|
|
المسار 112
الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
(The Syrian Communist Party-polit Bureau)
الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 21:58
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الافتتاحية: من أجل الفصل بين العقيدة والسياسة بعد أن وضع أوغست كونت (1798-1857) أسس الفلسفة الوضعية اتجه في أواخر حياته إلى وضع (الدين الوضعي) والذي فيه "الانسانية تحتل تحديداً مكان الله"، وقد أقام له طقوساً وتقويماً وقديسين، محاولاً استبدال الأديان بدين جديد يكون فيه الانسان هو "الكائن الأسمى"، مما أوصله إلى الخاتمة المنطقية لفلسفته التي ترى أن العلم قد جبّ المرحلتين السابقتين من تطور الفكر والعقل الانسانيين، أي الدين والميتافيزيقا. بدوره، أعطى مسار الحركة الماركسية شكلاً عقيدياً، ولو تنوعت ألوانه، جعلها تتجاوز إطار الحزب السياسي الذي ينظم أفراداً معينين في سبيل أهداف اقتصادية-اجتماعية–ثقافية-سياسية محددة، لتصل إلى ربط تلك الأهداف باعتقادات تتعلق بالكون والطبيعة، انطلاقاً من مقولة (المادية الجدلية) ذات الطابع الفلسفي وتطبيقاتها على المجال الاقتصادي-الاجتماعي-الثقافي-السياسي عبر مقولة (المادية التاريخية)، وهما مقولتان لم يقل بهما كارل ماركس 1818-1883، بل فريدريك إنجلز ولينين. عند الوضعيين، لم يتابع أحد المعتقدية الدينية التي قدمها أوغست كونت، وقد رأيناهم، سواء من انتظم في الأحزاب الراديكالية أو الليبرالية أو الاشتراكية-الديمقراطية، لا يقحمون معتقداتهم في العمل السياسي، حيث تركت عقائدهم لتكون في مجال حرية الفرد الشخصية، سواء من كان منهم متديناً أو لاأدرياً أو ملحداً، أو كان منهم من يجمع الايمان بدين ماورائي الاعتقاد بالكون والطبيعة مع رؤية وضعية تشمل مجالات العلم والاقتصاد والسياسة، وهو ما جعل الاعتقاد تجاه الطبيعة والكون مفصول عندهم عن العمل السياسي. إلا أن هذا لا يعني بأنه لم يكن للوضعيين منهجاً فلسفياً جاء به الوضعيون إلى أحزابهم السياسية، حيث رأينا أن تأثرات مؤسس الحركة الاشتراكية-الديمقراطية إدوارد برنشتين (1850-1932) بالفلسفة الوضعية في رؤيتها للتاريخ هي التي جعلته يقطع مع الرؤية الهيغلية-الماركسية للهدفية التاريخية، وهو ما أدى به إلى رفض فكرة (الثورة) لصالح فكرة (الإصلاح)، معتبراً أن "الهدف لا شيء والحركة كل شيء"، فيما ظل ماركسياً في مجال التحليل الاقتصادي- الاجتماعي وعلى صعيد الظواهر الثقافية، وقد أدى رفضه للهيغلية-الماركسية في مجال التاريخ إلى رفضه للديالكتيك، فيما ظلّ ماركسياً في الجوانب الأخرى، بل وبزً الآخرين في الحرفية والدوغمائية، ولهذا رأينا أن محاججات خصومه، مثل كاوتسكي وروزا لوكسمبورغ ولينين، قد اقتصرت على مفهومه الرافض لمقولة (الثورة). إلا أن هذا الخلاف مع برنشتين قد قاد إلى طريقين في السياسة والتنظيم ، فيما بقي خصومه متوحدين معه في الرؤية الفلسفية لمجالات (الكون) و(الطبيعة)، وهو وإن بقي ملحداً إلا أنه لم يقحم هذا في عمله السياسي- التنظيمي، كما فعل لينين في كتابه :"المادية والمذهب النقدي التجريبي" (1908) ضد ماركسيين رفضوا (المادية الجدلية) مثل (لوناتشارسكي وبوغدانوف وبرمان وغيرهم)، حيث انطلق لينين من اعتبار هذه المسألة بوصفها محددة للسياسة والرؤية عند السياسي الماركسي المنتظم ضمن حزب سياسي، مما دفعه إلى بذل ذلك المجهود الضخم الذي تطلبه منه هذا الكتاب الفلسفي الطابع. هنا، تابعت الأحزاب الشيوعية، التي افترقت منذ تأسيس (الأممية الثالثة) عام 1919 عن الأحزاب الاشتراكية-الديمقراطية، التقاليد اللينينية الموضوعة في كتاب 1908، بما فيها الأحزاب الشيوعية العربية (ما عدا الحزب الشيوعي السوداني)، فيما رأينا عند الأحزاب القومية العربية عدم وجود اتجاه إلى توحيد المجال الاعتقادي بالكون والطبيعة مع السياسة، وما تتطلبه الأخيرة من رؤية للاقتصاد والمجتمع والفرد، فيما قدمت الحركة الإسلامية شيئاً شبيهاً بما قدمه الشيوعيون من حيث أن النظرة الاعتقادية لمجال (أصول الدين)، الشاملة عند الأصولي الاسلامي أو السلفي-الجهادي لاعتقاداته تجاه الكون والطبيعة، هي التي تحكم رؤيته لمجالي السياسة والتنظيم، مثل مقولة (الحاكمية) التي تحكم مجال الرؤية السياسية عند المودودي وسيد قطب وتحددها. بينما نجد الأحزاب الليبرالية العربية (حزب الوفد في مصر، حزب الشعب في سوريا وغيرهما) تقدم طيفاً من الآراء الاعتقادية المتعددة، حيث نجد المتدين مع العلماني ضمن التنظيم السياسي الواحد الذي تتحدد العضوية فيه على أساس الانتظام لتحقيق أهداف اقتصادية-اجتماعية-سياسية محددة، فقط، وليس على أساس شيء آخر يتجاوز هذه الأهداف، أو يختلط معها، أو يحددها، كما نرى عند الشيوعيين أو الإسلاميين. إذاً ما الذي يحدّد الاتجاه السياسي؟ لا يؤمن البشر، أو يميلون إلى أفكار سياسية معينة نتيجة لقوتها المنطقية، أو بناها المعتقدية، بقدر ما لأنها يرونها تعبّر عن مصالحهم، أو يعتقدون أنها تؤمّن إطاراً سياسياً مناسباً لتحقيق هذه المصالح في شكلها الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي، ويمكن أن يأخذ هذا التحقيق شكلاً ايجابياً، أي يُحوَّل إلى هدف يُنجز ويحقق، أو شكلاً سلبياً عبر منع الطرف الآخر المضاد من تحقيق أهدافه التي يراها الأول سلبية، أو إفقاده مكاسبه التي يراها الأول مضرة بمصالحه أو معيقة لها. من أجل ذلك يتجه الناس إلى السياسة، سواء من ينتظم في حزب سياسي، أو يكون نصيراً له، أو يتلاقى على صعيد الميول مع برنامجه وممارسته السياسيتين ليصوّت له في الانتخابات، إلا أن الأمر في الأحزاب العقائدية يتحول إلى شيء آخر هو أقرب إلى التكريس الايماني، ربما يصل في بعض الحالات إلى التضحية بالنفس في سبيل تحقيق الهدف، وفي بعض الحالات إلى الطموح للوصول إلى نمط حياة جديد ومختلف عبر الثورة على الوضع القائم. الحالة الأخيرة تدفع الكثيرين للاعتقاد بأن ذلك خارج إطار المصالح، مع أن تدقيقاً متمحصاً يوضّح أن الأمر لا يخرج عن غلاف المصالح، وليس مهماً إذا كان السياسي واعياً لذلك أم لا، مادام المآل الموضوعي لممارسته يؤدي إلى ذلك، ولا نعني هنا بالمصلحة المفهوم المادي المباشر بل المعنى العام الذي يتجاوز إطار الفرد إلى إطار الوطن والجماعة أو الطبقة أو الفئة. بعد مسألة مُحَدِد الاتجاه السياسي تبقى الأمور الأخرى في إطار الاختلاف حول تقنية السياسة، والتي من ضمنها يدخل موضوع العلاقة بين (العقيدة) و(السياسة)، بين من يرى أن السياسة هي مُكًثِف لرؤية كونية ولمفهوم الطبيعة، مع إضافتها للجوانب الاقتصادية–الاجتماعية-الثقافية، فيما نجد من يقصر السياسة على الجوانب الاقتصادية-الاجتماعية-الثقافية. على هذا الصعيد رأينا برنشتين لم يحتج، لتشكيل رؤيته السياسية الجديدة، إلى تغيير رؤيته للطبيعة والكون، والتي ظلت مثيلة لما عند خصومه: كاوتسكي وروزا لوكسمبورغ ولينين، بل احتاج إلى منهج فلسفي تحليلي للسياسة، هو الفلسفة الوضعية التي تقطع مع النزعة التاريخية وتفترق عنها، قاطعاً بذلك مع النزعتين التاريخية والديالكتيكية، الموروثتين من هيجل 1770-1831 ومن ثم ماركس، ومن دون أن يتخلى برنشتين عن محتوى المنهج الماركسي في فهم العملية الاقتصادية-الاجتماعية. هذا أدى، أمام اتجاه يميل إلى تشميل السياسة لكل تلك الجوانب وخلطها مع بعضها البعض في العملية السياسية كما عند خصوم برنشتين، إلى تشكيل اتجاه سياسي جديد هو الاشتراكية-الديمقراطية ، بدأ مع أطروحات برنشتين الجديدة عام1898 ثم تبلور انشقاقياً فيما بين هذا الاتجاه والاتجاه الشيوعي منذ تأسيس الأممية الثالثة عام 1919 عقب الثورة البلشفية عام 1917. لكن إذا أردنا فحص هذا التشميل، عند ماركسيين، نراه ليس أكثر من عملية إرادية عند أصحابها، إذا أخذناها من الجوانب التقنية، بمعنى أنه غير متضمًن في المنهج الماركسي الفلسفي التحليلي للسياسة، فمن الممكن للمرء أن يستخدم هذا المنهج للوصول إلى برنامج سياسي يعالج وضعاً اقتصادياً-اجتماعياً-ثقافياً محدداً، في مكان وزمان معينين وضمن جدل الداخل-الخارج، من دون الحاجة إلى استخدام اعتقادي للكون والطبيعة كأساس تحديدي لذلك. على هذا الصعيد من يدرس المسار السياسي للقرن العشرين يلاحظ انحسار الاتجاه الشمولي في السياسة لصالح الاتجاه الآخر الذي يميل إلى نسبية السياسة تجاه مجالات (الاقتصاد) و(الاجتماع) و(الثقافة)، وعزلها عن مجالي (الكون) و(الطبيعة)، وهذا ما يشكل قوة (الليبرالية) و(الاشتراكية-الديمقراطية) في السياسة المعاصرة، على حساب الاتجاهات الأخرى، فيما تبين تجربة الزمن الذي يفصلنا عن أوغست كونت فشل اللادينيين في تشكيل بديل منافس، على الصعيد الاعتقادي الإيماني، للأديان القائمة. كتكثيف: التجربة السياسية منذ القرن التاسع عشر تدل وتفرض الحاجة إلى تحديد حدود (السياسة)، ومجالاتها، مع فصلها عن جانب (العقيدة)، سواء بالمعنى اللاهوتي أو الميتافيزيقي أو المادي المضاد لهما، حيث تتجه (العقيدة) إلى أن يعتبرها البشر مجالاً شخصياً محضاً في الحياة المعاصرة، فيما تبقى هوية كل حزب سياسي محددة بواسطة (ومن خلال) المنهج الفلسفي التحليلي المستخدم في توليد رؤيته السياسية وبرنامجه السياسي، وليس عبر البرنامج السياسي الذي يخضع للوقائع المتغيرة، مما يمكن أن يجعل حزباً ماركسياً يطرح برنامجاً مرحلياً برجوازياً –رأسمالياً (وهو ما رأيناه في وصفة ماركس في "البيان الشيوعي" لألمانيا ما قبل الرأسمالية عام 1848، وما نراه الآن عند الشيوعيين الصينيين منذ الثمانينيات، عندما يرون مع ماركس أنه لا يمكن الدخول في المرحلة الاشتراكية قبل استنفاذ، وتحقق، كافة مراحل التطور الرأسمالي، وهو ما حاولت التجربة البلشفية خرقه عبر ثورة 1917 البلشفية، ثم بان فشلها عام 1991 عندما لم تقد إلى أكثر من رأسمالية الدولة التي أفضت بالنتيجة إلى اقتصاد السوق بزمني يلتسين وبوتين)، إلا أن هذا البرنامج البرجوازي-الرأسمالي الذي يمكن أن يطرحه حزب شيوعي لمرحلة معينة لا يولّد هوية الحزب، بل يأتي ذلك عبر المنهج الماركسي (الرؤية المادية للتاريخ) المولد للرؤية والبرنامج السياسيين، لكن هذا لا يؤدي إلى جعل أعضاء هذا الحزب معتقدين بالعقيدة المادية في المسائل اللاهوتية أو الميتافيزيقية أو القضايا المتعلقة بالطبيعة، لأن استخدامهم للمنهج الفلسفي المعني هو محصور هنا في المسائل ذات الصلة بالسياسة حصراً، أي (الاقتصاد) و(الاجتماع) و(الثقافة)، فيما يمكن أن تكون اعتقاداتهم الشخصية غير ذلك، أي لامادية في مجالي رؤية (الكون) و(الطبيعة)، المفصولتان هنا عن السياسة، وهذا ما يمكن أن يشمل الأحزاب الاسلامية، التي تميل مثل الشيوعيين إلى عدم الفصل بين (العقيدة) و(السياسة)، فيما يفصلهما الاشتراكيون – الديمقراطيون والليبراليون والعروبيون والأحزاب القومية الكردية وكذلك يفصلها الاتجاه الأوجلاني الذي تستند أحزابه، مثل (حزب الاتحاد الديمقراطي) في سوريا أو(حزب ديمقراطية ومساواة الشعوب- ديم) في تركيا، في توليد برنامجها السياسي إلى نظرية عبد الله أوجلان حول (الأمة الديموقراطية).العقيدة شخصية تخص الشخص ومعتقده تجاه الكون والطبيعة وحدودها تتحدد بشخصه، فيما السياسة تخص ما يراه الشخص من آراء تجاه الشأن العام في الاقتصاد والاجتماع والثقافة، وحقه في السعي إلى نشرها في النطاق العام. وبالتالي، يجب الفصل بين العقيدة والسياسة.
حقوق لم تولد بعد: كيف يكشف الواقع السوري حدود القانون وإمكاناته؟
خالد العلي حين نتحدث عن حقوق الإنسان، غالبًا ما نستحضرها بوصفها قائمة جاهزة: حق الحياة، الحرية، الكرامة، المحاكمة العادلة. تبدو هذه الحقوق كما لو أنها ثابتة، مكتملة، تنتظر أن تُطبّق فحسب. لكن الواقع، خصوصًا في مجتمعات مأزومة مثل سوريا، يفرض سؤالاً أكثر إزعاجاً: هل المشكلة في غياب تطبيق الحقوق، أم في أن بعض الحقوق نفسها لم تولد بعد؟ هذا السؤال يقودنا إلى فهم مختلف، مستلهم من فلسفة هيجل، الذي لم يرَ الزمن مجرد إطار تمر فيه الأحداث، بل اعتبره صيرورة حيّة، حركة مستمرة من التحول والتجاوز. في هذا المعنى، لا توجد الحقوق داخل الزمن، بل هي جزء من هذه الصيرورة نفسها. إنها لا تُعطى مرة واحدة، بل تتشكل، تتعرض للنفي، ثم تعود في صيغة أكثر نضجًا. في ضوء هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى القانون باعتباره نصاً ثابتاً، بل كمرحلة مؤقتة في توازن القوى داخل المجتمع، كل قانون هو بطريقة ما، تسوية تاريخية، يعكس ما استطاعت قوى معينة فرضه أو انتزاعه في لحظة معينة، لكن هذه التسوية لا تدوم، لأنها تحمل داخلها تناقضاتها الخاصة. هنا يأتي نقد كارل ماركس، الذي يذكّرنا بأن الحقوق ليست مجرد أفكار نبيلة، بل ترتبط ببنية مادية ومصالح محددة، فالحق في الملكية، مثلاً، لا يمكن فصله عن النظام الاقتصادي الذي يحميه، كما أن المساواة القانونية قد تخفي تفاوتاً فعلياً في القوة والموارد. من هذا المنظور، يمكن أن تكون الحقوق أداة تحرر، لكنها قد تتحول أيضاً إلى غطاء لإعادة إنتاج الهيمنة. إذا انتقلنا إلى الحالة السورية، يصبح هذا التحليل أكثر وضوحاً وقسوة، فالقوانين الاستثنائية، والتوقيف خارج الأطر القانونية، وتقييد الحريات، لا تمثل انتهاكات لحقوق معروفة فحسب، بل تكشف أيضًا حدود النظام الحقوقي القائم، إنها لا تشير إلى غياب العدالة فحسب، بل إلى خلل أعمق في تعريفها ذاته. لكن هنا تكمن المفارقة: الانتهاك ليس نهاية الحق فحسب، بل قد يكون أيضاً بداية وعي جديد به. عندما يُحرم الأفراد من الضمانات الأساسية، لا يكتفون بالمطالبة بتطبيق القوانين القائمة، بل يبدؤون بشكل واعٍ أو غير واعٍ في تخيل حقوق لم تكن مطروحة من قبل. وهكذا، يتحول الصراع من مجرد دفاع عن حقوق موجودة إلى سعي لخلق أفق حقوقي جديد. في هذا السياق، يمكن الحديث عن “حقوق لم تولد بعد” في المجتمع السوري، لا بوصفها خيالاً طوباوياً، بل كإمكانات تتشكل داخل التجربة نفسها. من بين هذه الحقوق: - حق الحماية من الاعتقال التعسفي، لا كضمان إجرائي فقط، بل كقيد فعلي على سلطة الدولة. - حق المشاركة السياسية، لا كتصويت شكلي، بل كقدرة حقيقية على التأثير. - حق العدالة الانتقالية، الذي يتجاوز العقاب إلى إعادة بناء الثقة الاجتماعية. - حق الذاكرة، أي الاعتراف بالضحايا وعدم طمس الحقيقة. هذه الحقوق ليست غائبة فحسب، بل هي في طور التشكل. إنها تعيش داخل التوتر القائم، داخل الرفض، داخل محاولات الفهم والمقاومة، بعبارة أخرى، إنها جزء من “زمن” المجتمع السوري ليس الزمن الذي تقيسه الساعات، بل الزمن الذي تصنعه التجارب والتحولات. لكن هذا الفهم يحمل خطراً يجب الانتباه له. فإذا قلنا إن كل شيء جزء من صيرورة تاريخية، فقد ننزلق إلى تبرير الواقع، كما لو أن الانتهاكات مجرد “مرحلة ضرورية”، لذلك، لا بد من الحفاظ على توتر أساسي: الاعتراف بتاريخية الحقوق، دون التخلي عن حد أدنى معياري لا يجوز انتهاكه. هذا التوتر هو ما يمنع الفكر الجدلي من التحول إلى أداة تبرير، ويُبقيه في موقع النقد. فالدفاع عن حقوق الإنسان لا يقتصر على المطالبة بتطبيقها، بل يتطلب أيضاً مساءلتها، وتوسيعها، وفتح المجال أمام ما لم يُفكَّر فيه بعد. في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو: لماذا لا تُحترم الحقوق في سوريا؟ بل: ما هي الحقوق التي لم تصبح ممكنة بعد؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تأتي من النصوص القانونية وحدها، بل من قلب التجربة الاجتماعية نفسها حيث يتشكل، بصمت أو بصراع، مستقبل لم يُكتب بعد. ------------------------------------------------------------------------------------------
قنبلة الجنوب الموقوتة: لماذا يجب على العواصم ألا تغمض أعينها عن السويداء؟
- بهاء الشايب - لم يعد المشهد في محافظة السويداء، الواقعة في أقصى الجنوب السوري، مجرد تفصيلٍ زائد في جغرافيا الأزمة السورية الممتدة، بل تحول المتغير ميدانياً وسياسياً إلى معادلة استراتيجية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها أوراق الأمن الإقليمي، والسيادة الوطنية، والمسؤولية الأخلاقية الدولية. إن قراءة الواقع الراهن في السويداء بعين الاختزال الخدمي أو الاقتصادي التقليدي هي خطأ استراتيجي فادح؛ فالمنطقة اليوم تعيش مخاضاً معقداً يضعها بوضوح بين مطرقة "الانفجار" المعيشي" وسندان "التسويات الأمنية القاسية"، في مربع جغرافي لا يحتمل أي مغامرة غير محسوبة العواقب. الرهائن الصغار :عندما يتحول التعليم إلى ورقة ضغط سياسي تبدأ أولى ملامح الأزمة المقلقة من الصدمة الإنسانية والاجتماعية الأكبر التي تضرب عصب المجتمع في السويداء؛ حيث يواجه أكثر من 14 ألف طالب وطالبة في المحافظة خطر الحرمان من تقديم امتحانات الشهادتين الثانوية والأساسية )البكالوريا والتاسع( للعام الثاني على التوالي. هذا الشلل القسري في قطاع التعليم ليس مجرد خلاف فني أو إداري، بل هو انعكاس مأساوي لمعركة "كسر إرادة" سياسية وإدارية تدور رحاها بين المرجعيات المحلية الأهلية والروحية (الرئاسة الروحية للمسلمين الموحدين والفصائل المحلية) من جهة، وبين السلطات المركزية في دمشق ووزارة التربية من جهة أخرى، حول آليات ودخول اللجان الإشرافية الوزارية إلى المحافظة. إن تحويل مصير جيل كامل إلى رهينة للانسداد السياسي يمثل سابقة شديدة الخطورة. هذا الاحتقان ولّد حالة عارمة من الإحباط والغضب بين العائلات، وبدأ يدفع مئات الطلاب إلى هجر مقاعد الدراسة قسراً والارتماء في سوق عمل غير منظم أو الهجرة، مما يفرغ المنطقة من نخبتها الشابة ويؤسس لبيئة خصبة للاستقطاب والتوتر الفكري والاجتماعي. الحصار المعيشي الصامت: سياسة "حافة الهاوية" الاقتصادية بالتوازي مع الاختناق التعليمي، تخضع السويداء لما يمكن وصفه بـ "الحصار الاقتصادي غير المعلن"؛ أسواق المحافظة تشهد شحاً حاداً وغير مسبوق في المواد التموينية الأساسية، مع تراجع حاد ومستمر في كميات المحروقات الواردة إليها. الأخطر من ذلك هو "معركة الرغيف"، حيث تشتكي الفعاليات الأهلية من تراجع مخصصات الطحين للمخابز، مما جعل السكان يواجهون أزمة خبز خانقة دفعتهم للاعتماد شبه الكلي على طحين المساعدات الخارجية والإغاثية الأممية لسد الرمق، وسط دوامة معقدة يواجهها الموظفون والمتقاعدون في تحصيل رواتبهم التي التهمها التضخم وغلاء المعيشة. هذه البيئة المعيشية القاسية لا يمكن فصلها عن التجاذب السياسي؛ إذ يُنظر إليها محلياً على أنها سياسة ضغط ناعم لإجبار الفعاليات المحلية على تقديم تنازلات جوهرية في ملفات الإدارة والأمن، وهو ما تراه النخب المحلية محاولة لإخضاع المحافظة عبر بوابة التجويع والإنهاك الخدمي. الجغرافيا الحرجة: حدود ملتهبة وشبكات عابرة للقارات إن ما يمنع سقوط السويداء من حسابات صناع القرار الإقليمي والدولي هو موقعها الجيوسياسي؛ فالأزمة في المحافظة ليست شأناً داخلياً محضاً، بل هي متصلة مباشرة بأمن الإقليم .تعيش المحافظة على صفيح ساخن من التوترات الأمنية الداخلية والاشتباكات الفصائلية أو العشائرية التي تندلع في البادية والبلدات بين الحين والآخر، مغذية حالة الفلتان وفوضى السلاح. لكن الملف الأبرز الذي يقلق العواصم الإقليمية، وعلى رأسها عمان والدول الخليجية، هو "أمن الحدود الجنوبية" وشبكات تهريب المخدرات والأسلحة العابرة عبر بادية السويداء والشريط الحدودي. تواجه الفعاليات المحلية والفصائل ضغوطاً ومطالب مستمرة بضرورة الانخراط الفعال في مكافحة هذه الشبكات المنظمة، في وقت تتداخل فيه خيوط هذا الملف بين أطراف محلية، وقوى أمر واقع، وأجهزة أمنية، مما يجعل الحدود الجنوبية السورية برميلاً من البارود قابل للانفجار في أي لحظة، مهدداً دول الجوار مباشرة. ولم تقف الأعباء عند هذا الحد، بل تحولت مدن المحافظة (مثل شهبا وغيرها) إلى مراكز استقطاب ديموغرافي هائل، بعد استقبالها آلاف الوافدين والنازحين من المحافظات الأخرى نتيجة التحولات الميدانية الأخيرة في البلاد، مما شكّل ضغطاً يفوق طاقة البنية التحتية والمنظومة الصحية والبلدية الشحيحة أصلاً. سيناريوهات المستقبل: التفاوض المرن أم الفوضى الشاملة؟ أمام هذا المشهد المتشابك، تقف السويداء اليوم في عين العاصفة، وتتأرجح الخيارات المستقبلية أمام صناع القرار بين ثلاثة مسارات لا رابع لها: • سيناريو "التسوية الشاملة والمرنة": وهو الممر الإجباري العقلاني الوحيد؛ ويتطلب جلوس المرجعيات الروحية والفصائل المحلية مع السلطة المركزية، برعاية أو وساطة إقليمية/عربية، لصياغة تفاهمات واضحة تضمن عودة السيادة الإدارية والخدمية للدولة (فتح ملف الامتحانات، تدفق المحروقات والطحين، وصرف الرواتب) مقابل ترتيبات أمنية تحفظ خصوصية المنطقة وتضمن انخراطاً حقيقياً في ضبط الحدود ومكافحة التهريب. • سيناريو "الحصار وتكريس الأمر الواقع": استمرار المماطلة والتعنت من الأطراف كافة سيؤدي إلى ترسيخ "الإدارة الذاتية القسرية بحكم الأمر الواقع"، حيث ستنفصل المحافظة خدمياً وتعليمياً بالكامل، معتمدة بالكامل على أموال المغتربين والمساعدات الخارجية، مما يعمّق الفجوة مع المركز ويحولها إلى منطقة "رمادية" هشة ومستنزفة. • سيناريو "الانفجار الكبير والانفلات الأمني الشامل": في حال تزايد الضغط المعيشي لدرجة الانفجار، أو انهيار لغة الحوار وتصاعد المواجهات المسلحة الداخلية، قد تنزلق السويداء نحو فوضى عارمة واقتتال محلي وعشائري، ما سيتيح لشبكات التهريب والتنظيمات المتطرفة استغلال الفراغ، ليتحول الجنوب السوري برمتّه إلى بؤرة تهديد إقليمي يستحيل احتواؤها. رسالة إلى صناع القرار: إن السويداء اليوم ليست مجرد بقعة جغرافية تعاني أزمة عابرة، بل هي حجر الدومينو الذي إن سقط، فستتساقط معه تفاهمات التهدئة والاستقرار الهش في عموم سوريا والمنطقة. إن إنقاذ مستقبل آلاف الطلاب، وتأمين لقمة عيش المواطن، وضبط السلاح المنفلت، والتعامل بجدية مع ملف الحدود هي حزمة واحدة لا تقبل التجزئة. على الوزراء والرؤساء، محلياً وإقليمياً، أن يدركوا أن سياسة "تأجيل الأزمات" أو "تصفير المشاكل عبر الحصار" قد انتهت صلاحيتها، وأن التدخل السياسي العاجل لصياغة تسوية واقعية هو الخيار الوحيد لمنع اشتعال عاصفة جديدة في الجنوب، لن ترحم أحداً. ------------------------------------------------------------------------------------------ كلمة المحامي محمد علي الصايغ (رئيس مكتب الاعلام في هيئة التنسيق الوطنية) في مجلس عزاء وتأبين المرحوم المناضل المحامي حسن عبد العظيم الأمين العام السابق لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي والمنسق العام لهيئة التنسيق الوطنية في المركز الثقافي بحلب (7أيار2026) أَبُو مَمدُوح وَدَاعًا.. سَنَفتَقِدُكَ دَائِمًا السَيداتِ والسَادَةٌ الكِرَام فِي حَيَاتِنَا رِجَالٌ يَدخُلُونَ التَّارِيخَ، وَيَترُكُونَ أَثَراً لَا يُنسَى بِحُضُورِهِم وَتأثِيرِهِم فِي أَوْسَاطِهِم، وَيَصنَعُونَ دَوَائِرَ مِنَ العَلَاقَاتِ حَولَهُمْ. الأُستَاذُ حَسَنُ عَبدُ العَظِيمِ (أَبُو مَمدُوح) السِّيَاسِيُّ المُنَاضِلُ مِن هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ الَّذِينَ كَرَّسُوا حَيَاتَهُم مِنْ أَجلِ خِدمَةِ النَّاسِ وَالدِّفَاعِ عَن حُقُوقِهم، وَمُوَاجَهَةِ الاستِبدَادِ وَالظُّلمِ وَالفَسَادِ، للانتِقَالِ مِنَ الدَّولَةِ الأَمنِيَّةِ القَمعِيَّةِ إِلَى الدَّولَةِ الوَطَنِيَّةِ الدِّيمُقرَاطِيَّةِ. عَايَشَ (أَبُو مَمدُوح) تَارِيخَ سُورِيَا مُنذُ الاستِقلَالِ بِكُلِّ مَرَاحِلِهِ وَمَفَاصِلِهِ، وُلِدَ فِي دِمَشقَ / حَلبُونَ ١٩٣٢، شَارَكَ فِي الجَبهَةِ الوَطَنِيَّةِ عَامَ ١٩٦٨ وَاعتُقِلَ ، وَعَمِلَ فِي التَّجَمُّعِ الوَطَنِيِّ الدِّيمُقرَاطِيِّ إِلَى جَانِبِ الدُّكتُورِ جَمَالِ الأَتَاسِيِّ الَّذِي تَأَسَّسَ عَامَ ١٩٧٩، وَأَصبَحَ النَّاطِقَ بِاسمِهِ عَامَ ٢٠٠٠. كَانَ أَحَدَ المُشَارِكِينَ فِي رَبِيعِ دِمَشقَ مِنْ عَامِ ٢٠٠١ إِلَى عَامِ ٢٠٠٥، كَمَا كَانَ مِنَ المُؤَسِّسِينَ لِهَيئَةِ التَّنسِيقِ الوَطَنِيَّةِ لِقُوَى التَّغيِيرِ الدِّيمُقرَاطِيِّ عَامَ ٢٠١١، وَأَصبَحَ بِالتَّوَافُقِ المُنَسِّقَ العَامَّ لَهَا حَتَّى وَفَاتِهِ. كَمَا كَانَ مِنَ الدَاعْينَ والمُؤَسِسينَ للجَبهَةِ الوَطَنِيَةِ الدِيمُقرَاطِيَةِ( جُود ) عام ٢٠٢١ وتم منع الانعقاد للاجتماع الفيزيائي " لجود " من قبل السلطات السورية ، وشَارَكَ فِي الهَيئَةِ العُليَا لِلتَّفَاوُضِ لِقُوَى الثَّورَةِ وَالمُعَارَضَةِ الَّتِي انبَثَقَت عَنْ مُؤتَمَرِ رِيَاض ٢ لَم يَغِب عَن أَيَ مُظَاهَرةٍ أَو اِعتِصَام أو مُنتَدَى مِنَ المُنتَدَيَات في دٌمَشقَ رَافِعَاً صَوتَهُ ضِدَ الاِستٌبدَاد ، وَاِعتُقِلَ خِلَالَ مَسيرَتِهِ السِيَاسِيَة ثَمَانِي اِعتِقَالَاتٍ فِي سُجُونِ النِظَام وفُرُوعِه الأَمنِيَة . يَتَّصِفُ أَبُو مَمدُوح بِصِفَاتٍ استِثنَائِيَّةٍ: ثَبَاتٌ فِي المَبدَأِ وَالمَوقِفِ، وَحُرِّيَّةٌ فِي اتِّخَاذِ القَرَارِ، مُعَارِضًا لَا يَلِينُ، لَا تُوهِنُ عَزِيمَتَهُ الضُّغُوطُ، وَلَا يَرضَخُ لِلتَّهدِيدِ أَو إِغرَاءِ المَنَاصِبِ، وَبَقِيَ طَوَالَ حَيَاتِهِ نَظِيفَ اليَدِ، وَلَم يَمُدَّ يَدَهُ لِلخَارِجِ، مُنَاضِلاً عَفِيفاً وَمُتَوَاضِعاً ، دَائِمَ التَفَاؤُلَ بإِنجَازِ التَّغيِيرِمِنَ اَلنِظَامِ البَائِدِ . وَسُجُونُ النِّظَامِ لَمْ تَزِدهُ إِلَّا إِصرَاراً وَثَبَاتاً عَلَى مَوَاقِفِهِ، وَقَنَاعَتِهِ بِضَرُورَةِ التَّغيِيرِ الوَطَنِيِّ الدِّيمُقرَاطِيِّ . وَقَفَ مَعَ الثَّوْرَةِ السُّورِيَّةِ مُنذُ انطِلَاقَتِهَا، وَتَمَسَّكَ بِالشِّعَارِ الَّذِي رَفَعَتهُ هَيئَةُ التَّنسِيقِ الوَطَنِيَّةِ عَامَ ٢٠١١: «لَا لِلعُنفِ، لَا لِلطَّائِفِيَّةِ، لَا لِلتَّدَخُّلِ الخَارِجِيِّ، لَا لِلاِستِبدَادِ، وَنَعَم لِلحَلِّ السِّيَاسِيِّ السِّلمِيِّ لِتَجنِيبِ البِلَادِ القَتلَ وَالدَّمَارَ وَالخَرَابَ». مُعتَبِراً مَعَ رِفَاقِهِ أَنَّ عَسكَرَةَ الثَّوْرَةِ تَفتَحُ البَابَ أَمَامَ التَّدَخُّلِ الخَارِجِيِّ وَالصِّرَاعِ عَلَى النُّفُوذِ، مَا يُؤَدِّي إِلَى التَّدَخُّلَاتِ الإِقلِيمِيَّةِ وَالدُّوَلِيَّةِ عَلَى الأَرْضِ السُّورِيَّةِ. الأُستَاذُ حَسَنُ عَبدُ العَظِيمِ مُنَاضِلاً حُرّاً، وَحدَوِيّاً عُرُوبِيّاً فِكراً وَمُمَارَسَةً، حَارَبَ الفِئَوِيَّةَ وَالطَّائِفِيَّةَ وَكُلَّ شَكلٍ مِنْ أَشْكَالِ التَّميِيزِ وَالعُنصُرِيَّةِ، وَمَدَّ جُسُورَ التَّعَاوُنِ مَعَ كَافَّةِ الطَّيفِ السِّيَاسِيِّ الوَطَنِيِّ، وَمَدَّ بَصَرَهُ إِلَى المُؤتَمَرِ القَومِيِّ العَرَبِيِّ وَالمُؤتَمَرِ القَومِيِّ الإِسلَامِيِّ، وَكَانَ فَاعِلاً فِيهِمَا، يَتَحَرَّكُ بِفِكرٍ جَمعِيٍّ، فَكَانَ حَاضِناً لِكُلِّ الوَطَنِيِّينَ وَالقُوَى الوَطَنِيَّةِ بِحِوَارَاتٍ مُتَوَاصِلَةٍ تَدعُو لِلتَّجَمُّعِ وَالوَحدَةِ فِي مُوَاجَهَةِ قُوَى الاِسْتِبدَادِ وَالفَسَادِ. وَكَانَ المَرحُومُ أَبُو مَمدُوح يَتَسَاءَلُ دَائِمًا: كَيفَ سَتَعُودُ السِّيَاسَةُ إِلَى المُجتَمَعِ بَعدَ سَنَوَاتِ التَّصَحُّرِ السِّيَاسِيِّ المَدِيدِ؟ وَبِأَيَّةِ ظُرُوفٍ وَشُرُوطٍ سَتَعُودُ؟ هَلْ سَتُبنَى كَفِعلٍ مُستَقِلٍّ حُرٍّ يَتَحَرَّكُ ضِمنَ المُجتَمَعِ وَيَتَمَظهَرُ بِتَكوِينِ حَرَكَاتِهِ السِّيَاسِيَّةِ وَالمَدَنِيَّةِ بِحُرِّيَّةٍ، أَم أَنَّ السِّيَاسَةَ لَن تَكُونَ إِلَّا كَإِطَارٍ هَامِشِيٍّ يُمنَحُ وَيُضبَطُ بِأَوَامِرَ عُليَا؟ وَتَأسيسَاً عَلَى ذَلِكَ كَانَ يَرَى أَنَّ الاِنتِقَالَ مِنَ الاِستِبدَادِ إِلَى النِّظَامِ الدِّيمُقرَاطِيِّ التَّدَاوُلِيِّ لَا يَتِمُّ إِلَّا عَبرَ تَوَافُقٍ وَطَنِيٍّ عَامٍّ، وَفقَ أَرضِيَّةِ المُوَاطَنَةِ المُتَسَاوِيَةِ لِلجَمِيعِ، وَعَلَى أَسَاسِ مَبدَأِ التَّشَارُكِيَّةِ المُجتَمَعِيَّةِ، وَعَبرَ فَتحِ أَبوَابِ الحِوَارِ عَلَى مِصرَاعَيهِ، وَمُشَارَكَةِ السُّورِيِّينَ يَداً بِيَدٍ مِن أَجلِ بِنَاءِ سُورِيَا الجَدِيدَةِ: سُورِيَا الحُرَّةِ المُوَحَّدَةِ المُستَقِلَّةِ، الَّتِي تُرَسِّخُ دَعَائِمَ العَدَالَةِ وَحُكمِ القَانُونِ، وَتَمضِي عَلَى طَرِيقِ التَّقَدُّمِ وَالنَّهضَةِ. إِنَّنَا فِي هَيئَةِ التَّنسِيقِ الوَطَنِيَّةِ لِقُوَى التَّغيِيرِ الدِّيمُقرَاطِيِّ فِي سُورِيَا نُعَبِّرُ عَنْ حُزنِنَا العَمِيقِ لِوَفَاةِ مُنَسِّقِهَا العَامِّ الأُستَاذِ حَسَنِ عَبدِ العَظِيمِ، ونُعَزي حِزبَه الاِتِحَاد الاِشتِرَاكِي العَرَبِي الدِيمُقرَاطِي وَرِفَاقَ دَربِهِ وأُسرَتُه وأَصدِقَائَه ،وَنَرجُو مِنَ اللَّهِ الرَّحمَةَ وَالغفِرَانَ لَهُ، وَنَسأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَن يَجعَلَهُ فِي عَلِّيِّينَ، وَأَن يُسكِنَهُ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ. والسلام عليكم .. --------------------------------------------------------------------------------------
جذور وتطور الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية بقلم: سوزان مالوني Atlantic Council (2017) www.jstor.com/stable/resrep03501
- هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)
في عام ٢٠١٣، شهد الجمود الطويل الأمد بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية بشأن البرنامج النووي الإيراني تحولًا مفاجئًا بفعل زخم دبلوماسي جديد. فعقدٌ كامل من المفاوضات كان قد فشل في كبح الطموحات النووية الإيرانية، وبينما تمكنت واشنطن وحلفاؤها من إلحاق أضرار غير مسبوقة بالاقتصاد الإيراني عبر عقوبات مالية مبتكرة، أصرّ القادة الإيرانيون على أنهم لن يرضخوا. ثم، ومن دون سابق إنذار تقريبًا، بدأت موازين الجمود بين الولايات المتحدة وإيران تتحرك. فقد تم استبدال الرئيس الإيراني المثير للجدل، محمود أحمدي نجاد، بشخصية سياسية أكثر اعتدالًا وأناقة، هو حسن روحاني، خاضت حملتها الانتخابية في حزيران2013على أساس إنهاء المواجهة النووية. كما تم تهميش كبير المفاوضين الإيرانيين، الذي كان ينظر إلى المحادثات النووية كمنبر للحديث عن دبلوماسية النبي محمد، هو سعيد جليلي، لصالح دبلوماسي قضى من حياته في الولايات المتحدة بقدر ما قضاه في إيران.، هو جواد ظريف. وفي الوقت ذاته، اكتسبت الجهود التي كانت تبذلها إدارة أوباما لإجراء حوار سري مع طهران والتي كانت تُعتبر حتى ذلك الحين بعيدة المنال وغير مثمرة إلى حد كبير حياة جديدة كآلية للتوصل إلى صيغة لحل القضية النووية. لقد هزّت هذه الدبلوماسية ونتائجها الاتفاق النووي المؤقت في نوفمبر ٢٠١٣، ثم الاتفاق الشامل في يوليو ٢٠١٥منطقة شرق أوسط كانت أصلًا تعيش اضطرابات عميقة. وأصبح الاتفاق النووي الإيراني معيارًا لتحديد مستقبل المنطقة، كما تحول إلى محور جدل محتدم داخل واشنطن المنقسمة سياسيًا. ومع مرور الوقت، لم تهدأ المشاعر تجاه الاتفاق، بل انتقل الجدل من التفاصيل التقنية الدقيقة الواردة في الاتفاق المسمى ب (خطة العمل الشاملة المشتركة( المؤلفة من ١٥٩ صفحة، إلى التركيز مباشرة على طبيعة العلاقات بين إيران وجيرانها. وكما أكد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مرارًا، فإن الاتفاق تناول بُعدًا واحدًا فقط من التحدي الإيراني، وضمن هذا الإطار المحدود يمكن اعتباره نجاحًا نسبيًا. فبفضل الاتفاق، تم خفض عدد أجهزة الطرد المركزي الإيرانية المركبة بمقدار الثلثين، كما تم تحديد سقف لمخزون اليورانيوم منخفض التخصيب، وتعطيل مفاعل البلوتونيوم، وتقييد الأبحاث النووية، وإخضاع جميع جوانب البرنامج النووي الإيراني لرقابة وتفتيش دوليين صارمين. وعلى الرغم من بعض المخاوف، فإن احتمال حدوث سباق انتشار نووي إقليمي بدا وكأنه تراجع منذ توقيع الاتفاق. وفي خضم الاضطرابات والمآسي التي لا تزال تضرب الشرق الأوسط اليوم، فإن غياب اتفاق يقيّد القدرات النووية الإيرانية كان سيضاعف المخاطر بصورة خطيرة للغاية. وقد شكّل اختبار كوريا الشمالية لصاروخ بالستي عابر للقارات في يوليو ٢٠١٧، والصعوبة التي واجهتها واشنطن في صياغة رد فعال، تذكيرًا قويًا بأن حتى القيود غير الكاملة على الطموحات النووية الإيرانية تساعد في احتواء احتمالات التصعيد في المنطقة. ومع ذلك، فمن الواضح أيضًا أن تداعيات الاتفاق النووي محدودة. ففي واشنطن، ساهمت المكاسب التي حققتها الدبلوماسية بشأن الملف النووي في خلق توقعات متفائلة لدى بعض أفراد إدارة أوباما، مفادها أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام عملية أوسع لاعتدال السلوك الإيراني تجاه العالم. فقد صرح أوباما في أول مؤتمر صحفي له بعد الاتفاق قائلاً: “آمل أن نتمكن، بالاستناد إلى هذا الاتفاق، من مواصلة الحوار مع إيران بطريقة تشجعها على التصرف بشكل مختلف في المنطقة، وأن تصبح أقل عدوانية وأقل عداءً وأكثر تعاونًا، وأن تتصرف كما نتوقع من الدول في المجتمع الدولي”، لكنه أضاف أيضًا: “لسنا نعتمد على ذلك“. من جانبهم، استغل المسؤولون الإيرانيون هذا الاهتمام الأمريكي بتوسيع نطاق الانخراط السياسي خلال المفاوضات، حيث ألمحوا مرارًا إلى أن الاتفاق سيفتح المجال أمام حوار جاد وتعاون ثنائي بشأن قضايا المنطقة. لكن هذه التوقعات أثبتت عدم صحتها، على الأقل على المدى القصير. فخلال المفاوضات الشاقة، وحتى بعد تنفيذ الاتفاق، واصلت طهران القيام بما اعتادت عليه منذ ثورة عام ١٩٧٩: السعي إلى توسيع نفوذها في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. بل إنها نجحت في استغلال الصراع الطائفي المتفاقم في المنطقة، وعززت موقعها المهيمن في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط، وبدأت تدريجيًا بإعادة تشكيل النظام الإقليمي بما يخدم مصالحها. ولم يكن هذا التطور نتيجة مباشرة أو مقصودة للاتفاق النووي أو للدبلوماسية الأمريكية، كما ادّعى بعض أصحاب نظريات المؤامرة. إلا أن تزامن هذين المسارين توسع النفوذ الإيراني وترسيخه بالتوازي مع التفاوض على الاتفاق النووي أدى إلى تصاعد شعور بعض جيران إيران بالتهديد، مما دفع خصومها، وعلى رأسهم السعودية، إلى تبني سياسات أكثر حزمًا، وأدى إلى تصاعد الصراع على النفوذ الإقليمي. ونتيجة لذلك، بقيت التحديات التي تفرضها طهران على المصالح الأمريكية وحلفائها، وكذلك الردود عليها، لا تقل أهمية أو خطورة عما كانت عليه سابقًا. إن تحقيق الاستقرار في ساحات الصراع الرئيسية الثلاث في المنطقة العراق وسوريا وأفغانستان يتطلب الحد من الدور الإيراني أو تحييده أو تغييره، كما أن أي أمل في مستقبل أكثر سلمًا وازدهارًا للشرق الأوسط يستلزم تخفيف حدة التنافس الطائفي والاستراتيجي بين طهران ومنافسيها الرئيسيين في الخليج. ومن هنا، فإن فهم الدوافع التي تحرك السياسات الإقليمية الإيرانية يُعد أمرًا أساسيًا لمواجهة هذا التحدي. فمثل أي دولة أخرى، تتضمن أجندة الجمهورية الإسلامية الإقليمية جانبًا من الواقعية السياسية، إلا أن ذلك ليس العامل الوحيد أو حتى الرئيسي في صياغة السياسة الإيرانية. ويعرض التحليل التالي خمسة عوامل أساسية مكّنت طهران من توسيع نفوذها خلال الثمانية والثلاثين عامًا الماضية، وخاصة من خلال استغلال البيئة الفوضوية التي خلّفتها التدخلات الأمريكية في العراق 2003وأفغانستان2001، إضافة إلى تداعيات الربيع العربي. الإرث الامبراطوري: في ظل أي قيادة يمكن تصورها تقريبًا، كانت إيران ستسعى إلى لعب دور يفوق حجمها الطبيعي في منطقة الشرق الأوسط الأوسع. فحتى في إيران ما قبل العصر الحديث، كانت القيادة المتمركزة في الأراضي التي تشكل إيران اليوم تمتلك نفوذًا واسع الامتداد. وبعد أن تقلصت مطالبها الإقليمية، خصوصًا بفعل التوسع الروسي، أعاد ظهور الدولة القومية الحديثة خلال الحقبة البهلوية 1925 -1979 إحياء تصميم قادتها على جعل إيران القوة الإقليمية المهيمنة وصاحبة سياسة خارجية مستقلة وفعّالة داخل محيطها. وقد تعززت هذه الرؤية المعاصرة لتفوق إيران الطبيعي عبر العصر الحديث من خلال استدعاء متعمد لإرث البلاد بوصفها وريثة الإمبراطورية الفارسية القديمة وحضارة عظيمة. ولهذا، فإن تصور إيران لحقها الإمبراطوري لا يزال حاضرًا بقوة لدى شعبها وقيادتها على حد سواء. تدين الدولة الإيرانية الحديثة بالكثير لجذورها التاريخية التي تعود على الأقل إلى عام ٥٥٩ قبل الميلاد، حين بدأ قورش العظيم حملاته العسكرية التي أسست لإمبراطورية فارسية مترامية الأطراف امتدت من شمال الهند حتى اليونان. ويخفي التماسك التاريخي لإيران كدولة تنوعها العرقي الكبير؛ إذ إن الفرس يشكلون ما يزيد قليلًا على نصف السكان فقط، بينما يشكل الأذريون الأتراك نحو ٢٥ بالمئة، والأكراد ما بين ٨ و١٠ بالمئة تقريبًا، إضافة إلى مجموعات متنوعة أخرى مثل القشقاي، والبُوير أحمديين، والتركمان، والأفشار، والبختياريين، والبلوش، والعرب، واللور. ورغم أن الجيوش العربية الإسلامية غزت إيران في القرن السابع الميلادي، فإن التحول التدريجي لغالبية سكان إيران إلى الإسلام لم يكن مصحوبًا بتبنٍ كامل للغة العربية أو الثقافة أو العادات العربية. وقد ساهم هذا التنوع، إلى جانب تقاليد الحكم الممتدة للأقليات حيث إن بعض أهم السلالات الحاكمة في إيران خرجت من الأذريين الأتراك في تعزيز ولاءات مشتركة تتجاوز القومية العرقية البسيطة. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، تعمدت جهود بناء الدولة الحديثة في إيران استحضار التراث الثقافي والسلالة الإمبراطورية كوسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ الهوية القومية. وتتجسد الجذور الفكرية لهذه الرؤية في الملحمة الوطنية الإيرانية “الشاهنامه” للشاعر أبو القاسم الفردوسي، التي كُتبت قبل أكثر من ألف عام. تمجّد الشاهنامه ملوك إيران العظام ومحاربيها، وتربط الإيرانيين وسكان الأراضي التي كانت جزءًا من الإمبراطوريات الفارسية القديمة بـ “ماضٍ ثقافي مشترك متخيَّل“. وقد أصبحت هذه التقاليد والأساطير جزءًا من الحياة السياسية المعاصرة باعتبارها مرجعيات أساسية. فقد استند رضا خان، مؤسس الدولة البهلوية، بشكل مكثف إلى التاريخ الإمبراطوري المجيد لإيران، حتى إنه غيّر اسم البلاد من “بلاد فارس” إلى “إيران”في عام1935 للتأكيد على الامتداد الجغرافي الواسع للإمبراطوريات الفارسية القديمة. وبالنسبة لرضا شاه، كان توظيف التاريخ وسيلة لترسيخ سلطته، أما ابنه محمد رضا شاه1941-1979 فكان يرى نفسه ودولته الوريث الشرعي لقورش العظيم والإمبراطوريات الإيرانية العريقة. وقد غيّر لفترة وجيزة التقويم الرسمي إلى تقويم يستند إلى أصول الملكية الفارسية، كما أقام عام ١٩٧١ احتفالًا ضخمًا بمناسبة مرور ٢٥٠٠ عام على تأسيس الإمبراطورية الأخمينية في برسبوليس، حيث خاطب قبر قورش العظيم أمام حشود من كبار الشخصيات الأجنبية، رابطًا نفسه بذلك الإرث بصفته “شاهنشاه” أي “ملك الملوك“. قد يكون من السهل اعتبار رؤية البهلويين لإيران مجرد مظهر من مظاهر الترف أو تضخم الأنا، لولا أن هذا التصور لإيران متجذر بعمق في الهوية الوطنية الإيرانية، وقد أثبت قدرة لافتة على الاستمرار. فترسيخ أمجاد الإمبراطورية الفارسية القديمة ساهم في تشكيل نظرة الإيرانيين للعالم طوال العصر الحديث، حتى لدى أولئك الذين رفضوا هذه الرؤية. ويحتل الماضي الإمبراطوري الإيراني مكانة مركزية في الحياة اليومية، ويتجلى ذلك في التمسك المستمر بالتقويم الشمسي والاحتفالات المرتبطة بعيد النوروز، رأس السنة الزرادشتية، إضافة إلى الاحترام العميق للتقاليد الشعرية في الثقافة الفارسية. ولا تمثل هذه الأمور مجرد بقايا للتعددية الثقافية الإيرانية، بل تعكس أيضًا ادعاء إيران بحقها في تاريخ ومستقبل باعتبارها إحدى الحضارات العظمى والقوة الإقليمية الرئيسية. كما أن التفوق الديموغرافي والاقتصادي والعسكري لإيران الحديثة يعزز هذا الشعور بالأحقية والتفوق. وكما قيل: “تعتقد إيران أنها تمتلك الثقل التاريخي والثقافي وحتى الأخلاقي الذي يؤهلها للتأثير بقوة في المنطقة التي كانت الإمبراطوريات الفارسية تهيمن عليها يومًا ما.” إن هذا الاعتزاز بمكانة الدولة الكبرى يتغلغل في التفكير الاستراتيجي الإيراني، ويغذي شعورًا بالمصير الهيمني، خاصة على حدودها. وقد رفض الثوريون الإسلاميون في إيران هذه الرؤية، بسبب ما رأوه تهميشًا للإسلام وانبهارًا بالغرب. ومن الناحية الرسمية، تؤكد القيادة الإيرانية أن “عصر الإمبراطوريات في المنطقة قد انتهى”، وفي السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية تم تثبيط المظاهر الثقافية المرتبطة بالماضي الإيراني ما قبل الإسلامي، في تعاكس واضح مع النهج الذي اتبعته الملكية. ومع ذلك، ظل أثر “الإحساس المتجذر بالأحقية التاريخية الفارسية” واضحًا في طريقة تعامل طهران مع محيطها، وكذلك في الطريقة التي تنظر بها القوى الإقليمية الأخرى إلى التحركات والنوايا الإيرانية. وقد أُعيد إحياء العديد من التقاليد السابقة للإسلام خلال الحرب العراقية الإيرانية بهدف تعزيز الدعم الشعبي. كما تكشف الخطابات الرسمية أحيانًا عن شعور بامتياز إمبراطوري عند الإشارة إلى دول كانت جزءًا من “فارس الكبرى” مثل البحرين. أما الاتفاقيات التي اعتُبرت مجحفة وأدت إلى تقليص حدود الدولة الحديثة، مثل معاهدتي كلستان وتركمانجاي اللتين تنازلت إيران بموجبهما عن معظم منطقة القوقاز لصالح روسيا، فلا تزال تُستحضر باستمرار كعبرة وتحذير للدبلوماسية الإيرانية المعاصرة. وقد سعت الجمهورية الإسلامية بجد إلى توسيع نفوذها الأمني والسياسي والاقتصادي في “جوارها القريب”، خصوصًا في العراق وعبر منطقة المشرق العربي. وكما صرح وزير الاستخبارات الإيراني السابق علي يونسي عام ٢٠١٥، فإن طهران تنظر إلى العراق على أنه “ليس فقط جزءًا من مجالنا الحضاري، بل هو هويتنا وثقافتنا ومركزنا وعاصمتنا… لأن جغرافيا وثقافة إيران والعراق غير قابلتين للفصل؛ فإما أن نحارب بعضنا أو نصبح كيانًا واحدًا“. الطائفة الشيعية: أضفت ثورة عام ١٩٧٩ إلى السياسات الإقليمية الإيرانية عاملًا تكوينيًا إضافيًا وقويًا، يتمثل في القوة التعبوية للإسلام. فقد احتل الدين موقعًا مركزيًا في الثورة نفسها وفي الدولة التي نشأت بعدها؛ إذ نجحت القيادة الكاريزمية لآية الله روح الله الخميني في توحيد معارضة كانت متنوعة أيديولوجيًا ومتباينة المصالح، بينما وفّرت الطقوس والمراسم الدينية شبكات تنظيمية ومالية فعّالة للتعبئة الشعبية والدعم. أما الدولة التي تشكلت عقب الثورة فقد استندت إلى تفسير جديد للفقه الشيعي أتاح إنشاء نظام(ولاية الفقيه) وهو نظام هجين ذي عناصر ثيوقراطية فريدة. ولذلك، ليس من المستغرب أن تتأثر السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية بالطابع الديني للدولة وقيادتها. وبالطبع، فإن توظيف الهوية الدينية كأداة للسياسة الداخلية والخارجية له سوابق عديدة في التاريخ الإيراني؛ إذ كانت إيران بلدًا ذا أغلبية سنية حتى قيام الدولة الصفوية الأولى (١٥٠١-١٧٢٢). وفي سعيهم إلى فرض السيطرة وبناء التوافق داخل البلاد، أدرك الصفويون بذكاء أهمية التحول المذهبي الجماعي ونشر أسطورة دينية-سياسية موحدة، خاصة في بلد يتمتع بتاريخ طويل من تقديس الملوكية. احتفظت إيران الثورية بالطموحات الرسالية التي ميزت سابقتها الإمبراطورية، ولكن بصبغة دينية واضحة. فقد منحت الدولة الجديدة السلطة العليا للمرشد الديني وفق مبدأ “ولاية الفقيه“. ويمكن العثور على الملامح الأولى للسياسة الإقليمية للجمهورية الإسلامية في دستور عام ١٩٧٩، الذي يكلّف طهران بـ “الدفاع عن حقوق جميع المسلمين”. ووفقًا لمقدمة الدستور، فإن القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري الإسلامي مسؤولان “ليس فقط عن حماية حدود البلاد وصيانتها، بل أيضًا عن أداء الرسالة العقائدية للجهاد في سبيل الله؛ أي نشر سيادة شريعة الله في أنحاء العالم”. ويستند ذلك إلى الآية القرآنية: ”“وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم““ ,الأنفال: ٦٠ وبهذه الطريقة، قدمت الجمهورية الإسلامية نفسها باعتبارها مصدر إلهام ونموذجًا للعالم الإسلامي الأوسع. وكان قادة الثورة الإيرانية يتوقعون بالكامل أن يتكرر نموذج إقامة “الحكومة الإسلامية” في بلدان إسلامية أخرى. فقد دعا الخميني أتباعه إلى نشر رسالة الثورة خارج إيران، معلنًا أن الثورة “لم تُقم من أجل إيران وحدها، بل لهدف إسلامي، وكانت إيران مجرد نقطة البداية“. وبعد ثلاثين عامًا، رأى ورثة الخميني في الانتفاضات التي شهدتها تونس ومصر ودول عربية أخرى خلال عامي ٢٠١٠-٢٠١١ تأكيدًا لتلك التوقعات. وقد ظهرت آثار الدعوات الإيرانية المبكرة للنشاط الثوري بشكل خاص بين الشيعة في العراق، وهو ما أثار قلق القيادة العراقية آنذاك. فتحركت بغداد ضد شيعتها أولًا، ثم وجهت أنظارها نحو المحرضين الإيرانيين أنفسهم. وجاء الغزو العراقي لإيران في سبتمبر ١٩٨٠ والحرب التي استمرت ثماني سنوات ليضخما في البداية البعد الديني للسياسة الخارجية الإيرانية. فقد دعت القيادة الإيرانيين إلى الدفاع عن وطنهم باعتباره “الجزء المحرر الوحيد من بلاد الإسلام”. كما انسجمت ظروف الحرب مع الموضوعات الثورية المتعلقة بالشهادة والتضحية والنضال. وتم تصوير الصراع على أنه إعادة تمثيل لحروب النبي ضد الكفار، أو بشكل أكثر تحديدًا، تشبيهًا بالحدث المؤسس في التاريخ الشيعي: معركة الحسين ضد يزيد. ومن خلال استحضار الصور والمشاعر المركزية في الهوية الدينية للإيرانيين، سعت هذه الخطابات إلى تبرير الخسائر البشرية الهائلة للحرب، وإلى استمالة الولاءات المنقسمة المحتملة لدى الشيعة العراقيين. ورغم أن هذا المسعى لم يحقق نجاحًا مباشرًا في سياق الحرب، فإن استثمار طهران أثمر على المدى الطويل نتائج استثنائية. فقد تحولت التنظيمات الشيعية العراقية التي أسستها إيران ورعتها عبر العقود التالية إلى قوى سياسية لا غنى عنها وأدوات مؤثرة لتمديد النفوذ الإيراني بعد الغزو الأمريكي للعراق. وقد تعززت هذه العلاقة عبر شبكة واسعة من الروابط الشخصية التي نشأت عبر أجيال من التفاعل في الحوزات العلمية في النجف وكربلاء، ومن خلال دمج هذه الشبكات ضمن هيكل السلطة الإيراني بعد الثورة. ورغم أن العقيدة والمصالح معًا شكّلتا أساسًا لخطاب إسلامي عالمي، فإن “الوحدة الإسلامية” التي سعت إليها إيران تحولت عمليًا إلى نوع من الانحياز الطائفي لصالح الشيعة في دول الخليج والعراق ولبنان. ففي هذه البيئات، ساهمت الشبكات القائمة والمظالم المحلية في منح المبادرات الإيرانية قدرة أكبر على التأثير. ومع ذلك، واجهت طهران مرارًا حدود المصالح الطائفية. وكان أحد أبرز الأساليب التي استخدمتها لتجاوز هذه القيود هو توظيف العداء لإسرائيل كوسيلة لتوسيع جاذبيتها. وبهذه الطريقة، فإن “العداء لإسرائيل يعزز ادعاءات النظام الديني الإيراني بالقيادة الإقليمية… كما أن الخطاب الإيراني المعادي لليهود يُعد أحد الأسلحة الخطابية القليلة التي تحظى بجاذبية واسعة بين المسلمين السنة“. ولم يقتصر تأثير الدين على صياغة خطاب الجمهورية الإسلامية وأهدافها الإقليمية، بل إن الشبكات والمؤسسات الدينية نفسها سهّلت هذا النفوذ، تمامًا كما ساهمت المساجد ومجالس العزاء سابقًا في تعبئة الثورة. وقد تعزز انخراط إيران العميق في لبنان والعراق وسوريا بفضل الروابط الدينية بين السكان، مثل العلاقات الناشئة عن التعليم الديني، والخُمس والتبرعات الشرعية، والصلات العائلية والزواج، إضافة إلى أهمية المزارات الدينية والجمعيات الإسلامية والمؤسسات الدينية الأخرى. واعتمدت الجمهورية الإسلامية على هذه الشبكات، واستثمرت بكثافة في توسيعها بما يخدم مصالحها. فإلى جانب تطوير المؤسسات الدينية المحلية في قم ومشهد، أنشأت طهران مراكز ثقافية في أنحاء العالم الإسلامي، كما قامت “بترميم وإعادة تصميم” مزارات شيعية مهمة في دمشق “لإظهار حضور إيراني واضح“. وبعد إسقاط صدام حسين عام ٢٠٠٣، أعادت القيادة الإيرانية إحياء تقليد زيارة النجف وكربلاء باعتباره “وسيلة تحتفل بها طهران بما تصفه بالنصر الإسلامي”، وفي الوقت نفسه استمرارًا لتقليد تاريخي طويل من الرعاية الإيرانية للمزارات الشيعية في العراق. كما استخدمت طهران موسم الحج إلى مكة بطريقة مختلفة ولكن بنفس القدر من التخطيط، بهدف تعزيز مكانة الدولة الثورية في مواجهة خصمها الرئيسي، السعودية. فمنذ الثورة، استغل الحجاج الإيرانيون بعض الطقوس المرتبطة بالحج للتنديد بالولايات المتحدة وإسرائيل والإشادة بقيادتهم. وقد أعلن الخميني عام ١٩٨٣ أن “الجوانب السياسية للحج ليست أقل شأنًا من جوانبه الدينية”. وأدى ذلك إلى صدامات متكررة مع السلطات السعودية، التي يتعارض تفسيرها السلفي الأكثر تشددًا للإسلام السني مع الممارسات الشيعية، كما ترى أن التحركات الإيرانية تشكل تهديدًا مباشرًا لادعائها بقيادة العالم الإسلام. أما المؤسسة الدينية الوحيدة التي لم تنجح الجمهورية الإسلامية في إخضاعها بشكل كامل لمصالحها فهي مؤسسة “المرجع الديني” أو “مرجع التقليد”. فمنذ عام ١٩٨٩، انفصلت هذه المكانة الدينية عن الهرم السياسي للجمهورية الإسلامية، وفشلت محاولات دمجها مجددًا في شخص المرشد الحالي آية الله علي خامنئي في تحقيق قبول واسع. وتزداد أهمية هذا القصور مع بروز آية الله علي السيستاني كقوة سياسية مؤثرة في العراق بعد سقوط صدام. فالنموذج الشيعي الذي يمثله السيستاني يشكل تحديًا كبيرًا للهيمنة الإيرانية بين الشيعة في الشرق الأوسط، ولذلك سعت طهران إلى ضمان أكبر قدر ممكن من النفوذ استعدادًا للمرحلة التي ستلي غيابه الحتمي عن الساحة. معاداة الإمبريالية: تعكس المقاربة الإقليمية الإيرانية أيضًا رفضًا متجذرًا لهيمنة القوى العظمى، ودفاعًا شديدًا عن استقلال البلاد وسيادتها. وعلى الرغم من أن إيران لم تخضع للاستعمار المباشر يومًا، فإن تجربتها خلال القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كساحة تنافس بين القوى الكبرى غرست فيها التزامًا عميقًا بالسيادة الوطنية ورفضًا قويًا للنفوذ الأجنبي. وقد ظهر الاستياء من التدخل الخارجي مرارًا في السياسة الإيرانية الداخلية والخارجية: ففي عام1892 أجبرت المعارضة الشعبية الحكومة على إلغاء امتياز التبغ الذي مُنح لشركة بريطانية كبرى؛ وفي عام ١٩١١، أدى التدخل البريطاني والروسي إلى حل البرلمان وإنهاء آمال الثورة الدستورية؛ وفي سبتمبر ١٩٤١، شهدت البلاد الغزو المتحالف البريطاني-السوفياتي ونفي رضا شاه؛ وبالطبع، جاء انقلاب عام ١٩٥٣ الذي أطاح برئيس الوزراء القومي الإيراني ليترك أثرًا عميقًا في الذاكرة الوطنية الإيرانية. وظل هذا الشعور عنصرًا أساسيًا حتى خلال الثورة الإسلامية. فقد كان استياء آية الله الخميني من قرار عام ١٩٦٣ بمنح الحصانة القانونية للمواطنين الأمريكيين المقيمين في إيران هو ما دفعه إلى تحدي القيود الحكومية على النشاط السياسي، الأمر الذي أدى لاحقًا إلى نفيه. كما ركز أحد أبرز الانتقادات الفكرية للنظام الملكي على تغلغل الغربيين والقيم الغربية داخل المجتمع الإيراني. فقد وصف المفكر جلال آل أحمد هذه الظاهرة بمصطلح “غربزدگی” أو “التسمم بالغرب”، وشبّهها بوباء الكوليرا الذي يصيب إيران. وبعد الثورة، تبنت الحكومة الجديدة رسميًا سياسة عدم الانحياز تحت شعار “لا شرقية ولا غربية”. إلا أن الحماسة ذات الطابع الرسالي الديني، إلى جانب الإصرار على حماية استقلال إيران، ساهمت في دفع سياسات معادية للولايات المتحدة ولعدد من القوى الكبرى الأخرى. وعلى المستوى الإقليمي، أنشأت القيادة الإيرانية بنية مؤسساتية تهدف إلى “تصدير الثورة”، من خلال دعم التنظيمات المسلحة، وزعزعة استقرار الدول المجاورة بالقوة أو عبر الدعاية، إضافة إلى التهديدات وعمليات الاغتيال التي استهدفت شخصيات في الخارج اعتُبرت أعداءً للجمهورية الإسلامية. ورغم أن الدستور الإيراني يتضمن بندًا يمنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، فإنه يؤكد أيضًا أن الجمهورية الإسلامية “تدعم النضالات العادلة للمستضعفين ضد المستكبرين في كل أنحاء العالم“. وما بدأ كتأثير تعبوي محدود بين التجمعات الشيعية في الكويت والبحرين والسعودية، فإنه تطور لاحقًا إلى جهاز رسمي واسع يسعى إلى تغيير الوضع القائم في الخليج والعالم الإسلامي، سواء بالكلمة أو بالفعل، عبر إدارة حروب بالوكالة في لبنان والعراق، ودعم أعمال عنف ضد مجموعة واسعة وغير محددة بدقة من الخصوم حول العالم. كما يشكل هذا التوجه العميق المعادي للإمبريالية أساس العداء المستمر الذي تبديه طهران تجاه الولايات المتحدة، وهو عداء يطغى على علاقاتها بجيرانها، وكذلك بعلاقاتها مع عدد من الدول والقادة غير المسلمين الذين يشاركونها الموقف المناهض لأمريكا. ومنذ الثورة، رفض القادة الإيرانيون شرعية الدور الأمني الأمريكي في المنطقة، وسعوا إلى تقليص أو إنهاء وجود أي قوى خارجية في الخليج. أما بالنسبة لإيران، فإن علاقاتها بالدول المجاورة المتحالفة مع واشنطن تُنظر إليها باعتبارها مصدر تهديد دائم لا يمكن مواجهته إلا بالمواجهة المباشرة أو غير المباشرة. ولذلك، فإن التدخل الإيراني في أنحاء المنطقة يهدف إلى رفع كلفة هذا التحالف، سواء عبر استهداف المصالح والمنشآت الأمريكية بالعنف، أو من خلال معاقبة الخصوم الإقليميين بسبب تعاونهم مع الأولويات الأمنية الأمريكية. السياسة الداخلية: كان للديناميكيات الداخلية في إيران تأثير مباشر على أجندتها الإقليمية ونهجها السياسي. ففي الماضي، أدت الصراعات بين الأجنحة السياسية إلى بعض أكثر ملامح السياسة الخارجية الإيرانية استفزازًا، مثل الاستيلاء على السفارة الأمريكية عام ١٩٧٩. وحتى اليوم، لا تزال المنافسات الداخلية تتداخل مع الأنشطة الخارجية لإيران، الأمر الذي يجعل مؤسسات الدولة المختلفة تتبنى أحيانًا سياسات متناقضة بصورة مباشر. وقد لعبت الجوانب المؤسسية المرتبطة بترسيخ النظام الجديد دورًا مهمًا في تشكيل السياسة الخارجية للدولة بعد الثورة. فجزء كبير من عملية “تصدير الثورة” قامت به منظمات وشخصيات مرتبطة بالحكومة، لكنها لم تكن خاضعة بالكامل لسلطتها الرسمية. وفي الواقع، فإن بعض أكثر الانتهاكات الصارخة للأعراف الدبلوماسية الدولية — مثل احتلال السفارة الأمريكية — نُفذت من قبل مجموعات كانت تعمل خارج إطار الدولة الرسمي. وفي هذا السياق، أدى اتساع الانقسام بين التيار التقليدي والتيار الراديكالي داخل المؤسسة الدينية، إلى جانب ميل الخميني إلى إدارة الخلافات عبر وساطات غير مباشرة، إلى منح الفصائل المتنافسة مساحة لممارسة ما يشبه “سياسات خارجية موازية“. ويمتلئ تاريخ إيران بعد الثورة بأمثلة على امتداد التنافس الداخلي إلى السياسة الإقليمية والخارجية. ومن أشهر هذه الأمثلة فتوى الخميني في فبراير ١٩٨٩ التي حكم فيها بإهدار دم الكاتب سلمان رشدي بسبب روايته “الآيات الشيطانية”. فقد أعادت الفتوى تأجيج الغضب الشعبي، ومنحت دفعة جديدة للتيارات الأكثر تشددًا داخل الجمهورية الإسلامية، لكنها جاءت على حساب الجهود التي كانت تبذلها طهران آنذاك لإعادة تأهيل علاقاتها الدبلوماسية بعد الحرب. وظهر توتر مشابه في العلاقة بين إيران والسعودية، وكذلك مع بقية دول الخليج، حيث كانت التوترات مرتفعة أصلًا بسبب المواقف المتعارضة من الحرب في سوريا. فبعد إعدام السعودية لرجل دين شيعي معارض مطلع عام ٢٠١٦، بدا أن القيادة الإيرانية تميل إلى ضبط النفس في ردها، غير أن السفارة السعودية في طهران تعرضت للهجوم والحرق بمشاركة فعلية من قوات أمن إيرانية. وبالمثل، ظلت محاولات إيران للتقارب الدبلوماسي مع مصر مقيدة بالمرارة المستمرة تجاه اتفاقية السلام المصرية مع إسرائيل، وهو ما يتجلى في الإصرار الإيراني على عدم تغيير اسم أحد شوارع طهران الذي يحمل اسم خالد الإسلامبولي، منفذ اغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات. في البداية، شكّل الصراع الداخلي الإيراني نقطة ضعف للدولة؛ فمثلًا، أدى تراجع الجاهزية العسكرية بسبب انعدام الثقة بالمؤسسة العسكرية إلى تفاقم آثار الغزو العراقي في بدايات الحرب العراقية الإيرانية. إلا أن هذا التنافس الداخلي ساهم مع مرور الوقت في بناء مؤسسات قوية ومنظمة لفرض النفوذ الإقليمي، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، وذراعه الخارجية “فيلق القدس”، إضافة إلى قوات الباسيج(المتطوعون) شبه العسكرية. وبفضل ذلك، حصلت الجمهورية الإسلامية على أفضلية كبيرة مقارنة بمنافسيها الإقليميين، إذ امتلكت “القدرات المؤسسية والبيروقراطية اللازمة لخوض انخراط طويل الأمد ومتعدد الأبعاد داخل دول أخرى“. كما أثرت التحولات الداخلية الإيرانية بشكل واضح على علاقاتها بجيرانها. فبعد انتهاء الحرب، ساهم صعود المحافظين البراغماتيين بقيادة الرئيس آنذاك هاشمي رفسنجاني في دفع عملية تقارب تدريجية وإن كانت متعثرة أحيانًا بين طهران والدول العربية. وفي السنوات الأخيرة، ومع تصاعد التنافس السياسي الداخلي وصعود جيل جديد من المحافظين، ازداد نفوذ المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية اليومية. فقد ارتفع بشكل كبير عدد المسؤولين المنتخبين وكبار الشخصيات الذين لديهم ارتباطات حالية أو سابقة بالحرس الثوري أو بأجهزة الأمن الأخرى خلال الخمسة عشر عامًا الماضية. وشهدت الفترة نفسها توسعًا هائلًا في الإمبراطورية الاقتصادية المرتبطة بالحرس الثوري. ومع تنامي النفوذ الداخلي للأجهزة الأمنية، أصبحت مقاربة إيران للعلاقات الدبلوماسية مع خصومها الإقليميين أكثر تشددًا وتشاؤمًا. الارتياب وأمن النظام: لعلّ العامل الأهم الذي يحكم طموحات إيران وأنشطتها في الشرق الأوسط الأوسع هو الشعور العميق والدائم بانعدام الأمن لدى قيادتها، وهو شعور نابع من الذاكرة التاريخية والتجارب القاسية. فالقادة الإيرانيون بعد الثورة متأثرون بثقافة سياسية مهووسة بما تعتبره “تعرّض إيران التاريخي للاستغلال” على يد القوى الأجنبية. ويمثل “الشيطان الأكبر” أي الولايات المتحدة — مجرد حلقة جديدة في سلسلة من القوى العالمية الجشعة التي استغلت إيران وقوضت سيادتها خدمةً لمصالحها الخاصة. وقد استمر هذا “التفسير التآمري للسياسة” في تشكيل حالة من انعدام الثقة الفطري تجاه الحكومات الأجنبية وأهدافها عند التعامل مع إيران. كما أن أحداث العقد الأول بعد الثورة بما شهده من تحديات عنيفة لوجود النظام من الداخل والخارج زادت من ترسيخ هذا الشعور بالهشاشة والارتياب. وقد عمّقت تلك السنوات المبكرة إحساس إيران بالعزلة والاغتراب عن النظام الدولي. فغزو صدام حسين لإيران عام1980 عزز مخاوف القيادة الثورية، إذ بدا وكأنه يحقق توقعاتها بوجود محاولة عسكرية مدعومة أمريكيًا لإعادة تنصيب قيادة موالية للغرب في طهران. وبعد نجاح إيران المفاجئ نسبيًا في شن هجوم مضاد واستعادة أراضيها المحتلة عام1982، دار نقاش داخلي حول كيفية مواصلة الحرب. وفي النهاية، عززت القناعة التي عبّر عنها علي خامنئي بأن الحرب “لم تكن حربًا بين بلدين أو جيشين، بل كانت حربًا بين تحالف عالمي غير معلن ضد أمة واحدة” موقف القادة العسكريين المتشددين الداعين إلى نقل المعركة إلى داخل العراق. وكانت الجمهورية الإسلامية مقتنعة بتفوقها الأخلاقي والعسكري، ورأى قادتها أن أي تسوية لا تنتهي بالنصر الكامل تشكل خطرًا جوهريًا. كما أن رد الفعل الدولي الباهت تجاه الغزو العراقي، ثم استخدام صدام حسين للأسلحة الكيميائية لاحقًا، رسّخ لدى القيادة الإيرانية وخصوصًا داخل الأجهزة الأمنية قناعة بأن القوانين والمعايير الدولية ليست سوى واجهة تخفي الطمع الحقيقي للولايات المتحدة وحلفائها. ومن هنا، أصبحت “الاعتماد على الذات” الخيار الوحيد المقبول لدى الجمهورية الإسلامية، وتحول هذا المبدأ إلى جزء راسخ من الرؤية الاستراتيجية للقيادة الإيرانية. ونتيجة لتلك التجارب المبكرة، أصبحت طهران تضع بقاء النظام فوق كل اعتبار، وارتبطت غريزة الحفاظ على الذات بقناعة متجذرة بأن العالم بقيادة واشنطن يسعى إلى القضاء على الدولة الثورية الإيرانية. وتكمن هذه الشكوك العميقة والاغتراب عن النظام الدولي في صميم تصلب القيادة السياسية والأمنية الإيرانية. ووفقًا للرواية التي يتبناها الحرس الثوري: “في مواجهة نظام الهيمنة، هناك خياران فقط: الخضوع أو المقاومة. والانتصار سيكون لمحور المقاومة“. وثمة مفارقة في هذا الارتياب الإيراني المتجذر؛ فهو غالبًا ما يولّد ردود فعل تؤدي إلى تعزيزه. فعدم ثقة طهران بالقوى الكبرى دفعها إلى تبني أساليب الحرب غير التقليدية، والاستثمار المتكرر في الجماعات الوكيلة في أنحاء المنطقة بهدف توسيع نفوذها أو تعزيزه. لكن النتيجة غير المقصودة لهذا الاعتماد على الوكلاء كانت “جعل الجمهورية الإسلامية عرضة دوريًا لخطر التخلي عنها أو جرّها إلى صراعات من قبل حلفائها“. كما ساهم ذلك أيضًا في إنتاج النتائج نفسها التي تدّعي طهران وأحيانًا خصومها الإقليميون أنها تعارضها، وعلى رأسها توسع الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، والذي يُبرَّر عادة بالخطر الإيراني. ومع ذلك، فإن شعور إيران بانعدام الأمن ليس أمرًا فريدًا. فمعظم جيرانها، رغم علاقاتهم الأمنية الطويلة والقوية مع واشنطن، يتشاركون أيضًا شعورًا بالهشاشة في البيئة الإقليمية، وغالبًا ما تتفاقم هذه المخاوف بفعل الأزمات الداخلية. وكما يشير الباحث توماس جونو، فإن التنافس الاستراتيجي البنيوي بين إيران وجيرانها الخليجيين يفاقم هذا الجانب من الرؤية الإيرانية في محيطها القريب. إذ إن “معضلة الأمن الإيرانية شديدة من الناحية الهيكلية؛ فعلاقاتها مع جيرانها معرضة بشكل كبير لانعدام الثقة وسوء الفهم، ولدوامات متصاعدة من الصراع“. وربما كان المثال الأكثر تدميرًا لهذه الحلقة هو ما جرى في سوريا خلال السنوات الماضية، حيث لعبت نظرة إيران التآمرية للتهديد دورًا أساسيًا في تعميق استثمارها المكلف في دعم نظام بشار الأسد. فقد جاء تصوير إيران للانتفاضة السورية منذ عام2011 على أنها مؤامرة خارجية مدفوعة بالطائفية منسجمًا مع توجهها الأيديولوجي والسياسي والديني القائم أصلًا. ومع تفكك المعارضة السورية وتطرف بعض فصائلها وسعيها للحصول على دعم خارجي، “تحولت الكذبة إلى حقيقة جزئيًا” من وجهة النظر الإيرانية. كما أن صعود تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) كقوة عسكرية وأيديولوجية زاد من ترسيخ شعور القيادة الإيرانية وحتى جزء من المجتمع الإيراني بخطورة ما يجري في سوريا. ففي نظر طهران، يمثل داعش مؤامرة دبرتها الولايات المتحدة، وتبقى الجمهورية الإسلامية الهدف النهائي لها. وكما قال أحد القادة السابقين في الحرس الثوري مطلع عام ٢٠١٧: “عدونا الرئيسي هو أمريكا. لقد أرادت أمريكا والغرب تدمير سوريا، باعتبارها إحدى دول محور المقاومة، ثم الانتقال بعد ذلك إلى غزو إيران“. تطور مقاربة الجمهورية الإسلامية تجاه المنطقة: منذ الثورة الإسلامية، اتسمت السياسات الإقليمية الإيرانية بدرجة كبيرة من الاستمرارية. فالتوترات الثنائية المزمنة بين إيران ومعظم جيرانها كانت تُؤجَّج بشكل دوري بفعل التحركات والتدخلات الإيرانية، بينما كانت الضغوط الأمريكية تُدعَم من خلال حلفائها الإقليميين. وفي الوقت نفسه، ظل جميع الأطراف مترددين في السماح بانفلات التصعيد الإقليمي بشكل كامل. وكانت النتيجة نوعًا من “عدم الاستقرار المُدار”، حيث لعبت واشنطن دورًا أساسيًا بوصفها قوة موازنة. إلا أن هذا التوازن بدأ يتآكل خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، بدءًا من إسقاط نظام صدام حسين.عام2003 فقد أدى ذلك إلى إزالة أخطر خصوم طهران، كما أتاح إلى جانب الحملة الأمريكية في أفغانستان مجموعة غير مسبوقة من الفرص والتهديدات الإقليمية. وهكذا، وجدت الثورة الإسلامية نفسها في آن واحد محاصرة وأكثر جرأة. وانطلاقًا من قناعة راسخة لدى قادتها بأن التنازل يؤدي إلى مزيد من الضغوط، اختار حراس النظام الانتقال إلى الهجوم بدلًا من تقديم التنازلات. وحتى الآن، يبدو أن حساباتهم قد أثمرت؛ إذ إن موقع إيران في النظام الإقليمي اليوم(2017) أقوى بكثير مما كان عليه قبل عام ٢٠٠٣، كما أن تصاعد التنافس الطائفي والاستراتيجي بينها وبين جيرانها يبدو، في كثير من الأحيان، يصب في مصلحتها. وقد ساهمت المبادرات الإيرانية المحدودة نسبيًا عبر تقديم التمويل والتدريب والسلاح والدعم العملياتي لقوى معارضة في اليمن والبحرين في إشعال جبهات جديدة على خطوط التصدع الهشة في العالم العربي، كما دفعت السعودية إلى الانخراط في مستنقع عسكري واقتصادي مُنهِك في اليمن منذ 2015. وبالنسبة لكثيرين في واشنطن ومنطقة الخليج، فإن اتساع النفوذ الإيراني يُنظر إليه كنتيجة مباشرة للاتفاق النووي وما تبعه من تخفيف القيود عن الاقتصاد الإيراني. غير أن هذا التفسير يتجاهل عوامل أكثر تأثيرًا، أهمها الفراغ الذي أوجدته الولايات المتحدة في العراق بعد إسقاط صدام حسين، إضافة إلى الفرص التي وفرتها الفوضى الناتجة عن الربيع العربي، وما أعقبها من ردود فعل سلطوية. كما أن القلق من صعود إيران الإقليمي يتجاهل أيضًا حجم التنازلات التي اضطرت القيادة الإيرانية إلى تقديمها. فقد تطلب هذا التوسع تحولًا مهمًا وإن كان غير معلن في التكتيكات الإيرانية، بعيدًا عن فكرة إنشاء “دول ثورية” مشابهة للنظام الإيراني تقوم على مبدأ ولاية الفقيه. وقد فشل هذا الهدف بوضوح؛ فلم تعتمد أي دولة أخرى في العالم النموذج الإيراني الفريد من الحكم الديني الهجين. وفي الوقت نفسه، استثمرت طهران بكثافة في محاولة التأثير على الحوزات الدينية العراقية، لكن المكانة الدينية والسياسية المستقلة للمرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني بقيت تذكيرًا واضحًا بأن الحكم الديني في إيران أضعف من النفوذ المعنوي والسياسي للمؤسسات الدينية نفسها. وبدلًا من ذلك، تعزز النفوذ الإقليمي الإيراني عبر عاملين أساسيين يتعارضان في جوهرهما مع المبادئ التقليدية للجمهورية الإسلامية. أولًا، إن دور إيران في العراق وسوريا شكّل بداية تحول في العقيدة العسكرية الإيرانية، من عقيدة دفاعية بالأساس كانت فيها قدرات إيران على إسقاط القوة محدودة وتعتمد بشكل رئيسي على الحرب غير التقليدية إلى نموذج أقرب إلى خوض حروب خارج الحدود بشكل تقليدي. وبعبارة أخرى، فإن النفوذ الإقليمي الإيراني لم يتحقق عبر قوة الأفكار أو الإلهام الثوري أو حتى عبر توجيه الحلفاء العقائديين، بل عبر نشر قواتها العسكرية النظامية للمشاركة في حروب خارج أراضيها. كما أن إضفاء الطابع الرسمي على النفوذ الإيراني في العراق، عبر دمج الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران ضمن المنظومة الأمنية الرسمية العراقية( الحشد الشعبي منذ2015)، يتناقض بشكل متزايد مع تأكيد إيران الدائم أن أهدافها العسكرية ذات طبيعة دفاعية فقط. وقد يؤدي ذلك إلى تآكل قدرات الردع الإيرانية، وتعريضها لنفس مشاعر العداء تجاه “القوى المتنمرة” و”الإمبريالية”، وهي المشاعر التي شكلت طويلًا جوهر الخطاب الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية نفسها. كما أن الانخراط الإيراني الواسع في النزاعات الداخلية على أطرافها الجغرافية يخلق توقعات والتزامات واسعة مماثلة في أي مرحلة ما بعد الصراع في العراق وسوريا، وهو ما سيختبر قدرة إيران واستعدادها للمساهمة الفعلية في بناء أنظمة مستقرة وذات سيادة. ومن ناحية أخرى، أدت الحرب السورية فعليًا إلى تنازل إيران عن اعتراضاتها التقليدية على تدخل القوى الخارجية في صراعات المنطقة. فالتعاون العلني بين طهران وموسكو، بما في ذلك السماح غير المسبوق للطائرات الروسية باستخدام قواعد جوية إيرانية لدعم عملياتها في سوريا، يقوض أحد المبادئ الأساسية للثورة الإسلامية، ويبدو وكأنه يتجاوز الحظر الدستوري على وجود قواعد عسكرية أجنبية في إيران. كما يعكس ذلك استعدادًا متزايدًا لدى الحكومتين لتعميق التنسيق بينهما بشأن سوريا. وغالبًا ما توصف العلاقة بين طهران وموسكو بأنها “زواج مصلحة”، لكن تعاونهما في سوريا يبدو وكأنه تطور إلى شراكة استراتيجية، وإن كانت بطبيعتها هشة وغير مستقرة. وأخيرًا، أصبحت السياسات الإقليمية الإيرانية أكثر استعدادًا لإعطاء الأولوية للمصالح الاقتصادية. فعلى الرغم من أن إيران لطالما سعت إلى الحفاظ على التجارة الدولية وجذب الاستثمارات الأجنبية، فإن علاقاتها الاقتصادية مع جيرانها كانت تاريخيًا محدودة الأهمية. لكن هذا الواقع بدأ يتغير. فإسقاط الولايات المتحدة لأبرز خصوم إيران الإقليميين طالبان وصدام حسين فتح أمام طهران سوقين مهمتين يمكنها الاستفادة فيهما من القرب الجغرافي والروابط العائلية والإثنية والدينية. كما شكّلت هاتان الساحتان منفذًا مهمًا للعملات الصعبة والسلع الأساسية خلال أشد فترات العقوبات الاقتصادية. وتحركت طهران بسرعة للاستفادة من الفرص الاقتصادية في البلدين، مدعومة بإنشاء مناطق تجارة حرة في المحافظات الحدودية الإيرانية. وقد أدى ذلك إلى زيادة كبيرة في التجارة والاستثمارات الإيرانية الإقليمية، ومعظمها خارج قطاع الطاقة. وعلى المدى الطويل، قد يسهم هذا في تخفيف الميل الإيراني نحو التدخل والعنف، لأن الدولة التي يصبح اقتصادها مترابطًا مع اقتصادات جيرانها ستكون أكثر حرصًا على الاستقرار الإقليمي. وهناك سوابق تدعم هذا الاحتمال؛ فبعد التجربة المدمرة في الثمانينيات، أدركت طهران والرياض أن مصالحهما تُخدم بشكل أفضل عبر التفاهم داخل منظمة أوبك بشأن سياسات الإنتاج والأسعار النفطية. ومع ذلك، ليس من الواضح تمامًا ما إذا كانت القيادة الإيرانية قادرة على تبني هذا التحول على نطاق أوسع. لكن توجد بعض المؤشرات على أن بعض أجنحة القيادة الإيرانية تدرك مدى الضرر الذي ألحقه الطابع الأيديولوجي لسياساتها الإقليمية بالمصالح الوطنية المباشرة للبلاد. ففي أوائل عام ٢٠١٥، أشار الرئيس الإيراني حسن روحاني في خطاب له إلى أن الاقتصاد الإيراني “يدفع الدعم لكل من السياسة الخارجية والسياسة الداخلية، فلنجرب العكس لعقد من الزمن، بحيث تدعم السياسات الداخلية والخارجية الاقتصاد، لنرى كيف ستكون حياة الناس ودخولهم وفرص العمل للشباب“. ولم تحدث أي من هذه التطورات بمعزل عن غيرها، بل تزامن تعزيز إيران لموقعها الإقليمي مع تحولات عميقة شهدتها الدول العربية، إضافة إلى تغيرات في أسواق الطاقة وتكنولوجيا المعلومات والتركيبة الديموغرافية للحكام والمحكومين. وقد رأت القوى الإقليمية المنافسة لإيران أن هناك إعادة تشكيل أساسية للتوازن الإقليمي تصب في مصلحة طهران. وفي البداية، لجأت هذه الدول إلى النهج الذي اعتمدت عليه منذ الثمانينيات، والمتمثل في الاتكال على المظلة الأمنية الأمريكية والتقاطع الطبيعي في المصالح مع واشنطن. لكن ذلك لم يعد كافيًا لعدة أسباب. ومع انتقال السلطة إلى جيل جديد من القادة في دول الخليج، برز توجه أكثر حزمًا لمواجهة المكاسب الإيرانية ميدانيًا، ولفرض قدر أكبر من الانضباط الاستراتيجي على الموقف العربي الذي اتسم تاريخيًا بالتشتت والانقسام. وبدافع من الشعور بالفرصة والخطر معًا، صعّد ولي العهد السعودي آنذاك محمد بن سلمان المواجهة مع إيران. وحتى يوليو ٢٠١٧، ظل هذا الصراع محصورًا بشكل غير مستقر ضمن سلسلة من الحروب بالوكالة، إلا أن مؤشرات التصعيد السعودي الجديد، إلى جانب الميل الإيراني المتجذر إلى الرد والهجوم بدلًا من التسوية، فضلًا عن الإدارة الأمريكية الجديدة مع فوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة عام2016غير المتوقعة آنذاك، كلها كانت تنذر بمخاطر كبيرة لتصعيد أوسع في المنطقة. ----------------------------------------------------------------------------------------- كيف قاد ترامب الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران؟... في سلسلة من اجتماعات غرفة العمليات، واجه الرئيس ترامب غريزته بمواجهة مخاوفٍ عميقة لدى نائب الرئيس وتقييم استخباراتي متشائم. هذه هي القصة الداخلية لكيفية اتخاذه ذلك القرار المصيري. النص: بواسطة جوناثان سوان وماغي هابيرمان جوناثان سوان وماغي هابيرمان، وكلاهما مراسلان للبيت الأبيض في صحيفة "نيويورك تايمز"، هما المؤلفان المشاركان للكتاب المرتقب "تغيير النظام: داخل رئاسة دونالد ترامب الإمبراطورية". هذا المقال مقتبس من تقارير أُنجزت للكتاب. 7 نيسان (أبريل) 2026 "نيويورك تايمز" النسخة الأصلية على: https://www.nytimes.com/2026/04/07/us/politics/trump-iran-war.html#:~:text=%E2%80%9D%20This%20article%20is%20drawn,before%2011%20a.m.%20on%20Feb. - هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري( المكتب السياسي) وصلت سيارة الدفع الرباعي السوداء التي كانت تقل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض قبل الساعة الحادية عشرة بقليل صباحاً في 11 شباط (فبراير)2026. الزعيم الإسرائيلي، الذي كان يضغط لأشهر على الولايات المتحدة للموافقة على هجوم واسع ضد إيران، نُقل إلى الداخل بسرعة وبدون طقوس وبدون أن يراه الصحفيون، مُهيّأً لأحد اللحظات الأكثر خطورة في مسيرته الطويلة. اجتمع المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون أولاً في غرفة الحكومة الأميركية المجاورة للمكتب البيضاوي. ثم نزل السيد نتنياهو إلى الطابق السفلي للحضور في الفعالية الرئيسية: عرض سري للغاية حول إيران مُقدَّم للرئيس ترامب وفريقه في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، وهي الغرفة التي نادراً ما كانت تُستخدم لعقد اجتماعات حضورٍ مباشر مع زعماء أجانب. جلس السيد ترامب، لكنه لم يجلس في موضعه المعتاد عند رأس طاولة المؤتمر المصنوعة من خشب الماهوجني في الغرفة. بدلاً من ذلك، اتخذ الرئيس مقعداً على جانب الطاولة، مواجهًا الشاشات الكبيرة المثبتة على طول الجدار. جلس السيد نتنياهو على الجانب المقابل، مباشرة في مواجهة الرئيس. ظهر على الشاشة خلف رئيس الوزراء ديفيد بارنيا، مدير الموساد (وكالة الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية)، بالإضافة إلى مسؤولين عسكريين إسرائيليين. وقد أتاح ترتيبهم المرئي خلف السيد نتنياهو تصويره كزعيم في زمن الحرب محاطاً بفريقه. شارك ديفيد بارنيا، مدير الموساد وكالة الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية، والسيد نتنياهو ومسؤولون عسكريون إسرائيليون جميعهم في الاجتماع الحاسم مع السيد ترامب في غرفة العمليات بالبيت الأبيض. جلست سوزي وايلز، رئيسة موظفي البيت الأبيض، في الطرف البعيد من الطاولة. تولّى وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي شغل أيضاً منصب مستشار الأمن القومي، مقعده المعتاد. وكان وزير الدفاع بيت هيغسِث والجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، اللذان يجلسان عادةً معاً في مثل هذه المناسبات، على جانب واحد؛ وانضم إليهما جون رتكلِف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية. أكمل المجموعة الرئيسية جاريد كوشنر صهر الرئيس، وستيف ويتكوف مبعوث ترامب الخاص، الذي كان يتفاوض مع الإيرانيين. تمت المحافظة على صِغر حجم التجمع عمداً للحماية من التسريبات. لم يكن لدى وزراء الحكومة الأميركية الكبار الآخرون أي علم بوقوعه. كما غاب نائب الرئيس أيضاً. كان جي.دي. فانْس في أذربيجان، وقد تم تحديد موعد الاجتماع بإشعارٍ قصير جداً فلم يستطع العودة في الوقت المناسب. كان العرض الذي قدّمه السيد نتنياهو خلال الساعة التالية محورياً في دفع الولايات المتحدة وإسرائيل نحو مسار صراع مسلح كبير في وسط واحدة من أكثر مناطق العالم تقلبًا. وقد أدى ذلك إلى سلسلة من المناقشات داخل البيت الأبيض في الأيام والأسابيع التالية، التي لم تُذكر تفاصيلها سابقاً، حيث راجع السيد ترامب خياراته والمخاطر قبل أن يمنح الضوء الأخضر للانضمام إلى إسرائيل في ضرب إيران عبر حرب بدأت في يوم 28شباط . تستند هذه الرواية عن كيفية إدخال السيد ترامب الولايات المتحدة في حرب إلى تقاريرٍ أُنجزت لكتابٍ مرتقب بعنوان "تغيير النظام: داخل رئاسة دونالد ترامب الإمبراطورية". تكشف الرواية كيف أبرزت المداولات داخل الإدارة غريزة الرئيس، والشقوق داخل دائرته المقربة، وطريقة إدارته للبيت الأبيض. وتعتمد على مقابلات واسعة أجريت بشرط عدم الكشف عن هوية أصحابها لاستعراض المناقشات الداخلية والقضايا الحساسة. تظهر التقارير مدى تقارب تفكير السيد ترامب المتشدد مع تفكير السيد نتنياهو على مدى أشهرٍ عديدة، وكان هذا التقارب أكبر مما أدركه بعض كبار مستشاري الرئيس. لقد شكّل تقاربهما وثيق الصلة سمة مستمرة عبر إدارتيْن، وهذا الديناميك رغم ما شابها أحيانًا من توتر غذّى انتقاداتٍ وشكوكًا حادّة على الساحتين اليسارية واليمينية في السياسة الأمريكية.وتبيّن كذلك كيف أنّ، في نهاية المطاف، حتى الأعضاء الأكثر تشككًا في "مجموعة الحرب" لدى السيد ترامب باستثناء صارخ للسيد فانس، الشخصية داخل البيت الأبيض الأكثر معارضة لخوض حرب شاملة أخذوا يلتزمون بحدس الرئيس، بما في ذلك ثقته الكبيرة بأن الحرب ستكون سريعة وحاسمة. على ذلك رفض البيت الأبيض التعليق. في غرفة الأزمة بتاريخ 11 شباط، قدّم السيد نتنياهو عرضًا ضاغطًا، مقترحًا أن إيران باتت ناضجة للتغيير النظامي، ومعبرًا عن اعتقاده بأن مهمة مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد تُنهي أخيرًا وجود الجمهورية الإسلامية.في لحظةٍ "ما" عرض الإسرائيليون على السيد ترامب مقطعًا مصوّرًا قصيرًا تضمن مجموعةً من المرشحين المحتملين لقيادة البلاد إذا سقطت الحكومة المتشددة. من بين هؤلاء ظهر رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، المقيم في واشنطن والمعارض الآن، الذي حاول تقديم نفسه كقائد علماني يقود إيران نحو نظام ما بعد ديني. وضحّ نتنياهو وفريقه شروطًا عرضوها باعتبارها دلائل على انتصار شبه مؤكد: يمكن تدمير برنامج إيران للصواريخ الباليستية في غضون أسابيع قليلة. وسيضعف النظام إلى درجة لا تسمح له بخنق مضيق هرمز، كما قيّموا أن احتمال توجيه إيران ضربات كبيرة للمصالح الأمريكية في البلدان المجاورة ضئيل.وعلاوة على ذلك، أشارت استخبارات الموساد إلى أن الاحتجاجات الشعبية داخل إيران قد تعاود الانطلاق ومع دفع جهاز المخابرات الإسرائيلي لتحريك أعمال شغب وتمرد، فإن حملة قصفٍ مكثفة قد تهيئ الظروف لتمكين المعارضة الإيرانية من الإطاحة بالنظام. كما طرح الإسرائيليون احتمال عبور مقاتلين أكراد إيرانيين للحدود من العراق لفتح جبهة برية في الشمال‑الغربي، ما سيزيد من تشتت قوات النظام ويُسرّع انهياره.قدّم نتنياهو عرضه بنبرة واثقة وموحِدة، وبدا أن ذلك لاقى قبولًا لدى أهم شخص في الغرفة، وهو الرئيس الأمريكي. قال السيد ترامب لرئيس الوزراء: "يبدو جيدًا بالنسبة لي". ورأى نتنياهو في ذلك إشارة على ضوءٍ أخضر مرجّح لعملية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. لم يكن نتنياهو وحده من خرج من الاجتماع بانطباع أن السيد ترامب قد حسم أمره تقريبًا. لاحظ مستشارو الرئيس أنه انبهر بشدة بوعود ما يمكن أن تفعله الخدمات العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية، تمامًا كما حدث عندما تحدث الاثنان قبل الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إيران في يونيو2025.وفي وقتٍ سابق من زيارته للبيت الأبيض في 11 فبراير، حاول نتنياهو أن يركّز انتباه الحاضرين في غرفة مجلس الوزراء على التهديد الوجودي الذي يمثّله المرشد الأعلى الإيراني البالغ من العمر 86 عامًا، آية الله علي خامنئي. وعندما سأل البعض في الغرفة رئيس الوزراء عن المخاطر المحتملة للعملية، أقرّ نتنياهو بوجود هذه المخاطر لكنه طرح نقطة مركزية: في رأيه، كانت مخاطر عدم التحرك أكبر من مخاطر التحرك. وذهب إلى القول إن ثمن اتخاذ إجراء سيزداد فقط إذا تأخّروا عن الضرب ومنحوا إيران مزيدًا من الوقت لتسريع إنتاج صواريخها وخلق درع من الحماية حول برنامجها النووي. وكان الجميع في الغرفة يدركون أن بإمكان إيران زيادة مخزونها من الصواريخ والطائرات المسيرة بتكلفةٍ أقل وبوتيرةٍ أسرع بكثير مما يمكن للولايات المتحدة من خلاله بناء وتزويد صواريخ اعتراضٍ أعلى لحماية المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة. شكّلت عروض السيد نتنياهو واستجابة السيد ترامب الإيجابية لها مهمة عاجلة للمجتمع الاستخباري الأمريكي. على الفور، عمل المحلّلون على تقييم جدوى ما عرضه الفريق الإسرائيلي للرئيس."هزلي": كان القاسم في تقييم نتائج التحليل الاستخباري الأمريكي في اليوم التالي، 12 فبراير، في اجتماع آخر لموظفين أمريكيين فقط في غرفة الأزمة. قبل وصول السيد ترامب للاجتماع ، قدّم مسؤولان كبيران في الاستخبارات إحاطة لدائرة الرئيس المقربة. كان لدى المسؤولين الاستخباريين خبرة عميقة في القدرات العسكرية الأمريكية، وكانوا يعرفون النظام الإيراني وفاعليه معرفة تامة. لقد قسموا عرض السيد نتنياهو إلى أربعة أجزاء. الجزء الأول كان القتل رأسياً اغتيال المرشد. الثاني كان شلّ قدرة إيران على ممارسة قوتها وتهديد جيرانها. الثالث كان القيام بانتفاضة شعبية داخل إيران. والرابع كان تغيير النظام، مع تنصيب قائد علماني لحكم البلاد. قَيَّم المسؤولون الأمريكيون أن الهدفين الأولين قابلان للتحقيق باستخدام القوة الاستخبارية والعسكرية الأمريكية. وخلصوا إلى أن الجزأين الثالث والرابع من عرض نتنياهو، واللذين تضمّنا احتمال قيام الأكراد بشن غزو بري لإيران، كانا منفصلين عن الواقع. عندما انضم السيد ترامب إلى الاجتماع، قدّم له السيد راتكليف الموجز. استخدم مدير الCIA كلمة واحدة لوصف سيناريوهات تغيير النظام التي طرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي: "هزلي". في تلك اللحظة تدخل السيد روبيو قائلاً: "بمعنى آخر، هذا كلام فارغ".وأضاف السيد راتكليف أنه بالنظر إلى عدم القدرة على التكهّن بإحداث أي نزاع، قد يحدث تغيير نظامي، لكنه لا ينبغي اعتباره هدفًا قابلاً للتحقيق. تدخل آخرون كذلك، بمن فيهم السيد فانس، العائد لتوه من أذربيجان، والذي عبّر أيضًا عن تشكك قوي في احتمال تغيير النظام. ثم التفت الرئيس إلى الجنرال كاين، رئيس الأركان المشتركة: "جنرال، ما رأيك؟" أجاب الجنرال كاين: "سيدي، هذه، بحسب خبرتي، ممارسة تشغيلية اعتيادية للإسرائيليين. إنهم يبالغون في عرضهم، وخططهم ليست دائمًا مطوّرة جيدًا. هم يعرفون أنهم بحاجة إلينا، ولهذا يروّجون بقوة بضاعتهم ." قَيّم السيد ترامب بسرعة هذا التقدير. وصرّح أن تغيير النظام سيكون "مشكلتهم". لم يتضح ما إذا كان يقصد الإسرائيليين أم الشعب الإيراني. لكن الخلاصة كانت أن قراره بشأن شن حرب على إيران لن يتوقف على قابلية تنفيذ الجزئين الثالث والرابع من عرض نتنياهو. وبدا أن السيد ترامب بقي مهتماً جداً بتحقيق الجزأين الأول والثاني: اغتيال المرشد وكبار قادة إيران وتفكيك الجيش الإيراني. كان الجنرال كاين الرجل الذي كان السيد ترامب يطلق عليه "Razin Caine" قد أثّر في الرئيس قبل سنوات في إدارة ترامب الأولى2017-2021حين أخبره أن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية ممكنة بسرعة أكبر مما توقع الآخرون. كافأه السيد ترامب على ذلك بترفيعه، وكان الجنرال الذي عمل طيّارًا في سلاح الجو مستشارَه العسكري الأبرز. لم يكن الجنرال كاين مخلصًا سياسيًا، وكان لديه مخاوف جدية بشأن حرب مع إيران. لكنه كان حريصًا جدًا في الطريقة التي يبدي بها آرائه أمام الرئيس. وأثناء تدارس فريق المستشارين الصغير المنخرط في الخطط خلال الأيام التالية، عرض الجنرال كاين على السيد ترامب وآخرين تقييماً عسكرياً مقلقاً مفاده أن حملة كبرى ضد إيران ستستنزف مخزونات الأسلحة الأمريكية بشكل حاد، بما في ذلك صواريخ الاعتراض، التي تعرضت لضغط في الإمدادات بعد سنوات من دعم أوكرانيا وإسرائيل. ولم يرَ الجنرال كاين مسارًا واضحًا لإعادة تعبئة هذه المخزونات بسرعة. أشار أيضًا إلى الصعوبة الهائلة في تأمين مضيق هرمز والمخاطر المرتبطة بإغلاق إيران له. وكان السيد ترامب قد استبعد هذا الاحتمال على افتراض أن النظام سيستسلم قبل الوصول إلى ذلك. بدا الرئيس يعتقد أنها ستكون حربًا سريعة للغاية انطباع عزًزته أيضًا الاستجابة الباهتة لقصف الولايات المتحدة لمرافق إيران النووية في يونيو. أشعل دور الجنرال كاين في التحضير للحرب توتراً كلاسيكياً بين المشورة العسكرية وعمليات اتخاذ القرار الرئاسية. لقد أصرّ رئيس أركان القوات المشتركة على عدم الانحياز إلى موقف محدد مكرراً أنه ليس دوره أن يملي على الرئيس ما يجب فعله، بل أن يعرض خيارات مع المخاطر المحتملة والعواقب الثانوية والثالثية الممكنة حتى بدا لبعض المستمعين وكأنه يجادل بجميع جوانب القضية في آن واحد. كان يكرر باستمرار: "وماذا بعد؟" لكن السيد ترامب غالبًا ما بدا أنه يسمع فقط ما يريد سماعه. اختلف الجنرال كاين في كل شيء تقريبًا عن رئيس الأركان السابق، الجنرال مارك أي. ميلي، الذي كان يجادل مع السيد ترامب خلال ولايته الأولى ورأى أن دوره يكمن في منع الرئيس من اتخاذ إجراءات خطرة أو متهورة. لاحظ شخص مطلع على تفاعلاتهما أن السيد ترامب كان يخلط عادة بين النصيحة التكتيكية من الجنرال كاين والنصح الاستراتيجي. وفي الممارسة، كان ذلك يعني أن الجنرال قد ينذر في جملة واحدة بصعوبات جانب من العملية، ثم يذكر في الجملة التالية أن لدى الولايات المتحدة مخزونًا عمليًا غير محدود من القنابل الموجهة الدقيقة الرخيصة ويمكنها قصف إيران لأسابيع بعد تحقيق التفوق الجوي. بالنسبة لرئيس الأركان، كانت هذه ملاحظات منفصلة. لكن السيد ترامب بدا يظن أن الملاحظة الثانية تلغي الأولى. لم يخبر رئيس الأركان الرئيس مباشرة في أي مرحلة أثناء المداولات أن الحرب مع إيران فكرة فظيعة رغم أن بعض زملاء الجنرال كاين كانوا يعتقدون أن هذا بالضبط ما كان يراه. تجاه ترامب ،رغم عدم ثقة كثير من مستشاري الرئيس في السيد نتنياهو، كانت رؤية رئيس الوزراء الاسرائيلي للوضع أقرب بكثير إلى رأي السيد ترامب مما أحبّ فريقه المعارض للتدخل أو حركة "أمريكا أولاً" الاعتراف به. وكان هذا حقيقيًا لسنوات عديدة. من بين جميع التحديات في السياسة الخارجية التي واجهها السيد ترامب خلال ولايتيْه، تميّزت إيران بخصوصية. فقد اعتبرها خصمًا خطيرًا بامتياز وكان مستعدًا للمخاطرة الكبيرة لعرقلة قدرة النظام على شن حرب أو الحصول على سلاح نووي. وبالإضافة إلى ذلك، توافقت حجة السيد نتنياهو مع رغبة السيد ترامب في تفكيك الثيوقراطية الإيرانية التي استولت على السلطة عام 1979، عندما كان السيد ترامب في الثانية والثلاثين من عمره. وكانت منذ ذلك الحين شوكة في جانب الولايات المتحدة. الآن، قد يصبح أول رئيس منذ سيطرة القيادة الدينية قبل 47 عامًا ينجح في تغيير النظام في إيران. وكان الدافع الإضافي رغم أنه نادرًا ما يُذكر لكن دائمًا حاضر في الخلفية أن إيران قد خططت لاغتيال السيد ترامب انتقامًا لاغتيال الجنرال قاسم سليماني في يناير 2020، الذي كان يُنظر إليه في الولايات المتحدة كقوة دافعة وراء حملة إيران للإرهاب الدولي. عاد السيد ترامب إلى المكتب لولاية ثانية، وتزايدت ثقته في قدرات الجيش الأمريكي. وقد شجّعته بشكل خاص عملية الكوماندوز الاستعراضية لاقتحام مجمّع الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير2026. فلم تُسفر العملية عن سقوط أرواح أمريكية، وشكّلت دليلاً إضافيًا في نظر الرئيس على تفوق القوات الأمريكية الفريد. كان السيد هيغسث، وزير الدفاع الأميركي، داخل الحكومة أكبر مؤيد لحملة عسكرية ضد إيران. أشار السيد روبيو لزملائه أنه أكثر حيرة وتردداً. لم يكن يعتقد أن الإيرانيين سيوافقون على اتفاق تفاوضي، لكن تفضيله كان الاستمرار في حملة ضغط قصوى بدل بدء حرب شاملة. ومع ذلك، لم يحاول السيد روبيو ثني السيد ترامب عن العملية، وبعد اندلاع الحرب قدّم تبرير الإدارة لها بكل اقتناع. كانت السيدة وايلز لديها مخاوف بشأن ما قد ينجم عن صراع جديد في الخارج، لكنها لم تكن تميل إلى التدخّل بقوة في قضايا عسكرية خلال الاجتماعات الأكبر؛ بل كانت تشجّع المستشارين على مشاركة آرائهم ومخاوفهم مع الرئيس في تلك الأطر. مارست السيدة وايلز نفوذًا في قضايا عديدة أخرى، لكن في الغرفة مع السيد ترامب والجنرالات كانت تميل إلى التراجع جانباً. وقال مقربون منها إنها لم تكن ترى أنه من دورها أن تبدي مخاوفها أمام الرئيس بشأن قرار عسكري بحضور الآخرين. وكانت تعتقد أن خبرة مستشارين مثل الجنرال كاين، والسيد راتكليف والسيد روبيو أهم لأن يسمعها الرئيس. ومع ذلك، كانت السيدة وايلز قد أخبرت زملاءها بأنها تقلق من أن تُجرّ الولايات المتحدة إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط. فهجوم على إيران كان يحمل معه احتمال دفع أسعار الغاز للارتفاع قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي، ما قد يؤثر في تحديد ما إذا كانت السنتان الأخيرتان من ولاية السيد ترامب الثانية ستكونان سنوات إنجازات أم سنوات استدعاءات قضائية من الديمقراطيين في مجلس النواب. لكن في النهاية، انضمت السيدة وايلز إلى تأييد العملية. فانس المشكك لم يكن هناك أحد في الدائرة المقربة من السيد ترامب أكثر قلقًا منه من احتمال الحرب مع إيران، أو بذل جهدًا أكبر لوقفها، أكثر من نائب الرئيس. لقد بنى السيد فانس مسيرته السياسية على معارضة نوع المغامرة العسكرية التي كانت قيد الدراسة الآن. وصف الحرب مع إيران بأنها "تشتيت هائل للموارد" و"باهظة التكلفة إلى حد كبير." لكنه لم يكن حمامياً في كل القضايا. في يناير، عندما حذّر السيد ترامب إيران علنًا من قتل المتظاهرين ووعد بأن المساعدة في الطريق، شجّع السيد فانس الرئيس سرًا على تنفيذ خطه الأحمر. لكن ما دفع إليه نائب الرئيس كان ضربة محدودة عقابية، أقرب إلى نموذج هجوم الصواريخ الذي شنّه السيد ترامب على سوريا عام 2017 رداً على استخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين في خان شيخون . كان نائب الرئيس يرى أن حرب تغيير نظام مع إيران ستكون كارثة. وفضل ألا تُشن أي ضربات على الإطلاق. لكنه، ومع علمه بأن السيد ترامب من المرجح أن يتدخل بشكل ما، سعى لتوجيه الأمر نحو عمل محدود. ولاحقًا، عندما بدا أن الرئيس مصرٌّ على حملة واسعة النطاق، جادل السيد فانس بأن يُنفّذ ذلك بقوة ساحقة، على أمل تحقيق الأهداف بسرعة. أمام زملائه حذّر السيد فانس السيد ترامب من أن حربًا ضد إيران قد تسبب فوضى إقليمية وأعدادًا لا تُحصى من الضحايا. كما قد تُفكّك الائتلاف السياسي للسيد ترامب وتُعتبر خيانة من قِبل العديد من الناخبين الذين آمنوا بوعد "لا حروب جديدة." وأثار السيد فانس مخاوف أخرى أيضًا. كنائبٍ للرئيس، كان مطّلعًا على حجم مشكلة الذخائر الأمريكية. حرب ضد نظام يملك إرادة قوية للبقاء قد تترك الولايات المتحدة في وضع أسوأ بكثير لمواجهة صراعات أخرى لسنوات قادمة. أخبر نائب الرئيس مقربيه أن أياً من الرؤى العسكرية لا يمكنها حقًا قياس ما ستفعله إيران ردًا عندما يكون بقاء النظام على المحك. فالحرب قد تنزلق بسهولة إلى اتجاهات لا يمكن التنبؤ بها. كما رأى أن فرص بناء إيران سلمية في أعقاب الصراع تبدو ضئيلة جدًا. وفوق كل ذلك كان الخطر الأكبر ربما: أن إيران كانت تملك اليد العليا فيما يتعلّق بمضيق هرمز. فإذا تم خنق هذا الممر المائي الضيق الذي تنقل عبره كميات هائلة من النفط والغاز المسال، لكانت العواقب الداخلية في الولايات المتحدة وخيمة، بدءًا بارتفاع أسعار البنزين. تَصَدّر توكّر كارلسون- المعلق الذي برز كمتشكك بارز آخر من اليمين بشأن التدخّل- المشهد إذ زار المكتب البيضاوي عدة مرات خلال العام السابق ليحذّر السيد ترامب من أن حربًا مع إيران ستدمّر رئاسته. قبل أسابيع قليلة من اندلاع الحرب، حاول السيد ترامب، الذي عرف السيد كارلسون لسنوات، تطمينه عبر الهاتف. قال الرئيس: "أعلم أنك قلق بشأن ذلك، لكن سيكون كل شيء على ما يرام." فسأل السيد كارلسون كيف عرف ذلك. فأجاب السيد ترامب: "لأنه كذلك دائمًا." في الأيام الأخيرة من شهر فبراير، ناقش الأمريكيون والإسرائيليون معلومات استخبارية جديدة كان من شأنها تسريع جدولهم الزمني بشكل كبير. كان من المقرر أن يلتقي المرشد الايراني في مكان علني ومع كبار مسؤولي النظام في وضح النهار، ما يجعلهم عرضة لهجوم جوي. كانت فرصة عابرة لضرب قلب القيادة الإيرانية، هدف قد لا يتكرر. أعطى السيد ترامب إيران فرصة أخرى للتوصّل إلى اتفاق يحجب مسارها نحو السلاح النووي. وأتاحت الدبلوماسية أيضًا للولايات المتحدة وقتًا إضافيًا لنقل أصول عسكرية إلى الشرق الأوسط. قال عدد من مستشاريه :إن الرئيس كان قد اتخذ قراره فعليًا قبل عدة أسابيع، لكنه لم يحدد بعد التوقيت بالضبط. والآن كان السيد نتنياهو يطالبه بالتحرك سريعًا. في الأسبوع نفسه اتصل السيد كوشنر والسيد ويتكوف من جنيف بعد أحدث محادثات مع مسؤولين إيرانيين. خلال ثلاث جولات تفاوض في عُمان وسويسرا، اختبرا استعداد إيران لإبرام صفقة. في مرحلة ما عرضا على الإيرانيين وقودًا نوويًا مجانيًا طوال عمر برنامجهم اختبارًا لمعرفة ما إذا كانت إصرار طهران على التخصيب حقًا من أجل الطاقة المدنية أم للحفاظ على القدرة على صنع قنبلة. رفض الإيرانيون العرض واعتبروه اعتداءً على كرامتهم. عرض السيد كوشنر والسيد ويتكوف الصورة على الرئيس. قالا إنهما ربما ينجزان تفاوضًا، لكن ذلك سيستغرق شهورًا. وعندما السيد ترامب سأل إن كان بإمكانهما أن ينظرا إليه مباشرة في العين ويقولا إنهما سيحلّان المشكلة، فقد أبلغاه أن الأمر سيتطلب الكثير لأن الإيرانيين "يلعبون ألعابًا". "أعتقد أننا بحاجة إلى القيام به" في يوم الخميس 26 فبراير، حوالي الخامسة مساءً، بدأ اجتماع نهائي في غرفة الأزمة. بحلول ذلك الوقت كانت مواقف كل من في الغرفة واضحة. نوقش كل شيء في الاجتماعات السابقة؛ وكان كل شخص على علم بموقف الآخر. استمر النقاش نحو ساعة ونصف. كان السيد ترامب في مكانه المعتاد على رأس الطاولة. إلى يمينه جلس نائب الرئيس؛ وبجانب السيد فانس كانت السيدة وايلز، ثم السيد راتكليف، ثم مستشار البيت الأبيض القانوني ديفيد وورينغتون، ثم ستيفن تشيونغ مدير الاتصالات في البيت الأبيض. مقابل السيد تشيونغ كانت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض؛ وعلى يمينها كان الجنرال كاين، ثم السيد هيغسث والسيد روبيو.أُحيطت مجموعة تخطيط الحرب بسرية شديدة لدرجة أن المسؤولين الرئيسيين اللذين سيحتاج لهما لإدارة أكبر اضطراب في إمدادات سوق النفط العالمية، وزير الخزانة سكوت بيسنت ووزير الطاقة كريس ريت، تم استبعادهما، كما استُبعدت تولسي غابارد مديرة الاستخبارات الوطنية. افتتح الرئيس الاجتماع بسؤال: حسنًا، ماذا لدينا؟ ..كان وزير الدفاع بيت هيغسث أكبر مؤيد داخل المجلس لحملة عسكرية ضد إيران. وقد أشار وزير الخارجية ماركو روبيو لزملائه أنه أكثر حيرة وتردداً. استعرض السيد هيغسث والجنرال كاين تسلسل الهجمات. ثم قال السيد ترامب إنه يريد أن يدور حول الطاولة ويسمع آراء الجميع. خاطب السيد فانس الرئيس وقد كان اختلافه مع الفكرة الأساسية واضحًا للجميع قائلاً: " أنت تعلم أنني أعتقد أن هذه فكرة سيئة، لكن إن رغبت في القيام بها فسأدعمك." أخبرت السيدة وايلز السيد ترامب أنه إن شعر بضرورة المضي قدمًا من أجل الأمن القومي الأمريكي، فعليه أن يفعل ذلك. لم يقدم السيد راتكليف رأيًا واضحًا بشأن المضي أم لا، لكنه ناقش المعلومات الاستخبارية المذهلة الجديدة التي تفيد بأن قيادة إيران على وشك التجمع في مجمّع المرشد في طهران. وأبلغ مدير الـ C.I.A. الرئيس أن تغيير النظام ممكن اعتمادًا على كيفية تعريف المصطلح. وقال: "إذا كان المقصود مجرد قتل المرشد الأعلى، فربما نستطيع فعل ذلك." عندما طُلب منه الكلام، قال السيد وورينغتون، مستشار البيت الأبيض القانوني، إن الأمر خيار قانوني بموجب كيفية تصور الخطة من قبل المسؤولين الأمريكيين وعرضها على الرئيس. لم يبدِ رأيًا شخصيًا، لكن عندما ضغط عليه الرئيس ليعطي رأيًا، قال إنه باعتباره قد مرّ بخبرات عسكرية (محارب سابق لدى المارينز) فقد فقد جنديًا أمريكيًا قُتل على يد إيران قبل سنوات، وما زال الأمر شخصيًا بالنسبة إليه. وأخبر الرئيس أنه إن كانت إسرائيل تعتزم المضي قدمًا بغض النظر، فالأفضل أن تفعل الولايات المتحدة الشيء نفسه. عرض السيد تشيونغ تداعيات العلاقات العامة المتوقعة: لقد ترشّح السيد ترامب على أساس معارضة حروب جديدة. الناس لم يصوّتوا من أجل صراعات في الخارج. والآن تخالف الخطط أيضًا كل ما قالته الإدارة بعد حملة القصف على منشآت إيران النووية في يونيو. كيف سيبررون ثمانية أشهر من التأكيد أن المرافق النووية الإيرانية قد دُمرت تمامًا؟ لم يرد السيد تشيونغ بنعم أو لا، لكنه قال إن أي قرار سيتخذه السيد ترامب سيكون القرار الصحيح. أخبرت السيدة ليفيت الرئيس أن هذا قراره، وأن فريق الإعلام سيتعامل معه بأفضل ما يمكنهم. اتخذ السيد هيغسث موقفًا ضيقًا: عليهم التعامل مع الإيرانيين في نهاية المطاف، فالأفضل أن يفعلوا ذلك الآن. وقدم تقييمات فنية: يمكنهم تنفيذ الحملة في مدة محددة وبمستوى معين من القوات. كان الجنرال كاين جادًا، عارضًا المخاطر وما ستعنيه الحملة من استنزاف للذخائر. لم يقدم رأيًا؛ موقفه كان أنه إن أمر السيد ترامب بالعملية، فستنفّذ القوات العسكرية. قدّم كلا قائديه العسكريين رؤية مسبقة لكيفية تطور الحملة وقدرة الولايات المتحدة على تقويض قدرات إيران العسكرية. عندما جاء دور السيد روبيو في الكلام، قدّم وضوحًا أكبر قائلاً للرئيس: "إن كان هدفنا تغيير النظام أو إشعال انتفاضة، فلا يجب أن نفعل ذلك. لكن إن كان الهدف تدمير برنامج الصواريخ الإيراني، فذلك هدف يمكننا تحقيقه." امتن الجميع إلى حدس الرئيس. لقد شهدوه يتخذ قرارات جريئة، ويتحمل مخاطر لا يمكن تصورها، وينجح في الخروج منها. لن يعيقوه الآن. قال الرئيس للقاعة: "أعتقد أننا بحاجة للقيام به." وأضاف أنه يجب التأكد من أن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحًا نوويًا، وأن يتأكدوا من ألا تتمكن إيران من إطلاق الصواريخ على إسرائيل أو في أنحاء المنطقة. أخبر الجنرال كاين السيد ترامب أن أمامه بعض الوقت؛ ولا حاجة لمنح الإذن حتى الساعة الرابعة بعد ظهر اليوم التالي.على متن الطائرة الرئاسية بعد ظهر اليوم التالي، قبل 22 دقيقة من مهلة الجنرال كاين، أرسل السيد ترامب الأمر التالي: "تمت الموافقة على عملية Epic Fury. لا لإلغائها. حظًا سعيدًا." ----------------------------------------------------------------------------- حرب إيران الكاشفة.. والمفاجئة! (المركز الكردي للدراسات) 6 مايو 2026 محمد سيد رصاص https://nlka.net/archives/14969
الحروب كشّافةٌ لبواطن وكوامن أوضاع المتحاربين وللمناخ الدولي والإقليمي المحيط بها، وهي مثل الزلازل التي تكشف ما تحت الأرض وهشاشة سطحها، وفي بعض الأحيان، بل وكثيرها، لا تتطابق السيناريوهات الموضوعة قبل الحرب مع سيرورتها ومآلاتها. لهذا، ما تكشفه الحروب ينزل مثل الصاعقة، وهذا ما رأيناه عند العرب الذين أصيبوا بالذهول لما كشفته الهزيمة في حرب حزيران/ يونيو 1967من هشاشة تعيشها الأنظمة العربية، وأولها النظام المصري بقيادة الرئيس جمال عبدالناصر. وإذا أراد المرء الدقة فإن الإسرائيليين كانوا في حالة من المفاجأة للسهولة التي حققوا من خلالها ذلك النصر. ومن يُمَحِّص في التاريخ الإسرائيلي، يرى أن دافيد بن غوريون قد واجه معارضة شديدة لما أراد إعلان دولة إسرائيل، ولم ينل الموافقة سوى بأكثرية صوت واحد، فيما كان معارضوه يخشون من الهزيمة أمام الجيوش العربية، التي أُعلن بأنها ستدخل فلسطين في حال صدور ذلك الإعلان قبيل موعد الانسحاب العسكري البريطاني في 15 أيار/ مايو 1948. على الأرجح في الحرب الأخيرة على إيران، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عندما بدأ ضربته الأولى بقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، كان يفترض بأن “سيناريو مادورو” قابلٌ للتطبيق في إيران، وأن قتل خامنئي سيفعل بالنظام الإيراني ما فعله اعتقال الرئيس الفنزويلي عندما قاد تغييب الرأس إلى استسلام جسم النظام. لم يحصل هذا في طهران رغم أن الأيام الأولى للحرب قادت، مع قتل خامنئي، إلى قتل الصف الأول والثاني من السلطة الإيرانية، والحقيقة أن الأيام الأربعين من الحرب، وثلاثة أسابيع بعدها من ضغط الحصار البحري الأميركي على إيران، قد أظهر أن نظام السلطة الإيرانية لا يقوم على فرد، حتى ولو كانت صلاحيات “المرشد” تفوق سلطة أي حاكم فرد في السياسة الحديثة، بل على شبكة معقدة من المؤسسات. ولو أن موت خامنئي قد مثّل بداية الانتقال من سلطة “المرشد”، الذي يحكم ويدير تلك الشبكة، إلى سلطة إدارة “الحرس الثوري” لتلك الشبكة، والأمر الأخير بالتأكيد لم يكن يتوقعه الأميركان، ولم يكونوا يريدونه، ولكن فعلهم هو ما قاد إليه من حيث لم يكونوا يحسبون. وترامب دخل حرباً وفق سيناريو لم تسر الحرب وفقه، بل كانت سيرورتها مؤدية لأن يصطدم صاحب السيناريو بالحائط، وكل من يراقب ترامب، بالشهرين الماضيين، يراه في حيرة من يبحث عن مخرج بعد الوقوع في حفرة غير متوقعة، وهي حفرة لم تكن فقط متمثلة في عدم تكرار سيناريو كاراكاس في طهران، بل وفي قدرة السلطة الإيرانية أثناء الحرب على ضرب الخاصرة اللينة لترامب، والمتمثلة في خلق أزمة اقتصادية عالمية تمتدّ للداخل الأميركي من خلال إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي يبدو أن الرئيس الأميركي لم يكن يحسبه قابلاً للحدوث. يمكن هنا لهذه الحرب أن تذكّر المرء بما عرضه إدوارد سعيد في كتابه: “الاستشراق”، عام 1978، عن هشاشة معرفة الغرب بالشرق. فضلاً عن تجربتي أفغانستان 2001-2020 وعراق 2003-2026، اللتين أعطتا صورتين عن هذه الهشاشة المعرفية عند الأميركان، وهو ما يمكن تعميمه على كل الغرب الأوروبي – الأميركي، مع الاستثناء المدهش الذي يمثله البريطانيون في تعاملهم مع الشرق منذ القرن الثامن عشر. كذلك، كشفت هذه الحرب تضعضع بنية حلف الأطلسي (الناتو)، ما بين جناحيه على ساحلي الأطلسي، وكانت حرب أوكرانيا قد كشفت الافتراق الأميركي – الأوروبي تجاه روسيا وذلك في مرحلة ما بعد عودة ترامب للبيت الأبيض العام الماضي، وهو ما لم يكن موجوداً بعهد جو بايدن، الذي أراد تحويل غزو بوتين لأوكرانيا عام 2022 إلى مثل ما فعله الأميركان بالسوفيات بعد غزوهم لأفغانستان عام 1979، التي تحولت إلى مستنقع غاص فيه حكام الكرملين، وكان ذلك الغزو تمهيداً أساسياً لتداعي ومن ثم تفكك الاتحاد السوفياتي. ويبدو أن النزعة الانعزالية التي يحملها ترامب، والتي هي متابعة لنزعة قوية عند الأميركان تعود إلى مبدأ مونرو عام 1823، وبسببها كانت هناك مقاومات أميركية مجتمعية قوية للانخراط في الحربين العالميتين، لا تقتصر على إدارة الظهر عند مجتمع المهاجرين للعالم القديم ومشاكله والانحباس في قفص معزول بالمحيطات، وإنما يمتدّ ذلك عند الانعزاليين الأميركان للعداء للأمم المتحدة والاتفاقيات الدولية العابرة للحدود وحلف الناتو والتدخلات العسكرية الأميركية الخارجية. أيضاً، انكشفت هشاشة مجلس التعاون الخليجي من خلال هذه الحرب، وكانت بعض تمظهرات هذه الهشاشة قد صعدت للسطح يوم حصار قطر عام 2017 من قبل ثلاثي الرياض- أبوظبي- المنامة، ثم مع صدام الشهر الأول من هذا العام في اليمن بين السعودية والإمارات. ويمكن القول إن انسحاب الإمارات من أوبك هو تعبير عن افتراق جديد عن الرياض، وإن تقارب أبوظبي المتسارع مع تل أبيب ونيودلهي وأديس أبابا يأتي أيضاً في ذات السياق، فيما تتجه السعودية، الخائبة من لا فعالية المظلة الأميركية التي لم تحمها من الضربات الإيرانية، نحو مظلة نووية باكستانية، ونحو تشكيل محور رباعي مع باكستان ومصر وتركيا، لا يُعرف مدى رضا أو عدم رضا واشنطن عنه، فيما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقبيل أسبوع من بدء الحرب، سحب سيفه ضد هذا “المحور السني” الذي بانت إرهاصاته منذ أيلول/ سبتمبر الماضي، عندما عقدت الرياض اتفاقية الدفاع المتبادل مع إسلام آباد بعد أسبوعين من الغارة الإسرائيلية على العاصمة القطرية، والتي هي بعيدة بكيلومترات قليلة عن مقرّ القيادة المركزية الأميركية (سينتكوم) في “قاعدة العديد” جنوب غرب العاصمة الدوحة. يمكن أن يكون أحد تمظهرات هذه الحرب مفاجئاً، وهو ما قاله زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد في خطابه بيوم هدنة 8 نيسان/ إبريل: “فقدان نتنياهو لاستقلالية القرار”، ومن يقرأ الصحف الإسرائيلية يلاحظ تكرار هذه المقولة في الأسابيع الماضية، وأن نتنياهو، الذي كان في صف واحد مع ترامب عند البدء بالحرب، والأرجح كان المحرِّض الأكبر عليها، لم يكن له قرار في إيقافها، وأنه لا يملك أي تأثير في مجرى مفاوضات ترامب مع الإيرانيين ما بعد الهدنة، ولا في حصيلتها. كما يمكن تلمّس شيء من تباعد اليمين الأميركي الجديد، الذي دعم ترامب في انتخابات 2024، عن إسرائيل، وهو اليمين، وخاصة في حركة MAGA، المعادي للحروب الأميركية في الخارج، وبعض منه بدأ يبدي قناعاته عن توريط نتنياهو لترامب في هذه الحرب، هذا فضلاً عن الآراء المماثلة التي نجدها عند يساريي الحزب الديمقراطي الأميركي. هنا، يمكن أن تكون بعض التمظهرات تدفع للحيرة، ومنها السلوك الصيني الضعيف في أثناء مجرى هذه الحرب، مع أن الكثيرين يرون أن هدفها الرئيسي عند الأميركان هو السيطرة على مصادر الطاقة من نفط وغاز، وعلى ممرات الطاقة البحرية في الشرق الأوسط، من أجل خنق الصين، والتحكم بمفتاح تدفق أنابيب الطاقة الشرق أوسطية (وممراتها البرية، ومنها سوريا) لأوروبا التي أعلنت حالة الفطام عن الطاقة الروسية بعد الحرب الأوكرانية، والصين هي التي يأتي نصف مستورداتها من النفط (16مليون برميل تستهلك يومياً، منها 11مليون مستورد، وفق أرقام 2024) من الشرق الأوسط، وتمر معظم مستورداتها النفطية بمضيق هرمز. وهنا، يمكن ملاحظة الانتهازية الروسية في سعيها إلى ممارسة دور السمسار لإقناع إيران بتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصَّب بنسة 60 في المئة إلى روسيا، وهو ما يُحرج إيران التي لا تريد ذلك أو تتمنع عن إظهار قبولها بذلك في بداية المفاوضات، بينما الروس عينهم على أوكرانيا ليأخذوا تنازلات من ترامب هناك مقابل خدمات مساعدة في تطويع إيران له. كتكثيف: سواء انتهت حرب 28 شباط/ فبراير، وهدنتها في 8 نيسان/ إبريل، في اتفاق أميركي- إيراني، أو في تجدد الحرب من جديد، فإن هذه الحرب هي من الحروب التي تعطي ملامح للوحة العلاقات الدولية القادمة، وملامح للوحة القادمة في عموم منطقة الشرق الأوسط وفي منطقة شبه القارة الهندية، وقليلة هي الحروب التي تكون كاشفةً بهذا القدر الذي كشفته هذه الحرب.
الوضع السوري18 آذار2011- 8كانون الأول2024
- من البرنامج السياسي للحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي) -2026
كان انفجار الأزمة السورية بدأً من درعا 18اْذار 2011 تعبيراً عن انفجار البنية السياسية-الاقتصادية-الاجتماعية-الثقافية لسوريا ما بعد 8 آذار 1963: ساهمت "رياح الربيع العربي" في إشعال عود الثقاب الذي حصل في حوران في يوم الجمعة ذاك وقد كان هناك حطب سوري جاف كثير جاهزاً للاشتعال. لم يكن هناك من مؤامرة خارجية بل بنية داخلية انفجرت ذاتياً، وعملياً كان مستغلوا الأزمة السورية كلهم من المتقاربين مع النظام السوري في فترة 2004-2010: تركيا 2004، قطر 2006، فرنسا 2007، السعودية 2009، الولايات المتحدة 2009. من الضروري هنا البحث عن البذور الأولى لهذه الأزمة هل كانت في 17نيسان 1946 أم في 22شباط 1958[الوحدة السورية المصرية] أم في 8 آذار 1963 عندما بدأت سيطرة حزب البعث على السلطة في سوريا أم في 16تشرين ثاني1970؟ نحن نقول بمصطلح الأزمة السورية من خلال واقع سوري حصل منذ يوم18آذار2011 أنتج استعصاء توازني لم تستطيع فيه السلطة التغلب على المعارضة، ولا المعارضة التغلب على السلطة، ولم يستطيعا إنتاج تسوية ثنائية بينهما، وهذا ما ولد أزمة سورية عامة هي الأكبر منذ يوم الجلاء الفرنسي عام 1946، وقد استغل الخارج الإقليمي هذه الأزمة السورية، ثم الخارج الدولي منذ عام 2012 ، لكي تتحول الأزمة السورية الى أزمة دولية- إقليمية- محلية. نحن لا نقول إنه كانت هناك ثورة بل كان هناك حراكاً اجتماعياً معارضاً واسعاً، ولكنه لم يمثل أغلبية مجتمعية، وإذا أردنا الدقة فقد كان هناك ثلاث أثلاث متساوية في الموالاة والمعارضة والتردد ، وبالتأكيد هذا التوازن الذي أنتج ذلك الاستعصاء هو الذي منع أن يحصل في دمشق عام 2011 ما حصل في القاهرة مع حسني مبارك في يوم 11 فبراير من ذلك العام، ثم منع التوازن الإقليمي والدولي ذلك فيما بعد. من هذا المنطلق ما كان ممكناً في فترة2011-2015سقوط النظام السوري لا عبر آليات داخلية ولا إقليمية ولا دولية. ومن هذا المنطلق أتى منطق التسوية الذي نادينا به منذ عام2011والذي يجب أن يكون بحكم طبيعة الأزمة السورية المركبة في طوابق ثلاث: دولية وإقليمية ومحلية، لكي تكون التسوية ذات طابع دولي - إقليمي - محلي، وإلا لن يكتب لها الاستمرار، والمؤشرات كلها تدل على أن بيان جنيف 1 لعام 2012 والقرار الدولي 2254 لعام 2015 كانا (ويبقيان) عماد هذه التسوية. من الواضح عبر مسار الأزمة السورية ومآلاتها أنه قد أصبح هناك هيمنة للخارج الدولي والإقليمي وتحكماً بمسارات الأزمة ومفاتيح الحل، وأن هناك هيمنة للخارج على الداخل السوري، وأن هذا سيحدد الكثير من مسارات الأزمة السورية مستقبلاً وكذلك مسار التسوية السورية وأيضاً الوضع السوري ما بعد التسوية. هذا يعني أن التوازنات المحلية ليست هي المقررة في التسوية السورية وهناك مؤشرات من مسار 18آذار2011-8كانون الأول2024 من الأزمة على أن العامل الدولي، أي واشنطن وموسكو، هو الأقوى في تقرير مسارات الأزمة السورية من العامل الإقليمي الذي كانت أنقرة والرياض وطهران وإلى حد" ما" الدوحة هي عناصر الفعل فيه. ثبت في هذا الصدد أن عناصر التوافق الأمريكي الروسي لم تكن متوافرة في جنيف 4(2016-2017) وأيضا لم تكن متوفرة في جنيف 3 (2016) وأيضا في جنيف2(2014). في جنيف3 كان الإقليمي قادراً على العرقلة ولكنه لا يملك من دون الدولي القدرة على تنجيح المفاوضات ولكنه يستطيع عرقلتها. لهذا كان جنيف4 مثل جنيف3 من حيث مآ لات الفشل. وخاصة من خلال تداخل الموضوع الأوكراني مع الموضوع السوري في الصفقة الأمريكية الروسية التي يبدو أن عناصرها لم تكتمل بعد حتى الآن. أظهرت الأزمة السورية ظواهر عديدة :بنية سورية متماسكة اجتماعياً أكثر من دول جوار مرت بانفجارات عديدة سابقة: لبنان1975-1990، عراق 2003-2015،تركية1984-2025،حيث وقعت هذه الدول في تفتت اجتماعي طائفي(لبنان)وطائفي – اثني (العراق بين السنة والشيعة وبين العرب والأكراد) واثني(تركية بين الترك والأكراد )،فيما سوريا لم تظهر انقساماً اجتماعياً على أكثر من تخوم :موالاة –معارضة –تردد، وكانت هذه التخوم الثلاثة عابرة للطوائف والأديان وإن كان غالبية كاسحة من الطوائف الإسلامية غير السنية مع السلطة وكذلك عند المسيحيين، فيما يلاحظ أن هناك انقساماً واضحاً منذ بداية الأزمة وعلى أسس اقتصادية- اجتماعية- ثقافية- سياسية، بين السنة العرب السوريين يجعلهم يصطفون في مواقع مختلفة في (الموالاة) و(المعارضة) و(التردد). كان الأكراد السوريين في موقع وسطي بين الموالاة والمعارضة بكل أحزابهم وفي الجسم الاجتماعي، وكانوا أقرب إلى استغلال وتوظيف ضعف السلطة في الشمال الشرقي وفي الشمال من أجل تنفيذ مشاريع خاصة جغرافية – سياسية أخذت شكل (الإدارة الذاتية) عام2014و(الفيدرالية) عام 2016. كان انقسام السنة العرب السوريين على أسس اقتصادية- اجتماعية- ثقافية-سياسية وانقسامهم في التخوم الثلاثة وبينها: موالاة- معارضة- تردد، وعدم تصرفهم كطائفة ،وهو ما حصل أيضاً في أحداث1979-1982،هو الذي منع انجرار سوريا إلى الحرب الأهلية وإلى اقتصار الصراع السوري في حدود سلطة- معارضة، وإلى عدم انتصار المعارضة، وإلى عدم سقوط السلطة، حيث بالتأكيد كان (تجار دمشق وحلب)أقوى وأهم للسلطة كسند ومعين من (الفرقة الرابعة) في أزمة وصراع2011-2024. السلطة السورية استندت إلى تحالف ثلاثي نشأ منذ يوم 16تشرين ثاني1970 وحتى يوم8كانون الأول 2024 بين المؤسسة العسكرية والفئات البورجوازية ومؤسسة الاسلام الرسمي.الرأسمالية السورية تعزز نموها وأخذت شكلها الحالي عبر أربعة مراحل بدأت كل منها في 1974و1991و2004و2011. ظل هذا التحالف قائماً وهو شكل قاعدة اقتصادية- اجتماعية- ثقافية لنظام بشار الأسد ساهمت في حمايته من السقوط . (السلطة) صنعت (الثروة)وكانت هي الرحم الذي ولدت منه الأخيرة. كان هناك اتجاه من (رأسمالية الدولة) نحو(اقتصاد السوق)بدأ عام1991ولكن تحت رعاية سلطة غير ديمقراطية ومستبدة. بدأ تشكل المرحلة الرأسمالية وفق طور رأسمالية الدولية منذ يوم 8آذار1963، وقد أفرز هذا التشكل بالمآل الأخير رأسمالية جديدة لها مصلحة في اقتصاد السوق، وهي كانت نتيجة تزاوج بين بيروقراطية الدولة وبين بقايا الرأسمالية التقليدية أومن ظهر عبر هذه العملية، ولكن الرأسمالية الجديدة لم تصل إلى أن تكون طبقة لذاتها(لها أيديولوجية خاصة في الفكر والثقافة والسياسة)،بل هي الآن في مرحلة مخاض يمكن أن تؤدي بالمآلات لتشكل طبقة رأسمالية جديدة هي طبقة لذاتها يكون لها أيديولوجية ورؤية للتشريع والثقافة والحياة الاجتماعية ، وهذا مسار لم يكتمل بعد حتى بعد سقوط النظام السوري في 8كانون الأول2024.هذه العملية التشكلية لم تكتمل فمازال هناك بقايا قطاع الدولة في الاقتصاد مع أرجحية لاقتصاد السوق، وايضاً حفاظ على شكل الدولة الأمنية الراعية والحامية لهذه التحولات الاقتصادية- الاجتماعية. هناك ظاهرة بانت في2011-2019وهي ضعف المعارضة السورية ليس فقط في التنظيم وإنما في عدم قدرتها على القبض على الوقائع السياسية وتحويلها إلى رؤية وبرنامج سياسيين، لتظهر المعارضة بحالة أقرب إلى حالة (الفوات السياسي) تجاه الوقائع وهو ما يلمس كثيراً في مسار(المجلس الوطني)و(الائتلاف الوطني)، وهما لم تصب كراتهما أبداً ليس فقط شباك المرمى بل حتى لم تلامس أخشاب المرمى الثلاث، إذا لم نقل بأنها كانت تصيب المدرجات أو تتجه إلى خارج نطاق الملعب. كانت (هيئة التنسيق الوطنية) استثناءً ضمن ذلك. كانت المعارضة السورية مثالاً على عدم قدرة معارضة منظمة في أحزاب، ولو خارجة بحالة جرح عميق بسبب القمع والسجون، على القبض على قيادة حراك عفوي جماهيري قوي وتقديم برنامج له، وهو ما يخالف حالة مماثلة رأيناها في ثورة شباط1917الروسية التي قادت إلى إسقاط حكم القيصر. أظهر الأفراد السوريون خلال الأزمة مدى استقطاباتهم في مواقع موالاة - معارضة - تردد وعدم وجود جسور بين هذه المواقع الثلاث وكان الحوار بينهم أقرب إلى حوار الطرشان ولكل واحد منهم له "أبطاله" و "شياطينه" وقناته التلفزيونية أو قنواته التي لا يشاهد غيرها ويمارس عبرها نزعة تصديقية امتثالية لكل ما يقدم له. لم يكن عند السوريين في الأزمة مرونة الشامي وقدرته على تدوير الزوايا والتقريب بين الآراء المتضادة، وهي أمور كانت معتادة عند السوريين بشكل عام اجتماعياً بالقياس للعراقيين وتعود للتجارة في جذورها، وكانت تلمس أيضاً في الحياة السياسية السورية ب فترة1946-1958 فيما كشفت الأزمة غيابها عند السوريين ضمن المجتمع وعند السياسيين. أظهرت سوريا مابعد18آذار2011مدى قوة (نزعة الاستعانة بالخارج من أجل حسم صراع داخلي) ليس فقط عند الكثير من المعارضين وقاعدتهم الاجتماعية منذ خريف2011، وهو ما يعود إلى الفشل في تكرار ما حصل ضد حسني مبارك عندما تم إسقاطه بقوة الشارع المصري الداخلية وحياد الجيش، وإنما وجدت أيضاً هذه النزعة عند الموالين الذين لم يتملكهم الوسواس من الاستعانة بإيران وحزب الله والمليشيات الشيعية العراقية- الأفغانية ثم القوات الروسية من أجل مجابهة المعارضة السورية المسلحة. يظهر ذلك مدى تهزهز الرابطة الوطنية الداخلية السورية حتى يتم الاستعانة بالخارج عند طرفي صراع داخلي من أجل حسم هذا الصراع لصالح أحدهما، كما يظهر ضعف منطق التسوية عندهما، وهو ما ظهر فعلاً خلال السنوات السابقة عندما أتت قوة دفع التسوية السورية من قبل الخارج الدولي منذ بيان جنيف في30حزيران2012،وإن كان هنا من الضروري تسجيل أن أول من طرح التسوية كان مؤتمر حلبون الذي عقدته(هيئة التنسيق الوطنية)يوم17أيلول2011في حالة عانت بسببها الهيئة الكثير من الهجمات السياسية والاستنكارات والاتهامات من معارضين كثيرين كانوا يريدون إسقاط النظام بوسيلتي(العنف المعارض) و(الاستعانة بالخارج)، وكانتا (أي هاتين الوسيلتين) مثل التوأم المولودان بوقت واحد في خريف2011.أظهر الكثير من السوريين، في الموالاة والمعارضة، ميولاً قوية نحو العنف والمجازر من خلال يدهم ولسانهم وقلبهم ،ولتبرير ذلك من خلال أدلجة سياسية عقائدية ولم يكن هذا مقتصراً على الإسلاميين بل شمل علمانيين في المعارضة وفي الموالاة، وقد كان هذا النزوع الجديد عند السوريين مفاجئاً حيث كانت الصورة النمطية عن السوري مختلفة عن صورتي العراقي والجزائري. أظهرت سوريا2011-2017أنها أرضاً رخوة ،مثل اليمن والصومال والجزائر، يمكن لتنظيمات عابرة للحدود، مثل (جبهة النصرة-الفرع الشامي لتنظيم القاعدة) و (داعش) ، من خلالها أن تلاقي بيئة خصبة للنمو والتمدد والانتشار، ولم يكن هذا بسبب (النص الديني)،حيث كانت (الموحسن)في محافظة دير الزور و(سلقين)في محافظة إدلب تسميان في السبعينيات ب(موسكو الصغرى)بسبب انتشار الشيوعيين القوي فيهما، فيما لاقت (النصرة) و(داعش)انتشاراً قوياً فيهما، وإنما يجب استخدام التحليل الماركسي حيث تعزى وتربط الاتجاهات الأيديولوجية السياسية وتحولاتها وتبدلاتها بعوامل اقتصادية- اجتماعية وليس ب(الثقافة)، وهو ما يمكن تطبيقه على حزب البعث حيث كان أغلب نوابه في عام1954قد أتوا للمجلس النيابي من خلال أصوات محافظتي حماة وحلب التي كانت تضم الأخيرة بضمنها محافظة إدلب بالخمسينيات، فيما كانت هذه المحافظات الثلاث في أحداث1979-1982القاعدة الاجتماعية الأساسية لـ(الإخوان المسلمون)في معارضتهم المسلحة ضد سلطة حزب البعث.
الترجمة الانكليزية للبرنامج السياسي للحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)- 2026، على الرابط التالي في موقع (الحوار المتمدن): https://www.ahewar.org/eng/show.art.asp?aid=4775 https://www.ahewar.net/m.asp?i=9135 رابط الموقع الفرعي للحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي) على موقع (الحوار المتمدن):
• عدد زوار موقع الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي : 743,606 (20أيار2026) • عدد زوار موقع الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي : 730,978 ( 20 نيسانإبريل2026 )
الفيسبوك موقعنا على facebook.com/scppb.org
موقعنا على الانترنت www.scppb.org
موقعنا على الحوار المتمدن www.ahewar.net/m.asp?i=9135
#الحزب_الشيوعي_السوري_-_المكتب_السياسي (هاشتاغ)
The_Syrian_Communist_Party-polit_Bureau#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المسار العدد 111
-
المسار العدد 110
-
المسار 109
-
البرنامج السياسي - 2026
-
المسار- العدد 85
-
المسار- العدد 84
-
المسار 81
-
المسار 79
-
المسار- العدد 72
-
المسار- العدد 71
-
المسار- العدد 70
-
المسار- العدد 69
-
المسار- العدد 68
-
المسار- العدد 67
-
المسار- العدد 66
-
المسار- العدد 65
-
المسار- العدد 64
-
المسار- العدد 63
-
المسار- العدد 62
-
المسار- العدد 61
المزيد.....
-
-تفضيل جهنم وتحدي الخالق-.. حزب مصري يطالب بإجراءات ضد -برشا
...
-
مصر.. السيسي يبحث خطة الحكومة لـ-تصدير التعليم-
-
في ذكرى ميلادها المئة: وفاة مارلين مونرو لا تزال لغزاً مفتوح
...
-
قاليباف: طهران لن توافق على اتفاق مع الولايات المتحدة لا يضم
...
-
كتائب حزب الله العراقية تعرض شراء المسيّرات والصواريخ من الف
...
-
ضبط رسالة من رجل ستيني للأميرة النرويجية الشابة إنغريد ألكسن
...
-
النيل والفيدرالي وقضايا أخرى.. من يختار الإثيوبيون غدًا لحسم
...
-
صرخات أسر تفصلها أمتار.. كيف مزق الصراع النووي أوصال العائلا
...
-
عضو بلجنة إدارة غزة للجزيرة نت.. لن ندخل القطاع قبل تشكيل قو
...
-
ميانمار.. أزمة أسمدة تهدد زراعة الأرز ومخاوف من تراجع الأسعا
...
المزيد.....
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|