطي النيوليبرالي. لا يُنصح بأن نشكل حزباً سياسياً مستقلاً له خط اقتراع خاص به في هذه اللحظة. ولكن هناك خطوات وسيطة يمكننا اتخاذها لتأكيد استقلالنا عن سياسات قيادة الحزب الديمقراطي وبناء هيكل يشبه الأحزاب.
تشمل هذه الخطوات تغييرات هيكلية مثل "بناء قوائمنا الخاصة من الناخبين والمتطوعين، وقدرتنا المالية المستقلة، ومدارس المرشحين الخاصة بنا، واستكشاف بناء أدواتنا التقنية الخاصة". وعلى الجانب الانتخابي، يتطلب الأمر من جميع مرشحي المنظمة التعريف "بصراحة وفخر كاشتراكيين ديمقراطيين" والالتزام "برسالة مشتركة".
وستثبت هذه النقطة الأخيرة أنها التحدي الأكبر للمنظمة، لا سيما عندما تصطدم بواحدة من أكثر القضايا حساسية وانقساماً على اليسار.
بعد شهر من إقرار القرار، في 7 أكتوبر/تشرين الأول2023، هاجمت حماس إسرائيل، مما أسفر عن مقتل نحو 1,200 شخص وأسر 251 رهينة. وبعد ساعات، أصدرت المنظمة بياناً بدأ بـ: "تقف المنظمة بثبات في التعبير عن تضامننا مع فلسطين. أحداث اليوم هي نتيجة مباشرة لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي -وهو نظام يتلقى مليارات التمويل من الولايات المتحدة. انهوا العنف. انهوا الاحتلال. حرروا فلسطين. نحن ندين بلا لبس قتل جميع المدنيين. من الضروري احترام القانون الدولي لحقوق الإنسان".
وفي اليوم التالي، تجمع المتظاهرون في وسط مانهاتن تضامناً مع فلسطين. وفي حين لم يؤيد فرع نيويورك الاحتجاج رسمياً، إلا أنها روجت له على وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها "تتضامن مع الشعب الفلسطيني وحق مقاومة 75 عاماً من الاحتلال والفصل العنصري". لكن اللقطات أظهرت بعض المتظاهرين وهم يدلون بتصريحات معاداة للسامية ويحملون رايات الصليب المعقوف. وعلى الرغم من أن المنظمة لم تكن حاضرة في الحدث، إلا أن فرع نيويورك أصدر بياناً يعتذر فيه عن توقيت دعمه ويدين "كل الكراهية وقتل جميع المدنيين".
وبعد أسبوع، ظهر عمدة نيويورك إريك آدمز على قناة MSNBC واتهم المنظمة زوراً بـ "حمل الصلبان المعقوفة والدعوة إلى إبادة الشعب اليهودي"، مما أثار موجة من الإدانة من ديمقراطيين آخرين.
تعرف المنظمة نفسها بأنها منظمة مناهضة للصهيونية. لكن حرب غزة وضعت هذا الموقف على المحك على الجبهة الانتخابية. على سبيل المثال، في يوليو/تموز 2024، قررت اللجنة السياسية الوطنية للمنظمة -هيئتها القيادية- سحب دعمها لأوكسيو-كورتيز، التي تعد شخصيتها الأكثر شعبية على المستوى الوطني، بسبب دعمها لقرار في مجلس النواب يؤكد أن "إنكار حق إسرائيل في الوجود هو شكل من أشكال معاداة السامية". جاء هذا القرار بعد مداولات مطولة بين الفصائل الرئيسية للمنظمة. فصائل مثل تكتل "النجم الأحمر" (Red Star) الراديكالي جادلت بأن أي دعم لإسرائيل يجب أن يحرم المرشح من الحصول على الدعم، بينما اعتبر آخرون -مثل تكتل الأغلبية الاشتراكية- أن أوكسيو-كورتيز حيوية للحفاظ على تحالف واسع. وفي النهاية استقروا على دعم مشروط، والذي خسرته أوكسيو-كورتيز لاحقاً عندما صوتت اللجنة لسحب دعمها.
مع ذلك، تحدى فرع أوكسيو-كورتيز في نيويورك قيادته الوطنية، وتمسك بدعمه للنائبة، التي مضت قدماً لتفوز بإعادة انتخابها بهامش واسع في نوفمبر/تشرين الثاني.
في المقابل، وبينما هددت المنظمة بسحب دعمها للنائب جمال بومان بسبب دعمه لتمويل نظام القبة الحديدية للدفاع الصاروخي الإسرائيلي في عام 2021، عكس عضو الكونغرس مساره بشكل حاد عقب بدء الهجوم الإسرائيلي الأخير على غزة. وفي مقابلة دعم أجراها عام 2024 مع المنظمة، قال:"الآن، ليس هناك طريقة يمكنني من خلالها دعم أي من ذلك، لأن هناك إبادة جماعية تحدث في غزة". ومضى قدماً لاستخدام مصطلح "إبادة جماعية" علناً لوصف الحرب، ووصف إسرائيل بأنها "مشروع استيطاني استعماري" وتساءل عما إذا كان هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول يمكن وصفه بأنه "غير مبرر". ونتيجة لذلك، بدأ بومان يفقد الدعم في دائرته الانتخابية في نيويورك، التي تضم كتلة يهودية كبيرة.
وقد جذب هذا انتباه لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)، التي أنفقت رقماً قياسياً بلغ 14.5 مليون دولار لدعم منافس بومان في الانتخابات التمهيدية، جورج لاتيمر، وهو ديمقراطي أكثر اعتدالاً. وكانت النتيجة: في نوفمبر/تشرين الثاني، خسر بومان إعادة انتخابه بفارق 17 نقطة. كما خسرت كوري بوش، وهي نائبة أخرى مدعومة من المنظمة من ميسوري، إعادة انتخابها لصالح ديمقراطي مدعوم من إيباك يدعى ويسلي بيل.
يرى الكثيرون هذه الهزائم دليلاً على أن موقف المنظمة المتشدد المناهض للصهيونية قد ذهب بعيداً جداً. يقول كازين: "أعرف أشخاصاً، أغلبهم من اليساريين الأكبر سنّاً، تركوا المنظمة... لأنهم اعتقدوا أن هناك أشخاصاً في المنظمة كانوا يهتفون لحماس أساساً".
أحد هؤلاء اليساريين الأكبر سناً هو موريس إيسرمان، الذي غادر بعد 41 عاماً من العضوية "احتجاجاً على استجابة قيادة المنظمة المفلسة سياسياً وأخلاقياً لمذبحة حماس المروعة المعادية لليهود في 7 أكتوبر/تشرين الأول"، كما كتب في مجلة "ذا نيشن". ويمضي إيسرمان، وهو كاتب سيرة مؤسس المنظمة مايكل هارينغتون، ليحمل مسؤولية هذه الاستجابة للفصائل الأكثر راديكالية في المنظمة مثل "النجم الأحمر"، والتي نشرت بيانات مثل "نحن لا ندين حماس، ويجب ألا تدينوها أنتم أيضاً".
وجادل إيسرمان بأن مثل هذه الجماعات انضمت مؤخراً فقط إلى المنظمة لـ "الاستيلاء على منظمة حسنة النية، وليست منظمة جيداً بشكل خاص، ومكرسة أساساً في الممارسة العملية لرؤية المنظمة الأصلية المتمثلة في خلق الجناح اليساريي للمكن"[وهي صياغة مميزة لهارينغتون] وإعادة اختراعها كحزب طليعي جماهيري للبروليتاريا لم يتمكنوا بطريقة أو بأخرى من تحقيقه أبداً أثناء العمل تحت راياتهم الحمراء الداكنة".
ومع ذلك، فقد افترق آخرون عن المنظمة لأنهم اعتبروها غير تقدمية بما يكفي بشأن فلسطين. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أعلنت مجموعة من الأعضاء السابقين في المنظمة عن تشكيل "مجموعة العمل للتضامن مع فلسطين"، والتي ستعمل على "توسيع ميدان تنظيمنا إلى ما بعد قيود المنظمة"، التي رأت الهيئة الجديدة أنها "غير متسقة مع القواعد الشعبية الفلسطينية"، كما قال منظموها في منشور على منصة X.
كما أثار موقف المنظمة من الحرب الروسية على أوكرانيا جدلاً. ففي الأسابيع التي سبقت الغزو الشامل في عام 2022، وصفت اللجنة الدولية للمنظمة الصراع الناشئ بأنه "حملة إعلامية غربية مثيرة". ومضت لتصف حلف الناتو بأنه "آلية للهيمنة الإمبريالية الغربية التي تقودها الولايات المتحدة" واتهمته بـ "تدريب مجموعات متطرفة من اليمين المتطرف ذات نزعات نازية جديدة" في أوكرانيا.
وقد أُدين هذا البيان بسرعة من قبل العديد من التقدميين. وفي مقال بمجلة "نيو بوليتيكس" الاشتراكية، انتقد ستيفن ر. شالوم ودان لا بوتز وتوماس هاريسون بغضب "الفشل الملحوظ للبيان في ذكر كلمة واحدة عن دور روسيا في هذه الأزمة، مما خلق بالتالي رؤية غير كاملة ومنحرفة ومشوهة تجعل من المستحيل فهم ما يحدث بالفعل، ناهيك عن اتخاذ موقف مبدئي منه". وفي وقت لاحق، أدانت المنظمة الغزو الروسي، لكن أضرار هذا البيان المبكر كانت قد وقعت. وفقدت المنظمة عدة أعضاء بسبب استجابتها الأولية للحرب.
ووفقاً لكازين وغيره من اليساريين، فإن هذه الأنواع من المواقف المثيرة للإنقسام تعيق قدرة المنظمة على الحفاظ على الدعم الواسع الذي تحتاجه. وهو يعتقد أنه يجب عليهم التركيز على القضايا المعيشية الأساسية التي جعلت المجموعة شائعة في المقام الأول -أشياء مثل التفاوت في الثروة، والننقابات العمالية، والرعاية الصحية المجانية.
وهذا ما يقوم به بعض التقدميين حالياً على المسرح الوطني. ففي فبراير/شباط، أطلق ساندرز، إلى جانب أوكاسيو-كورتيز، جولة خطابية عبر البلاد بعنوان "محاربة الأوليغارشية". وقد جذبت تجمعاتها حشوداً هائلة، تجاوز بعضها حتى تلك التي ظهرت في حملة ساندرز لعام 2016. ومع ذلك، تظل نقاط الحديث عموماً كما كانت قبل 10 سنوات -تنامي التفاوت في الثروة، واتخاذ المهاجرين ككبش فداء، والرعاية الصحية كحق من حقوق الإنسان.ومثل نجم روك مخضرم، يعرف ساندرز ما يريده معجبوه: الأغاني الناجحة.
وعلى الرغم من أن ساندرز يحرص على إدانة تعامل الحكومة الإسرائيلية مع الحرب، إلا أنه يتجنب استخدام كلمة "إبادة جماعية". وفي تجمع حار في نامبا بإيداهو، بعد فترة قصيرة من ذكر الحرب، نشر اثنان من الحاضرين يرتديان الكوفية علماً فلسطينياً فوق العلم الأمريكي خلف المنصة. ومع إخراجهما، بدأ الحشد يهتف: "حرروا فلسطين!". ورد ساندرز، منزعجاً بشكل واضح: "أعلم أن هذه قضية حساسة، وهو أمر يقود فيه الجهود في الكونغرس. لكني أود أن أقول، ما يجب علينا أيضاً التركيز عليه هو الأزمة التي لا تواجه الناس في غزة فحسب، بل الأزمة التي تواجه الطبقة العاملة في هذا البلد".
تقول ميغان رومر، الرئيس المشارك للجنة السياسية الوطنية للمنظمة: "ترتبط القضايا المعيشية بالقضايا الدولية الكبرى. هذه هي الاشتراكية. من يدير وسائل الإنتاج؟ من يملك السلطة؟ من يستخدم الموارد؟... لا أستطيع تخيل منظمة في الوقت الحالي لا تركز بشكل كبير على فلسطين".
ومع ذلك، بالمقارنة مع هذه القضايا "المعيشية"، فإن معاداة الصهيونية أمر جديد بالنسبة للمنظمة. فالعديد من الأعضاء الأصليين للمنظمة، بما في ذلك هارينغتون، كانوا يعرفون أنفسهم بأنهم صهاينة عماليون، وهي مجموعة سعت لجعل إسرائيل دولة اشتراكية من خلال برامج جماعية مثل الكيبوتسات. وهو إرث تحرص المنظمة الحالية على تجاوزه، كما يتضح من قرار آخر تم إقراره في مؤتمر المنظمة لعام 2023، بعنوان "اجعل المنظمة منظمة مناهضة للصهيونية مبدئياً وممارسةً".
بالإضافة إلى خسائرها الانتخابية الأخيرة، هناك تحدٍ آخر يجب على المنظمة التعامل معه: المال. فبخلاف الحزبين الرئيسيين، المنظمة هي منظمة غير ربحية تعتمد بشكل أساسي على رسوم العضوية للعمل. ومنذ عام 2021، تقلصت هذه العضوية بنسبة 17%.
تقول رومر: "كان الوباء( الكوفيد) عام2020، قبل كل شيء، مزعزعاً للاستقرار حقاً بطريقة أساسية. أعتقد أن هذا كان العامل الأكبر الذي قطع النمو نوعاً ما". حتى ذلك الحين، كانت المنظمة تعتمد بشكل كبير على الفعاليات والأنشطة الواقعية. وفجأة، كان على جميع الفروع العمل عن بعد، مما جعل من الصعب التنظيم وتطوير قيادة جديدة.
لكن على الرغم من القيود، أملت المنظمة أن يجلب الوباء، إلى جانب احتجاجات "حياة السود مهمة"، المزيد من الاهتمام للقضايا الاشتراكية مثل الرعاية الصحية، وحقوق العمال، والشرطة، مما أدى إلى أعضاء جدد. ولم ينجح هذا الأمر. وبدلاً من ذلك، يبدو أن الضغوط الاقتصادية في ذلك الوقت دفعت الأعضاء إلى التوقف عن دفع الرسوم، وسرعان ما بدأت العضوية في الانكماش ولم تتوقف.
وبعد أشهر قليلة من المؤتمر الوطني للمنظمة لعام 2023، تنحت المديرة الوطنية طويلة الأمد للمنظمة، ماريا سفارت. وفي بيان وداعها، حذرت: "باعتبارنا منظمة غير ربحية، لا يمكننا طباعة الأموال مثل الحكومة أو أخذ قروض مثل شركة كبرى. ولا يمكننا أيضاً وضع توقعات غير واقعية حول جمع التبرعات أو التوظيف الأقوى ثم إنفاق أموال نأمل فقط في جمعها". والتقدم إلى الأمام، كما جادلت، "سيتطلب خيارات صعبة للغاية، وعلى المدى الطويل، حساباً مع هيكلنا وتعريفنا للديمقراطية".
وأمام هذه الأزمة الوجودية، إلى جانب رئاسة ثانية لترامب، قررت القيادة الحالية للمنظمة التركيز على الأساسيات: "سنرى الكثير من الأنشطة على الأرض، والقيام بأشياء مع فرعك، وتنظيم مجتمعك والنمو بهذه الطريقة وتطوير المنظمين حقاً"، كما تقول رومر. "نحن بحاجة حقاً إلى نوع من التركيز على الأساسيات". ويشمل ذلك الفعاليات المحلية مثل "DSA-101".
بعد تفكيك هيكل قيادة المنظمة واستعراض برامج وفعاليات الفرع، يشارك كاروليديس معلومات حول كيفية دعم مرشح المنظمة لانتخابات عمدة مدينة نيويورك القادمة، زهران ممداني. وعندما أعلن عضو جمعية ولاية نيويورك البالغ من العمر 33 عاماً والذي يطلق على نفسه اسم اشتراكي ديمقراطي (ممثلاً لكوينز) ترشحه في أكتوبر/تشرين الأول2025، اعتبر رهاناً بعيد المنال. ومنذ ذلك الحين، جمع نحو 7 ملايين دولار، وكسب نحو 20,000 متبرع فردي، واحتل المركز الثالث خلف حاكم نيويورك السابق أندرو كومو والعمدة الحالي إريك آدمز، الذي ترشح كمستقل.
حملة ممداني، التي شعارها "نيويورك يمكنك تحمل تكاليفها"، تستخدم بمهارة وسائل التواصل الاجتماعي لترويج سياسات اقتصادية شعبوية مثل تجميد الإيجارات، ورعاية الأطفال المجانية، وحافلات المدن المجانية، لكسب الناخبين الشباب والطبقة العاملة الذين فقددهم الحزب الديمقراطي خلال انتخابات عام 2024. لقد أثار الكثير من المقارنات مع ساندرز، ويأمل العديد من اليساريين أن يكون له تأثير محفز مشابه. ومن ناحية أخرى، اتهم ممداني علناً إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة. وإذا كانت خسائر بومان وبوش أي مؤشر، فقد يضر هذا بفرصه، لا سيما في المدينة التي تضم أكبر عدد من اليهود خارج إسرائيل.
ولكن بالنسبة للـ"مهتمين بالاشتراكية" المتجمعين في المساحة المكتبية المكتظة، فهذه ميزة بيعية. يقول كيريان مامين، أحد الحاضرين: "حركة حرروا فلسطين فتحت عيوني حقاً على مدى عدم استجابة الحزب الديمقراطي ككل. لقد أصبح واضحاً حقاً أن مصالح الشركات تقود السياسة بشكل عام، ولذا كنت أبحث عن مجموعة تحاول تغيير ذلك". وعندما سؤل عما إذا كان يخطط ليصبح عضواً، أظهر هاتفه: "نعم، لقد انضممت بالفعل في الواقع".
ومدى الانضمام في الشهر القليلة القادمة قد يحدد ما إذا كان بإمكان المنظمة البقاء طافية لفترة كافية لركوب الموجة الاشتراكية التالية.

صعود الاشتراكية الديمقراطية
كيمبرلي أ. ستراسل
• هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)

من بين العديد من التصريحات المقلقة التي صدرت خلال العام الماضي عن المد المتصاعد للاشتراكيين «الديمقراطيين» في أمريكا، ينبغي إيلاء أقصى الاهتمام للتصريح الذي جاء في أوائل أغسطس عبر الأب الروحي لهذه الحركة الحديثة، السيناتور عن ولاية فيرمونت (بيرني ساندرز).
كان الاستراتيجي السياسي الديمقراطي جيمس كارفيل قد انتقد حسن بيكر، المحرض الاشتراكي الذي يدعي أن «أمريكا استحقت أحداث 11 سبتمبر»، وأن جماعة حماس الإرهابية «أفضل ألف مرة» من إسرائيل، وأن الشيوعي ماو تسي تونغ (الذي أدت سياساته إلى مقتل 65 مليون صيني) «أحد عظماء قادة هذا العالم»، وأن منتقديه «خنازير صهيونية متطرفة مسعورة». أوضح كارفيل: «ليس لدي أي نية لأن أكون في الحزب السياسي نفسه مع [بيكر]»، مضيفًا أنه يعتقد أن «أغلبية ساحقة من الديمقراطيين يتفقون معي».
رد ساندرز: «إذا كان السيد كارفيل لا يريد أن يكون في حزبي، الحزب الذي أنتمي إليه، والذي ينتمي إليه بيكر و[مرشح مجلس الشيوخ الديمقراطي الاشتراكي في ميشيغان] السيد سعيد، فبإمكانه أن يؤسس حزبه الخاص».
إن عبارة «حزبي» لافتة للنظر، نظرًا إلى أن ساندرز طالما أبدى ازدراءه لكلا الحزبين السياسيين الرئيسيين لدينا، واصفًا إياهما بأماكن لمصالح مأسورة. منذ انتخابه الناجح الأول عام 1981، قدم نفسه على أنه «اشتراكي ديمقراطي» وترشح كمستقل على بطاقة فيرمونت. وقد تحمل الحزب الديمقراطي فقط بقدر ما سمح له باستغلال موارده لمصلحته — بالانضمام إلى كتلته في مجلس الشيوخ لكسب الأقدمية واستخدامه منصة لترشحه للرئاسة. دائمًا وهو يمسك أنفه.
لكن الأمور تغيرت بوضوح. لم يعد ساندرز يغضب من هذه الآلات(الممثل أحدها بنظره في الحزب الديمقراطي). هدفه الآن هو امتلاك إحداها وتشغيلها. فجيشه المتنامي من الاشتراكيين الديمقراطيين يعمل على الاستيلاء على الحزب الديمقراطي من الداخل، واستبدال أجندته بأجندتهم، وتطهيره من المعارضين. إنها تكتيك قديم مألوف: إذا لم تستطع هزيمتهم، فتسلل إليهم. والقيادة المنتخبة للحزب الديمقراطي لا تفعل شيئًا لوقف هذا الاستيلاء.
قبل أن نتمكن من معالجة صعود الاشتراكيين الديمقراطيين، نحتاج إلى توضيح ما هو الذي يصعد. وهذا يصبح أصعب بسبب نظام تعليمي ترك أجيالًا من الأمريكيين غير مهيئين جيدًا للتعرف على الاشتراكية، وبسبب إعلام ليبرالي ومؤسسة سياسية يسارية مصممة على التقليل من شأن التهديد اليوم.
جاءت الاشتراكية بأشكال عديدة عبر التاريخ، ويبدو أن لها تعريفات لا نهائية. لكن ببساطة، إنها نظام يقوم على الملكية الجماعية أو الحكومية للسلع والخدمات، مقابل الملكية الخاصة أو الأسواق. وهي مدفوعة بصراع الطبقات، والادعاء بأن «العمال» في المجتمع يُقمعون ويُستغلون من قبل قوى ثرية قوية، وأن الاستيلاء القسري على رأس المال وإعادة توزيعه فقط هو ما ينتج مجتمعًا أكثر مساواة وعدالة.
ما هي سماتها الأخرى المميزة؟ إنها تفشل دائمًا، عادة بطريقة مروعة. يتفق المؤرخون عمومًا على أنه كان هناك أكثر من عشرين محاولة وطنية كبرى للاشتراكية، انتهت جميعها بالطغيان والانهيار الاقتصادي. هذا التاريخ الكئيب ألهم أنصارها عبر العصور بإنتاج «نسخ» جديدة من الاشتراكية، يصرون على أنها ستنتج السحر أخيرًا. كتب كارل ماركس عن أقدم الكومونات الفاشلة واصفًا إياها بـ«الاشتراكية الطوباوية» وقارنها بـ«اشتراكيته العلمية». ورأى العالم أيضًا «الاشتراكية الأناركية»، و«اشتراكية السوق»، و«اشتراكية الأوجاما»، و«شيوعية الغولاش». ووفيات لا تحصى.
الالتواء الحديث هو الاشتراكية الديمقراطية. اختار أنصارها هذا الوصف بعناية. فهم يعرفون التاريخ الاستبدادي للاشتراكية، ويعرفون مدى تمسك الأمريكيين بالدستور. هدفهم من هذه الصفة هو خداعنا للاعتقاد بأن هذه النسخة من الاشتراكية مختلفة حقًا، وأنها ليست تهديدًا، وأنها يمكن في الواقع تحقيقها بوسائل ديمقراطية.
ساندرز بارع في إخفاء أيديولوجيته بمقارنات جغرافية أو تاريخية مهدئة. لديه سجل يمتد لعقود من رفض تقديم تعريف دقيق لأيديولوجيته، مفضلًا الإيحاء بأن الاشتراكية الديمقراطية هي نسخة غامضة من «الديمقراطية الاجتماعية» الأوروبية، أو لا شيء أكثر من «إكمال رؤية» الصفقة الجديدة لفرانكلين روزفلت(الرئيس الأميركي1933-1945). وبالمثل، يجادل عمدة مدينة نيويورك الاشتراكي زهران ممداني بأن الديمقراطيين يعودون فقط «إلى ما كان عليه الحزب». وتُقتبس النائبة عن نيويورك ألكسندريا أوكاسيو- كورتيز في صحيفة نيويورك تايمز قائلة إنها تعتقد أنه من الممكن تمامًا — بطريقة ما — أن تتعايش الرأسمالية والاشتراكية.
هذه التطمينات يصعب التوفيق بينها وبين مقترحات الاشتراكيين. عندما كان ساندرز نشطًا في حزب اتحاد الحرية في السبعينيات، جادل بضرورة ملكية الحكومة لصناعات الطاقة، والمصارف، والهاتف، والكهرباء، والأدوية — على سبيل المثال لا الحصر. وبعد فشله الذريع في الفوز بالانتخابات أربع مرات متتالية، خفف من لهجته. لكن لا يوجد سبب للاعتقاد بأنه غير جلده، خاصة أنه يواصل المطالبة بتأميم قطاعات مختارة، بما في ذلك الرعاية الصحية والذكاء الاصطناعي. كما دعا إلى ضريبة هامشية بنسبة 100 في المئة على أصحاب الدخول العالية لتمويل خدمات حكومية من المهد إلى اللحد، بما في ذلك الرعاية الطبية، والإسكان، ورعاية الأطفال، والتعليم، والإنترنت، والوجبات.
هذا هو الاستيلاء الحكومي وملكية الثروة والصناعة لتسهيل إعادة التوزيع الحكومي للسلع والخدمات. بكلمة واحدة: اشتراكية.
بل والأفضل، اقرأ بيان الجمعية الاشتراكية الديمقراطية (DSA) لعام 2026، الذي لا يجد وقتًا لدقة ساندرز في طرح طموحه الرئيسي: أن "تنهض «الطبقة العاملة وتخلق مستقبلًا بلا رأسمالية». لن يكون لدى أحد «فواتير»، لأن «الطعام والتعليم والطاقة والأدوية والنقل» ستكون «سلعًا ومرافق مشتركة». والمستقبل الذي يتصوره سيشمل أيضًا «إلغاء الشرطة ونظام السجون بالكامل»؛ و«تحرير المثليين»؛ وسن «التعويضات»؛ وإلغاء وزارة الحرب؛ وإنهاء «كل المساعدات العسكرية والاقتصادية لإسرائيل»؛ و«شرعنة الهجرة».
يشرح بيان الجمعية الاشتراكية الديمقراطية أن الانتفاضة المجيدة ستتطلب بعض التعديلات على النظام الديمقراطي الأمريكي. أولاً إلغاء الهيئة الانتخابية(المجمع الانتخابي) ومجلس الشيوخ. ثانيًا، ستقوم الجمعية بـ«استبدال الرئيس والمحكمة العليا بسلطة تنفيذية وقضائية يختارها ويخضع لها» كونغرس شعبي أعلى واحد (سوفييتي؟). سيكون هذا الكونغرس مهيمنًا عليه من قبل الولايات الزرقاء (الأزرق رمز الحزب الديمقراطي، والأحمر رمز الحزب الجمهوري)بموجب تمثيل نسبي صارم — شكل من أشكال التمثيل، موجود في أجزاء من أوروبا، غريب عن التقليد الدستوري الأمريكي. لا مزيد من الضوابط والتوازنات. لا مزيد من الفيدرالية. لا مزيد من الجمهورية.
عند صدور هذا البيان في أغسطس2026، تسبب في فرار عدد من المرشحين المتحالفين مع الجمعية الاشتراكية الديمقراطية، قائلين إنهم لا يتفقون مع كل بنوده. لكن نشره كان له فضل في توضيح الأمور. بغض النظر عن اللمسة «الديمقراطية»، تواجه الولايات المتحدة أكبر انبعاث للاشتراكية منذ أوائل القرن العشرين. فقط هذه المرة، ليس زعيم العمال يوجين ديبس الذي يترشح عام 1912 كعضو في حزب ثالث خارجي. هذه حركة اشتراكية في طريقها جيدًا إلى الاستيلاء على أحد أحزابنا الرئيسية.
انتُخب الاشتراكيون الديمقراطيون عمدًا لمدينتي نيويورك وسياتل العام الماضي، ومن شبه المؤكد أن ناخبي واشنطن العاصمة سينتخبون عمدة مدعومًا من الجمعية الاشتراكية الديمقراطية هذا العام. فاز المتمردون الاشتراكيون في الانتخابات التمهيدية(التي تجري في الحزبين لتحديد المرشحين عنهما للانتخابات لمجلسي الكونغرس:النواب والشيوخ) لمجلس النواب الأمريكي في نيويورك وبنسلفانيا وكولورادو وميشيغان. في نوفمبر، سيترشح مرشحون متحالفون مع الاشتراكيين كديمقراطيين لمجلس الشيوخ الأمريكي في ميشيغان ومينيسوتا وماين.
تشير الجمعية الاشتراكية الديمقراطية إلى عشرات الانتصارات الإضافية في الانتخابات التمهيدية لعام 2026 في سباقات الهيئات التشريعية للولايات، وكذلك مجالس المدن ومجالس المدارس، من فيرمونت إلى كاليفورنيا. هدفها هو تضخيم عدد أعضاء الجمعية الذين يشغلون مناصب منتخبة — أكثر من 250 عبر 40 ولاية في عام 2025. قبل خمسة عشر عامًا، كان الحزب يضم نحو 6000 عضو يدفعون الاشتراكات. واليوم تتباهى الجمعية بأكثر من 120 ألف عضو يدفعون الاشتراكات، عبر نحو 220 فرعًا على المستوى الوطني. وهذا يعني أن الجمعية يمكنها الادعاء بقاعدة أكبر حتى من تلك التي قادها ديبس، الذي قاد الحزب الاشتراكي الأمريكي إلى ذروته بنحو 113 ألف عضو يدفعون الاشتراكات قبل قرن.
لا شيء من هذا مفاجئ. إنه عمل سنوات عديدة. دفعت حملة ساندرز الرئاسية عام 2016 الاشتراكية الديمقراطية إلى التيار الرئيسي. كان رجل فيرمونت صريحًا وغير معتذر عن قراره الترشح كديمقراطي. لم يرد أن يُهمش كمرشح حزب ثالث، فاستخدم تذكرة الحزب الديمقراطي لإضفاء الشرعية على نهجه الاشتراكي. وعلى الرغم من خسارته أمام هيلاري كلينتون التي فازت عليه كمرشحة للحزب الديمقراطي عام2016في مواجهة المرشح الجمهوري دونالد ترامب، فقد حقق هدفه في جذب جيل جديد قابل للتأثر إلى قضيته — وتشجيعهم بمثاله على الاستيلاء على السلطة من الداخل.
ليست هذه استراتيجية جديدة. لطالما وجدت الأحزاب الاشتراكية المستقلة صعوبة في الدخول إلى التيار الرئيسي. (جاء ديبس رابعًا عام 1912، بنسبة ستة في المئة من الأصوات الشعبية). كان الحل الذي وصفه الثوري الروسي ليون تروتسكي تكتيكًا أسماه «الدخول» (entryism)، ويعني التسلل إلى الحركات الأكبر، وتحويل الأتباع، والاستيلاء على مراكز السلطة، ثم تغيير السياسات نحو اليسار. ومن الأمثلة الشهيرة مجموعة «الميل النضالي» (Militant Tendency)، التي عملت لفترة طويلة داخل حزب العمال البريطاني قبل أن يُحبطها زعيم العمال نيل كينوك.
انتُخبت أوكاسيو- كورتيز والنائبة عن ميشيغان رشيدة طليب إلى الكونغرس كديمقراطيتين عام 2018، رغم أن كليهما تسميان نفسيهما اشتراكيتين ديمقراطيتين. وتبعهما النواب كوري بوش من ميسوري، وجمال بومان من نيويورك، وشري ثانيدار من ميشيغان، وسمر لي من بنسلفانيا، وغريغ كاسار من تكساس. لكن هذه كانت المناصب البارزة فقط. وراء الكواليس، بدأت الجمعية الاشتراكية الديمقراطية في تنمية صفوفها داخل اللجنة الوطنية الديمقراطية ووسعت أعضاءها في الأحزاب السياسية للولايات. وتزامن ذلك مع قفزة حادة نحو اليسار في كتلة الحزب الديمقراطي ككل.
وعزز ساندرز الحركة أكثر بترشحه مرة أخرى كديمقراطي عام 2020، مما وضع ضغطًا هائلًا نحو اليسار على كامل الميدان التمهيدي. وعندما فاز جو بايدن في النهاية، كان تلك عودة بفضل ناخبين أكثر اعتدالًا. لكن أول عمل له كان تبني معظم أجندة ساندرز. وعُرف عهده الرئاسي اللاحق بجهود لتمرير 6 تريليونات دولار من زيادات الضرائب والإنفاق، وسياسات «العدالة»، وانسحاب كارثي من أفغانستان، وانهيار متعمد لأمن الحدود، ورقابة على آراء المعارضة، وجهد غير دستوري لمحو ديون الطلاب. أجندة يمكن للجمعية الاشتراكية الديمقراطية أن تؤيدها بالكامل.
بعد هزيمة حزبهم في انتخابات 2024، بدا أن قادة الديمقراطيين يدركون أنهم بحاجة إلى التخلي عن السياسة اليسارية المتطرفة. أعرب سياسيون مذلولون عن قلقهم علنًا بشأن التضخم الناجم عن الإنفاق، و«الانفصال الثقافي»، والخط المعادي للسامية الجديد في الحزب.
ومع ذلك، ظلت تلك القيادة نفسها مرعوبة من القاعدة المتطرفة، واستغل جمهور الجمعية الاشتراكية الديمقراطية ذلك استغلالًا كاملًا وساخرًا. بدأ ساندرز وفريقه في تجنيد مرشحين اشتراكيين للترشح في الانتخابات التمهيدية، بنية إقصاء أعضاء جالسين في الكونغرس في موسم 2026. وألقت أوكاسيو- كورتيز تلميحات غير خفية بأنها ستتحدى زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر في انتخابات تمهيدية إذا لم يدعم أجندتهم. واستخدم الأعضاء اليساريون المتطرفون والاشتراكيون نفوذهم داخل اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي(القيادة للحزب في عموم الولايات المتحدة) لتقويض أي جهد لتعديل قائمة الحزب. وحشدت مجموعات خارجية للضغط على الديمقراطيين الحاليين للبقاء مخلصين لسياسات الجمعية.
اليوم، تقف مؤسسة الحزب الديمقراطي في حالة شلل. تستمر مجموعات الوسط الديمقراطي في إنتاج أفكار جديدة قد يستخدمها الحزب لاستعادة الناخبين العاديين. لكن القادة لن يلمسوا هذه الأفكار خوفًا من إغضاب الاشتراكيين. وقد تراجع مركز الحزب إلى أجندة «مقاومة ترامب»، الصرخة الوحيدة التي لا يزال يشعر أنها آمنة لطرحها عبر جميع الدوائر الانتخابية.
تدرك الجمعية الاشتراكية الديمقراطية أن الأمريكيين ككل في مزاج معادٍ لشاغلي المناصب الحالي، وأن الناخبين الديمقراطيين سئموا من جهاز حزبي عتيق. وقد أيدت الجمعية أكثر من 170 مرشحًا في هذا الموسم التمهيدي، معظمهم شباب ونشيطون. ورغم أن أفكارهم قد تكون اشتراكية وضارة ومجنونة، فإنها على الأقل أفكار — من أجل كل شيء مجاني مجاني . وهذا أكثر مما يقدمه جهاز ديمقراطي مذهول.
مما يثير سؤالين نهائيين: لماذا يصوت الأمريكيون للاشتراكية، ولماذا الآن؟ الإجابة على كلا السؤالين تتعلق بالتعليم.
على الرغم من كل ثرثرة الجمعية عن الأمريكيين «العاملين»، فهي حركة تتألف بالكامل تقريبًا من شباب أمريكيين بيض مميزين. حقق المرشحون الاشتراكيون على مستوى الولاية في ميشيغان وويسكونسن أعلى هوامشهم في مدن الجامعات. وأظهر استطلاع لشبكة فوكس نيوز في ميشيغان أن 75 في المئة فقط من الناخبين الديمقراطيين السود ينوون التصويت للمرشح المتحالف مع الاشتراكيين لمجلس الشيوخ الأمريكي، الذي يتخلف أيضًا بين النساء والمستقلين والناخبين في الضواحي وكبار السن. الاشتراكية في معظمها حركة شبابية.
قال الاقتصادي فريدريش هايك ذات مرة مازحًا: «لو فهم الاشتراكيون الاقتصاد، لما كانوا اشتراكيين». وبالفعل، كما كتبت أستاذة الأعمال كيمبرلي جوزيفسون مؤخرًا في وول ستريت جورنال، فإن الاقتصاد الضعيف لا يفسر افتتان الشباب الأمريكيين اليوم بالاشتراكية. ما يفسره هو أن الطلاب في الجامعات اليوم — خاصة «الأغنى والأكثر انتقائية» — يعيشون في يوتوبيات اشتراكية (زائفة): «جدران التسلق والأنهار الكسولة»، و«الشقق ذات الصالات الواسعة»، و«مقاهي الحرم الجامعي ذات العلامات التجارية الوطنية». يركب الأطفال الحافلات دون دفع أجرة؛ ويحضرون الحفلات، ويلتقون بمرشدي المهن، ويحجزون غرف الدراسة، ويحملون البرمجيات، وينضمون إلى المنظمات الطلابية، ويشاركون في أنشطة لا حصر لها في الحرم دون أن يمدوا أيديهم إلى محفظة. آخرون يدفعون الفواتير بالطبع؛ الطلاب فقط لا يعرفون ذلك. ولماذا يجب أن تكون الحياة الحقيقية مختلفة؟
يرتاح الجمهوريون إلى أدلة على أن الأعضاء المتحالفين مع الجمعية لا يزالون يواجهون مياهًا هائجة في الولايات المتأرجحة. وهذا صحيح. لكن لا أحد يفهم خطر الاشتراكية . هناك ما يقدر بـ192 دائرة ديمقراطية صلبة في هذا البلد. واستراتيجية الجمعية واضحة. الانتخابات التمهيدية ذات مشاركة منخفضة — غالبًا ما تشمل 10 إلى 30 في المئة فقط من الحزب. لكنها تضم أكثر الناخبين تفانيًا (وتطرفًا). ستواصل الجمعية ترشيح مرشحين من نوع ممداني. وبمجرد أن يفوز هؤلاء المرشحون في الانتخابات التمهيدية، يصبحون مضمونين للفوز في الانتخابات العامة لأن هذه دوائر ديمقراطية مُعاد رسم حدودها بشكل كبير. هذه هي الطريقة التي ستسيطر بها الجمعية على مجلس النواب وتزيد صفوفها في مجلس الشيوخ. وهذا يعني أن الاشتراكيين سيكونون هم من يمسكون بزمام الأمور عندما يستولي الديمقراطيون مرة أخرى على البيت الأبيض أو الكونغرس.
قليل جدًا من مدارسنا من الروضة إلى الصف الثاني عشر، وكلياتنا، وجامعاتنا تُدرّس التاريخ الحقيقي أو التربية المدنية بعد الآن. نقلق باستمرار بشأن انخفاض درجاتنا في الرياضيات والقراءة، وينبغي لنا ذلك. لكن أمة لا تُعلّم الأجيال المتعاقبة عن الفروقات بين الرأسمالية والاشتراكية والفاشية، أو عن المجازر المروعة للينين وستالين وماو وبول بوت وهو تشي منه وتشاوسيسكو وتيتو، أو عن أساسيات التمويل الشخصي والأعمال، هي أمة عاجزة أمام جاذبية الأيديولوجيات الخيالية.
يمكننا أن نفعل أفضل. اذهب الآن إلى الإنترنت وابحث عن «امتحان الصف الثامن لعام 1912 لمدارس مقاطعة بوليت [كنتاكي]»، الذي يحتفظ به متحف تاريخ مقاطعة بوليت على الإنترنت. هذه هي المعرفة التي كنا نتوقعها ذات يوم من أبنائنا في الثالثة عشرة والرابعة عشرة — معظمهم كانوا بهذا الامتحان ينهون تعليمهم وينطلقون إلى مرحلة البلوغ. انظر إلى الأسئلة التي كان هؤلاء الشباب الأمريكيون قادرين على الإجابة عنها — خاصة تلك المتعلقة بالجغرافيا والحكومة المدنية والتاريخ.
هذا الامتحان هو وثيقة واحدة تفسر لماذا تواجه بلادنا تهديدًا اشتراكيًا اليوم — ووثيقة واحدة تحدد خريطة الطريق لما نحتاج إلى فعله لإصلاحه.
نماذج أسئلة من امتحان الصف الثامن لمدارس مقاطعة بوليت [كنتاكي]، نوفمبر 1912
الحكومة المدنية
عرّف الأشكال التالية من الحكومة: الديمقراطية، الملكية المحدودة، الملكية المطلقة، الجمهورية. أعط أمثلة على كل منها.
أعط ثلاث واجبات للرئيس. ما المقصود بسلطة النقض؟
سمِّ ثلاثة حقوق منحها الدستور للكونغرس وحقين حُرما على الكونغرس.
أعط شروط الأهلية للرئيس ونائب الرئيس وحاكم كنتاكي.
صف الطريقة التي يُنتخب بها رئيس الولايات المتحدة ونائبه.
الجغرافيا
حدد موقع قناة إيري؛ ما المياه التي تربطها، ولماذا هي مهمة؟
حدد موقع الدول التالية التي تحد بعضها بعضًا: تركيا، اليونان، صربيا، الجبل الأسود، رومانيا.
سمِّ عواصم الولايات التي تلامس نهر أوهايو.
حدد موقع الجبال التالية: بلو ريدج، الهيمالايا، الأنديز، الألب، واساتش.
عبر أي مياه ستمر سفينة في ذهابها من إنجلترا عبر قناة السويس إلى مانيلا؟
التاريخ
من اكتشف لأول مرة الأماكن التالية: فلوريدا، المحيط الهادئ، نهر المسيسيبي، نهر سانت لورانس؟
من استوطن الأماكن التالية: جورجيا، ماريلاند، ماساتشوستس، رود آيلاند، فلوريدا.
خلال أي حروب دارت المعارك التالية: برانديواين، غريت ميدوز، لانديز لين، أنتيتام، بوينافيستا.
سمِّ رئيسين ماتا في المنصب؛ وثلاثة اغتيلوا.
سمِّ المعركة الأخيرة في الحرب الأهلية؛ حرب 1812؛ الحرب الفرنسية والهندية، والقادة في كل معركة.


زاوية تلخيص كتاب:
تلخيص كتاب: "الديمقراطية والتحول الديمقراطي:
السيرورات والمأمول في عالم متغيّر"
غيورغ سورنسن | ترجمة عفاف البطاينة | المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
مقدمة
يتناول غيورغ سورنسن في كتابه «الديمقراطية والتحول الديمقراطي: السيرورات والمأمول في عالم متغيّر» سؤالاً مركزياً في علم السياسة: كيف تنتقل المجتمعات من الحكم السلطوي إلى الديمقراطية، ولماذا تنجح بعض التجارب في بناء مؤسسات مستقرة بينما تتوقف تجارب أخرى عند انتخابات شكلية أو تعود إلى السلطوية؟ لا يرى المؤلف أن الديمقراطية نتيجة حتمية للتاريخ أو ثمرة تلقائية للتنمية، بل يعدّها عملية سياسية واجتماعية متنازعاً عليها، تتفاعل فيها مصالح النخب وحركة المواطنين وبنية الدولة والاقتصاد والظروف الدولية.
يجمع الكتاب بين تحديد معنى الديمقراطية، وتحليل سيرورات تغيير الأنظمة، ودراسة آثار الديمقراطية في النمو والرفاه وحقوق الإنسان والعلاقات الدولية، ثم بحث مستقبلها. ولا يكتفي بسؤال «ما الديمقراطية؟»، بل يطرح أسئلة عملية: كيف تنشأ؟ وما الذي يرسخها؟ وهل تكفي الانتخابات؟ وهل تؤدي الديمقراطية بالضرورة إلى الازدهار والسلام؟ وما حدود قدرة الدول الخارجية على دعمها؟
أهمية الكتاب أنه يرفض التفسير الأحادي. فلا يرد التحول إلى الاقتصاد وحده أو إلى قرار النخب أو الضغط الشعبي أو التدخل الخارجي، بل يدرس تفاعل هذه العوامل. كما يميز بين الانتقال الأولي إلى الديمقراطية وبين ترسيخها؛ فقد تسقط سلطة سلطوية من دون أن تنشأ مؤسسات ديمقراطية، وقد تُجرى انتخابات من دون أن تصبح السلطة قابلة للتداول. هذا تلخيص تحليلي لمحاور الكتاب، وليس نقلاً حرفياً أو بديلاً من الرجوع إلى النص الأصلي عند الحاجة إلى اقتباس دقيق.
الفصل الأول: ما معنى الديمقراطية؟
يبدأ سورنسن من أن مفهوم الديمقراطية متعدد المعاني، وقد تستخدمه أنظمة مختلفة لتبرير شرعيتها حتى عندما تقيد المنافسة أو الحريات. لذلك لا يكفي أن يعلن نظام ما أنه ديمقراطي أو أن ينص دستوره على سيادة الشعب؛ بل يجب فحص الممارسة: من يختار الحكام؟ كيف يصلون إلى السلطة؟ وهل يمكن محاسبتهم واستبدالهم؟
تطورت أفكار الديمقراطية من النقاشات الكلاسيكية حول حكم الشعب ومخاطر حكم الأغلبية، إلى التمثيل النيابي وحق الاقتراع والأحزاب والمؤسسات الحديثة. وفي الفكر السياسي المعاصر، لم يعد السؤال مقتصراً على صاحب السيادة نظرياً، بل صار متعلقاً بكيفية تنظيمها عبر قواعد ومؤسسات تتيح للمواطنين التأثير في القرار العام.
يحدد المؤلف ثلاثة أبعاد عملية أساسية. أولها المنافسة السياسية الحقيقية على المناصب المؤثرة في الحكومة؛ فلا تكون النتائج محسومة مسبقاً ولا تحتكر فئة واحدة المجال السياسي. وثانيها المشاركة السياسية الواسعة، بحيث يستطيع المواطنون المشاركة في الانتخابات والحياة العامة ولا يظل القرار حكراً على نخبة ضيقة. وثالثها مستوى كافٍ من الحريات المدنية والسياسية، مثل حرية التعبير والتنظيم والإعلام والاجتماع، لأن المنافسة والمشاركة تصبحان شكليتين إذا عجز الناس عن إبداء الرأي أو تنظيم المعارضة.
هذه الأبعاد مترابطة. فالانتخابات من دون حرية التعبير لا تسمح بتنافس حقيقي، والمشاركة من دون منافسة لا تتيح تغيير الحكام، والمنافسة من دون ضمانات قانونية قد تعرض المعارضين للعقاب أو تمنعهم من العمل. لذلك لا ينبغي قياس الديمقراطية بمؤسسة منفردة، بل بالنظر إلى الحزمة التي تضم الانتخابات والمشاركة والحقوق.
ويميز التحليل بين الديمقراطية بوصفها مثالاً معيارياً، بما تتضمنه من الحرية والمساواة والمصلحة العامة، وبينها بوصفها نظاماً قائماً يمكن رصد خصائصه. التعريف الإجرائي مفيد للمقارنة لأنه يركز على التنافس والانتخاب وتداول السلطة، لكن الممارسة الديمقراطية تحتاج كذلك إلى حماية الحقوق واستقلال القضاء وإمكان مساءلة الحكومة. ولا يعني ذلك أن كل قصور اجتماعي أو اقتصادي يلغي الديمقراطية، بل أن الحقوق والمؤسسات ضرورية كي لا تصبح الإجراءات فارغة من مضمونها.
ويبحث المؤلف مشكلة قياس الديمقراطية. فالمؤشرات المقارنة تساعد على متابعة التغير وتصنيف الأنظمة، لكنها تختزل ظواهر معقدة في درجات. وقد يختلف الباحثون في وزن الانتخابات مقارنة بالحريات أو استقلال القضاء. ويمكن لدولتين أن تجريا انتخابات منتظمة، بينما تختلفان في حرية الإعلام وقدرة المعارضة على المنافسة. لذلك تعد المؤشرات أدوات تحليلية وليست أحكاماً نهائية، ويجب تفسيرها في ضوء السياق.
كذلك لا تنقسم الأنظمة ببساطة إلى ديمقراطية كاملة وسلطوية مطلقة. توجد أنظمة هجينة تجمع انتخابات محدودة مع قيود واسعة على الحريات أو مع مؤسسات تفتقر إلى الاستقلال. وقد تستمر هذه الأنظمة زمناً طويلاً، أو تتراجع بعد انفتاح محدود. ويساعد هذا التصور على تجنب المبالغة في تقدير نجاح أي تحول لمجرد إجراء انتخابات.
الخلاصة أن تعريف الديمقراطية شرط لتفسير التحول إليها. فإذا عُدّت الانتخابات وحدها دليلاً كافياً، بالغ الباحث في تقدير النجاح؛ وإذا اشترط رفاه كامل ومساواة اجتماعية تامة، أصبح المفهوم ضيقاً وغير قابل للمقارنة. والتعريف الأكثر فائدة يجمع بين المنافسة والمشاركة والحريات، مع الاعتراف بأن الديمقراطيات تختلف في جودتها وقدرتها على حماية الحقوق.
الفصل الثاني: سيرورات تغيير النظام الحاكم
ينتقل الكتاب إلى كيفية الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية. ويؤكد أن التحول لا يحدث بسبب واحد؛ فقد تتضافر أزمة اقتصادية، وانقسام في النخبة الحاكمة، وتوسع في الاحتجاجات، وتغير في مواقف القوى الدولية. وقد تفتح هذه العوامل فرصة للتغيير، لكنها لا تضمن أن تكون النتيجة ديمقراطية؛ فالأزمات قد تقود أيضاً إلى القمع أو إلى سلطوية جديدة.
يمكن النظر إلى التحول بوصفه عملية طويلة تتضمن مرحلة تحضيرية، ومرحلة تتخذ فيها القوى قرارات بشأن قواعد المنافسة، ثم مرحلة بناء المؤسسات وترسيخها. لكن هذه المراحل ليست خطاً مستقيماً أو جدولاً ثابتاً؛ فقد تتداخل وتتوقف العملية أو تتراجع. وفي المرحلة التحضيرية، قد تضعف شرعية النظام نتيجة الفساد أو سوء الأداء أو انقسام النخب، وقد تتسع مطالب المواطنين من تحسين الخدمات إلى المطالبة بالمشاركة. غير أن ضعف النظام القديم لا يعني تلقائياً أن بديلاً ديمقراطياً منظماً أصبح جاهزاً.
في مرحلة الانتقال، يبرز التفاوض والصراع حول قواعد اللعبة. وقد تساعد التسويات بين النخب على تقليل مخاطر العنف، لكنها قد تحمي مصالح القوى القديمة أو تستثني فئات واسعة. وتكون الانتخابات مهمة إذا توافرت حرية الحملات وتكافؤ الفرص وشفافية الفرز وإمكان انتقال السلطة. أما إذا بقي الإعلام أو التمويل أو الأجهزة الأمنية تحت سيطرة طرف واحد، فقد تصبح الانتخابات واجهة لا تعكس تنافساً حقيقياً.
وتختلف مواقف الفاعلين. فقد تنقسم النخبة الحاكمة بين متشددين يرفضون التنازل ومصلحين يرون أن الانفتاح المنظم أقل كلفة من استمرار الأزمة. كما قد تختلف المعارضة بين قوى تؤمن بالتنافس السلمي وأخرى لا تثق بالمؤسسات. ويمكن للتسوية أن تسهل الانتقال، لكنها قد تترك مسائل المساءلة والعدالة دون حل. ولذلك ينبغي تقييم التسويات وفق قدرتها على فتح المجال السياسي، لا بمجرد أنها أوقفت أزمة مؤقتة.
أما ترسيخ الديمقراطية فيتطلب أن تصبح القواعد مقبولة لدى الأطراف الرئيسية، وأن تعمل المؤسسات باستقلال نسبي، وأن تتمكن المعارضة من النشاط من دون خوف، وأن يقبل الحكام احتمال خسارة الانتخابات. كما يتطلب إدارة النزاعات من خلال المؤسسات بدلاً من العنف أو إلغاء الخصوم. فالانتخابات الأولى ليست نهاية الانتقال، بل بداية اختبار قدرة النظام الجديد على الاستمرار.
يشرح الكتاب أن التنمية الاقتصادية قد تهيئ بعض الشروط المساعدة، مثل توسع التعليم والتحضر وظهور جماعات اجتماعية مستقلة، لكنها لا تنتج الديمقراطية آلياً. فقد تحقق دول نمواً في ظل سلطوية، وقد تواجه الديمقراطيات أزمات اقتصادية. وقد تمنح الثروة النظام الحاكم موارد لتثبيت سلطته، أو تساعد على نشوء جماعات تطالب بالمشاركة. لذلك لا يكفي مستوى الدخل لتفسير نجاح التحول أو فشله.
وتؤثر كذلك بنية الدولة والمجتمع. فالأحزاب المنظمة، والمجتمع المدني المستقل، والقضاء الذي يطبق القانون، والإدارة المهنية، كلها تساعد على تحويل الانتخابات إلى نظام سياسي قابل للمساءلة. أما إذا بقيت المؤسسات رهينة الولاءات الشخصية أو شبكات المصالح، فقد تتحول المنافسة إلى صراع على موارد الدولة لا إلى تداول منظم للسلطة.
ويعرض الكتاب تجارب مختلفة، منها إسبانيا والبرتغال وتايوان وعدد من دول أميركا اللاتينية، لإظهار تنوع المسارات. ولا ينبغي نقل تجربة بعينها إلى بلد آخر من دون مراعاة تاريخه وبنية مؤسساته وموازين القوى فيه. والدرس العام أن إسقاط السلطوية قد يكون أسرع من بناء الديمقراطية؛ فالبناء يتطلب قواعد مشتركة تحكم الصراع حتى عندما تتغير الحكومات.
الفصل الثالث: من الانتقال إلى الجمود
ينقد سورنسن الاعتقاد بأن العالم يتحرك في اتجاه واحد لا رجعة فيه نحو الديمقراطية. فانتشار الانتخابات والتعددية في موجات تاريخية لا يعني أن كل دولة ستكمل الانتقال، ولا أن الأنظمة القائمة لن تتراجع. وقد تتوقف تجارب عند منتصف الطريق، أو تبقى مؤسسات ديمقراطية شكلاً بينما تحتفظ السلطة بأدوات السيطرة.
يشير مفهوم الجمود إلى الأنظمة التي لا تتجه بوضوح نحو ديمقراطية راسخة ولا تعود تماماً إلى السلطوية التقليدية. فقد توجد أحزاب وبرلمان وانتخابات، لكن الحاكم يحتفظ بالسيطرة على الإعلام أو الموارد العامة أو الأجهزة الأمنية. ويمكن السماح للمعارضة بالوجود مع منعها من التحول إلى منافس قادر على الوصول إلى السلطة. وهكذا يصبح الانفتاح أداة لإدارة النظام لا خطوة مؤكدة لتغييره.
تستطيع النخب الحاكمة التكيف مع الضغوط عبر تقديم تنازلات محدودة، أو تغيير القوانين، أو استخدام الموارد العامة في المنافسة، أو الضغط على الإعلام والمعارضين. وقد يسهم انقسام المعارضة أو ضعف تنظيمها في استمرار هذا الوضع. وإذا لم تقدم المعارضة بديلاً مقنعاً أو لم تقبل قواعد التنافس، فقد تفقد ثقة قطاعات من المجتمع. كما قد يخشى المواطنون من الفوضى أو الانهيار الاقتصادي فيفضلون الاستقرار المألوف على انتقال غير مضمون، وإن كان هذا لا يعني أن السلطوية تحقق الاستقرار بالضرورة.
وقد يحدث التراجع الديمقراطي تدريجياً، من دون انقلاب واضح. فيبقى البرلمان قائماً لكن رقابته تضعف، ويستمر القضاء رسمياً لكن استقلاله يتراجع، وتوجد وسائل إعلام لكن قدرتها على كشف الفساد تصبح محدودة. ومن ثم يجب مراقبة كيفية عمل المؤسسات، لا الاكتفاء ببقائها في الدستور أو في الشكل القانوني.
وتؤثر النتائج الاقتصادية في الثقة بالنظام. فإذا عجزت الحكومات عن توفير الخدمات أو فرص العمل، فقد يتزايد الإحباط ويستغل فاعلون شعبويون هذا الشعور لتقويض القيود الدستورية، أو لتصوير المؤسسات الرقابية على أنها عقبة أمام إرادة الشعب. وقد تستخدم النخب الاقتصادية نفوذها لتقييد السياسات التي تمس مصالحها. لذلك تحتاج الديمقراطية إلى شرعية وأداء مقبولين، من دون أن يبرر ضعف الأداء إلغاء الحقوق أو تعطيل التداول.
والتمييز الحاسم هنا هو بين الانتقال والترسيخ. الانتقال يفتح المجال أمام نظام جديد، أما الترسيخ فيجعل العودة إلى السلطوية أصعب، ويجعل الأطراف تعتبر المؤسسات الديمقراطية الإطار الطبيعي لحل الخلافات. وتتمثل النتيجة الأساسية في أن الديمقراطية إنجاز قابل للتراجع، وأن حماية مكتسباتها تتطلب استقلال المؤسسات وحرية التنظيم والمراقبة العامة وإدارة الأزمات ضمن قواعد دستورية.
الفصل الرابع: الترويج للديمقراطية من الخارج
يتناول المؤلف دور الدول والمنظمات الدولية في دعم الديمقراطية من خلال المساعدات المالية، وتدريب العاملين في المؤسسات، ومراقبة الانتخابات، ودعم المجتمع المدني، والضغط الدبلوماسي أو ربط بعض المساعدات بشروط سياسية. غير أن السؤال هو: هل يستطيع الخارج مساعدة المجتمع على بناء الديمقراطية، أم قد يضعف شرعية العملية عندما تبدو مفروضة أو مرتبطة بمصالح أجنبية؟
يفرق التحليل بين دعم قدرات الفاعلين المحليين وبين فرض مؤسسات جاهزة. فالديمقراطية تحتاج إلى شرعية داخلية وقبول بالقواعد من قبل القوى السياسية والمواطنين. ويمكن للمساعدة أن توفر خبرة وموارد، لكنها لا تخلق وحدها الثقة أو التوافق أو ثقافة قبول خسارة الانتخابات. وإذا بدت المؤسسات الجديدة خادمة لمصالح الدولة المتدخلة، فقد تتحول المساعدة إلى سبب للمقاومة وانعدام الثقة.
تظهر المعضلة في حالات ما بعد الحرب أو انهيار الدولة. فالانتخابات السريعة لا تضمن وجود إدارة قادرة على تنفيذ القانون أو قضاء مستقل أو أجهزة أمن خاضعة للمساءلة. وقد يؤدي التركيز على الانتخابات إلى إهمال بناء المؤسسات. وفي المقابل، قد يصبح تأجيل الانتخابات بحجة بناء الدولة ذريعة لإطالة الحكم غير المنتخب. لذلك ينبغي الجمع بين المشاركة السياسية وبناء القدرات المؤسسية، ضمن عملية يملكها المجتمع المحلي.
وقد تتناقض سياسات الدول المروجة للديمقراطية مع خطابها. فقد تعلن دعم الحريات لكنها تتعاون مع حكومات سلطوية لأسباب أمنية أو اقتصادية، أو تتردد في قبول نتائج انتخابية لا توافق مصالحها. وتضعف هذه الانتقائية صدقية الخطاب الديمقراطي، وتمنح الأنظمة المستهدفة فرصة لاتهام المعارضة بأنها أداة خارجية.
ولا يعني احترام السياق المحلي قبول انتهاكات الحقوق، كما لا تعني حماية الحقوق فرض نموذج واحد على كل المجتمعات. المطلوب هو دعم المشاركة والحريات وبناء المؤسسات بطريقة تراعي التاريخ المحلي، مع الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي. ويمكن للمنظمات الدولية أن تساعد في مراقبة الانتخابات وتسوية النزاعات وتقديم الخبرة، لكن فعاليتها تتأثر بتفاوت القوة وتعارض المصالح بين الدول.
الخلاصة أن الخارج قد يفتح فرصاً أو يوفر موارد، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الأحزاب والنقابات والجمعيات والمواطنين. فالديمقراطية لا تستورد كمنتج جاهز؛ بل تتطلب قدرة محلية على تنظيم الصراع وبناء مؤسسات تحظى بالشرعية. والسياسة الأكثر واقعية هي دعم قدرة المجتمع على تقرير مستقبله، مع إدراك حدود التأثير الخارجي ومخاطر استخدام الديمقراطية أداة في الصراع الجيوسياسي.
الفصل الخامس: النتائج الداخلية ـ النمو والرفاه وحقوق الإنسان
يسأل سورنسن عما إذا كانت الديمقراطية تؤدي إلى النمو الاقتصادي والرفاه. ويؤكد أن العلاقة ليست آلية: فقد تنمو اقتصادات في ظل أنظمة سلطوية، وقد تمر الديمقراطيات بأزمات. ولذلك لا يصح القول إن الديمقراطية تضمن الازدهار تلقائياً، كما لا يصح القول إن التنمية تحتاج بالضرورة إلى حكم سلطوي.
يمكن للديمقراطية أن تساعد على التنمية عبر المساءلة. فالمنافسة السياسية تدفع الحكومات إلى الاستجابة لمطالب المواطنين، وحرية الإعلام تكشف الفساد، والقضاء المستقل يعزز اليقين القانوني، وتداول السلطة يحد من الاحتكار. كما تتيح المشاركة إظهار آثار السياسات على الفئات المختلفة وتصحيح الأخطاء. لكن هذه الآليات لا تعمل تلقائياً إذا كانت الدولة ضعيفة أو الأحزاب قائمة على الولاءات أو الفساد واسعاً أو الاستقطاب يعطل التشريع.
ينبغي أيضاً التمييز بين النمو وتوزيع ثماره. فارتفاع الناتج لا يعني استفادة جميع المواطنين؛ فقد تتركز الثروة في قطاعات محدودة بينما تستمر البطالة أو الفقر أو التفاوت. ويمكن للديمقراطية أن تفتح المجال للمطالبة بسياسات أكثر عدالة وحماية اجتماعية، لكنها لا تضمن تنفيذها. فقد تتبنى الحكومات المنتخبة سياسات تزيد التفاوت أو تعجز عن الوفاء بوعودها.
والرفاه أوسع من النمو، إذ يشمل الصحة والتعليم والأمن الشخصي والفرص الاقتصادية والقدرة على المشاركة. ولا ينبغي قياس نجاح النظام بمعدل النمو وحده، بل أيضاً بمدى حماية الحقوق وتوفير فرص متكافئة وخدمات عامة قابلة للمساءلة. وقد تتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية بينما تتراجع الحريات أو تتفاقم هشاشة الفئات الضعيفة.
حقوق الإنسان جزء من شروط الديمقراطية وليست مجرد نتيجة محتملة لها. فحرية التعبير والتنظيم والمشاركة ضرورية للمنافسة الحقيقية، وحماية الأفراد من التعذيب والاعتقال التعسفي والتمييز تضمن ألا تكون المشاركة امتيازاً تمنحه السلطة وتسحبه. ومع ذلك، قد تنتهك حكومات منتخبة حقوق الأقليات أو تقيد الحريات بحجة الأمن أو إرادة الأغلبية. ولهذا لا تكفي شرعية الانتخاب لتبرير كل قرار؛ يجب أن تظل السلطة مقيدة بالقانون والحقوق الأساسية.
تؤدي مؤسسات مثل القضاء المستقل والبرلمان الرقابي والإعلام الحر وهيئات الرقابة والمجتمع المدني دوراً في منع تركّز السلطة. فالديمقراطية ليست حكم الأغلبية بلا حدود، بل نظام يسمح للأغلبية بتشكيل الحكومة ضمن قواعد تحمي حقوق الأقلية وتضمن استمرار المنافسة. وإذا استخدمت الأغلبية سلطتها لتغيير القواعد لمصلحتها أو حرمان خصومها من الحقوق، فقد تقوض الديمقراطية من داخلها.
ويتعامل المواطنون مع الديمقراطية من خلال خبرتهم اليومية مع الدولة. فإذا كانت الإدارة تميز بينهم أو كانت المحاكم غير مستقلة أو كان الوصول إلى الخدمات يعتمد على الولاء، تراجعت الثقة حتى مع وجود انتخابات. أما الإدارة التي تطبق القواعد على الجميع وتستجيب للشكاوى وتكشف المعلومات، فتعزز الشعور بأن الدولة مؤسسة عامة وليست ملكاً لفئة حاكمة.
والنتيجة أن الديمقراطية توفر فرصاً للمساءلة والتعبير وتصحيح السياسات، لكنها لا تضمن وحدها التنمية والعدالة. إنها إطار سياسي يمكن أن يساعد على تحسين الأداء، غير أن نتائجه تتوقف على جودة المؤسسات وقدرة الدولة والمجتمع على تحويل المشاركة إلى قرارات فعالة وعادلة.
الفصل السادس: النتائج الدولية ـ السلام والتعاون
يناقش المؤلف ما إذا كانت الدول الديمقراطية أكثر ميلاً إلى السلام والتعاون. وتذهب أطروحات في العلاقات الدولية إلى أن الديمقراطيات نادراً ما تخوض حروباً فيما بينها مقارنة بأنماط أخرى من العلاقات. لكن ذلك لا يعني أن الدول الديمقراطية لا تستخدم القوة، أو أنها لا تدخل في صراعات مع دول غير ديمقراطية، أو أن سياستها الخارجية تخلو من المصالح.
من التفسيرات أن المؤسسات الديمقراطية تجعل قرار الحرب أكثر خضوعاً للنقاش والمساءلة. فالبرلمان والرأي العام والإعلام والأحزاب قد يرفعون كلفة المغامرات العسكرية، ويضطر القادة المنتخبون إلى تبرير قراراتهم. غير أن قوة هذه القيود تختلف بين الدول، وقد تستخدم الحكومات المخاوف الأمنية لتوسيع صلاحياتها أو تعبئة الجمهور.
ويقوم تفسير آخر على الثقة والتوقعات المتبادلة. فقد تكون الدول ذات المؤسسات المتشابهة أكثر قدرة على فهم آليات اتخاذ القرار لدى بعضها، وقد تنشأ بينها شبكات تعاون واتفاقات مستقرة. كما أن احترام القواعد قد يسهل التفاوض وتسوية النزاعات. لكن المصالح الاستراتيجية والتنافس على الموارد والتحالفات والجغرافيا تظل عوامل مؤثرة، فلا يمكن اعتبار الديمقراطية سبباً وحيداً للسلام.
يجب التمييز بين السلام داخل مجموعة من الديمقراطيات وسلوك الديمقراطيات تجاه الدول الأخرى. فقد تتعاون الديمقراطيات فيما بينها، لكنها تمارس ضغوطاً اقتصادية أو عسكرية على أنظمة أخرى، وقد تبرر استخدام القوة بخطاب حماية الحرية أو الأمن. لذلك ينبغي تقييم السياسة الخارجية بالوقائع والمؤسسات والمصالح، لا بالهوية الديمقراطية المعلنة.
ولا يعني التعاون غياب التنافس التجاري أو الخلافات حول الطاقة والهجرة والنفوذ. فقد تختلف الدول لكنها تمتلك مؤسسات تفاوضية تساعدها على منع الخلاف من التحول إلى صراع مسلح. وتكمن قيمة الديمقراطية المحتملة في توفير الشفافية والمساءلة وآليات التسوية، لا في إلغاء تضارب المصالح.
كما تتأثر العلاقة بين الديمقراطية والسلام ببنية النظام الدولي، وسباقات التسلح، والتحالفات، والمخاوف الأمنية، والتدخلات الخارجية. وقد تتعرض الديمقراطيات الجديدة لاضطرابات تجعل سياستها الخارجية متقلبة. لذلك يجب تفسير السلام من خلال النظام السياسي والمصالح والقدرات وتصورات التهديد معاً.
ويمكن للمؤسسات الدولية أن تدعم التعاون والديمقراطية عبر المعايير المشتركة ومراقبة الانتخابات وتسوية النزاعات. لكنها قد تتأثر بتفاوت القوة أو تعارض المصالح، ولذلك تتطلب فاعلية أكبر اتساقاً في تطبيق القواعد ومشاركة أوسع. والخلاصة أن الديمقراطية قد تهيئ ظروفاً مواتية للتعاون، لكنها لا تنتج السلام آلياً ولا تجعل الدول الديمقراطية معصومة من الهيمنة أو الخطأ.
الخاتمة: مستقبل الديمقراطية والتحول الديمقراطي
يؤكد سورنسن أن مستقبل الديمقراطية مفتوح وغير مضمون. فقد توسعت الانتخابات والمؤسسات التمثيلية، لكن السلطوية لم تختف، وبعض الأنظمة الهجينة استقرت، كما تعرضت ديمقراطيات قائمة للتراجع. وهذا يعني أن التقدم الديمقراطي ليس خطاً صاعداً باستمرار، بل حركة تتخللها موجات انفتاح وانحسار.
من التحديات الأساسية ضعف الشرعية. فإذا شعر المواطنون بأن الانتخابات لا تغير شيئاً، أو أن المؤسسات لا تمثلهم، أو أن الفجوة بين الوعود والنتائج واسعة، فقد تتراجع الثقة. ولا يعني ذلك أن إخفاق حكومة يبرر إلغاء الحقوق، بل يعني أن الديمقراطية تحتاج إلى آليات تصحيح وتغيير سلمي للحكومات.
وتؤدي الأحزاب دوراً مركزياً في ربط المواطنين بالمؤسسات وجمع المطالب في برامج وتوفير بدائل للحكومة. لكنها قد تتحول إلى شبكات للمنافع أو أدوات بيد الزعماء، وقد يجعل الاستقطاب الخصم عدواً لا منافساً مشروعاً. لذلك تحتاج الأحزاب إلى قواعد شفافة وتمويل خاضع للرقابة وقدرة على بناء تحالفات تتجاوز الانقسامات الضيقة.
أما المجتمع المدني، فيوفر فضاء للتنظيم خارج الدولة والأحزاب، ويساعد على مراقبة السلطة ونقل مطالب الفئات المختلفة. غير أن المجتمع المدني ليس متجانساً أو ديمقراطياً بالضرورة، وقد تعكس بعض منظماته مصالح ضيقة أو تتأثر بالتمويل والاستقطاب. وتكمن أهميته في تعدد قنوات المشاركة واستقلالها.
وتحتاج الديمقراطية إلى دولة قادرة وخاضعة للقانون. فالدولة الضعيفة قد تعجز عن توفير الأمن والخدمات وتنفيذ الأحكام، بينما قد تستخدم الدولة القوية غير الخاضعة للمساءلة قدراتها في القمع. لذلك لا يتمثل التحدي في الاختيار بين قوة الدولة والديمقراطية، بل في بناء مؤسسات فعالة تعمل وفق قواعد عامة وتخضع للمحاسبة.
ويهدد التفاوت وانعدام تكافؤ الفرص والتهميش الثقة بالنظام، وقد يزيد قابلية بعض المواطنين لتأييد حلول سلطوية تعد بالحسم. ويمكن للديمقراطية أن تفتح المجال للتفاوض حول توزيع الموارد والسياسات الاجتماعية، لكنها تحتاج إلى مؤسسات تحول المطالب إلى قرارات قابلة للتنفيذ. كما أن الحريات ليست ترفاً يؤجل إلى ما بعد الاستقرار، لأنها شرط لكشف الأخطاء ومحاسبة السلطة.
وعلى المستوى الدولي، قد يساعد الدعم الخارجي في تقوية المؤسسات، لكنه قد يضعف شرعيتها إذا بدا انتقائياً أو مفروضاً. ولا تعوض الضغوط الخارجية غياب التنظيم المحلي أو الثقة أو التوافق. لذلك ينبغي أن يركز الدعم على حماية الحقوق وتوسيع قدرات الفاعلين المحليين، مع احترام استقلال القرار السياسي للمجتمع.
تتمثل الفكرة المركزية في أن الديمقراطية ليست مجرد نظام انتخابي، بل ترتيب يسمح بتداول السلطة سلمياً، ويقيد الحاكم بالقانون، ويضمن المشاركة والحريات. والتحول ليس حدثاً ينتهي بإعلان دستور جديد، بل عملية مستمرة لبناء المؤسسات وحل النزاعات ومقاومة احتكار السلطة. ومن الأولويات العملية: انتخابات تنافسية شفافة، وحرية التعبير والتنظيم، وقضاء مستقل، ورقابة مدنية على الأجهزة الأمنية، وأحزاب ومجتمع مدني مستقلان، وإدارة عامة مهنية، ومكافحة الفساد، وحماية حقوق الأقليات.
لا يقدم الكتاب ضمانة بأن هذه الأولويات ستقود حتماً إلى النجاح، لكنه يوضح لماذا تزيد أهميتها في مواجهة الجمود والتراجع. فالديمقراطية ليست نتيجة تلقائية للتحديث أو النمو أو الضغط الدولي؛ إنها حصيلة صراع وتفاوض وبناء مؤسسي. ولا تحل كل المشكلات، لكنها توفر أدوات للمساءلة والمشاركة وتصحيح السياسات. ويتوقف مستقبلها على قدرة المجتمعات على تحويل هذه الأدوات إلى ممارسة مستمرة، وعلى استعداد الحكام والمعارضين لقبول قواعد مشتركة لا يحتكرها طرف واحد.
تقييم نقدي للكتاب
تتمثل قوة الكتاب في الجمع بين التعريف النظري والتحليل المقارن، وفي رفض التفسيرات الأحادية. فهو لا يفترض أن الانتخابات تكفي، ولا أن التنمية تؤدي آلياً إلى الديمقراطية، ولا أن التدخل الخارجي يستطيع صنعها. كما أنه يلتفت إلى حالات الجمود والتراجع بدلاً من الاقتصار على تجارب النجاح.
ومع ذلك، يظل التعريف الإجرائي للديمقراطية مفيداً للمقارنة لكنه لا يكفي وحده لفهم شعور المواطنين بالتمثيل أو الإقصاء. كما أن تصنيف الأنظمة الهجينة قد يكون صعباً عندما تختلف المؤسسات في مستوى أدائها. وتظل المؤشرات الكمية عرضة للاختلاف في اختيار المعايير ووزنها، ما يجعل الجمع بين القياس والتحليل التاريخي والاجتماعي ضرورياً.
كذلك يحتاج دور الخارج إلى موازنة بين السيادة وحماية الحقوق. فقد تستخدم السلطة السيادة ذريعة لقمع المواطنين، وقد تستخدم الدول القوية خطاب الديمقراطية لتبرير تدخلات انتقائية. وينبغي تقييم أي تدخل بناء على نتائجه الفعلية، ومدى احترامه القانون الدولي، ومشاركة المجتمع المحلي، واستدامة المؤسسات التي يساعد على بنائها.
وفي الاقتصاد، يوضح الكتاب أن الديمقراطية لا تضمن الرفاه، وأن النمو لا يضمن الحرية أو العدالة. ويمكن توسيع النقاش بدراسة بنية الإنتاج والضرائب وتوزيع الثروة والعلاقة بين الدولة ورجال الأعمال. وفي العلاقات الدولية، ينبغي ألا تتحول فكرة السلام الديمقراطي إلى حكم أخلاقي بأن الدول الديمقراطية سلمية في كل الظروف؛ فالمصالح والتحالفات والتهديدات تظل مؤثرة.
تنبع أهمية الكتاب للقارئ العربي من أنه يبين أن التغيير لا ينتهي بسقوط الحاكم، بل يبدأ بعده بناء قواعد العلاقة بين الدولة والمجتمع، واستقلال القضاء، وتنظيم التعددية، وحماية الحقوق، وإعادة بناء الثقة. وفي المجتمعات التي عانت الحروب أو انهيار المؤسسات، لا يكفي الدستور أو الانتخابات وحدهما؛ فهناك حاجة إلى الأمن القانوني، ومؤسسات فعالة، ومشاركة لا تؤجل إلى أجل غير محدد.
والتقييم العام أن الكتاب مدخل مهم لفهم الديمقراطية بوصفها عملية لا شعاراً، ومؤسسات لا مجرد انتخابات، واحتمالاً سياسياً يحتاج إلى حماية لا نتيجة مضمونة. ولا يدعي أن الديمقراطية تحل كل المشكلات، بل يوضح أنها تتيح إطاراً لإدارة الخلاف والمحاسبة وتغيير الحكام سلمياً.
خلاصة مركزة ومراجع
أهم الأفكار:
1. تقوم الديمقراطية على المنافسة السياسية والمشاركة والحريات، ولا تكفي الانتخابات وحدها لإثباتها.
2. التحول الديمقراطي عملية طويلة وغير خطية؛ وقد تتقدم أو تتوقف أو تتراجع.
3. تتفاعل النخب والمجتمع والاقتصاد وبنية الدولة والظروف الدولية، ولا يعمل عامل منفرد بصورة حاسمة في كل الحالات.
4. قد تستقر الأنظمة في منطقة رمادية تجمع انتخابات محدودة وقيوداً سلطوية.
5. يحتاج ترسيخ الديمقراطية إلى مؤسسات مستقلة وقواعد مقبولة واستعداد الحاكمين لقبول احتمال خسارة السلطة.
6. يمكن للدعم الخارجي توفير الخبرة والموارد، لكنه لا يحل محل الشرعية والتنظيم المحلي.
7. تتيح الديمقراطية المساءلة وتصحيح السياسات، لكنها لا تضمن تلقائياً النمو أو الرفاه أو العدالة.
8. حقوق الإنسان جزء من شروط الديمقراطية، وحكم الأغلبية مقيد بالقانون.
9. قد تهيئ الديمقراطية فرصاً للسلام والتعاون، لكن المصالح والأمن والتحالفات تؤثر في العلاقات الدولية.
10. مستقبل الديمقراطية غير مضمون ويتوقف على الأحزاب والمجتمع المدني وكفاءة الدولة واستقلال القضاء وحماية الحريات.
البيانات الببليوغرافية:
غيورغ سورنسن، «الديمقراطية والتحول الديمقراطي: السيرورات والمأمول في عالم متغيّر»، ترجمة عفاف البطاينة، الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، سلسلة «ترجمان»، 2015. العنوان الأصلي: Georg Sørensen, Democracy and Democratization: Processes and Prospects in a Changing World.
للتثبت من بيانات الكتاب ومحاوره:
- Routledge، الطبعة الثالثة: https://www.routledge.com/Democracy-and-Democratization-Processes-and-Prospects-in-a-Changing-World-Third-Edition/Sorensen/p/book/9780429495328
- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: https://www.dohainstitute.org/ar/News/Pages/art493.aspx
- Google Play، بيانات الترجمة العربية: https://play.google.com/store/books/details/غيورغ_سورنسن_الديمقراطية_والتحول_الديمقراطي_السيرو?id=iRNfEAAAQBAJ
ملاحظة منهجية: هذا تلخيص تحليلي وليس نقلاً حرفياً. عند استخدامه في بحث أكاديمي، ينبغي الرجوع إلى الطبعة العربية لتوثيق الاقتباسات وأرقام الصفحات.
توضيحات مفاهيمية: الشرعية، الدولة، والمواطنة
تساعد مفاهيم الشرعية والدولة والمواطنة على تعميق فهم أطروحة الكتاب. فالشرعية تعني أن السلطة لا تعتمد على القدرة على الإكراه وحدها، بل تحتاج إلى قبول اجتماعي وسياسي بأن قواعد الحكم مبررة ومقبولة. وقد تستند الشرعية في الأنظمة السلطوية إلى الأداء الاقتصادي أو الأمن أو التاريخ أو الأيديولوجيا، بينما ترتبط في النظام الديمقراطي أيضاً بوجود إجراءات تسمح للمواطنين باختيار الحكام ومحاسبتهم. لكن الشرعية الديمقراطية ليست تفويضاً مفتوحاً؛ إذ لا تمنح الانتخابات الحاكم حق تعطيل القانون أو حرمان المعارضين من حقوقهم.
أما الدولة، فهي ليست مرادفاً للحكومة أو للحاكم. فالحكومة تتغير، بينما يفترض أن تستمر مؤسسات الدولة وتعمل وفق قواعد عامة. وتصبح الديمقراطية هشة عندما تُعامل أجهزة الدولة باعتبارها ملكاً للحزب الحاكم، أو عندما تُوزع الوظائف والموارد على أساس الولاء الشخصي. ويحتاج الحكم الديمقراطي إلى إدارة عامة مهنية، وقضاء قادر على تطبيق القانون، وأجهزة أمنية تعمل ضمن اختصاصات محددة، ونظام مالي يخضع للرقابة. من دون ذلك قد تكون الانتخابات تنافساً على السيطرة على موارد الدولة، لا وسيلة لإدارة الشأن العام.
وترتبط المواطنة بالمساواة القانونية والسياسية. فإذا كان بعض المواطنين محرومين عملياً من المشاركة أو الحماية، تصبح الديمقراطية ناقصة حتى لو نص الدستور على المساواة. وقد تتخذ الإقصاءات أشكالاً غير مباشرة، مثل صعوبة الوصول إلى المعلومات أو الخدمات، أو التفاوت في فرص التنظيم، أو استخدام قوانين عامة بطريقة انتقائية. لذلك يتطلب التقييم الديمقراطي النظر إلى الحقوق المكتوبة وإلى القدرة الفعلية على ممارستها.
ومن هنا يمكن فهم سبب تشديد سورنسن على الحريات المدنية والسياسية. فهذه الحريات ليست إضافة تجميلية إلى الانتخابات، بل هي التي تجعل المواطنين قادرين على تكوين رأي مستقل، وتبادل المعلومات، وتأسيس تنظيمات، ومحاسبة المسؤولين. وإذا احتكرت السلطة المعلومات أو منعت التنظيم المستقل، فإنها تستطيع التأثير في نتائج الانتخابات قبل يوم الاقتراع بوقت طويل. ومن ثم فإن نزاهة العملية الديمقراطية تبدأ من البيئة السياسية والاجتماعية التي تسبق التصويت، ولا تنتهي عند فرز الأصوات.
كيف يمكن الاستفادة من الكتاب في تحليل الحالات الانتقالية؟
يوفر الكتاب مجموعة أسئلة عملية يمكن استخدامها عند دراسة أي حالة انتقالية. أولاً، ينبغي تحديد طبيعة النظام السابق: هل كان الحكم شخصياً، أم عسكرياً، أم حزبياً، أم قائماً على تحالف بين مؤسسات رسمية وشبكات اقتصادية وأمنية؟ تختلف تكلفة التحول باختلاف شكل النظام، كما تختلف قدرة النخب القديمة على الاحتفاظ بالنفوذ بعد التغيير. فالنظام الذي يعتمد على مؤسسات متماسكة قد يترك وراءه مراكز قوة قادرة على تعطيل الإصلاح، بينما قد يؤدي انهيار مؤسسات الدولة إلى فراغ أمني وإداري يجعل بناء الديمقراطية أكثر صعوبة.
ثانياً، يجب تحديد القوى التي تطالب بالتغيير، ومدى تنظيمها وقدرتها على التفاوض. فالحراك الشعبي الواسع قد يضعف شرعية السلطة، لكنه لا يضمن وجود برنامج مشترك لما بعد التغيير. وعندما تتعدد القوى الاجتماعية والسياسية، تصبح الحاجة ملحة إلى قواعد تنظم الخلاف وتمنع احتكار التمثيل. ولا يعني ذلك أن المجتمع يجب أن يتفق على كل القضايا، بل أن يتفق على طريقة سلمية لإدارة الاختلاف، وعلى ضمانات تمنع طرفاً من إلغاء الأطراف الأخرى.
ثالثاً، ينبغي تحليل دور المؤسسات التي تستمر من النظام القديم. فوجود إدارة عامة أو قضاء أو أجهزة أمنية لا يعني أنها محايدة تلقائياً، كما أن حل المؤسسات دفعة واحدة قد يؤدي إلى فقدان الخبرة والقدرة على تقديم الخدمات. ويتطلب الإصلاح التمييز بين ضرورة الحفاظ على وظائف الدولة العامة وبين الحاجة إلى إخضاع المؤسسات للمساءلة وإزالة ممارساتها غير القانونية. وهذا التوازن من أصعب مسائل الانتقال، لأن التسرع قد يخلق فراغاً، بينما قد يؤدي الإبقاء غير المشروط إلى استمرار مراكز القوة القديمة.
رابعاً، يجب النظر في طبيعة الاقتصاد السياسي. فالمصالح الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق قد تستخدم نفوذها لحماية امتيازاتها، وقد تتضرر قطاعات من المجتمع من إجراءات الانتقال أو من تراجع الخدمات. وإذا لم تراعَ هذه الآثار، فقد يتراجع التأييد الشعبي للعملية الديمقراطية. وفي المقابل، فإن تأجيل الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي إلى أجل غير محدد قد يرسخ الفساد والتفاوت. ويشير منظور سورنسن إلى ضرورة التعامل مع الاقتصاد بوصفه جزءاً من الصراع على السلطة، لا مجرد ملف فني منفصل عن السياسة.
خامساً، ينبغي تقييم العوامل الدولية بحذر. فقد تقدم الدول والمنظمات دعماً مالياً أو فنياً، وقد تؤثر العقوبات أو المساعدات أو الاعتراف الدبلوماسي في حسابات الفاعلين. لكن الاعتماد المفرط على الخارج قد يجعل المؤسسات عرضة لتغير سياسات الدول المانحة، وقد يمنح القوى المحلية ذريعة لتشكيك المواطنين في شرعيتها. ولهذا فإن أفضل معيار لقياس الدعم هو ما إذا كان يعزز قدرة المجتمع على إدارة شؤونه، ويزيد استقلال المؤسسات، ويحمي الحقوق، بدلاً من أن يربط مستقبل النظام بمصالح خارجية متقلبة.
وأخيراً، ينبغي ألا يقتصر التقييم على سؤال ما إذا أجريت انتخابات، بل يجب متابعة ما يحدث بعدها: هل يستطيع البرلمان مراقبة الحكومة؟ هل يمكن للقضاء إلغاء قرار غير قانوني؟ هل تستطيع الصحافة كشف الفساد؟ هل يمكن للمعارضة أن تنظم نفسها وتصل إلى الناخبين؟ هل تقبل الحكومة نتائج الانتخابات؟ وهل تتغير السياسات عندما تظهر أدلة على فشلها؟ هذه الأسئلة تنقل التحليل من الشكل الدستوري إلى الممارسة اليومية، وهي أقرب إلى منطق الكتاب في التمييز بين الانتقال الشكلي والترسيخ الديمقراطي.
الانتقال الديمقراطي وبناء التوافق من دون إلغاء الاختلاف
من الدروس المهمة التي يمكن استخلاصها من الكتاب أن الديمقراطية لا تتطلب اختفاء الخلافات الاجتماعية والسياسية، بل تتطلب إيجاد قواعد لإدارتها. فالمجتمعات الحديثة تتضمن مصالح اقتصادية وهويات وتوجهات أيديولوجية مختلفة، وقد تكون هذه الاختلافات حادة. ولا يكون الحل الديمقراطي في فرض إجماع مصطنع، أو في إقصاء من يختلف مع السلطة، بل في بناء مؤسسات تسمح بالتنافس وتضمن أن الخاسر اليوم يستطيع أن ينافس غداً.
يحتاج هذا الأمر إلى حد أدنى من الثقة المتبادلة. فالأطراف السياسية لا يلزم أن تثق ببعضها في كل شيء، لكنها تحتاج إلى الثقة بأن القواعد لن تستخدم لإقصائها نهائياً. ويصبح قبول نتائج الانتخابات أكثر احتمالاً عندما تكون العملية عادلة، وعندما يعرف الخاسر أن بإمكانه العودة إلى المنافسة، وعندما تكون حقوقه الأساسية مصونة. أما إذا اعتقد أن خسارة الانتخابات تعني فقدان الحماية أو الحرية أو القدرة على النشاط، فقد يلجأ إلى وسائل خارج المؤسسات.
ولا ينبغي الخلط بين التوافق الديمقراطي وبين التسويات المغلقة بين النخب. فالتسوية قد تساعد على منع العنف، لكنها تفقد شرعيتها إذا قررت مصير المجتمع من دون مشاركة واسعة أو إذا حصنت مصالح فئات محددة من المساءلة. والتوافق الأكثر استدامة هو الذي يحدد قواعد عادلة للمنافسة، ويترك المجال مفتوحاً للخلاف حول السياسات. فالاتفاق على قواعد اللعبة لا يعني الاتفاق على كل ما يجري داخلها.
ويبرز دور الدستور في تحديد صلاحيات المؤسسات، وحماية الحقوق، ووضع آليات لحل النزاعات. لكن النص الدستوري لا يعمل من تلقاء نفسه؛ إذ يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تطبيقه وإلى ثقافة سياسية تقبل القيود المفروضة على السلطة. فإذا عدلت الأغلبية الدستور كلما واجهت معارضة، أو رفضت السلطة أحكام القضاء، فقد يفقد الدستور قدرته على تنظيم الصراع. لذلك لا تتعلق المسألة بجودة النص فقط، بل أيضاً بوجود توازنات وممارسات تحترمه.
ويؤكد هذا المنظور أن بناء الديمقراطية لا يتحقق بمجرد استبدال النخب، بل بتغيير العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالسلطة العامة ينبغي أن تكون محددة الاختصاص وخاضعة للمساءلة، والمواطن ينبغي أن يتمتع بحقوق لا تعتمد على رضى الحاكم، والمعارضة ينبغي أن تكون جزءاً مشروعاً من النظام السياسي. وعندما تصبح هذه المبادئ ممارسة يومية، تزداد فرص تجاوز الجمود وتثبيت الديمقراطية.
قراءة تركيبية: العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع
تتيح مقاربة سورنسن النظر إلى الديمقراطية بوصفها علاقة متحركة بين الدولة والسوق والمجتمع، لا بوصفها مجموعة قواعد انتخابية مستقلة. فالدولة القادرة على فرض القانون وتقديم الخدمات قد تهيئ شروط المشاركة السياسية، لكنها قد تتحول أيضاً إلى جهاز سلطوي إذا غابت الرقابة والمساءلة. والسوق يمكن أن يوسّع الاستقلال الاقتصادي لبعض المواطنين، لكنه قد يركز الثروة والنفوذ في أيدي قلة قادرة على التأثير في القرار العام. أما المجتمع المدني فيستطيع تنظيم المصالح وتوفير فضاءات للنقاش، غير أن قوته تتوقف على استقلاله الفعلي وعلى مدى انفتاح المجال العام أمامه.
من هنا لا يكفي أن تكون الدولة قوية أو أن يكون الاقتصاد نامياً؛ فالسؤال الحاسم هو كيفية توزيع السلطة والموارد، وما إذا كانت المؤسسات تتيح للمواطنين الاعتراض والتنظيم وتغيير الحكام سلمياً. وقد تنتج التنمية الاقتصادية طبقات اجتماعية جديدة تطالب بالمشاركة، لكنها لا تؤدي آلياً إلى الديمقراطية. فقد تستوعب الأنظمة السلطوية بعض مطالب المجتمع، أو تستخدم الموارد الاقتصادية لتعزيز شبكات الولاء، أو تقيد التنظيم السياسي حين ترى فيه تهديداً لاستقرارها.
المواطنة والمساواة الفعلية
تقتضي الديمقراطية، في القراءة التحليلية للكتاب، التمييز بين المساواة القانونية والمساواة الفعلية. فقد يمنح الدستور جميع المواطنين حق التصويت، لكن تفاوت الدخل والتعليم والوصول إلى الإعلام والتنظيم قد يجعل قدرة بعض الفئات على التأثير أكبر بكثير من قدرة غيرها. ولذلك فإن وجود انتخابات دورية لا يحسم وحده مسألة ديمقراطية النظام؛ إذ ينبغي النظر أيضاً إلى حرية المعارضة، وإمكان تداول السلطة، واستقلال القضاء، وحماية الحقوق الأساسية، وقدرة المواطنين على مساءلة المسؤولين.
ولا تعني المساواة الفعلية إزالة كل تفاوت اجتماعي، بل منع التفاوت من التحول إلى احتكار سياسي. فحين يستطيع أصحاب الثروة شراء النفوذ أو حين تُحرم فئات اجتماعية من التنظيم والتعبير، تتراجع قيمة المشاركة الرسمية. ومن ثم ترتبط جودة الديمقراطية بوجود مؤسسات تحدّ من إساءة استخدام السلطة، وبثقافة سياسية تقبل الاختلاف وتعدّه أمراً مشروعاً لا تهديداً وجودياً.
التحول الديمقراطي بوصفه مساراً غير خطّي
من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها أن الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية لا يسير في خط مستقيم. فقد تبدأ عملية الانفتاح بإصلاحات محدودة، ثم تتقدم بفعل الضغط الشعبي أو الانقسامات داخل النخبة الحاكمة، لكنها قد تتعثر أو تنقلب إلى إعادة إنتاج السلطوية. وقد تبقى بعض المؤسسات الانتخابية قائمة بينما تُفرغ من مضمونها عبر تقييد المنافسة أو إضعاف القضاء أو إخضاع وسائل الإعلام. لذلك ينبغي دراسة التحول من خلال تفاعل المؤسسات الرسمية وموازين القوى الاجتماعية والسلوك السياسي، لا من خلال حدث واحد مثل إجراء انتخابات أو إقرار دستور.
كما أن نجاح الانتقال يتوقف على بناء قواعد مشتركة لإدارة الخلاف. فالديمقراطية لا تلغي الصراع بين المصالح والأفكار، بل توفر وسائل سلمية للتعبير عنه وحسمه مؤقتاً. وإذا اعتبرت القوى السياسية أن خسارة الانتخابات تعني الإقصاء الدائم أو تهديد الوجود، تصبح التسويات أصعب وتزداد احتمالات العنف أو تعطيل المؤسسات. ولهذا تكتسب الضمانات الدستورية واستقلال القضاء وحقوق المعارضة أهمية خاصة في المراحل الانتقالية.
خلاصة نقدية ومنهجية
تكمن قيمة الكتاب في رفضه التفسيرات الأحادية التي ترد الديمقراطية إلى الثقافة وحدها أو التنمية الاقتصادية وحدها أو تصميم المؤسسات وحده. فالتفسير الأقوى هو الذي يدرس تفاعل هذه العناصر ضمن سياق تاريخي محدد، مع الانتباه إلى الفاعلين الذين يملكون القدرة على دفع الإصلاح أو تعطيله. ومع ذلك، فإن اتساع الإطار المقارن يفرض الحذر من نقل تجربة دولة إلى أخرى من دون مراعاة اختلاف التاريخ الاجتماعي وبنية الدولة والتكوينات الطبقية والضغوط الدولية.
ومن الناحية المنهجية، ينبغي التعامل مع الديمقراطية باعتبارها مفهوماً متعدد الأبعاد يمكن أن تتقدم بعض جوانبه وتتراجع جوانب أخرى في الوقت نفسه. فقد تتحسن نزاهة الانتخابات بينما تتراجع حرية التعبير، أو تتسع المشاركة بينما يظل القضاء ضعيف الاستقلال. ويمنع هذا المنظور إصدار حكم نهائي اعتماداً على مؤشر واحد، ويشجع على المقارنة بين القواعد الدستورية والممارسة اليومية وموازين القوة الفعلية.
وبناءً على ذلك، فإن الاستفادة الأساسية من سورنسن ليست تقديم وصفة جاهزة للتحول الديمقراطي، بل توفير إطار لفهم شروطه وحدوده ومخاطره. فالديمقراطية تُبنى عبر صراع سياسي واجتماعي طويل، وتتطلب مؤسسات قابلة للمساءلة، ومواطنين قادرين على التنظيم، وقبولاً عاماً بشرعية التعدد والاختلاف. وهي لا تُضمن مرة واحدة، بل تحتاج إلى حماية مستمرة من تركّز السلطة ومن تحويل الانتخابات إلى واجهة شكلية.







موقع الحزب على (الحوار المتمدن):
https://www.ahewar.org/m.asp?i=9135
•

• تاريخ الانشاء : 2017 / 2 / 24

• المشاركات - 97 -
• عدد زوار موقع الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي 782,882
•
في يوم 20آبأغسطس2026
عدد زوار موقع الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي : 795.793
•
في يوم 20أيلولسبتمبر2026
عدد زوار موقع الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)
في يوم 20تشرين الأولأوكتوبر2026: 810,605
صفحتنا على الفيسبوك:

facebook.com/scppb.org
موقعنا على الانترنت:
www.scppb.org

 



#الحزب_الشيوعي_السوري_-_المكتب_السياسي (هاشتاغ)       The_Syrian_Communist_Party-polit_Bureau#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسار 116
- المسار 115
- المسار 114
- المسار 113
- المسار 112
- المسار العدد 111
- المسار العدد 110
- المسار 109
- البرنامج السياسي - 2026
- المسار- العدد 85
- المسار- العدد 84
- المسار 81
- المسار 79
- المسار- العدد 72
- المسار- العدد 71
- المسار- العدد 70
- المسار- العدد 69
- المسار- العدد 68
- المسار- العدد 67
- المسار- العدد 66


المزيد.....




- -حرب مفاجآت-.. مسؤول إيراني يكشف لـCNN عن أهداف طهران الانتق ...
- الجيش الأمريكي يرد على إعلان إيران تدمير زورق مُسير تابع له ...
- فيضانات واسعة في سوريا: 8 وفيات و4 مفقودين وعمليات الإنقاذ م ...
- ليخاتشوف لـRT عربية: واشنطن تعرقل نقل اليورانيوم الإيراني إل ...
- أمين عام حزب -العدالة والتنمية- في المغرب يعتذر للشعب الجزائ ...
- السيسي من بودابست: لا سلام مستداما في الشرق الأوسط دون إقامة ...
- ليخاتشوف لـRT عربية: نبحث مشاريع نووية مع الإمارات ونشارك في ...
- -سينتكوم- تتهم الحرس الثوري الإيراني بنشر -أكاذيب- وتوضح حال ...
- بوتين: روسيا منفتحة على التعاون المتكافئ مع جمهورية الكونغو ...
- دبلوماسي تركي يعلق على الخلافات مع مصر


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي - المسار 117