أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي - المسار 113















المزيد.....



المسار 113


الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
(The Syrian Communist Party-polit Bureau)


الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 23:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    







الافتتاحية:
ثلاثة خطوط سياسية في سوريا الآن

كان حدث انهيار وسقوط النظام السوري السابق في يوم 8كانون الأول2024من أهم الأحداث والمنعطفات التي شهدتها البلاد منذ جلاء الفرنسيين عام1946، وعلى الأرجح أن هذا اليوم يمثل نهاية حقبة يجب البحث إن كانت قد بدأت هذه الحقبة في يوم 17نيسان1946أم في 8آذار1963أم في 16تشرين الثاني1970؟..
في كل الأحوال ومهما كانت الإجابة على هذا السؤال فإن البلد يعيش لحظة من إعادة التأسيس ، فما انهار في يوم سقوط النظام السابق قبل عام ونصف ليس جهازاً سلطوياً لنظام قائم بل بنية اقتصادية- اجتماعية- ثقافية- إدارية- سياسية انهارت بأكملها بعد أن حكمت لستة عقود منذ يوم8آذار1963في مراحل ثلاثة 1963-1966،1966-1970،1970-2024، وعندما انفجرت هذه البنية عام2011 ، الذي عبًر عن وجود أزمة وطنية عامة، فإن أحداً من السوريين لم يستطع أن ينتصر في ذلك الصراع العنيف، بل أمسك الخارج الدولي- الاقليمي بذلك الصراع وتحولت أطرافه السورية في السلطة والمعارضة، ماعدا قلة من المعارضين السوريين، إلى بيادق بأيدي الأطراف الخارجية التي أدارت ذلك الصراع، قبل أن تنشأ عوامل خارجية، تتمثل في الانشغال الروسي بالحرب الأوكرانية منذ عام2022وغوص ايران في تداعيات حقبة مابعد7أوكتوبر2023، ساهمت في اسقاط النظام السوري كضربة كبرى للمحور الاقليمي الايراني بقرار من الولايات المتحدة التي تريد السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، وكما قال باتريك سيل "من يريد السيطرة على المنطقة عليه أن يسيطر على سوريا".
لذلك كله تعيش سوريا لحظة سياسية ،أصبح عمرها الآن سنة ونصف، عنوانها (إعادة التأسيس) ، لأن من انهار وسقط في يوم 8كانون الأول2024كان بنية كاملة، لها قاعدة اجتماعية، كما أن من ثار عليها في عام2011كانت قاعدة اجتماعية واسعة، ليتجابها في مجابهة دموية، أنتجت أربعة عشر مليوناً من السوريين بين نازح داخلي ولاجىء للخارج ، وخراباً لمعظم البنية التحتية، وما يتراوح بين نصف وثلاثة أرباع المليون من القتلى، ومن بين الأخيرين ما يقرب من مئتي ألف من المفقودين في المعتقلات والسجون وغيرهما.
من هنا فإن الخطوط السياسية القائمة في سوريا الآن هي تأسيسية ، سواء كان القائمون عليها على وعي بذلك أم لا، وعملياً فإن مضامين تلك الخطوط توحي بالنزعة التأسيسية. ويمكن فرز هذه الخطوط ضمن التالي:
1- خط سياسي موجود عند السلطة الحالية نحو أن تعيد (هيئة تحرير الشام) ، وحلفائها من الفصائل العسكرية ،تجربة حزب البعث منذ يوم8آذار1963عندما أقام وأسًس نظاماً جديداً في سوريا ببنية اقتصادية- اجتماعية - ثقافية – إدارية - سياسية ، تختلف عن مرحلة 1946-1963، وانفرد بالسلطة بالترافق مع أحزاب وقوى سياسية و اقتصادية واجتماعية تنتفع من مائدة السلطة،ويراهن أصحاب هذا الاتجاه على الغطاء الأميركي للسلطة السورية الحالية، وفق معادلة اتبعها حافظ الأسد طيلة حكمه بتقديم ما يرضي الخارج الدولي والاقليمي مقابل تركه ينفرد بالداخل السوري.
2- خط فئوي يقول بأن البلد لا يقوم مجتمعه على مواطنين بل على مكوًنات دينية- طائفية- قومية- إثنية، وأن النظام السياسي السوري الجديد يجب أن ينبني على توزيع السلطة والثروة بوصفه نظام للمحاصصة بينها، على طراز لبنان منذ عام1943وعراق ما بعد عام2003.
3- خط (المؤتمر الوطني العام)، الذي يقول بأن البلد في لحظة من الأزمة الوطنية العامة وبأن لا أحد من القوى السياسية، سواء في السلطة الحالية أو خارجها، يستطيع بمفرده اخراج البلد من أزمته ووضعه على سكة التعافي وإعادة تأسيسه، بل أن الطريق إلى ذلك هو من خلال (مؤتمر وطني عام)،تشارك فيه كل القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية مع شخصيات وطنية عامة، من أجل أن يكون هذا المؤتمر هو الرحم الذي تولد فيه سوريا الجديدة من خلال اتفاق ينتج عن المؤتمر حول خريطة طريق لمرحلة الانتقال من النظام السابق نحو نظام جديد على أن تقود حكومة مؤقتة ، تنبثق عن المؤتمر ، المرحلة الانتقالية، التي تنشر فيها حريات تأسيس الأحزاب و انشاء وسائل الاعلام والتظاهر والإضراب( وليس قوانين ومراسيم يصدرها من في السلطة ،وفق أهوائه وميوله ،لتنظيم هذه المجالات الأربعة لحرية المجتمع والمواطن)، وذلك للسير نحو انتخابات جمعية تأسيسية ، كما جرى في سوريا عام1949، تضع دستوراً جديداً، على غرار ما أنتجت تلك الجمعية دستور 1950.
عملياً، هذه هي الخطوط السياسية الرئيسية في البلد الآن .
يمكن أن توجد تباينات أ و تفارقات في كل خط من هذه الخطوط الثلاثة، ففي خط السلطة الحالية هناك براغماتيون هم على ادراك ومعرفة وعلم بأن القوى الخارجية، سواء الولايات المتحدة أوغيرها، لن ترضى عن حكم اسلامي متشدد بالسلطة ، وأيضاً لن يقبل المجتمع السوري بذلك، وأن الأرضية الاجتماعية للتشدد الاسلامي هي عند قلة من السوريين، بمافيهم عند السنة الذين هم ليسوا طائفة بل ينقسمون طبقياً و ينقسمون بين ريف ومدينة ،وكل ذي بصيرة يدرك ويلمس بأنه إذا كانت الديكتاتورية قد قادت خلال نصف قرن إلى خراب البلد فإن أي ديكتاتورية جديدة ستقود إلى ماهو أسوأ.
أيضاً في الخط الثاني، (خط المُكوِنات)، يوجد من يميل نحو التقسيم، وإن كان اصحاب هذا الميل قد أدركوا ، من خلال سنة ونصف سورية وقبلها منذ عراق2003، بأن (لاخرائط جديدة) في المنطقة، ولهم في تجربة استفتاء 2017في اقليم كردستان العراق عبرة للاعتبار، وهو مايدركه عبدالله أوجلان الذي دعا في رسالة مؤخراً من سجنه في جزيرة ايمرالي إلى الالتزام بخط (لا للتقسيم ونعم للاتحاد الديمقراطي).
هنا، يمكن أن يميل بعض الاسلاميين إلى (خط المكونات) ويتلاقون مع أصحابه من منطلق "أننا الأكثرية"، ويحاولوا إقامة نظام على طراز النظام اللبناني، الذي أسماه الرئيس اللبناني فؤاد شهاب ب"نظام مقسمي وآكلي الجبنة ".
ولكن من يدرس المناخ الدولي، وحتى الاقليمي ، فإنه يمكن أن يلمس دوراً يراد اعطائه لسوريا كممر لخطوط أنابيب نفط وغاز ولسلاسل توريد للبضائع والسلع بين منطقة الشرق الأوسط وأوروبا ، وهنا لن تنسى تجربة اغلاق مضيق هرمز في حرب2026وقبلها عرقلة الملاحة في مضيق باب المندب من قبل الحوثيين، وهو مايجب أن يُجمع مع اتجاه الأوروبيين للاستغناء عن النفط والغاز الروسي بعد الحرب الأوكرانية في قرار اتخذه الاتحاد الأوروبي وحدًد مدة تنفيذه في عام2027، وعلى الأرجح أن من يريد اعطاء هذا الدور لسوريا لن يرضى باستمرار بنية وشكل وأسلوب السلطة السورية القائمة لأنه يعرف بأنها لا تستطيع القيام بتوفير المناخ الملائم لذلك، إن لم يكن العكس.
وفيما يتعلق بجهة (خط المكونات) فإنه ولأكثر من مرة صرح المبعوث الرئاسي الأميركي توماس باراك " أن النظام القائم في العراق ليس ناجحاً "، والأميركيون هم من أقاموا هذا النظام بعد احتلالهم للعراق في عام2003.
السؤال الذي يجب أن يطرح: هل يكون القرار2799، الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي في 6تشرين الثاني2025 والذي أعلن فيه أنه "يتصرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة" وأكد فيه على "الأهداف والمبادىء الرئيسية الواردة في القرار2254لعام2015"، مؤشراً على اتجاه نحو حصول مناخ دولي نحو تبني (خط المؤتمر الوطني العام)، الذي هو متضمن في القرار2254؟...
فإلى أين ستسير سوريا؟..
---------------------------------------------------------------------------------------
نسخة من وثيقة (مذكرة التفاهم) بين الولايات المتحدة وايران، الموقعة ألكترونياً يوم الأحد 14حزيرانيونيو2026
- هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)
1. تُعلن جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب حلفائهما في الحرب الدائرة، فور التوقيع على مذكرة التفاهم هذه، عن وقفٍ فوري ودائم لإطلاق النار على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وتتعهدان بألا تُقدما من الآن فصاعداً على أي عمل عدائي ضد بعضهما البعض، وبالامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ،وبضمان وحدة الأراضي اللبنانية وسيادة لبنان،. وسيُكرّس الاتفاق النهائي أحكام هذه المادة وسائر المواد الأخرى.

2. تتعهد جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية باحترام سيادة كلٍّ منهما وسلامة أراضيها، والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية.

3. تتعهد جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية بالتفاوض والتوصل إلى اتفاق نهائي في غضون مدةٍ أقصاها ستون يوماً، قابلةٌ للتمديد بالتراضي المتبادل.

4. فور التوقيع على مذكرة التفاهم هذه، ترفع الولايات المتحدة الأمريكية الحصار البحري المفروض، وتمتنع عن أي تدخلٍ أو عرقلة تطال جمهورية إيران الإسلامية، وتعيد حركة الملاحة إلى طاقتها الكاملة في غضون ثلاثين يوماً كحدٍّ أقصى، بما يتناسب مع حجم الحركة الذي كانت تضخّه الجمهورية الإسلامية قبل اندلاع الحرب. كما تتعهد الولايات المتحدة بسحب قواتها من المناطق المحيطة في غضون ثلاثين يوماً من تاريخ إبرام الاتفاق النهائي.

5. فور التوقيع على مذكرة التفاهم هذه، تتخذ جمهورية إيران الإسلامية الإجراءات الفورية اللازمة لضمان استئناف حركة السفن التجارية بين الخليج العربي وبحر عُمان وبالعكس، وذلك في غضون ثلاثين يوماً لتعود إلى مستوياتها السابقة للحرب، مع مراعاة ضرورة إزالة العوائق التقنية وتحييد الألغام من قِبل الجانب الإيراني.

6. تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية، بالتنسيق مع شركائها الإقليميين، بإعداد خطةٍ شاملة يتفق عليها الطرفان لإعادة إعمار جمهورية إيران الإسلامية وتحقيق تنميتها الاقتصادية، مع ضمان تمويلٍ لا يقل عن ثلاثمائة مليار دولار. وسيُحدَّد آليات تنفيذ هذه الخطة ضمن الاتفاق النهائي خلال ستين يوماً.

7. تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية، وفق جدولٍ زمني يُتفق عليه في إطار الاتفاق النهائي، برفع جميع أنواع العقوبات المفروضة على جمهورية إيران الإسلامية، بما فيها قرارات مجلس الأمن الدولي ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فضلاً عن جميع العقوبات الأمريكية الأحادية الجانب، الأولية منها والثانوية.

8. تؤكد جمهورية إيران الإسلامية من جديد أنها لن تسعى في أي وقتٍ إلى امتلاك أسلحةٍ نووية. وقد اتفقت جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية على أن مصير المواد المخصّبة ومصير جميع المسائل النووية الأخرى المتفق عليها مشتركاً، بما فيها الاحتياجات النووية الإيرانية، ستُعالَج معالجةً وافية في الاتفاق النهائي، الذي سيُكرّس بدوره أحكام هذه المادة.

9. تتفق جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية على الإبقاء على الوضع القائم ريثما يُبرَم الاتفاق النهائي: إذ تحافظ إيران على الوضع الراهن لبرنامجها النووي، في حين تمتنع الولايات المتحدة عن فرض أي عقوباتٍ جديدة على إيران أو تعزيز قواتها في المنطقة.

10. تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بأن تُصدر وزارة خزانتها، فور التوقيع على مذكرة التفاهم هذه وحتى تاريخ رفع العقوبات، إعفاءاتٍ تشمل صادرات إيران من النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية ومشتقاتها، وجميع الخدمات ذات الصلة، بما فيها الخدمات المصرفية والتأمينية والنقل وما شابهها.

11. تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بأنه، في ضوء تقدم المفاوضات نحو اتفاقٍ نهائي، سيجري الإفراج عن الأموال والأصول المجمّدة أو المقيّدة العائدة لجمهورية إيران الإسلامية وإتاحتها بصورةٍ كاملة. وستُوظَّف هذه الأموال، سواءٌ المحتجزة في الحسابات الرئيسية أو المحوّلة، لصالح أي جهةٍ مستفيدة نهائية يحددها البنك المركزي لجمهورية إيران الإسلامية، وستكون متاحةً للاستخدام بصورةٍ كاملة. وتتعهد الولايات المتحدة بإصدار جميع التصاريح والتراخيص اللازمة على هذا الأساس.

12. تتفق جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية على إنشاء آليةٍ تنفيذية تتولى الإشراف على التطبيق الناجح للاتفاق النهائي والالتزام به مستقبلاً.

13. عقب التوقيع على مذكرة التفاهم هذه، وبعد تلقّي ضماناتٍ بشأن الشروع في تنفيذ المواد الرابعة والخامسة والعاشرة والحادية عشرة منها، والاستمرار في تطبيق هذه الخطوات، تنخرط جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية في مفاوضاتٍ للتوصل إلى اتفاقٍ نهائي يقتصر على المواد المتبقية.

14. يُعتمد الاتفاق النهائي من خلال قرارٍ مُلزِم يصدر عن مجلس الأمن الدولي.
-------------------------------------------------------------------------------------------------------أقطاب جديدة أم عالم متغيّر؟
سمير سالم
يبدو أنَّ ما كان يجول في خاطر الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبيل بداية العملية العسكرية في 28 شباط/ فبراير 2026 التي أسماها "الغضب الملحمي" أنْ تكون عملية خاطفة وسريعة، ينهار فيها النظام الايراني بمجرد مقتل قادته أو تندلع فيه ثورة شعبية تُسقط النظام مع استمرار القصف الأميركي والإسرائيلي لمواقع حسّاسة ومؤثرة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. سرعان ما تحولت هذه الخاطرة إلى مستنقع بدت فيه الإدارة الأميركية بلا سيناريو خروج، والحرب التي بدأت بسعي إسرائيلي واضح إلى إسقاط النظام، أعلن الرئيس الأميركي نهايتها في حزيران/ يونيو بأنَّ التعهد بعدم امتلاك أسلحة نووية يكفيه!
المؤكد أنَّ هذه العملية ستبدّل كثيرًا من المعادلات والتوازنات الإقليمية والاستراتيجيات المستقبلية لدول المنطقة، لا سيّما دول الخليج. وربما علينا لنفهم أبعاد هذا الأمر إقليميًا العودة إلى تصريح لدونالد ترامب في عام 2018، في ولايته الرئاسية الأولى، حين صرّح خلال مؤتمر صحفي جمعه بنظيره الفرنسي: "هناك دول لن تبقى لأسبوع واحد دون حمايتنا. عليهم دفع ثمن لذلك"، في إشارة منه إلى دول الخليج. ومع سقوط مبدأ "ادفع لتبقى"، الذي انتهجه ترامب في تعامله مع هذه الدول، تحت نيران الإيرانيين، يبدو أنَّ دول الخليج في حاجة ماسّة إلى البحث عن بدائل قد تتمثّل في تحالفات إقليمية لحماية مصالحها، بعيدًا عن الاستنزاف الأميركي الذي لا ينتهي لها. وقد تمثّل نتائج الحرب فرصة تشكيل نواة تحالف إقليمي جديد على غرار ما طُرح حول تحالف يضم باكستان والسعودية وتركيا ومصر.
على المستوى العالمي، امتدت التداعيات الاقتصادية للحرب وتعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى مختلف أنحاء العالم، لتتحول الحرب التي كان يُفترض بها أنْ تكون خاطفة، إلى عقدة تخنق الاقتصاد العالمي برمته، بعيدًا عن تكاليفها الباهظة. فقبل اندلاع القتال كان هناك نحو 100 سفينة تعبر المضيق بشكل يوميّ، لكن منذ 18 أيار/ مايو وحتى 7 حزيران/ يونيو عبرت 127 سفينة فقط. وستتكبد واشنطن تكاليف ضخمة لإعادة ملء مخزوناتها العسكرية، وإعادة نشر المعدات العسكرية، وقد كشف مسؤولون في البنتاغون في أيار/ مايو أنَّ الحرب كلّفت الولايات المتحدة حتى الآن نحو 29 مليار دولار، وقدّر معهد "أميركان إنتربرايز" تكلفة الحرب من 25 إلى 34 مليار دولار حتى وقف إطلاق النار في نيسان/ أبريل.
عند الاطلاع على نص الاتفاق الأميركي-الإيراني نرى في الفقرة السادسة منه "تعهد الولايات المتحدة الأميركية، بالتعاون مع شركائها الإقليميين، بوضع خطة نهائية ومتفق عليها بصورة متبادلة، لا تقل قيمتها عن 300 مليار دولار أمريكي، لإعادة إعمار الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتنميتها اقتصاديًا، وسيُستكمل وضع الآلية الخاصة بتنفيذ هذه الخطة ضمن الاتفاق النهائي خلال مدة لا تتجاوز 60 يومًا". وتنطوي هذه الفقرة إلى الآن على لَبْس كبير في تفسيرها، ففي حين ينكر الرئيس الأميركي أنَّ الولايات المتحدة قد تدفع أموالًا لإيران، يتابع بأنَّه لا يملك أنْ يمنع دولًا أخرى من فعل ذلك. وفي تصريح أدلى به نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس لشبكة "سي بي إس"، يقول: "حين يقول الناس إن أصولا بمليارات الدولارات سيفرج عنها، فهذا غير صحيح"، ويضيف أن الاتفاق "يمد يدا لإيران" بشرط السماح بـ"تفتيش حقيقي" للبرنامج النووي مقابل العودة إلى الاقتصاد العالمي، بتمويل مما وصفه بـ"الائتلاف الخليجي". ويُمكن لتطبيق مثل هذه الفقرة، حتى وإن جرى على طريقة فانس، أنْ يقودنا إلى سيناريوهات عدّة، فقد يؤدي إلى تعويض إيران عمّا تكبدته من خسائر في خلال الحرب فحسب، أو يمثّل فرصة لإدماج إيران في النظام العالمي الذي بدا في هذه الحرب متضعضعًا على مستويات عديدة، أو يكون جزءًا من تشكيلات إقليمية ستظهر لاحقًا تكون فيها إيران جزءًا من محيط إقليمي أوسع.
في العمق، طرحت الحرب أسئلة عديدة حول أبعاد الصراعات في عالمنا الآن وقدرة نظام القطب الواحد على الاستمرار، إذ نرى انقسامًا ضمن ما يُعرف بالنظام الدول حيال حربًا بمثل هذا الحجم، ونرى دولة مهمشة من النظام الدولي تمتلك قدرة مرتفعة نسبيًا على الصمود في وجه الهجمات الأميركية-الإسرائيلية المتسارعة والعنيفة، وما أنفقته الولايات المتحدة في خلال حربها على إيران، يتجاوز ما أنفقته طيلة حربها على فيتنام! ولم تحتج ايران دائمًا إلى معدات عسكرية فائقة التطور، بل كان يكفيها أن تستخدم طائرات مسيّرة تكلفة إنتاجها بسيطة لتسدّ أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. تميط هذه الأحداث اللثام عن إمكان تحوّل التشابك الكثيف للنظام الدولي إلى نقمة عند أيّ استعصاء، فإغلاق مضيق هرمز الذي يقع في الشرق الأوسط أفضى إلى ارتفاع متوسط سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة من 2.9 دولار قبل الحرب إلى حوالي 6 دولارات في بعض الولايات.
في حين لا يبدو أنَّ ثمة قطبًا بعينه يصعد الآن على الساحة الدولية، ليشكّل قوة هيمنة وسيطرة توازي ما لدى الولايات المتحدة الأميركية، فحتى الصين التي تحقق قفزات اقتصادية وتكنولوجية غير مسبوقة لا تمتلك من أدوات الهيمنة والسيطرة الناعمة ما يتيح لها أنْ تصدّر مشروعًا متكاملًا خارج حدودها، غير أنَّ كلّ ما جرى في الحرب يكشف عن خلل عميق في النظام العالمي بشكله الحالي، ويتيح الفرصة لتشكّل أحلاف وتحالفات لا ترتقي إلى مستوى أنْ تكون دولية كاملة بل تحالفات على طراز البريكس والتحالف الباكستاني المقترح. فالحرب قد لا تمثّل نهاية لنظام القطب الواحد بالمعنى الحرفي للكلمة، غير أنَّها بالطبع تمثّل ضربة قوية لهذا النظام، وفرصة حقيقية لطرح بدائل أكثر عملية وقدرة على التنسيق والعمل المشترك.
---------------------------------------------------------------------------------------------------
السويداء عند مفترق الطرق: قراءة في تعقيدات الجنوب السوري بعد عام من التحولات الشاملة
بقلم: بهاء الشايب
لم تعد محافظة السويداء مجرد جغرافيا حدودية هادئة على هامش الخارطة السورية المعقدة، بل تحولت اليوم في منتصف عام 2026إلى واحدة من أكثر الساحات اختباراً لقدرة الدولة المركزية بدمشق على إدارة التنوع وفرض الاستقرار. فبين مساعي الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع لإعادة ضبط معادلة الحكم والسيطرة في الجنوب، وبين تمسك تيارات محلية بصيغة "الإدارة الذاتية"، يعيش جبل العرب حالة مخاض سياسي وأمني غير مسبوقة.
جذور التوتر ومخاض السيطرة:
منذ منتصف عام 2025، دخلت السويداء منزلقاً حاداً إثر اشتباكات دموية تداخلت فيها العوامل العشائرية بالسياسية، وانتهت بانسحاب جزئي للقوات الحكومية لصالح انتشار الفصائل المحلية. هذا الفراغ الأمني شجع على صعود قوى عسكرية داخل المحافظة، أبرزها "الحرس الوطني" المدعوم من الرئاسة الروحية للموحدين الدروز ممثلة بالشيخ حكمت الهجري، الذي يتبنى خطاباً تصعيدياً يطالب بـ "تقرير المصير" وبناء إدارة ذاتية منفصلة إدارياً عن دمشق.
لكن هذه الرؤية تصطدم برغبة دمشق في تطبيق نموذج "إدارة خاصة منضبطة" تحت سقف الدولة الموحدة، ومحاولة تجنب سيناريوهات التفتيت التي عانت منها البلاد طويلاً.
حزيران 2026 غليان شعبي وأزمة هوية إدارية:
شهدت السويداء تطورات متسارعة زادت من قتامة المشهد مع
.النزيف البشري والظروف المعيشية: تحت وطأة الحصار الاقتصادي غير المعلن، وانسداد الأفق السياسي، بدأت عائلات عديدة بمغادرة المحافظة هرباً من الضغوط المعيشية المتفاقمة وفقدان الأمان الاستراتيجي.
الأبعاد الإقليمية والدولية: حافة الهاوية
لا يمكن فصل أزمة السويداء عن بعد أمنها الإقليمي؛ فالحدود القريبة مع الأردن تجعل المحافظة ساحة صراع دولي ضد شبكات (تهريب المخدرات (التي استغلت الفراغ الأمني للتحصن في مناطق النزاع. في الوقت ذاته، تبرز التدخلات الإسرائيلية المستمرة كعامل تأزيم إضافي، حيث يسعى الاحتلال إلى إضعاف سلطة دمشق في الجنوب ومنعها من بسط نفوذها تحت لافتة "حماية الأقليات"، وهو ما يدفع بالمنطقة بأسرها نحو حافة الهاوية.
سيناريوهات المستقبل: انقسام البيت الداخلي
تقف السويداء اليوم أمام ثلاثة مسارات مرتقبة تتبلور في كواليس النخب السياسية:
1. صراع داخل البيت الدرزي: انقسام مجتمعي حاد بين تيار سياسي يمثله الهجري بخطابه الاستقلالي الاستقوائي بالخارج، وتيار من الوجهاء والشخصيات المعتدلة التي ترى أن مصلحة الجبل التاريخية والوجودية تكمن في البقاء كجزء لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري.
2. التفاهم التدريجي الهادئ: نجاح دمشق- عبر وساطات إقليمية وتحسين بيئة الخدمات والبنية التحتية- في سحب البساط من دعاة
الانفصال، وإعادة دمج السويداء تدريجياً عبر نموذج لامركزي إداري منضبط.
3.الاستنزاف المستمر: بقاء الوضع على ما هو عليه من اشتباكات متقطعة وفوضى فصائلية، مما يحول الجبل إلى بؤرة استنزاف دائمة للدولة السورية الناشئة.
خاتمة:إن معركة السويداء اليوم ليست معركة عسكرية بالمدفع والرصاص فحسب، بل هي معركة صياغة "العقد الاجتماعي الجديد" لسوريا المستقبل. إن حماية التنوع في جبل العرب ومحاسبة المتجاوزين من كافة الأطراف هما المفتاح الوحيد لإغلاق هذه الثغرة الأمنية، وإلا فإن غيمة عدم الاستقرار ستبقى تظلل الجنوب، مهددة بإغراق دمشق ومحيطها الإقليمي في دوامة جديدة من الصراعات الطائفية والسياسية.
------------------------------------------------------------------------------------------------
داخل بنية صنع القرار المتشظّية في إيران
بقلم: أماتزيا بارام،2052026
https://www.gisreportsonline.com/r/iran-decision-making-structure/
- هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)
مراكز النفوذ المتنافسة تُشكّل مسار التفاوض، ومخاطر التصعيد، والقرارات الاستراتيجية الإقليمية
أسفرت عملية "الغضب الملحمي" عن تعميق حدة العداوات في الشرق الأوسط، وأظهرت هشاشة وقف إطلاق النار، وقادت إلى إغلاق مضيق هرمز، مع شُح الحلول المتعلقة بالملف النووي الإيراني. في أعقاب مقتل عدد من كبار القادة الإيرانيين، باتت المسألة الجوهرية في خضم المفاوضات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما لا تتعلق بما هو مطروح على طاولة التفاوض، بل بمن يمسك فعلياً بزمام القرار في طهران، وما هي مآلات الأزمة في حال تعذّر التوصل إلى تسوية سياسية.
فمن يقود المشهد في العاصمة الإيرانية؟
الحرس الثوري الإسلامي
يُمثّل الحرس الثوري الإسلامي اليوم مركز الثقل في المنظومة الإيرانية، وإن ظل رجال الدين والسياسيون يضطلعون بأدوار بارزة في مسار التفاوض. وقد كشف الهجوم الإيراني على دول الخليج العربي والمطالب التفاوضية الصارمة أن القرار يتمركز في الغالب لدى التيار المتشدد داخل القيادة، غير أنه لا يصدر عنه وحده؛ إذ يُسهم التيار البراغماتي أيضاً، وإن ظل إسهامه دون المستوى الكافي لطرح مقاربة مرنة.
تُقدَّر قوات الحرس الثوري النظامية بما بين مئة وخمسين ألفاً ومئة وتسعين ألف عنصر، مستقلةً عن الجيش النظامي الخاضع لسلطة الدولة، فضلاً عن إشرافه على نحو مليون عنصر من مليشيا الباسيج. وعقب اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، أمسك اللواء أحمد وحيدي ودائرته المقربة المضمومة إليها كبار قادة الحرس بزمام القرار الفعلي في إيران.
يسود في الغرب تحليل شائع مفاده أن الحرس الثوري يتألف من متعصبين شيعة يؤثرون الشهادة على أي تنازل سياسي من شأنه إنقاذ النظام. وما من استطلاع رأي شامل يُتيح الجزم بذلك، لكن الشواهد التاريخية المتاحة تُشير إلى اتجاه مغاير إلى حد بعيد.
فخلال حرب العراق وإيران (1980-1988)، خاض عناصر الحرس الثوري وضباطه المعارك بشجاعة، وإن دفعوا بآلاف الشباب إلى جحيمها في هجمات مشاة كثيفة حُرم بعضهم من أسلحة. ومع ذلك، حين قبل الخميني في أغسطس 1988 بوقف إطلاق النار مع صدام حسين، رضي القادة به دون أي اعتراض؛ بل كانوا هم من اقترحه أصلاً على الخميني. فقد قاتلوا من أجل إيران ومن أجل الخميني ومن أجل الثورة ومُثُل الإسلام الشيعي، لكنهم لم يكونوا انتحاريين. وفي عام 2013 قبلوا قرار خامنئي بالتفاوض على الملف النووي مع الولايات المتحدة، وأذعنوا للاتفاق النووي عام 2015. فسواء أكان الحرس الثوري لا يزال مؤسسة مكتنفة بالأيديولوجيا أم لا، فهو يحسن قراءة ضرورات النظام والتصرف بما يخدمها، ولن يسعى إلى الموت لدواعٍ أيديولوجية محضة. قراراته تخضع للحسابات المصلحية. والسؤال المحوري: ما هي مصالح الحرس الثوري؟
تولّى اللواء أحمد وحيدي قيادة الحرس منذ الأول من مارس 2026، وقد عُرف دوماً بتشدده وأثبت ذلك حين أصدر أوامره بشنّ هجمات على دول الخليج العربي. وحين بادر الرئيس مسعود بزشكيان إلى الاعتذار لتلك الدول وتعهّد بعدم تكرار ما جرى، وبّخه وحيدي توبيخاً صارماً وعادت الهجمات أشد وطأة. ويُعتقد أن وحيدي هو القائد الرفيع الوحيد المخوّل بلقاء مجتبى خامنئي. ويبدو وفق ما يمكن استجلاؤه أنه وكبار قادة الحرس هم أصحاب القرار الفعلي.
قبيل تعيينه قائداً، شغل وحيدي منصب نائب القائد من ديسمبر 2025 حتى وفاة محمد باكبور في يوم مقتل خامنئي في 28شباط 2026 ، كما تولى حقيبة الداخلية بين عامَي 2021 و2024، وهو عضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام. وقد استغرق جزء وافر من مسيرته في قيادة فيلق القدس بين عامَي 1988 و1997، قبل أن يخلفه في المنصب اللواء الراحل قاسم سليماني.
يُفسّر هذا الإرث المديد تمسّكه المستميت باشتراط أن يشمل أي وقف إطلاق نار في حرب 2026 حركةَ حزب الله؛ إذ أن التخلي عن حليف أفنى في خدمته قرابة عقد من حياته أمراً لا يُحتمل. وحين اضطر في نهاية المطاف تحت وطأة الضربات الأمريكية والإسرائيلية إلى التراجع ودخول إيران مسار التفاوض، ظلت بصماته المتشددة راسخة على الطروحات الإيرانية.

مصالح الحرس الثوري وأهدافه
تتصدر قائمة أولويات الحرس الثوري الإبقاءُ على النظام، لكن بشرط صون مكانته المتميزة داخله. فالتفوق الإسرائيلي الصاعق في أجواء طهران واغتيال شريحة واسعة من القيادة الإيرانية ألحقا بالحرس إهانة بالغة فاقت كل تصور، وبات كثير من الإيرانيين يشككون في قدرته على الوفاء برسالته حراسةً للثورة. والدافع الذي يحرك الحرس اليوم ليس التعصب الديني بقدر ما هو الوعي الحاد بأنه لا يتحمّل انتكاسة أخرى؛ فلصون مكانته لا بد له من انتزاع نصر " ما " يُعلنه.
وتتمحور أهدافه الأربعة الجوهرية حول: أولاً، عدم تقديم أي تنازل فوري في الملف النووي. ثانياً، موارد لإنعاش الاقتصاد، أي الرفع الكامل للحصار الغربي. ثالثاً، ضمانات صارمة ونهائية تُوقف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية إلى الأبد. رابعاً، اعتراف دولي فعلي بالسيادة الإيرانية على مضيق هرمز، وهو هدف بات منجزاً بالفعل إذ باتت عشرات السفن ترتّب مرورها مباشرةً مع طهران.
أما المطالب الأخرى كالتعويض عن خسائر الحرب، والاعتراف الأمريكي الرسمي بالسيادة الإيرانية على المضيق، وإخلاء القواعد الأمريكية من منطقة الخليج، فتُطرح في سياق التحدي والتصعيد أكثر من كونها برنامجاً سياسياً حقيقياً. وما دام المضيق مغلقاً، يرى الحرس أن بيده ورقة ضغط هائلة على الولايات المتحدة، ولا يرى ضرورة لتنازلات جوهرية.
مجتبى خامنئي.. المرشد الجديد
تم الاعلان عقب اغتيال علي خامنئي عن تولي مجتبى خامنئي، الابن الأصغر للمرشد الراحل، منصب المرشد الأعلى، وإن ظل الغموض يكتنف ترتيبات الخلافة في ظل انشغال إيران بأتون الأزمة. ويتمتع مجتبى بنفوذ عميق داخل المنظومة المؤسسية للنظام؛ إذ عمل على مدار سنوات وسيطاً بين مكتب والده وقيادة الحرس الثوري.
بيت المرشد
كان مكتب المقام المعظم للقيادة، المعروف بـ"بيت الرهبري"، منذ عام 1989 المقر الرسمي والإداري للمرشد الأعلى، حتى دمّره سلاح الجو الإسرائيلي في الثامن والعشرين من فبراير 2026. وقد جمع هيكلُه بين تقاليد "البيت" بوصفه ديواناً دينياً لمرجع ديني رفيع، وبين صرامة البيروقراطية الحديثة. يقع المكتب في قلب طهران وأدار شؤونه منذ 1989 "حجة الإسلام" محمد محمدي كلبايكاني، الذي يُرجَّح أنه لقي حتفه مع خامنئي.
وبينما اضطلع كلبايكاني بالدور الإداري، كان مجتبى خامنئي القوة الحقيقية خلف الكواليس والشخصية الأنفذ في هذا الكيان. وفي عام 2026، كان يعمل في المكتب نحو أربعة آلاف موظف، يعضدهم أربعون ألف عميل موزعين في مفاصل الجهاز الحكومي الإيراني؛ وهو ما جعل منه أداة المرشد في الإحاطة بكل شيء والسيطرة على كل مفصل. كانت الحكومة تُدير الشؤون اليومية، والمكتب يُراقبها. وعلى الرغم من تدمير المجمع وسقوط بعض موظفيه، لا يزال المكتب يُمارس مهامه.
أما أبرز مستشاري مجتبى خامنئي وأوثقهم صلةً بقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، فهو المستشار محسن رضائي، الذي قاد الحرس قائداً أعلى لست عشرة سنة متواصلة (1981-1997)، ويُصنَّف في خانة المتشددين الراسخين. غير أنه وإن عارض وقف إطلاق النار مع صدام حسين حتى بعد انسحاب قواته من الأراضي الإيرانية عام 1982، فقد نصح الخميني في نهاية المطاف بإنهاء الحرب عام 1988، ما يُلمّح إلى براغماتية كامنة قابلة للتفعيل.
في الرابع عشر من مارس 2026، صرّح رضائي: "إنهاء الحرب بيدنا، ولن نفكر فيه إلا حين نتقاضى التعويض الكامل عن أضرارنا من الولايات المتحدة، وحين نحصل على ضمانات مئة بالمئة للمستقبل، وهو ما لن يتحقق دون انسحاب الأمريكيين من الخليج الفارسي بأكمله." خلاصة تجمع بين أعلى السقوف الإيرانية وأبعدها عن الواقع: فبغياب القوات الأمريكية، تنفردُ إيران بالهيمنة على المنطقة. وبحلول أواخر مايو 2026، كان رضائي مقتنعاً بأن واشنطن ستنكسر في نهاية المطاف، وأن ثمة ثمة لا حاجة إذن لأي تنازل.
المقر المركزي لخاتم الأنبياء
منذ عام 2016، يُمثّل المقر المركزي لخاتم الأنبياء الحلقة القيادية العليا الجامعة بين الجيش النظامي (الأرتش) والحرس الثوري، ولا يمكن لأي عملية عسكرية أن تنطلق دون موافقته وتنسيقه. وفي غياب مرشد أعلى فاعل ومنخرط، اضطر الحرس الثوري إلى استئذانه قبل إطلاق عملية "الوعد " ضد دول الخليج العربي وإسرائيل في مارس 2026، وقبل إغلاق المضيق. ويضطلع هذا المقر بدور محوري في صنع القرار السياسي على طاولة التفاوض مع الولايات المتحدة.
وعقب اغتيال قائده ونائبه في حرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025، تولّى اللواء علي عبدالهي علي‌آبادي قيادته، فيما يشغل منصب نائبه العميد محمد جعفر أسدي. وكلاهما من كبار ضباط الحرس الثوري السابقين وقدامى حرب العراق وإيران، ومن المتشددين المعروفين.


المجلس الأعلى للأمن القومي
يُعدّ هذا المجلس أرفع هيئة للتخطيط السياسي، يُقدّم للمرشد الأعلى استشاراته في الشؤون الاقتصادية والأمنية والخارجية والاجتماعية وحتى الثقافية. وبطبيعة الحال، يبقى نفوذه الفعلي موضع تساؤل في ظل تعطّل دور المرشد الأعلى على ما يبدو، وإن ظل الجمع الذي يضمه من كبار القيادات السياسية والأمنية عاملاً لا يُستهان به.
يتصدّر الأعضاء العسكريين قائدُ الحرس الثوري، ويليه رئيس الأركان العامة وقائد الجيش النظامي. وعلى الجانب المدني، يبرز خمسة أعضاء تتقاطع أهميتهم مع الأعضاء العسكريين: الرئيس مسعود بزشكيان الإصلاحي، ووزير الخارجية عباس عراقجي أيضاً من الإصلاحيين، والأمين الجديد للمجلس محمد باقر ذوالقدر المتشدد الصلب، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف المتشدد المتحوّل إلى براغماتية، وأخيراً رئيس القضاء المتشدد آية الله غلام حسين محسني إجئي، الذي صدرت بأمره أحكام إعدام بحق آلاف المتظاهرين السياسيين، وكان في أحداث ديسمبر 2025 ويناير 2026 في طليعة الأصوات التي ضغطت على المرشد لإصدار أوامره لمليشيا الباسيج بإطلاق النار.
في المشهد الراهن، تراجع الرئيس والمتحدث ووزير الخارجية إلى المقاعد الخلفية، وإن ظلوا يُجسّدون ركيزة دستورية بالغة الأهمية. فالرئيس بزشكيان فاز بالانتخابات بأغلبية شعبية ساحقة، ورئيس البرلمان قاليباف انتخبه مجلسٌ هو نفسه جاء بانتخابات عامة.
لا تُعدّ إيران ديمقراطية بأي معيار، غير أنها منذ عهد الخميني تحرص على الإبقاء على زخرفة شبه ديمقراطية في صورتها الرسمية. فطوال عهد علي خامنئي لم يُقَل أي رئيس بالاستجواب رغم الخلافات العرضية، لأن الإقالة تبدو منافية للنهج الديمقراطي المُعلن. وعلى الرغم من تهميش الرئيس وحكومته ورئيس البرلمان في أعقاب اغتيال علي خامنئي، لم يُقَل أيٌّ منهم من منصبه.
يحرص الرئيس بزشكيان ورئيس البرلمان قاليباف على التواجد المكثف في المشهد الإعلامي لقيادة مسيرات مؤيدة للنظام في شوارع طهران، فيما يقود وزير الخارجية ملف التفاوض مع الولايات المتحدة. وبما أن النظام يُقدّم هؤلاء ممثلين للإرادة الشعبية وإرادة المرشد معاً، فإن الحرس الثوري يحتاجهم لاكتساب شرعيته في عيون ما بين عشرين وأربعين بالمئة من الإيرانيين الذين لا يزالون يؤيدون النظام، تجنباً للظهور بمظهر منفذي انقلاب عسكري؛ وهو أمر أقرب إلى المحرّمات في نظر المؤمنين بثورة الخميني الإسلامية.


البرلمان
يفتقر البرلمان الإيراني إلى نفوذ حقيقي، إذ يملك المرشد الأعلى أو مجلس تشخيص مصلحة النظام صلاحية إبطال أي تشريع يصدر عنه. بيد أنه بوصفه هيئة منتخبة انتخاباً شعبياً، يُرسّخ حضوره في المناخ السياسي ويدّعي تمثيله لمزاج الناخبين. وتحتل الأغلبية الكاسحة من مقاعده الـ290 تياراتُ المتشددين.
أبرز هذه التيارات "جبهة ثبات الثورة الإسلامية" (بايداري) التي تستحوذ على سبعة وعشرين بالمئة من المقاعد وتُمثّل الحزب الإسلامي الأشد أيديولوجية وتطرفاً في المشهد السياسي القانوني الإيراني. وعقب وقف إطلاق النار عام 2026 مباشرةً، قاد سعيد جليلي، أبرز وجوه الجبهة والمرشح الرئاسي الخاسر عام 2024، مظاهرة حاشدة في طهران رفضاً للمفاوضات. وكان راعي الجبهة قبل الحرب يُعتقد أنه مجتبى خامنئي بالذات. وكلما احتاج المتشددون في الحرس الثوري إلى دعم مواقفهم الرافضة، وجدوا في جليلي وحزب بايداري سنداً جاهزاً.
السيناريوهات
الأرجح: تفعيل واشنطن لمشروع الحرية
تعمد الولايات المتحدة إلى فتح ممر آمن في مضيق هرمز، فتردّ إيران بشنّ هجمات على الإمارات العربية المتحدة وربما المملكة العربية السعودية والبحرين أيضاً. والإيرانيون يُفكرون بمعادلة تصعيدية: لكل ضربة أمريكية مثيلتها. وقد تُحذّر واشنطن طهران من أن أي هجوم جديد سيُفضي إلى تدمير البنية التحتية المدنية الإيرانية، غير أن الحرس الثوري على الأرجح سيطلق النار رغم ذلك.
الأرجح: استئناف الحرب الفعلية
إن استأنفت الولايات المتحدة - وإسرائيل في الغالب معها - حملة عسكرية محدودة ورمزية، ردّت إيران بالمثل. وستنجو عُمان وقطر من الاستهداف، فيما ستقع سائر دول الخليج العربي تحت وطأة الضربات، وفي مقدمتها الإمارات. وإن كان الهجوم الأمريكي مكثفاً وطال بنية تحتية واسعة، جاء الرد الإيراني بالقدر ذاته. وقد أعلن الحرس الثوري صراحةً أنه في حال تعرّض البنية التحتية المدنية الإيرانية للقصف، سيردّ بتدمير صناعة النفط والبنية التحتية المدنية الإسرائيلية والخليجية. وفي السادس والعشرين من أبريل 2026، كشفت وسائل إعلام الحرس الثوري أن إيران ستقطع الكابلات الاتصالية المغمورة في قاع مضيق هرمز.
كما تلوّح إيران بإعادة تفعيل التهديد الحوثي اليمني لحركة الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وهي ليست تهديدات جوفاء. في مثل هذا السيناريو، سيكون الضرر بالاقتصاد الدولي جسيماً، فيما ستجد إيران ذاتها في وضع بالغ الهشاشة، تعاني شُح الكهرباء والغاز والوقود والإيرادات، مع أزمة مياه حادة لا مفرّ منها بعد موسم الجفاف القياسي الذي سبق الحرب.
وثمة مسار وسط يتمثل في هجوم واسع النطاق يستهدف المنشآت العسكرية الإيرانية بهدف تجريد طهران من قدراتها الضاربة، مع ما قد يترتب على ذلك من تآكل دعم النظام داخل الجيش النظامي، فيما سيكون رد فعل الحرس الثوري هجمات على دول الخليج العربي وإسرائيل مشابهة لما جرى في الحرب الماضية.
محتمل: يستمر الحصار الأمريكي ويُربك الاستراتيجية الإيرانية
أمام واشنطن خيار آخر: بدلاً من استئناف الحرب، الاستمرار في حصار هرمز والانتظار. سيكون ذلك مرهقاً لواشنطن داخلياً ودولياً، لكنه سيكون أشد وطأةً بكثير على النظام الإيراني. في هذه الحالة، لن يُبادر الحرس الثوري إلى إطلاق النار، بل سيلجأ إلى لعبة انتظار مع الولايات المتحدة، على اقتناع بأن الأمريكيين سيرمشون أولاً.
يستطيع النظام الإيراني حماية النخبة وقاعدة نفوذه من وطأة حصار لا يدوم إلا أشهراً، لكنه لن يستطيع توفير ذلك لجميع مؤيديه البالغين نحو عشرين إلى خمسة وعشرين مليون نسمة، بافتراض أن نحو ربع السكان لا يزالون يساندون النظام. فربما يتمكن من كفالة عناصر الحرس والباسيج المنتظمين، لكن ليس أكثر من مليون عنصر من الباسيج غير النظامي، ولا مئتين وخمسين ألف رجل شرطة، ولا ثلاثمئة وخمسين ألف جندي من الجيش النظامي وذويهم، فضلاً عن ملايين المؤيدين المدنيين.
وإن كان الحرس الثوري بالفعل جماعة متعصبة تؤثر الشهادة على التنازل، فلن تكون النتيجة سوى مزيد من البؤس والدمار في إيران. وواشنطن لن تغامر بغزو إيران لإسقاط النظام، إذ يمتلك الحرس دوماً من الطائرات المسيّرة والصواريخ والألغام ما يكفي لإبقاء المضيق مغلقاً أمداً طويلاً. وإن انتظرت واشنطن، فسيجد العالم طرقاً للالتفاف على المضيق وسيستعيد الاقتصاد الدولي عافيته - في حين لن يفعل الاقتصاد الإيراني. بيد أن الولايات المتحدة والغرب لن يستسيغا الانتظار إلى ما لا نهاية؛ وسيضطران آنذاك إلى كسر الحصار الإيراني على الخليج.
ومع ذلك، وكما يُلمّح سلوكهم التاريخي، فالحرس الثوري لا يُقبل على الأذى الذاتي. فإن أحكم الرئيس ترامب إطباقه على الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة واليابان ودول الخليج العربي، وربما الصين، وأجبرهم على الانضمام إليه لانتزاع قرار إيراني بفتح المضيق، فلن يجد الحرس الثوري في مقدوره تجاهل ذلك. لكن راهناً يرى الحرس أنه بموقف المنتصر وأن لا داعي للتنازل.
حين يحتدم الصراع ويصل إلى حافة اللارجعة، سيبحث الحرس عن تسوية لا تُلحق به إهانة قاتلة. وتبقى المسألة النووية وفتح المضيق في أعلى سلم الأولويات الأمريكية. ففي الثالث من مايو أُفيد بأن الجانب الإيراني وافق من حيث المبدأ على التنازل عن اليورانيوم المخصّب ووقف التخصيب لخمسة عشر عاماً. ولحدوث ذلك، على المرشد الأعلى أن يستحضر مبدأ والده "المرونة البطولية" ويُجبر الحرس الثوري على تقديم تنازلات. وفي واقع الأمر، قد يكون الحرس ذاته هو من يُوصي المرشد سراً بأن يُبدي مرونة، كما أوصى الخميني عام 1988 بإنهاء حرب العراق وإيران. وحين يحدث ذلك، سيحمل الرئيس ووزير خارجيته ورئيس البرلمان عبء التبعات السياسية لتلك التنازلات.
الأقل احتمالاً: تغيير القيادة وتنازلات نحو السلام
تحوّل حقيقي في النظام يُمكّن المعتدلين من التخلي عن الطموحات النووية الإيرانية والادعاءات الإقليمية على المضيق ودعم الوكلاء الإسلاميين يبدو أقل احتمالاً في المدى المنظور. والأرجح أن يسود العكس: فلإخماد سخط شعبي متراكم، سيزداد النظام قمعاً. ومع ذلك، إن أصر الرئيس ترامب على "صفر تخصيب" ومضيق مفتوح ورفض النظام القائم تلك المطالب، فإنه سيكون يدفع إيران نحو جدار من الحديد.
وإن مضت واشنطن في حصارها، فإن النظام بما يعتريه من فساد مؤسسي ومن عجز اقتصادي وإنفاق على الوكلاء البعيدين ونفقات أمنية ضخمة، يُضاف إليها ثقل الحرب الأربعينية عام 2026، لن يصمد أكثر من بضع سنوات. وقد لا تمر إلا أشهر قليلة حتى يعصي عناصر الباسيج تطلق أوامر إطلاق النار، فتنتفض الجماهير من جديد.
-------------------------------------------------------------------------------------------------------
الدعم الأمريكي لإسرائيل يواصل التراجع, خصوصاً بين الديمقراطيين والأجيال الشابة
بقلم: ويليام غالستون, جوردان مَتشنيك
https://www.brookings.edu/articles/support-for-israel-continues-to-deteriorate-especially-among-democrats-and-young-people/
"معهد بروكينغز" 682025
- هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)
مقدمة:
منذ الهجوم الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٣، تابع العالم العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة. وخلال هذه الفترة، امتلأت شاشات التلفزة ومنصات التواصل الاجتماعي بصور الحرب، لتصل بشكل خاص إلى الأجيال الشابة التي تتلقى المحتوى الرقمي بوتيرة مكثفة. ونتيجة لذلك، شهد التأييد لإسرائيل بين الشباب الأمريكيين، والذي كان متذبذباً أصلاً، تراجعاً حاداً مع تكرار مشاهد معاناة الفلسطينيين وانتشار الرسائل التي تقودها الحركات الشبابية الناشطة.

إلا أن المؤشرات المتزايدة تُظهر أن الديمقراطيين(أعضاء الحزب الديمقراطي) الأكبر سناً أصبحوا أيضاً أكثر انتقاداً لإسرائيل، ما جعل الجمهوريين(أعضاء الحزب الجمهوري) الأكبر سناً الفئة الأمريكية الوحيدة التي ما زالت تتمسك بدعم قوي لإسرائيل.

ويقدّم استطلاع أجرته مؤسسة ”إيكونوميست/يوغوف“ ونُشرت نتائجه في ٥ أغسطس/آب ٢٠٢٥ صورة واضحة عن هذا التحول. فقد أظهرت النتائج أن شريحة واسعة من الناخبين ترى أن استمرار الهجمات الإسرائيلية على غزة غير مبرر، فيما لا تتجاوز نسبة المؤيدين لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ٢٧٪، بينما يؤيد ٨٤٪ وقفاً فورياً لإطلاق النار.

كما يعتقد أكثر من سبعة من كل عشرة أمريكيين بوجود أزمة جوع في غزة، وهو ما يفسر الدعم الواسع لزيادة المساعدات الإنسانية للفلسطينيين. وكشف الاستطلاع أيضاً أن ٤٥٪ من الناخبين يرون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين، مقابل ٣١٪ فقط يرفضون هذا التوصيف. ولا يقتصر هذا الرأي على الديمقراطيين والليبراليين، بل يمتد كذلك إلى المستقلين والمعتدلين. وكما سيتضح لاحقاً، فإن تراجع التأييد الشعبي الأمريكي لإسرائيل لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل جاء نتيجة مسار تراكمي استمر لسنوات.

الديمقراطيون أكثر توحداً في مواقفهم تجاه إسرائيل مقارنة بالجمهوريين

مقارنة بعام ٢٠٢٢، ارتفعت النظرة السلبية إلى إسرائيل في مختلف الأوساط الأمريكية، وإن بدرجات متفاوتة بحسب العمر والانتماء الحزبي. فقد أظهرت بيانات مركز بيو للأبحاث أن نسبة الأمريكيين الذين يحملون آراء سلبية تجاه إسرائيل ارتفعت من ٤٢٪ إلى ٥٣٪.
بين الجمهوريين، ارتفعت هذه النسبة من ٢٧٪ إلى ٣٧٪، بينما قفزت بين الديمقراطيين من ٥٣٪ إلى ٦٩٪. وعند النظر إلى الفئات العمرية، يتبين أن الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين ١٨ و٤٩ عاماً انتقلوا من نسبة ٣٥٪ تحمل نظرة سلبية إلى إسرائيل إلى ٥٠٪. أما الجمهوريون الذين تجاوزوا الخمسين، فقد شهدوا زيادة طفيفة فقط من ١٩٪ إلى ٢٣٪.

في المقابل، ارتفعت النسبة بين الديمقراطيين الذين تتراوح أعمارهم بين ١٨ و٤٩ عاماً من ٦٢٪ إلى ٧١٪، بينما سجلت الفئة العمرية فوق الخمسين أكبر تحول، إذ قفزت من ٤٣٪ إلى ٦٦٪.

وعادة ما تتغير مواقف كبار السن بصورة تدريجية وبطيئة، إلا أن هذه الدراسة تشير إلى أن هذا النمط لم يعد ينطبق إلا على الجمهوريين الأكبر سناً، في حين سجّل الديمقراطيون الأكبر سناً أكبر تحول بين جميع الفئات العمرية. ويعكس هذا التوجه تغيراً أوسع داخل اليسار الأمريكي تجاه إسرائيل، يتجاوز الرواية الشائعة التي تربط الانتقادات بالشباب فقط، إذ لم يعد النقد الحاد للحرب في غزة مقتصراً على الأجيال الأصغر سناً.
وعند تقييم ثقة الأمريكيين ببنيامين نتنياهو، تظهر صورة مشابهة. فبين الجمهوريين، قال ٥٠٪ إن لديهم ثقة كبيرة بقدرة نتنياهو على اتخاذ القرارات الصحيحة في الشؤون الدولية، بينما أعرب ٣٤٪ عن ثقة محدودة أو معدومة به. أما الجمهوريون دون الخمسين، فقد عبّر ٤٥٪ منهم عن ثقة ضعيفة أو معدومة، مقابل ٣٢٪ فقط لديهم قدر من الثقة. وعلى النقيض، أبدى ٧٠٪ من الجمهوريين فوق الخمسين قدراً من الثقة في نتنياهو، مقابل ٢٤٪ فقط لا يثقون به.
أما بين الديمقراطيين، فقد بدت المواقف متقاربة بين مختلف الأعمار؛ إذ أفاد ٧٠٪ من الديمقراطيين إجمالاً بأنهم لا يملكون سوى القليل من الثقة أو لا يثقون به إطلاقاً، مع نسب متشابهة بين من هم دون الخمسين ومن هم فوقها.
رغم تراجع التعاطف مع الإسرائيليين، ما زال الجمهوريون يفضلونهم على الفلسطينيين... بخلاف الديمقراطيين.
منذ اندلاع الحرب، رصد استطلاع مشترك بين مجلس شيكاغو للشؤون العالمية ومؤسسة إبسوس تراجعاً ملحوظاً في المشاعر الإيجابية تجاه إسرائيل عبر مختلف الانتماءات السياسية. فقد انخفضت النسبة بين الجمهوريين من ٦٩٪ إلى ٦٣٪، وبين المستقلين من ٥٦٪ إلى ٥٠٪، فيما سجّل الديمقراطيون أكبر تراجع من ٥١٪ إلى ٤١٪.
وعلى نطاق أوسع، شهدت مشاعر التعاطف الأمريكية تجاه الفلسطينيين والإسرائيليين تحولاً تدريجياً منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. ففي ذلك الوقت، كان أكثر من ٦٠٪ من الأمريكيين يتعاطفون مع الإسرائيليين، مقابل أقل من ٢٠٪ مع الفلسطينيين. لكن الحرب الحالية سرّعت هذا التحول، إذ بات ٤٦٪ فقط من الأمريكيين يميلون أكثر إلى إسرائيل، مقابل ٣٣٪ يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين.
وشهد الديمقراطيون تحولاً جذرياً خلال الأعوام الأربعة والعشرين الماضية. ففي عام ٢٠٠١، كان أكثر من نصفهم يتعاطفون مع الإسرائيليين، مقابل ١٦٪ فقط مع الفلسطينيين. وبحلول عام ٢٠٢٣ تساوت النسب تقريباً، ثم تسارع التحول بعد اندلاع الحرب، ليصل اليوم إلى أغلبية واضحة من الديمقراطيين (٥٩٪) تتعاطف أكثر مع الفلسطينيين، مقابل ٢١٪ فقط مع الإسرائيليين.

في المقابل، بقيت مواقف الجمهوريين مستقرة نسبياً، مع تراجع طفيف فقط في التعاطف مع الإسرائيليين منذ بدء الحرب، من ٧٥٪ الى 71٪. ويبدو هذا الاستقرار لافتاً، خصوصاً أن دراسات أخرى أظهرت تنامي المشاعر السلبية تجاه إسرائيل حتى داخل القاعدة الجمهورية. لكن عند المقارنة المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ظل الجمهوريون متمسكين بتفضيل إسرائيل، بينما اتجه الديمقراطيون بقوة نحو الفلسطينيين.
أما المستقلون، فقد شهدوا مساراً مختلفاً؛ إذ ارتفعت مشاعر التعاطف مع إسرائيل خلال العقد الأول من الألفية وبداية العقد الثاني، قبل أن تبدأ بالتراجع، وتسارع هذا الانخفاض منذ عام ٢٠٢٣ من ٤٩٪ إلى ٤٢٪. في المقابل، ظلت مستويات التعاطف مع الفلسطينيين مستقرة نسبياً لفترة طويلة قبل أن تبدأ بالارتفاع خلال أواخر العقد الثاني من القرن الحالي لتصل إلى ٣٤٪.
وعند سؤال الأمريكيين عمّا إذا كان ينبغي للولايات المتحدة أن تنحاز إلى أحد طرفي الصراع، قال ٥٨٪ من الجمهوريين إنه ينبغي لها الوقوف إلى جانب إسرائيل، مقابل ٣٪ فقط مع فلسطين و٣٨٪ يفضلون عدم الانحياز. وبين الديمقراطيين، أيد ١٠٪ إسرائيل و٢٠٪ فلسطين، بينما فضّل ٦٨٪ عدم الانحياز. أما المستقلون، فاختار ٢٤٪ إسرائيل و١١٪ فلسطين، في حين رأى ٦٤٪ ضرورة تجنب الانحياز. وبشكل عام، يفضل ٥٨٪ من الأمريكيين عدم الانحياز لأي طرف، مقابل ٢٨٪ يؤيدون إسرائيل و١٢٪ يؤيدون فلسطين.
اتساع الانقسام الحزبي بشأن العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة

تُظهر استطلاعات مؤسسة غالوب اتجاهاً متزايداً نحو رفض العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة. ففي بداية الحرب، قال ٥٠٪ من الأمريكيين إنهم يوافقون على هذه العمليات، مقابل ٤٥٪ يعارضونها. أما اليوم، فقد ارتفعت نسبة المعارضين إلى ٦٠٪، فيما تراجعت نسبة المؤيدين إلى ٣٢٪.
وعند تقسيم النتائج بحسب الانتماء الحزبي، تتضح فجوة كبيرة. فقد بقي الدعم الجمهوري للعمليات العسكرية مستقراً تقريباً عند ٧١٪، وهي النسبة نفسها تقريباً التي سُجلت عند بداية الحرب. أما بين المستقلين، فقد تراجع الدعم من ٤٧٪ إلى ٢٥٪. وبين الديمقراطيين، انهار التأييد من ٣٦٪ إلى ٨٪ فقط.
وعلى صعيد الفئات العمرية، لا يوافق على العمليات العسكرية الإسرائيلية سوى ٩٪ من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين ١٨ و٣٤ عاماً، بينما ترتفع النسبة إلى ٢٩٪ لدى الفئة العمرية بين ٣٥و ٥٤ عاماً، وتصل إلى ٤٩٪ بين من تجاوزوا الخامسة والخمسين.
أما فيما يتعلق بالدعم العسكري الأمريكي لأهداف الحرب الإسرائيلية، فقد ظل مستقراً نسبياً بين الجمهوريين والمستقلين، بينما شهد تراجعاً حاداً بين الديمقراطيين. ففي عام ٢٠٢٤، أيد ٥٥٪ من الديمقراطيين استمرار المساعدات العسكرية حتى إطلاق سراح جميع الرهائن، لكن هذه النسبة انخفضت إلى ٤٣٪ في عام ٢٠٢٥. كما تراجعت نسبة المؤيدين لاستمرار الدعم العسكري حتى القضاء على حماس من ٤١٪ إلى ٣٢٪ خلال الفترة نفسها.



غالبية الأمريكيين ما زالت تؤيد إسرائيل على حساب حماس

كشف استطلاع أجرته مؤسسة هارفارد هاريس عن نتائج لافتة تتعلق بالفجوة الجيلية في المواقف تجاه حماس. فعند سؤال المشاركين عمّن يدعمون أكثر، إسرائيل أم حماس، قال ٤٠٪ من الشباب إنهم يدعمون حماس، مقابل ٦٠٪ يدعمون إسرائيل. أما بين من تجاوزوا الخامسة والستين، فقد بلغت نسبة المؤيدين لإسرائيل ٩٢٪ مقابل ٨٪ فقط لحماس.
وفي ما يتعلق بمستقبل الحرب، أبدى الشباب الأمريكيون والديمقراطيون استعداداً أكبر لقبول التفاوض مع حماس. فقد أيد ٥٦٪ من الشباب أن تبرم إسرائيل اتفاقاً مع الحركة لإنهاء القتال، مقارنة بـ٣٨٪ فقط من كبار السن. وبين الديمقراطيين، بلغت النسبة ٥٢٪ مقابل ٣٨٪ بين الجمهوريين.
وتشير النتائج إلى أن الأمريكيين يميزون بين الفلسطينيين ككل وبين حركة حماس على وجه التحديد، وهو ما قد يفسر استمرار وجود مستويات مرتفعة من التعاطف مع الفلسطينيين بالتوازي مع تأييد واسع لإسرائيل في بعض الاستطلاعات.
ومع ذلك، أظهر استطلاع هارفارد هاريس تأييداً بنسبة ٨٠٪ لإطلاق سراح الرهائن، مقارنة بـ٥٥٪ فقط في استطلاع مجلس شيكاغو للشؤون العالمية. ويُرجّح أن يعود هذا التفاوت إلى اختلاف صياغة الأسئلة، إذ يبدو أن إدراج مسألة «المساعدات العسكرية» ضمن السؤال يؤدي إلى خفض نسبة المؤيدين.
خاتمة

رغم أن الفجوة الجيلية في المواقف تجاه إسرائيل حظيت باهتمام إعلامي واسع، فإن الواقع أصبح أكثر تعقيداً مما توحي به هذه الرواية المبسطة. فمع استمرار الحرب، بدأ الديمقراطيون من مختلف الأعمار يتقاربون في مواقفهم تجاه إسرائيل، بينما بات الانقسام الجيلي أكثر وضوحاً داخل الحزب الجمهوري نفسه.
كما أن معظم الاستطلاعات الواردة في هذا التقرير أُجريت قبل أن تتصدر أزمة المجاعة في غزة عناوين الأخبار الدولية. ويقدم استطلاع *إيكونوميست/يوغوف* المذكور في بداية المقال مؤشرات أولية على تأثير هذا التطور، إلا أن التقييم الأكثر دقة لحجم هذه التحولات واتجاهاتها سيبقى رهناً بنتائج الاستطلاعات التي ستُنشر خلال الأسابيع المقبلة.



المراجع

https://d3nkl3psvxxpe9.cloudfront.net/documents/econTabReport_lSgdLYM.pdf

https://www.pewresearch.org/short-reads/2025/04/08/how-americans-view-israel-and-the-israel-hamas-war-at-the-start-of-trumps-second-term/

https://globalaffairs.org/research/public-opinion-survey/americans-grow-more-divided-us-support-israel

https://news.gallup.com/poll/657404/less-half-sympathetic-toward-israelis.aspx

https://news.gallup.com/poll/692948/u.s.-back-israel-military-action-gaza-new-low.aspx

https://harvardharrispoll.com/wp-content/uploads/2025/07/HHP_July_2025_KeyResults.pdf



دور العوامل الخارجية في التاريخ السوري 1945-1963
محمد سيد رصاص
(المركز الكردي للدراسات)،662026
https://nlka.net/archives/15105

في 1 شباط/ فبراير 2008 نشرت صحيفة “هآرتس” دراسة مطولة وضعها مائير زامير، أستاذ قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة بن غوريون بالنقب، بعنوان: “الخيانة البريطانية والانتقام الفرنسي”(1)، ركزت على الحدث الذي جرى يومي 29-30 أيار/ مايو 1945 في دمشق، عندما قصف الفرنسيون دمشق بالمدافع والطائرات واحتلوا المباني الرسمية بما فيها البرلمان، وكيف قاد ذلك إلى صدام علني بين رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل ورئيس الحكومة الفرنسية الجنرال شارل ديغول، بعد توجيه الأول رسالة لديغول فيها تهديد بالتدخل العسكري البريطاني (31 أيار)، ليعقبها باليوم التالي توجيه الجنرال برنارد باجيه، قائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط وقائد الجيش التاسع، إنذاراً للفرنسيين بالانسحاب والتجمع في ثكناتهم، وهو ما تم في يومي 2-3 حزيران/ يونيو، الأمر الذي شكّل المدخل إلى جلاء الفرنسيين عن سوريا في 17 نيسان/ إبريل 1946.
كل هذا يعرفه السوريون من الكتب المدرسية، ولكن ما لم يعرفوه، بعد، هو ما كشفه البروفيسور مائير زامير بالإستناد للأرشيف السري الفرنسي، الذي يتضمن تقارير كان يرسلها مسؤول كبير في الإدارة السورية برئاسة الرئيس شكري القوتلي للفرنسيين، من دون أن تكشف الوثائق اسمه، عن أن تدخل لندن في دمشق ضد باريس كان مستنداً إلى مشروع بريطاني لإقامة (هلال خصيب: تتّحد فيه سوريا الكبرى/ سوريا – لبنان – شرق الأردن – فلسطين/ أولاً، ثم تتّحد الأخيرة مع العراق، ويكون هناك حكم ذاتي لليهود في المناطق التي يشكلون فيها أكثرية في فلسطين، وحكم ذاتي للموارنة في جبل لبنان على غرار الوضع الذي كان لهم زمن العثمانيين)، وأن رئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح، في زيارته السرية لدمشق بتاريخ 5 آب/ أغسطس 1944، قد حمل معه هذا المشروع، بأمر من الجنرال البريطاني إدوارد سبيرز، الوزير البريطاني المفوض في سوريا ولبنان والمقيم في بيروت، الذي يتلقى أوامره من اللورد موين المقيم في القاهرة، وهو الوزير البريطاني المقيم في الشرق الأوسط والذي صلاحياته تشمل المنطقة الممتدة من إيران إلى شمال إفريقيا، ليعرضه على الرئيس القوتلي، الذي تردّد حيال المشروع، وهو المعروف بارتباطه وصداقته للملك عبد العزيز آل سعود المعادي للهاشميين في العراق والأردن، ويشاطره في ذلك الملك فاروق في مصر. هذا فيما كان رئيس الوزراء سعد الله الجابري (أصبح رئيساً للبرلمان في تشرين الأول/ أكتوبر 1944 ليخلفه في رئاسة الوزراء فارس الخوري مع بقاء مردم بك بمنصبه)، ووزير الخارجية جميل مردم بك مؤيدين للمشروع البريطاني. لكن وعلى وقع القصف الفرنسي لدمشق استطاع البريطانيون إقناع القوتلي بتوقيع معاهدة سورية – بريطانية تتضمن قبوله بالمشروع المقدم من لندن، كانت وبقيت سرية، لكن حسب زامير فإنها هي التي تفسّر ما قام به تشرشل وباجيه ضد الفرنسيين، الذين اعتبر البريطانيون إخراجهم من دولتي الشرق، أي سوريا ولبنان، أساسيأً لتنفيذ المشروع البريطاني.
في يوم 4 حزيران/ يونيو يروي السفير البريطاني في باريس ديف كوبر ما سمعه شخصياً من ديغول بشأن ما حصل في سوريا: “أنتم آذيتم فرنسا، وقمتم بخيانة الغرب. وهذا لا يمكن أن يُنسى”. وحسب زامير فإن قناعة ديغول بأن ما جرى في سوريا بتاريخ 29 أيار – 3 حزيران 1945 “هو بمجمله مدبّر من البريطانيين لتنفيذ مخططهم القديم بإخراج فرنسا من الشرق ليحلّوا محلهم”، كانت مستندةً لمعرفته بما كان قد سرّبه العميل السوري الرفيع المستوى في إدارة القوتلي للفرنسيين، منذ زيارة رياض الصلح لدمشق في شهر آب/ أغسطس السابق والتي حمل فيها الخطة البريطانية.
حسب زامير فإن الحركة المضادة، لتفشيل الخطة البريطانية، كانت عبر قيام ديغول بتسريب الخطة البريطانية إلى الحركة الصهيونية في فلسطين، والتي قامت باغتيال اللورد موين بالقاهرة، عبر (منظمة ليحي – عصابة شترن)، في 6 تشرين الثاني 1944، وأن ديفيد بن غوريون، رئيس اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية في فلسطين والذي كانت تقع تحت قيادته أيضاً منظمة (الهاجانا) العسكرية، قد كسر تعاون الحركة الصهيونية لربع قرن مع لندن في فلسطين من خلال موافقته في 1 تشرين الأول/ أكتوبر 1945 على تأسيس “حركة المقاومة المتحدة”، مع (منظمة ليحي – عصابة شترن)/ إسحاق شامير/ و(منظمة الإيتسل – الإرغون)/مناحيم بيغن، لبدء المقاومة المسلحة الصهيونية المشتركة ضد البريطانيين، بدفع من ما كشفه ديغول له، حيث كان يراهن الأخير بأن حفر مقبرة المشروع البريطاني وحتى إخراج البريطانيين من المنطقة سيكون على أيدي يهود فلسطين، وحيث كان بن غوريون يعتقد بأن تنفيذ المشروع البريطاني سيقود إلى دفن مشروع الدولة اليهودية.
أيضاً حسب زامير، فإن الرئيس الأميركي هاري ترومان كان معادياً للمشروع البريطاني الذي سرّبه ديغول له في صيف 1945 أثناء زيارته لواشنطن، وهو ما قاد لاستدعاء السفير السوري ناظم القدسي للخارجية الأميركية لتحذيره (24 آب/ أغسطس 1945) من مغبّة الانجرار وراء المشروع البريطاني للوحدة مع العراق (الذي لم يكن السفير ملمّاً بتفاصيله، حسب زامير)، وذلك بعد يومين من اجتماع ديغول مع ترومان. ويضيف زامير بأن عرقلة الحكومة والبرلمان في دمشق لمشروع خط أنابيب التابلاين إلى الساحل اللبناني عبر الأردن وسوريا 1947 -1948 – 1949، التابع لشركة أرامكو الأميركية للنفط في السعودية، كان بدفع من لندن. كما يضيف زامير بأن تغيير ستالين لرأيه تجاه قضية فلسطين وقبوله بمشروع التقسيم عام 1947 كان بسبب معرفته بالمشروع البريطاني للهيمنة على الشرق الأوسط عبر (الهلال الخصيب)، وتقدير زعيم الكرملين بأن تأييده للحركة الصهيونية، المتصادمة مع بريطانيا، سيُتيح له باباً للدخول إلى الشرق الأوسط، إضافة لكون الصدام الصهيوني – البريطاني سيفشل خطط لندن للهيمنة والسيطرة على المنطقة.
إذا رجعنا للوراء، يمكن الموازنة، هنا، بين التفسير التاريخي السوري التقليدي، والذي لم ينازعه أحد من السوريين حتى الآن، بأن حدث 29 – 30 أيار/ مايو 1945، وما تم فيه من قصف لدمشق ومدن أخرى بما فيها حماة، التي سقط فيها لوحدها ثمانون قتيلاً من مجموع ما يقدّر بأربعمئة من القتلى السوريين في مدن دمشق وحمص وحماة وحلب، هو ردّ فعل فرنسي عنيف فشل في تحقيق أهدافه، وجاء عقب أيام من مظاهرات وإضرابات قام بها السوريون للمطالبة بتسليم سلطة الأمر للقوات الخاصة والجندرمة والجمارك للحكومة السورية، فيما رفض الفرنسيون ذلك مطالبين بمعاهدة خاصة، قبل خروج قواتهم من البلاد، وقواعد وتسهيلات حربية وبحرية، وأن فشل باريس في تحقيق أهدافها عبر استخدام العنف المسلح هو الذي ساهم في تحقيق السوريين الجلاءَ، الذي أتى في الأساس بجهد سوري، مع مساعدة في اللحظة الأخيرة من لندن. هذا فيما تقدم الوثائق الفرنسية، وأيضاً ما قاله ديغول للسفير البريطاني، رؤية أخرى ترى أن تشرشل كان الدافع الأقوى لجلاء الفرنسيين عن سوريا، وليس الفعل الذاتي السوري. وهنا يمكن مقارنة ما جرى في 8 أيار/ مايو 1945 في مدينة سطيف الجزائرية، عندما خرج مئات آلاف الجزائريين في مظاهرات للمطالبة بالاستقلال في يوم توقيع استسلام ألمانيا الهتلرية بالحرب، وكيف قتلت حكومة ديغول الآلاف منهم، وكيف تحوّلت الجزائر بعد تلك المجزرة ولمدة تسع سنوات ونصف إلى حالة أشبه بصمت القبور حتى بدأت الثورة المسلحة في 1 نوفمبر 1954، حيث لم يكن للجزائريين من عامل خارجي يساعدهم أو يحسم الأمر ضد الفرنسيين، بخلاف ما جرى في سوريا بعد ثلاثة أسابيع، حيث كان العامل الذاتي المحلي السوري أضعف مما كان عليه عند جزائريي أيار/ مايو 1945.
على كل حال، يجب النظر للمشروع البريطاني من منظار أوسع من سوريا، وحتى أوسع من منظار علاقة لندن – باريس، لفهم ما كان ينطوي عليه هذا المشروع من رؤية بريطانيا لمكانتها كإمبراطورية في عالم الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وبهدف الوصول إلى إحاطة وافية بالموضوع.
إذ إن لندن التي كانت الصانعة الفعلية لاتفاقية سايكس – بيكو عام 1916، والتي قدّمت وعد بلفور عام 1917، والتي أدارت ظهرها ونكثت بوعودها للشريف حسين بن علي، تلك الوعود التي أُريد بها مشاركة العرب في الجهد الحربي ضد العثمانيين، قد وجدت نفسها وحيدة بين صيفي 1940 و1941، وذلك عقب احتلال الألمان لفرنسا، ومعاهدة 1939 بين هتلر وستالين، ونأي الولايات المتحدة عن المشاركة في الحرب، فضلاً عن شعورها بالضعف خلافاً لما كان عليه وضعها في أعقاب الحرب العالمية الأولى. من دون هذا الضعف البريطاني وحاجة لندن للعرب لا يمكن تفسير تصريح وزير الخارجية البريطاني، أنطوني إيدن، عن تأييد لندن لدعوة (الوحدة العربية) في يوم 29 أيار/ مايو 1941، في نفس الأسبوع الذي حقّق فيه التدخل العسكري البريطاني هدف الإطاحة بحكومة رشيد عالي الكيلاني، الموالية للألمان في العراق، وقبيل عشرة أيام من بدء الغزو البريطاني من فلسطين والأردن لسوريا ولبنان (بمؤازرة رمزية من قوات حكومة فرنسا الحرة التي مركزها لندن بزعامة الجنرال ديغول)، حيث كانت قوات حكومة فيشي الفرنسية الموالية للألمان تسيطر على البلدين، وحيث أجبرت لندن الديغوليين، من خلال الجنرال كاترو وبموافقة ديغول، على إصدار تعهّد باستقلال لبنان وسوريا، مقابل السماح لهم بأن يصلوا للبلدين ويقوموا بإدارتهما بشكل مؤقت في ظل وجود القوات المسلحة البريطانية بعد هزيمة الفيشيين. ويبدو أن لندن كانت تقدّر بأن الجهد الحربي البريطاني، الذي كان ممتدّاً، وقت تصريح إيدن، من العراق إلى الصحراء الغربية المصرية بمواجهة الألمان والطليان في ليبيا، لا يمكن أن يحقق المكاسب المأمولة من دون إرضاء العرب. وعلى الأرجح، كانت العاصمة البريطانية تحسب بأنه فقط في حال نجاح الجهد العسكري يمكن للبريطانيين السيطرة على منطقة ممتدّة من العراق إلى ليبيا، تتميّز بموقعها الحيوي في الخريطة العالمية، وأن فاتورة هذا الإنجاز هي إرضاء العرب، فيما كانت ترى أن أبرز عقبات المشروع تتمثّل في وجود الفرنسيين في سوريا ولبنان، فضلاً عن غياب حلّ للمشكلة اليهودية في فلسطين.
من دون هذا لا يمكن تفسير (الكتاب الأزرق) الذي طرحه رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد، رجل لندن الأول في المنطقة، بتاريخ 14 كانون الثاني/ يناير 1943، أي بعد شهرين من انتصار البريطانيين على الجنرال رومل في معركة العلمين، والذي تضمن مشروع (الهلال الخصيب)، في خطوته الأولى الداعية إلى اتحادٍ بين العراق والأردن، ثم الخطوة الثانية التي تضمّنت الدعوة لاتحاد هذين البلدين مع كل من سوريا ولبنان وفلسطين، مع إيجاد وضع لموارنة لبنان شبيه بالفترة العثمانية زمن المتصرفية، ووضع من الحكم أو الإدارة الذاتية لليهود في فلسطين، وتحديداً داخل الأماكن التي يشكلون فيها الأكثرية. ومما يلفت النظر في (الكتاب الأزرق) هو أنه جاء كرسالة موجّهة من نوري السعيد إلى ريتشارد كيسي الوزير البريطاني المقيم في الشرق الأوسط، والذي كان اللورد موين نائبه يومذاك، قبل أن يخلفه في الشهر الأول من عام1944.
حسب البروفيسور يهوشوا بوراث، أستاذ مادة تاريخ المجتمعات المسلمة في الجامعة العبرية بالقدس، وفي كتابه الصادر عام 1986 بعنوان: “السعي إلى الوحدة العربية 1930-1945″(2)، فإن اللورد موين كان مؤيداً لمشروع نوري السعيد المقدَّم في الشهر الأول من عام 1943 (صفحة 275 وصفحة 315)، وإن المستشرق هاملتون جيب، والذي كان ضمن الجهاز الحكومي في لندن، قد قدم مشروعاً للحكومة البريطانية في الشهر الأخير من عام 1942 يتضمن (فيدرالية للهلال الخصيب ضمن الدول أو الكيانات القائمة وعلى أن تكون هذه الفيدرالية مقسَّمة إلى اثنتي عشرة مقاطعة أو إقليماً provinces) (ص264).
اجتمعت واشنطن وموسكو وباريس والرياض والقاهرة ويهود فلسطين ضد المشروع البريطاني، وقد ساعد هذا على تملّص شكري القوتلي من تأييده للمشروع، أو موافقته المكرَه عليها. كما أن الأمير عبد الله بن الحسين في الأردن (أصبح ملكاً مع إعلان استقلال الأردن في 25 أيار/ مايو1946، بالتزامن مع موت المشروع) كان يفضل مشروع (سوريا الكبرى)، بدلاً من (الهلال الخصيب) الذي كان يرى أن من سيسيطر عليه هو ابن أخيه، الوصي على العرش في العراق الأمير عبد الإله بن علي بن الحسين، ومن خلفه نوري السعيد. كل تلك العوامل ساهمت في دفن ذلك المشروع، وكانت محاولات إحياء مشروع (الهلال الخصيب) فاشلة مثلما جرى في زمن ما بعد انقلاب سامي الحناوي (14 آب/ أغسطس 1949) على حسني الزعيم، وما أعقب الانقلاب من انتخابات بعد ثلاثة أشهر فاز فيها بأعلى عدد من المقاعد (حزب الشعب)، ذو القاعدة القوية في حلب والمؤيد للوحدة مع العراق، حتى جاء انقلاب العقيد أديب الشيشكلي (19 كانون الأول/ ديسمبر 1949)، المدعوم من القاهرة والرياض، ليجهض إجراءات نحو تلك الوحدة كان سيتخذها المجلس المنتخب (الجمعية التأسيسية التي أصبحت برلماناً بعد إقرار دستور 1950) مدعوماً من حزب الشعب ومن وقف معه من النواب.
يمكن أن يكون حدث 29 أيار – 3 حزيران 1945 مثالاً عن الدور الحاسم للعوامل الخارجية في التاريخ السوري، وهو ما لا يميل أغلب السوريين لتصديقه. ويبدو أن حالة التشكيك والتكذيب لما أورده مسؤول محطة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) في دمشق، مايلز كوبلاند، في كتابه: “لعبة الأمم” (3)، الصادر عام 1969 والمترجم للعربية في ربيع العام التالي، عن دور واشنطن في انقلاب حسني الزعيم (30 آذار/ مارس 1949)، ما زالت مستمرة. فيما دراسة دوغلاس ليتل الصادرة عام 1990(4)، والتي اعتمدت على فتح محفوظات الوثائق السرية الأميركية للخارجية والمخابرات المركزية، تؤكد من خلال الوثائق الأميركية التي رُفعت عنها السرية بالثمانينيات دور واشنطن في انقلاب حسني الزعيم (الصفحات 55 و56)، مع الإشارة إلى الدافع الأميركي القوي للدفع نحو المصادقة على اتفاقية خط التابلاين، والتي وقّع عليها حسني الزعيم في 16أيار/ مايو 1949، بعد سنوات من عرقلتها من قبل كل من الحكومة والمجلس النيابي. وهنا يجب تذكر دراسة البروفيسور زامير وما أورده من أن للبريطانيين دوراً في هذه العرقلة، كما يكشف ليتل الدور المباشر لواشنطن في تشجيع الانقلاب الثاني للشيشكلي (ليلة 28-29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1951) للإطاحة بحكومة الدكتور معروف الدواليبي الرافض لمشروع (قيادة الشرق الأوسط – MEC)، فيما كان الشيشكلي مؤيداً له كما أظهرت محادثة مع كوبلاند قبل خمسة أيام من الانقلاب (ص59)، وهو المشروع المطروح في تشرين الأول/ أكتوبر 1951 من واشنطن ولندن وباريس لإقامة منظومة عسكرية في الشرق الأوسط لتعاون أقطاب حلف الأطلسي (الناتو) الثلاثة مع دول شرق أوسطية، وتزامن ذلك مع قبول الناتو لعضوية تركيا في الحلف في أيلول/ سبتمبر1951، فيما رأينا قبل شهر ونصف من انقلاب الشيشكلي كيف رفضت حكومة مصطفى النحاس باشا في مصر مشروع (قيادة الشرق الأوسط – MEC).
في دراسة ليتل يمكن أن نجد إشارات ربما تفسر ألغازاً في التاريخ السوري، منها تقرير مؤرّخ في (7 نيسان/ إبريل 1955، أي قبل خمسة عشر يوماً من اغتيال العقيد عدنان المالكي)، تم تداوله في (مكتب تنسيق العمليات – ( OCB، وهو الجهة المختصة في الإدارة الأميركية لتنسيق العمليات السرية، حيث يتحدث التقرير عن “النفوذ المتزايد لليساريين ولقلة من الشيوعيين في الجيش السوري” (ص63). وفي 13 إبريل 1955، في رسالة سرية من وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس إلى السفير الأميركي بالعراق والدمار غالمان، يبدي دالاس خشيته من “أن استيلاء العقيد المالكي وضباط من الجناح اليساري على السلطة، وما يعنيه هذا من تحالف رسمي مع عبد الناصر في مصر، سيقود مع هذا التطور المعادي للغرب، إلى احتمال تدخل عسكري عراقي مضاد، أو احتمال أسوأ وهو تدخل عسكري إسرائيلي ضد واحدة أو أكثر من الدول العربية” ( ص ص 63-64).
أيضاً في دراسة ليتل، يمكن أن نجد توثيقاً للمشاركة الأميركية في عمليات من أجل تغيير الحكم في دمشق، مثل (عملية ستراكل)، التي كان قد بدأ التخطيط لها منذ آذار/ مارس 1956 بين CIA و MI-6 (مصلحة الاستخبارات البريطانية الخاصة بالخارج)، وكان مقرراً تنفيذها في يوم 25 تشرين الأول/ أكتوبر 1956، ثم طلب البريطانيون تأجيلها إلى يوم 28، ليتفاجأ الأميركان فيما بعد بأن هذا متزامن مع الهجوم الإسرائيلي على سيناء الذي شُنّ في 29، ثم انضمت كل من بريطانيا وفرنسا للحرب على مصر. وكل الوثائق تؤكد بأن حرب 1956 قد تفاجأت بها إدارة الرئيس دوايت أيزنهاور في واشنطن. أيضاً يكشف ليتل مشاركة واشنطن، ولوحدها، في (عملية وابون) التي كشفها العقيد عبد الحميد السراج في 12 آب 1957 قبل وقوعها، مثلما حصل في كشفه المسبق لـ (عملية ستراكل)، عبر اختراق استخباراتي من السراج في الحالتين. والفرق، هنا، بين ليتل وباتريك سيل في كتابه: “الصراع على سوريا 1945 – 1958″، أن ليتل يستند على الوثائق الأميركية، بينما سيل يستند على ما جرى من محاكمات للسوريين المشتركين في (ستراكل) و(وابون)، أو على التصريحات الرسمية أو ما أوردته الصحف.
إذا كانت (عملية ستراكل) و(عملية وابون) عند الأميركان (ومعهم الإنكليز في العملية الأولى عام 1956) هما اللتان أجّلتا ضرب نفوذ اليسار السوري بفرعيه العروبي والشيوعي في دمشق، والإطاحة به لصالح قوى اليمين السوري، فإن ما أرادته واشنطن قد انقلب بشكل جذري لغير ما ابتغته من العمليتين، مع مشهد تعيين عفيف البزري رئيساً لأركان الجيش السوري في 18 آب 1957، لكونه كان علامة على تنامي نفوذ الشيوعيين السوريين في الجيش، بخلاف ما أشارت إليه وثيقة 7 نيسان/ إبريل 1955 الأميركية عن “النفوذ المتزايد لليساريين ولقلة من الشيوعيين في الجيش السوري” (دراسة ليتل، ص63). وعلى الأرجح أن تنامي نفوذ الشيوعيين في دمشق كان مؤشّراً على بداية انقسام بين اليسار القومي العروبي، بألوانه البعثية وتلك الناصرية المتعاطفة مع عبد الناصر، وبين اليسار الشيوعي، الذي بدأ نفوذه بالتنامي في الجيش مع تعيين البزري، وأيضاً من خلال وجود خالد العظم في وزارة الدفاع وهو المتعاطف مع الشيوعيين.
كل المؤشرات تدلّ على أن هذا الانقسام هو الدافع الرئيسي لبحث العروبيين في الجيش وفي حزب البعث عن الوحدة مع مصر، وذلك كطريق للخلاص من هذا الوضع الذي كان يمكن أن يقود إلى هيمنة شيوعية على المشهد السياسي السوري، أو إلى تكرار لما جرى في تشيكوسلوفاكيا في شباط/ فبراير 1948 عندما انفرد الشيوعيون بالسلطة وأطاحوا بشركائهم من القوى السياسية الأخرى التي تحالفوا معها ضد الاحتلال النازي 1938 – 1945.
وعلى الأرجح أن هذا هو السبب وراء تلاقي عبد الناصر مع الأميركان في نظرة واحدة تجاه خطر استيلاء الشيوعيين على السلطة في دمشق. هذا التلاقي الذي تُرجم برضا واشنطن عن إجراءات الوحدة السورية – المصرية في شهر شباط/ فبراير 1958، تلك الوحدة التي كان أحد عناوينها الكبرى هو صِدام عبد الناصر مع الشيوعيين ولاحقاً اعتقاله لهم في نهاية عام 1958 وبداية عام 1959. ومن المؤكد أن تعيين البزري هو الذي دفع الأميركان في سبتمبر/ أيلول 1957 لتشجيع الأتراك على التحشيد العسكري على الحدود السورية، وما أدى إليه ذلك من أزمة دولية تم فيها توجيه إنذارات سوفياتية لأنقرة من مغبّة الهجوم على سوريا. وكان خوف واشنطن من صدام أميركي – سوفياتي هو الذي دفعها لإطفاء تلك الأزمة التي كادت أن تؤدي إلى صدام مباشر بين البيت الأبيض والكرملين.
يوحي لجوء قوى سياسية سورية، وضباط نافذين في الجيش، إلى عبد الناصر في القاهرة من أجل الوحدة المصرية – السورية، وبصيغة فيها الكثير من الترجّي، بالدخول في مسار استعانة قوى داخلية سورية بما وراء الحدود من أجل إحداث تغيير في الوضع الداخلي، أو منع تغيير داخلي كانت غيومه واضحة للعيان. وفي لحظة صدق على فراش الموت عام 1960 أعرب فارس الخوري في حديث مع باتريك سيل عن ندمه، وعن السبب الحقيقي لطلب الوحدة عند فئات سياسية سورية متنوعة، من خلال الكلمات التالية: “لقد تمت في لحظة طيش، أنقل الحقيقة، ولو أظهرت بأنني منافق أيضاً، ذلك أنني، رغم عدم موافقتي على قيام الوحدة، فإنني لم أعارضها علناً، لقد ظننت في ذلك الوقت أنها الطريقة الوحيدة لصدّ زحف الشيوعية إلى البلاد”(5). ويبدو أن استقالة نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة أكرم الحوراني (ومعه وزراء حزب البعث) في 30 كانون الأول/ ديسمبر 1959، واتجاه البعثيين نحو الصدام مع عبد الناصر، كان يعبّر عملياً عن انتفاء الحاجة من غرض الوحدة عند البعثيين، والمتمثّل في الاستعانة بالرئيس المصري لضرب الشيوعيين السوريين المتنامِي النفوذ منذ صيف 1957. وهذا ما قام به عبد الناصر ضد الشيوعيين في أوائل 1959 في لحظة سورية سياسية اختلط فيها ومعها صدام الاتجاه العروبي مع الشيوعيين في العراق منذ أواخر 1958، ثم تطور في ربيع 1959 إلى صدام علني بين عبد الناصر ونيكيتا خروتشوف زعيم الحزب الشيوعي السوفييتي.
لا يمكن تفسير توافق واشنطن مع عبد الناصر منذ عام 1958 وحتى عام 1964 من دون موضوع صدامه مع الشيوعيين في سوريا والعراق، ومن ثم صدامه مع موسكو. وقد كانت رؤية واشنطن للوحدة المصرية – السورية محكومة بقوّةٍ بهذا العامل، وهو ما يمكن أن نراه في مذكرة سرية مقدمة من مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا وشمال إفريقيا إلى القائم بأعمال وزير الخارجية، في 25 كانون الثاني/ يناير 1958: “على المدى البعيد، مصالح الولايات المتحدة البعيدة المدى والقصيرة المدى في موضوع الوحدة المصرية – السورية ليست متطابقة، ولكن في المدى المباشر لنا مصلحة في أن قوة عبد الناصر في سوريا بعد الوحدة ستقود إلى لجم نفوذ الحزب الشيوعي السوري، فيما في المدى البعيد من الممكن أن تؤدي الوحدة بالبلد السوري إلى مسارات غير طبيعية، تقلّل من إمكانية إنشاء روابط بين العراق وسوريا، وتُيسِّر هيمنة عبد الناصر على العالم العربي، وتعقّد من علاقة دولة الوحدة مع إسرائيل ومع دول عربية.”(6).
في كل الأحوال من دون التوافق الأميركي مع عبد الناصر ورضا الأميركان عن دولة الوحدة المصرية – السورية، التي اعترفت بها واشنطن سريعاً إثر قيامها في 22 شباط/ فبراير 1958، لا يمكن تفسير التوافق الأميركي – المصري على ترشيح اللواء فؤاد شهاب رئيساً للبنان في أيلول/ سبتمبر 1958، بعد اضطراب لبنان الداخلي منذ أيار/ مايو 1958 في حركة معارضة واسعة النطاق، مدعومة من عبد الناصر، لحكم الرئيس كميل شمعون، الموالي لحلف بغداد والبريطانيين والقريب من رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد، الذي أُطيح به وبالأسرة الملكية الهاشمية في بغداد بتاريخ 14 تموز 1958، ليأتي حكم عبد الكريم قاسم مدعوماً بنفوذ الشيوعيين القوي في العراق، مع إزاحة العروبيين من بعثيين وغيرهم من مراكز في السلطة العراقية الجديدة منذ خريف 1958، الأمر الذي تسبّب في صدام بين القاهرة وبغداد.
هناك أطروحة (7) لنيل شهادة الماجستير في التاريخ من جامعة كاليفورنيا ، عام 2006، قدمها ويليام ج. زيمن، بعنوان: “التدخل السري الأميركي في العراق 1958-1963” (نسخة بي دي إف، في 52 صفحة)، تقدم تفصيلات عن التعاون الأميركي – المصري ضد نظام عبد الكريم قاسم، المتحالف مع الشيوعيين العراقيين، وفيها رأي قدّمه رئيس CIAآلان دالاس، تجاه العراق والمعلومات المتوافرة لديه عن تحضيرات لمحاولة انقلابية مدعومة من عبد الناصر في مدينة الموصل، خلال جلسة مجلس الأمن القومي يوم 5 مارس 1959، يقول فيه إن “الولايات المتحدة أمام خيارين، الشيوعية أو الناصرية، والأخيرة على ما يبدو هي أهون الشرين” (زيمن: ص16). وفي تلك المداخلة لدالاس عن المحاولة الانقلابية المتوقعة، التي جرت وفشلت بعد ثلاثة أيام من قيامها بقيادة العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل، وأعقب فشلها مذابح قام بها الشيوعيون ضد العروبيين، يقول رئيس CIA: “التطورات في العراق تتطلب انتباهاً أشد من الولايات المتحدة، وربما تفرض صلات (ما) مع ناصر في وجه التطورات المحتملة”(ص16). كما يشير زيمن إلى تعاون الأميركان والمصريين في محاولة اغتيال قاسم (7 تشرين الأول/ أكتوبر 1959)، والتي اشترك فيها صدام حسين، الذي استأجر له مساعد الملحق العسكري المصري في السفارة بالعراق عبد المجيد فريد شقةً في بغداد قبيل عملية الاغتيال الفاشلة (ص18). ويبدو وفق زيمن أن دور الـ CIA في محاولة اغتيال قاسم كان يصل إلى حدّ “التعاون مع المصريين في تمويل وتنظيم العملية”(ص18). كما أن هروب صدام بعد فشل المحاولة إلى تكريت تم بتعاون بين الـ CIA والمصريين (ص18) قبل أن يتم تهريبه إلى دمشق ومن ثم القاهرة.
يكشف زيمن أن صلة الوصل بين حزب البعث وواشنطن كان الكولونيل صالح مهدي عماش، وكان ملحقاً عسكرياً في السفارة العراقية بواشنطن، وأنه “من المحتمل أن تجنيده من قبل الأميركان قد تم هناك”(ص26)، ثم تحوّل عماش في العراق إلى “واحد من صلات حزب البعث مع CIA” (ص26).
عماش كان مسؤول التنظيم العسكري لحزب البعث قبيل انقلاب 8 شباط/ فبراير 1963، ولم يؤثّر اعتقاله من قبل قاسم، قبل ذلك بخمسة أيام، في فرص نجاح الانقلاب الذي أطاح بقاسم ومن ثم إعدامه باليوم التالي، والذي أعقبه أيضاً مذابح للشيوعيين العراقيين.
يؤكد زيمن ومن خلال الوثائق الأميركية أن واشنطن كانت وراء انقلاب حزب البعث في بغداد 8 شباط/ فبراير 1963 (الصفحات 29-30-31)، وملك الأردن الحسين بن طلال أكد في حديث لجريدة “الأهرام” (27 سبتمبر 1963) “أن انقلاب 8 شباط 1963 في العراق كان بدعم من المخابرات الأميركية، وأن اجتماعات كثيرة حصلت بين الأميركان والبعثيين، وأكثرها أهمية قد جرى في الكويت قبيل الانقلاب” ( زيمن، ص28).
علي صالح السعدي، الذي كان أمين سرّ القيادة القطرية لحزب البعث في العراق عند وقوع الانقلاب، أدلى بهذا الاعتراف الصريح: “جئنا للسلطة بقطار الـ CIA” (زيمن، ص28). وفي رواية ثانية، ذكر فؤاد عارف، للباحث سنان الزيدي، أنه استفسر من هناء العمري زوجة علي صالح السعدي وبحضور د. كمال مظهر أحمد في العام 1989 عن مدى صحة تصريح زوجها الآنف الذكر، فأجابت: “نعم، لقد قالها زوجي في باريس في لقائه مع مجموعة من العراقيين وكرّره في مناسبات عدة”. ومن المهم أن نشير هنا إلى أن السعدي أخبرَ يونس الطائي عام 1976 في القاهرة وكرّرها في بغداد ما نصّه أنهم جاؤوا من دون قصد بقطار ماكينته أميركية، وحينما سأله إسماعيل العارف في بيروت كيف فقدتم السلطة؟ أجاب السعدي: لم يكن بيدي كل شيء، وكنا نعرف ذلك، ولكن الذين كانوا وراءه غلبونا، لقد كنا في قطار أميركي، وفي حديث له مع الشاعر مظفّر النواب أكد السعدي: أنه والخط القريب منه لم يكونوا إطلاقاً على صلة بأية جهة أجنبية وأنه بعد دقائق في الثامن من شباط اكتشف أنه وجماعته يسيرون من دون إرادتهم بقطار ماكينته أميركية، الأمر الذي يتنافى مع ما ذكره للقيادي الكردي محمود عثمان في لقائهما في باريس، إذ أكد السعدي له أن الغاية تبرّر الوسيلة في معرض إجابته عن صحة تصريحه “جئنا بقطار أميركي”. (8).
هنا، إذا كان حزب البعث قد أتى “بقطار أميركي” إلى السلطة ببغداد في 8 شباط/ فبراير 1963، فبأي قطار أتى حزب البعث في 8 آذار/ مارس 1963 إلى السلطة في دمشق، وذلك بعد شهر من الانقلاب الذي قاده في بغداد؟ وهنا يجب تذكر أن عراقيين (9) قد كلفتهم القيادة القومية لحزب البعث، بعد المؤتمر القومي الخامس للحزب الذي انعقد في حمص بأيار/ مايو1962، بإعادة بناء التنظيم السوري لحزب البعث، بعد أن حلّت القيادة القومية التنظيم القطري السوري في أول أيام وحدة 1958، وأن التنظيم القطري السوري التابع للقيادة القومية لحزب البعث، والمعاد بناؤه بقيادة عراقيين، هو الذي كانت لجنته العسكرية، المرتبطة بالأمين العام للحزب ميشيل عفلق وبقياديين مثل صلاح البيطار، هي عصب الانقلاب العسكري في 8 آذار/ مارس 1963، قبل انفراد البعثيين بالسلطة السورية الذي حصل إثر إبعادهم لشركائهم الناصريين في الانقلاب، وبعد أن قام الناصريون بمحاولة انقلابهم الفاشلة ضد البعثيين في 18 تموز/ يوليو 1963.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن فصل العوامل المحرّكة لسيرورة انقلاب 8 آذار 1963 السوري عن انقلاب 8 شباط 1963 مع العلم أن الجهة المنفِّذة واحدة في الحالتين؟
هذا السؤال سيبقى مفتوحاً بانتظار توفّر وثائق عن الانقلاب البعثي في دمشق مثلما توفّرت وثائق أميركية عن الانقلاب البعثي في بغداد.

هوامش البحث
(1)- دراسة البروفيسور مائير زامير كاملة (بالإنكليزية) وموجودة على الرابط التالي:
https://middleeasttransparent.com/britains-treachery-frances-revenge/
(2) – كتاب البروفيسور يهوشوا بوراث على الرابط التالي:
https://www.academia.edu/38705453/IN_SEARCH_OF_ARAB_UNITY
يهوشوا بوراث: “في البحث عن الوحدة العربية 1930-1945” (بالإنكليزية) (385صفحة)
الكتاب صدر لأول مرة عام 1986. طبعة الـ بي دي إف، الموجودة على الرابط، هي نسخة عن الطبعة الصادرة في لندن – منشورات روتليدج 2013.
(3) – مايلز كوبلاند: “لعبة الأمم”، مكتبة الوقفية، بيروت 1970، ص56. كان كوبلاند يشغل وظيفة (ملحق ثقافي) في دمشق كغطاء لدوره الاستخباراتي.
(4) – دوغلاس ليتل: “الحرب الباردة والعمل السري: الولايات المتحدة وسوريا 1945-1958” (بالإنكليزية)، “ميدل إيست جورنال”، المجلد44، العدد 1، شتاء 1990، ص ص 51-75.
https://www.jstor.org/stable/4328056
(5)- باتريك سيل: “الصراع على سوريا”، دار الأنوار، بيروت 1968، ص423.
(6)https:\history.state.govhistoricaldocumentsfrus1958-60v13d187
(7)- يمكن إيجاد نص أطروحة ويليام زيمن على الرابط:
https://docs.google.com/document/d/1IZxTATmoknBlrmW5n4-plXmMndvUzXehMgsD-uc_jrk/edit?tab=t.0
-(8) 17تموز 2023 “انفوبلس“
(9)- يقول مطاع صفدي في كتابه: “حزب البعث: مأساة المولد، مأساة النهاية” (دار الآداب، بيروت 1964): “أوكل عفلق مهمة إعادة إنشاء الحزب إلى لجنة من بعثيي العراق، بينهم زملاء السعدي. فعقد مؤتمر حمص في شهر أيار من ذلك العام (1962) للقيادة القومية، وتقرر إقصاء الحورانيين من الحزب، وإعادة تشكيل فرعه في سوريا تحت إشراف تلك اللجنة العراقية” (ص290).
--------------------------------------------------------------------------------





الفيسبوك موقعنا على
facebook.com/scppb.org

موقعنا على الانترنت
www.scppb.org

موقعنا على الحوار المتمدن
www.ahewar.org/m.asp?i=9135



• تاريخ الانشاء : 2017 / 2 / 24

• المشاركات - 96 -
• عدد زوار موقع الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي : 759,435
في يوم 23حزيرانيونيو2026
عدد الزوار للموقع في يوم 20أيارمايو2026
743,606



#الحزب_الشيوعي_السوري_-_المكتب_السياسي (هاشتاغ)       The_Syrian_Communist_Party-polit_Bureau#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسار 112
- المسار العدد 111
- المسار العدد 110
- المسار 109
- البرنامج السياسي - 2026
- المسار- العدد 85
- المسار- العدد 84
- المسار 81
- المسار 79
- المسار- العدد 72
- المسار- العدد 71
- المسار- العدد 70
- المسار- العدد 69
- المسار- العدد 68
- المسار- العدد 67
- المسار- العدد 66
- المسار- العدد 65
- المسار- العدد 64
- المسار- العدد 63
- المسار- العدد 62


المزيد.....




- لماذا تصر إيران على ربط حزب الله باتفاقها مع واشنطن؟
- مدرسة ميناب.. قد لا يتم التوصل أبدا إلى تحديد المسؤول عن است ...
- زلزالان قويان يضربان فنزويلا.. دمار هائل ومخاوف من خسائر بشر ...
- تقرير: غياب إسرائيل عن جولة روبيو الخليجية يسلط الضوء على تب ...
- الخارجية الأمريكية: الولايات المتحدة تستعد لتقديم مساعدات إل ...
- الذكرى الـ250 للاستقلال الأمريكي.. احتفالات بطعم الجدل والان ...
- من فنزويلا إلى اليابان وأمريكا.. لماذا شهد العالم هذا العدد ...
- هل تؤدي القهوة إلى الجفاف؟.. خبيرة توضح الحقيقة
- تقنية روسية جديدة تسرع علاج العمى الوراثي
- علماء يحددون عمر المذنب -3I/ATLAS-


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي - المسار 113