أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي - المسار 116















المزيد.....



المسار 116


الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
(The Syrian Communist Party-polit Bureau)


الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 00:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    






المسار
الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)

سياسية • ثقافية • فكرية • اقتصادية • اجتماعية



كل النصوص والمقالات الواردة في العدد لا تعبّر بالضرورة عن رأي الحزب ما عدا الافتتاحية والبيانات الموقعة من الحزب والبيانات الصادرة عن هيئة التنسيق الوطنية التي حزبنا أحد الأحزاب المنضوية فيها
هل كان نظام حافظ الأسد وابنه نظاماً طائفياً؟
الافتتاحية
لا يمكن تفسير الطائفية بالدين، بل بوظيفيتها عند الحاكم السياسي، سواء الحماية لنظام جديد عبر خلق توازنات قوة تمنع الانقلاب عليه، أو تدعيمه بقاعدة اجتماعية عبر خلق فئة من المستفيدين وأصحاب المصالح ببقاء هذا النظام الجديد.
عندما حصل انقلاب 8 آذار 1963، فإن حزب البعث «لم يكن له علم رسمي بحركة 8 آذار» حسب ما يروي الأمين العام لحزب البعث منيف الرزاز في كتابه «التجربة المرة» (دار غندور، بيروت 1967، ص. 90)، بل كان البعثيون المشتركون بالانقلاب هم أعضاء التنظيم العسكري للبعث المسمى بـ«اللجنة العسكرية»، والذين تحالفوا مع ناصريين وعروبيين لتنفيذ ذلك الانقلاب ثم انفرد البعثيون بالسلطة خلال أربعة أشهر. وأحد أعضاء قيادة اللجنة العسكرية، أي أحمد المير، قد كان صريحاً ،أمام المؤتمر القطري الاستثنائي صيف 1965 لما احتدم الخلاف البعثي بين الجناحين المدني والعسكري ، في تبيان أن حزب البعث قد تم حمله بالدبابة ليكون واجهة رسمية لسلطة العسكر ، عندما قال «إننا حين أقمنا تنظيمنا وتمت الثورة اخترنا حزب البعث بملء إرادتنا» (الرزاز: ص.91)، والتنظيم العسكري قد أقيم بالقاهرة عام 1959 في وقت كان حزب البعث محلولاً. وحزب البعث الذي أصبح بالواجهة الرسمية لانقلاب 8 آذار كان قد أعيد تأسيسه في المؤتمر القومي الخامس المنعقد بحمص في أيار 1962 بعد حل حزب البعث لنفسه بزمن الوحدة 1958-1961. وقد كلف ذلك المؤتمر قيادات لبنانية وعراقية بإعادة بناء التنظيم البعثي السوري. وهو، حسب كتاب نيقولاس فان دام «الصراع على السلطة في سورية» (الطبعة الإلكترونية العربية الأولى، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2006)، كان تنظيماً لا يتجاوز حوالى الـ400 عضو في يوم الانقلاب (ص.64)، وضباط اللجنة العسكرية البعثية كانوا أقل عدداً ورتبة من شركائهم الآخرين بالانقلاب ، وأغلبهم من الناصريين، لكن البعثيون كانوا الأكثر تنظيماً.

عبر توزّع قادة اللجنة العسكرية الثلاث: محمد عمران في قيادة اللواء سبعين مدرع جنوب دمشق، وصلاح جديد كنائب مدير إدارة شؤون الضباط، وحافظ الأسد قائداً لمطار الضمير العسكري قرب العاصمة، فإن الثلاثة قد أمسكوا بمفاتيح السلطة بعد 8 آذار 1963، وفتحوا بابها، ثم سيطروا على بيتها، وأبعدوا الناصريين، حتى إذا حاول الأخيرون الانقلاب كان الفشل من نصيبهم في يوم 18 تموز 1963. وهؤلاء الثلاثة كان الصراع بينهم هو الراسم لتاريخ سوريا، عندما الاثنان أبعدا وزير الدفاع محمد عمران ومعه القيادة القومية في انقلاب 23 شباط 1966، ثم قام وزير الدفاع حافظ الأسد بانقلاب 13-16 تشرين الثاني 1970 على صلاح جديد.
خلال مدة 8 آذار- 18 تموز 1963 تم استبدال نصف ضباط الجيش وعددهم سبعمئة، ولكن حسب ما يرويه الرزاز فإن عدد «الحزبيين في الجيش كان ضئيلاً، فاستدعي جميع ضباط الاحتياط من البعثيين… وكانت نسبة المنتسبين إلى الريف في هذا الاحتياط المستدعى نسبة عالية، وبالتالي إن نسبة الأقليات بينهم كانت أيضاً نسبة عالية… وزاد في اختلال هذه النسبة أن كثيراً من الضباط وصف الضباط الذين وقفوا إلى جانب الانفصال... كانوا برجوازيين ورجعيّين وأبناء عائلات وسكان مدن من البرجوازية الصغيرة، وكان تسريح هؤلاء قميناً بإضعاف نسبة السنة التي تمثل أكثرية البلاد» (ص. 158-59). وحسب فان دام، فإن الذين استدعوا كضباط احتياط كان عددهم سبعمئة ونصفهم علويون (ص.82)، وكما يقول الرزاز فإن «الذي يملك الجيش يملك القوة والسلطة» (ص.97).
يمكن القول هنا إن هذه العملية التي تمت في الجيش السوري خلال عام 1963 قد قلبت تركيبته بعيداً عن أهل المدن باتجاه سيطرة أبناء الريف، ولكن كما يقول فان دام فإن «البعد الطائفي للانقسام الثنائي الريفي المدني في سوريا لجدير بالملاحظة، فبينما تتركز الأقليات الدينية المتماسكة أساساً في المناطق الريفية الفقيرة المحرومة، نجد أن المناطق الأكثر ثراء والمدن الأكبر يهيمن عليها سنيون» (ص.51). وفي سوريا، عند الوسط الشعبي وخاصة عند أهل دمشق وحلب وهما من كانا يحكمان سوريا في مدة 1946-1958 ثم في مدة الانفصال 1961 -1963، كان يقال إن سوريا بعد 8 آذار 1963 «يحكمها تحالف عدس: علويون- دروز- إسماعيليون»، وإن الدروز أُبعدوا عن السلطة مع فشل الحركة الانقلابية لسليم حاطوم في 8 أيلول 1966 والإسماعيليين مع انتحار عبدالكريم الجندي في 4 آذار 1969.
هنا، الأرجح أن هذا القلب لتركيب الجيش السوري لم يكن لأكثر من حماية نظام جديدٍ له قاعدة مدنية ضعيفة ومثلها في الجيش، وبالتالي فإن هذا القلب لتركيب الجيش، وهو مفتاح السلطة، القصد منه ضمان استمرار السلطة ومنع الانقلاب عليها، وهناك عملية مماثلة لما فعله البعثيون السوريون قام بها رفاقهم البعثيون في العراق بعد انقلاب 17-30 تموز 1968 عندما أقاموا حكماً طائفياً مناطقياً في تركيبته العصبوية مؤلفة من السنة- التكارتة (من منطقة تكريت)، وصدام حسين كان مثل محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد ليس متديناً ولا طائفياً في سلوكه الاجتماعي، ولكنه مثلهم بنى سلطة تقوم على عصبية أقلية من أجل وظيفية حماية النظام من السقوط ومن أجل استمراريته.
ولكن هذا أنشأ مشكلة طائفية في العراق وسوريا، رأينا أبعادها بعد سقوط صدام حسين في يوم 9 نيسان 2003 والذي استفرد بالسلطة منذ 16 تموز 1979. ويمكن تلمس أبعادها مع سقوط النظام السوري في يوم 8 كانون الأول 2024 الذي بنى أسسه حافظ الأسد منذ عام 1970، فيما كان ما جرى بسبع سنوات وثمانية أشهر سابقة لانقلاب حافظ الأسد تثبيتاً للاستفراد الحزبي البعثي المدني-العسكري بالسلطة قبل أن يقيم حافظ الأسد حكماً ديكتاتورياً لفرد واحد عبر تأكيد انتصار العسكر على الجهاز الحزبي المدني بزعامة الأمين العام المساعد لحزب البعث صلاح جديد، الذي خلع بذلته العسكرية ولبس بدلته المدنية مع استقالته من رئاسة الأركان في أيلول 1965 بعد أن تولاها في آب 1963، ولكنه وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري ومعه غالبية التنظيم القطري السوري بعد خمسة أشهر في 23شباط1966،ثم خسرها بعد أن سيطر واستفرد حافظ الأسد بالجيش وأطاح بالحزب الذي ظل صلاح جديد مسيطراً عليه حتى يومه الأخير بالسلطة، فيما مع حافظ الأسد لم يعد حزب البعث سوى واجهة شكلية منذ يوم وصوله إلى السلطة واستفراده بها.
مع ذلك، يجب التأكيد هنا أن حافظ الأسد قد بنى نظاماً يقوم على بنية عضوية تتألف من ثالوث؛ مؤسسة عسكرية-أمنية يمسك بمفاصلها العلويون، وطبقة من التجار والصناعيين ورجال الأعمال غالبيتهم من سنة المدن الكبرى، ثم ثالث هذا الثالوث هو مؤسسة الأوقاف السنية ومعها الطريقة الصوفية النقشبندية (بزعامة الشيخ أحمد كفتارو) وتفرعاتها من قبيسيات وغيرهم. وهذا الثالوث هو الذي أمّن، مع الدعم الدولي والإقليمي، استقرار النظام وديمومته في أحداث 1979-1982 وعدم هزهزته أو سقوطه. وحتى في مدة 2011-2024 مع الانفجار السوري الاجتماعي كان هذا الثالوث مستمراً كقاعدة للنظام، ولو أن بشار الأسد لم يكتفِ بمفاصل رئيسية للجيش والأمن يمسك بها ضباط علويون بل مدّ ذلك إلى ما سمّي عند الكثير من السوريين بـ«علونة الوظائف المدنية»، وهو ما شمل قطاعات مثل القطاعات الأكاديمية والديبلوماسية وشركة الطيران وفي الجمارك والمرافئ، ومع طغيان عددي للعلويين في الدوائر الحكومية في مدينتي اللاذقية وحمص. وكان واضحاً أن نسبة المعارضة السياسية للنظام في أحداث 1979-1982 هي أعلى عند العلويين من نسبة المعارضة في أزمة 2011-2024. وكثيرون فسروا ذلك بالرهاب والخوف من انتصار الإسلاميين عند العلويين وفقاً لمنطق أن النظام هو «أهون الشرين». ولكن الأرجح أن اتساع شبكة المصالح الاقتصادية-الاجتماعية في عهد الابن عن الأب هي التي تفسر ذلك، مثلما أن الاقتصاد الزراعي المتدهور هو الذي يفسر معارضة الريف السني لبشار الأسد، والذي كان قاعدة اجتماعية ،في أرياف إدلب- شمال حماة-شمال حلب- دير الزور ،لتنظيمات السلفية الجهادية (أحرار الشام- جبهة النصرة التي تحولت عام 2017إلى هيئة تحرير الشام)،فيما وقف هذا الريف، وخاصة أرياف حوران ودمشق وحلب ودير الزور، مع أبيه في أحداث 1979-1982.


خبر صحفي

عُقد مساء اليوم الخميس، 17 أيلول 2026، في دمشق، اجتماع ضم ممثلين عن: حزب العمل الشيوعي، الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، الحزب الشيوعي السوري الموحد، الحزب اليساري الكردي في سوريا، حزب الإرادة الشعبية.
ناقش المجتمعون الأوضاع الراهنة في البلاد، وضرورات التنسيق والعمل المشترك بين كل القوى الوطنية الديمقراطية السورية، وأكدوا على ضرورة استمرار الحوار واللقاءات بين القوى المجتمعة.



لقاء في دمشق يجمع خمسة أحزاب يسارية وشيوعية وكردية: محاولة لإعادة بناء العمل السياسي في سوريا الجديدة
مسعود محمد/ أخباركم-أخبارنا
17 أيلول 2026
عقد ممثلون عن خمسة أحزاب سورية، مساء الخميس 17 أيلول 2026 في دمشق، اجتماعاً سياسياً خُصص لبحث الأوضاع الراهنة في البلاد وسبل توسيع التنسيق بين القوى الوطنية والديمقراطية، في خطوة تكتسب أهميتها من كونها تجمع قوى ذات تجارب ومواقع سياسية مختلفة خلال عقود حكم البعث، وتحاول اليوم البحث عن مساحة مشتركة للعمل في سوريا ما بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وضم الاجتماع ممثلين عن حزب العمل الشيوعي، والحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، والحزب الشيوعي السوري الموحد، والحزب اليساري الكردي في سوريا، وحزب الإرادة الشعبية. وبحسب الخبر الصادر عن الاجتماع، ناقش المشاركون الأوضاع الراهنة و«ضرورات التنسيق والعمل المشترك بين كل القوى الوطنية الديمقراطية السورية»، وأكدوا ضرورة استمرار الحوار واللقاءات بين القوى المجتمعة.
خمسة أحزاب ومسارات سياسية مختلفة
لا تقتصر أهمية الاجتماع على مضمونه، بل تمتد إلى هوية القوى المشاركة فيه. فهي تنتمي إجمالاً إلى الفضاء اليساري والشيوعي والديمقراطي، لكنها لم تكن تاريخياً في موقع سياسي واحد، وخصوصاً في علاقتها مع نظام الأسد.
حزب العمل الشيوعي يمثل أحد تيارات اليسار السوري التي ارتبط تاريخها بالمعارضة والعمل السري والقمع السياسي. نشأ من «رابطة العمل الشيوعي»، واتخذ موقفاً معارضاً لنظام حافظ الأسد، وتعرض عدد كبير من أعضائه وقياداته للاعتقال والملاحقة والسجن لسنوات طويلة. وشكلت تجربة الحزب واحدة من التجارب الأساسية لليسار السوري المعارض خارج الأطر السياسية التي سمح بها النظام.
أما الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي( فتعود جذوره إلى الانقسام الذي شهده الحزب الشيوعي السوري في سبعينيات القرن الماضي. وارتبط جناح المكتب السياسي بقيادة رياض الترك تاريخياً بموقف معارض لنظام الأسد، ودخل في صدام طويل معه، تعرض خلاله العديد من كوادره للاعتقال. وتطورت لاحقاً المسارات التنظيمية والسياسية المنحدرة من هذه التجربة، فيما بقي اسم الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي مرتبطاً بتيار يساري معارض يدعو إلى التحول الديمقراطي والتعددية السياسية.
في المقابل، يأتي الحزب الشيوعي السوري الموحد من تجربة سياسية مختلفة. فقد عمل لسنوات ضمن «الجبهة الوطنية التقدمية» التي كان يقودها حزب البعث في عهد الأسد، وبالتالي مارس نشاطه بصورة قانونية داخل النظام السياسي السابق. ويحمل الحزب مرجعية شيوعية ويدعو إلى العدالة الاجتماعية والعلمانية والديمقراطية ومواجهة التمييز.
وهذا الاختلاف في التاريخ السياسي يمنح الاجتماع دلالة إضافية، إذ يجلس الحزب الشيوعي السوري الموحد اليوم مع قوى يسارية تعرض بعضها للقمع والسجن في عهد النظام السابق. ومن ثم فإن اللقاء يجمع تيارات لم تكن علاقتها بالدولة السورية وبنظام الأسد واحدة، لكنها أصبحت أمام واقع سياسي جديد يفرض عليها إعادة تحديد علاقاتها وتحالفاتها.
أما الحزب اليساري الكردي في سوريا فيضيف إلى اللقاء بعداً كردياً واضحاً. وهو جزء من الحركة السياسية الكردية السورية التي جمعت بين المطالب الديمقراطية العامة والمطالبة بالاعتراف بالحقوق القومية والسياسية والثقافية للكرد. ويدعو الحزب إلى سوريا ديمقراطية تعددية وإلى معالجة القضية الكردية ضمن إطار دستوري وسياسي يعترف بحقوق الكرد.
وتكتسب مشاركته أهمية خاصة في ظل التحولات التي يشهدها الملف الكردي في سوريا، والنقاش المستمر حول شكل الدولة واللامركزية والحقوق اللغوية والثقافية والتمثيل السياسي للكرد في مؤسسات الدولة الجديدة.
أما حزب الإرادة الشعبية، الذي تصدر عنه صحيفة «قاسيون»، فتعود جذوره إلى تيار «اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين» المرتبط بقدري جميل. وقد عمل الحزب بصورة علنية في السنوات الأخيرة من حكم الأسد، مع اتخاذه مواقف انتقادية من السياسات الاقتصادية والسياسية للنظام، ثم أصبح جزءاً من مسارات سياسية معارضة، ولا سيما المسار المرتبط بمنصة موسكو والتسوية السياسية وقرار مجلس الأمن 2254.
الأحزاب في ظل النظام الجديد
يأتي اجتماع دمشق في مرحلة انتقالية ما زالت فيها قواعد العمل السياسي والحزبي في سوريا قيد التشكل. فسقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 أنهى البنية السياسية التي حكمت البلاد لعقود، لكنه فتح في المقابل أسئلة كبيرة حول طبيعة النظام السياسي الجديد ومكانة الأحزاب والحريات العامة ودور المعارضة القديمة والقوى التي كانت تعمل بصورة قانونية في ظل النظام السابق.
وأصبحت القوى السياسية السورية، بما فيها الأحزاب اليسارية والشيوعية، أمام مهمة مختلفة جذرياً عن المرحلة السابقة. فالأحزاب التي عاشت في السرية أو المعارضة مطالبة بالانتقال إلى العمل السياسي العلني وبناء قواعد اجتماعية وتنظيمية، بينما تواجه الأحزاب التي كانت جزءاً من النظام السياسي السابق ضرورة إعادة تعريف موقعها ودورها في مرحلة جديدة لم يعد فيها حزب البعث مركز الحياة السياسية.
ويواجه اليسار السوري تحدياً إضافياً ناجماً عن انقساماته التاريخية. فقد توزع خلال العقود الماضية بين أحزاب عارضت نظام الأسد ودفع أعضاؤها أثماناً كبيرة في السجون، وأحزاب شاركت في مؤسسات الجبهة الوطنية التقدمية، وتيارات كردية يسارية ربطت بين القضية الاجتماعية والديمقراطية وبين الحقوق القومية للكرد.
ولهذا فإن اجتماع الأحزاب الخمسة لا يعني، وفق المعلومات المعلنة حتى الآن، ولادة جبهة سياسية أو تحالف حزبي جديد. فالخبر الصادر عن اللقاء يتحدث عن التنسيق والعمل المشترك واستمرار الحوار واللقاءات، ولا يتضمن إعلان برنامج سياسي موحد أو هيكل تنظيمي مشترك.
لكن أهمية اللقاء تكمن في جمع هذه التجارب المختلفة حول طاولة واحدة في دمشق، وفي محاولة اختبار إمكانية إيجاد مساحة سياسية مشتركة بين اليسار السوري المعارض تاريخياً، واليسار الذي عمل ضمن النظام السابق، والقوى الكردية اليسارية.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه اللقاءات المقبلة: هل يستطيع اليسار السوري تجاوز انقساماته التاريخية والتحول من سلسلة أحزاب متفرقة إلى قوة سياسية قادرة على المشاركة في النقاش حول بناء الدولة الجديدة، والدفاع عن الحريات والعدالة الاجتماعية وحقوق المكونات السورية؟
اجتماع دمشق لا يقدم جواباً نهائياً بعد، لكنه يشكل مؤشراً إلى بدء حوار بين قوى كانت مساراتها متباعدة، في وقت تحتاج فيه الحياة السياسية السورية إلى تحديد قواعد جديدة للعمل الحزبي والتعددية والمشاركة السياسية بعد أكثر من نصف قرن من هيمنة حزب البعث على الدولة والمجتمع.

القضية السورية بعد الأسد
سمير سالم
مرّت المعارضة السورية بمراحل عدّة منذ حركة 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 التي جاءت بحافظ الأسد إلى السلطة. ففي حين لم تكن المعارضة الحزبية متبلورة تماماً في السنوات الأولى للحكم، مع نشاطها في الهامش المتاح، فإنَّ الدخول العسكري السوري إلى لبنان في 1 حزيران/ يونيو 1976؛ والحراك المسلّح بقيادة "الإخوان المسلمون" ما بين عامي 1979 و1982؛ وموت حافظ الأسد في 10 حزيران/ يونيو 2000؛ وصولاً إلى اندلاع الاحتجاجات الأولى يوم 18 آذار/ مارس 2011، والتطوّرات اللاحقة لهذه الاحتجاجات من تسلّح وتطيّف وتدخل خارجي، شكَّلت نقاط انعطاف في مسيرة المعارضة السورية، إذ أفرزت تحالفات وتباينات وافتراقات في كلّ مرحلة من هذه المراحل.
غير أنَّ سقوط نظام الأسدين في 8 كانون الأول 2024 بعد عقود عديدة مثّل فشلاً لعملية الحل السياسي الذي كان له أنْ ينقذ البلاد من الفوضى ويضع حدّاً لإهراق مزيد من الدم السوري ويحدد السيرورة التي يُمكن لها أنْ ترسم مستقبل البلاد بما يلائم التضحيات الجسيمة التي قدّمها السوريون وتطلعاتهم في بناء نظام لا يضع الوطنية في إحدى كفتي الميزان والديمقراطية في الكفّة الأخرى، ويحفظ حرياتهم وكرامتهم. في الوقت نفسه، شكّلت المرحلة اللاحقة للسقوط اختباراً للأحزاب السياسية السورية التي تلقت الضربات واحدة تلو الأخرى طيلة سنوات مديدة من حكم الأسدين، وبعد أنْ كان الاتجاه لدى طيف واسع منها واضحاً، على اختلاف الطرائق والوسائل، وجدت نفسها في خضم واقع جديد، بلا حدود واضحة، وسلطة تخفي كثيراً من ملامحها.
على إثر هذا الواقع الجديد، وقعت قوى سياسية كثيرة في ارتباك، فإذ أقبل سوريون كثيرون على النشاط السياسي عقب سقوط نظام الأسد وإحساسهم بتحرر مباغت من القبضة الأمنية التي أحكمت على رقابهم لسنوات مديدة وبإمكانات لمستقبل البلاد أشبه بالأحلام، راح هذا الإقبال يتبدد شيئاً فشيئاً مع استمرار سيل الدماء السورية، والواقع الاقتصادي الذي زادت ضغوطه إثر السياسات الاقتصادية التي تنتهجها السلطة الجديدة في سوريا، واستحضار إرث الخوف الذي ترسّخ على مرّ عقود. وفي حين يُمكن لهذه الأسباب أنْ يرى البعض في هذه الأسباب إجابة كافية ووافية على هذا الإقبال والارتداد المفاجئين، غير أنَّها تخفي حقيقة أنَّ البوصلة التي ظلت واضحة الاتجاه لعقود قد تعطّلت.
تكاثرت التنظيمات والتحالفات التي وُلِدت عقب سقوط نظام الأسد بناءً على برامج تشبه إلى حدٍ بعيد تلك التي جرى العمل على أساسها في ظلّ نظام الأسد، وفي حين أنَّ ثمَّة تطلعات عديدة لدى السوريين لا تزال هي ذاتها قائمة منذ عقود عديدة، مثل الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة المتساوية فعلاً وليس قولاً، فإنَّ الواقع السائل لم يُتح بعد تشكيل سردية معارضة متماسكة تماماً، لا سيّما أنَّ السلطة ذاتها لم تتبلوّر في شكلها النهائي تحت ضغوطات الخارج والداخل، ومِن ثمَّ فإنَّ مواقع السوريين وقواهم وتشكيلاتهم الاجتماعية-الاقتصادية لم تتحدد ضمن النظام الناشئ، والفئات والشرائح المنتفعة إلى الآن من السلطة الجديدة لا تسمح بقيام نظام له شرعية واسعة لمحدوديتها الهائلة.
إضافة إلى ذلك، تمرّ المنطقة منذ حرب أكتوبر 2023 بتغيّرات جذرية، ازدادت حدةً عقب اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران التي بدأت في 28 فبراير/ شباط 2026 بهجوم عسكري مشترك واسع النطاق (تحت اسمي "الغضب الملحمي" و"زئير الأسد") التي أدخلت المنطقة في ما يبدو الطور الأخير من إعادة تشكيل المنطقة، لا بمعنى رسم حدود جديدة، بل بإعادة تحديد مراكز القوة وعلاقاتها بالنظام العالمي. وأدت الضربات الإيرانية المستمرة على دول الخليج إلى تعطيل العجلة الاقتصادية فيها، وهي الدول التي كان تعوّل عليها السلطة الجديدة لتمدّها بالدعم المادي والسياسي عند الحاجة، دون أنْ ننسى أنَّ هذه الحرب ذاتها تنطوي نتائجها على مستقبل مجهول المعالم بالنسبة إلى هذه الدول في علاقتها بالولايات المتّحدة التي كان يُفترض أنْ تحميها، وبالنسبة إلى الدور الذي قد تشغله إيران في المنطقة بعد نهاية الحرب.
وعلى الرغم من الدعم الأميركي والأوروبي للسلطة الذي يبدو غير محدود سياسياً إلى الآن، والإشارة ضمناً إلى قدرة هذه السلطة على إنجاز التغيير أو قيادته أقلّها، وتجلي تركيا كواحدة من أكثر المؤثرين في القرار السوري حالياً، نرى على الطرف الآخر الكيان الصهيوني يصف السلطة الجديدة بسلطة الجهاديين، وهو الذي لم يتوقف عن التوغل في الأراضي السورية مرةً تلو الأخرى منذ اليوم التالي لسقوط نظام الأسدين، لتتحوّل سوريا إلى ساحةً لحرب تركية-إسرائيلية لا تزال باردة نسبياً، مع محاولة كل طرف اختبار الخطوط الحمراء، لتؤدي هذه الحرب الصامتة إلى استمرار حالة اللا استقرار التي يعيشها السوريون منذ أمد بعيد، وعلى كلّ المستويات.
على الرغم مما ينطوي عليه الوضع الإقليمي حالياً من تعقيد، وحالة السيولة التي تجتاح المجتمع السوري في تحديد المواقع إزاء السلطة الجديدة، فإنَّ بعض ملامح السلطة التي لا تزال في طور التشكّل راحت تبرز شيئاً فشيئاً، بانتهاجها لسياسات اقتصادية تعمّق حالة الفقر التي تطال أكثر من 90% من السوريين، وبفرضها رقابة، مستترة أحياناً وعلنية في أحيان أخرى، على التجمعات السياسية وحتى الثقافية، واعتمادها على فئة ضيقة جداً من "الثقات" في كافة التعيينات، بغض النظر عن كفاءة هؤلاء "الثقات" من عدمها، ومحاولاتها المستمرة زمانياً والمنفصلة مكانياً لإعادة صوغ حدود الحريات العامة والشخصية، تفرض على القوى الوطنية-الديمقراطية أنْ تمارس ضغطاً مستمراً على السلطة كي لا ينزلق البلد مرةً أخرى إلى استئثار فئة ضيقة بالحكم، ولتقديم رؤية واضحة حول المسار الآمن للتغيير والانتقال إلى نظام جديد بمعنى الكلمة، وإعادة تنظيم صفوفها وترتيب أولوياتها في هذه المرحلة شديدة الحساسية، داخلياً وخارجياً. وفي حين أنَّ المعارضة لا تكفي كبندٍ وحيد لبناء قضية سورية متماسكة لمرحلة ما بعد سقوط الأسد ونظامه، فإنَّ سوريا بلا محاولة إنعاش الحياة السياسية وإيجاد أشكال جديدة للتعاون والتأثير لن تكون سوى نسخة مكررة من تاريخ قريب يعرف السوريون جيداً مآلاته.

الاحتجاجات الحالية كمدخل وبرهان على الحاجة لسوريا مدنية وديمقراطية
مازن كم الماز
خرج السوريون اليوم ليحتجوا على قرارات وربما سياسات تدفع بهم إلى حضيض جديد، اتضح أن السوريين كائنات عقلانية لا تستبدل رغبتها بالعيش الكريم أو ربما فقط بالعيش الممكن بحدوده و شروطه الأدنى، بكراهية موجهة تجاه آخر ما مفترض من بني وطنه إن ليس من بني جلدته.
اتضح أن البطون الجائعة لا تؤمن بالطائفية و لا يمكن ملؤها بالوعود ولا بالأيديولوجيا و لا بمدائح المؤثرين، واتضح أن أهم حجة ضد القمع و التهميش و الاستئثار بالسلطة و الثروة تحت حجج طائفية أو غيرها هي رغبة البشر بالعيش الكريم و الذي لسوء حظ الكثيرين لا يتطلب و لا يشترط قتل البشر بعضهم لبعض.
حق الناس في عمل يتيح لهم في أقل الأحوال عيشاً كريماً هو حق أساسي ووظيفة أية مؤسسة بشرية هو تأمين الظروف أمام حصول البشر على هذا الحق. واتضح أيضاً أنه عندما لا يجد البشر طريقة للتأثير في القرارات و السياسات التي تقرر حياتهم فإنهم سيخترعون طرقهم الخاصة لتصحيح ما يرونه قرارات وسياسات لا تكترث لأبسط حقوقهم.
أخيراً اتضح أن مشروع سوريا المدنية الديمقراطية القائم على الحرية و العدالة لكل السوريين، الذي يمكن السوريين حتى أدناهم من التأثير في القرارات التي تقرر تفاصيل حياتهم و تحدد هل سينامون جوعى أم لا، و ربما في مرحلة ما أن يتمكنوا أخيراً من اختيار قادتهم بكل حرية، اتضح أن هذا المشروع ليس بحاجة إلى حامل اجتماعي هو موجود بالفعل في كل سوري تعرض و يتعرض للقمع و التهميش و الإفقار و يتطلع إلى العيش الكريم.
الواقع المؤسف هو أن هذا المشروع بحاجة حامل نخبوي يستطيع تحويل نضالات السوريين السابقة و الحالية و رغبتهم تلك بالعيش الكريم و ربما الحر إلى مشروع فعلي قادر على الحياة.

هل فشلت الولايات المتحدة في سياسة احتواء الشرق الأوسط؟
المحامي نشأة الطعيمة
مع بداية ولاية الرئيس الأمريكي هاري ترومان، نهجت الولايات المتحدة سياسة الاحتواء وتم هذا مع نهاية الحرب العالمية الثانية منذ عام 1946، وكان الهدف الأساسي منها تطويق نفوذ الاتحاد السوفيتي وعدم تمدده في أوروبا وفي الشرق الأوسط وفي أفريقيا دون الدخول معه في حرب عسكرية مباشرة. وقد عُرِفت هذه السياسة آنذاك باستراتيجية (الاحتواء ) التي وضعها الدبلوماسي الأميركي جورج كينان في شباط 1946، وكانت من أهم ركائز السياسة الخارجية الأمريكية للحرب الباردة بمواجهة الاتحاد السوفيتي وعنوان لها ، وكان من أهم مظاهر هذه السياسة تقديم المساعدات المالية والدعم السياسي للحلفاء والعزل ودعم المعارضة والمقاطعة السياسية والاقتصادية للخصوم ، كما عملت على تشكيل حلف شمال الأطلسي (الناتو) مع الدول الأوروبية وتركيا وهو تحالف عسكري لمواجهة الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو قبل انهيار وهذا الحلف لا يزال قائماً إلى اليوم وتعمل على استخدامه وتوظيفه لخدمة مصالحها وسياستها الخارجية.
لم تكن سياسة الاحتواء جديدة عند الساسة الأمريكيين، فهم استخدموها سابقاً في خمسينيات القرن التاسع عشر لاحتواء الأقاليم التي رفضت الانضمام الى الفيدرالية الأمريكية تحت عنوان (طوق الحرية) مع رفع شعار "أقاليم حرة و تجارة حرة ومياه حرة"، وتم حينها ممارسة سياسة الضغط الأقصى عليها وحصارها حتى انهارت الواحدة تلو الأخرى وانضمت أخيراً إلى الفيدرالية الأمريكية. كما مارست الخارجية الأمريكية سياسة الاحتواء بالاتفاق مع الدول الأوروبية لإنشاء طوق ضد ألمانيا لاحتواء توسعها قبل وبعد الحرب العالمية الأولى والثانية بشعار مناهضة الفاشية وضد الاتحاد السوفيتي قبل الاعتراف به من قبل الرئيس الأمريكي روزفلت عام 1933، ثم تم تغيير الشعار إلى مواجهة التمدد الشيوعي للاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة.
تطور مفهوم سياسة الاحتواء الأمريكية في تسعينيات القرن العشرين ليشمل في نفس الوقت أكثر من دولة أو مناطق إقليمية بالكامل تحت مسمى سياسة (الاحتواء المزدوج) كما هو الحال في ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط والصراع العربي الصهيوني أو في الصراع الإيراني- العراقي ، خلال أعوام 1993-2001، حيث تميزت تلك السياسة من خلال اتباع نهج ووسائل متعددة مثل الحصار والعزل داخل الحدود ودعم المعارضة الداخلية للدولتين وتوظيف الخلافات العرقية والدينية لتعقيد الخلاف وتعميقه بين الشعبين مع تشديد العقوبات العسكرية والاقتصادية والمالية والتجارية الطرفين المتصارعين تارة، أو تخفيفها عن أحد الطرفين أو مساعدته في الخفاء أو عبر الوسطاء مرة أخرى بهدف استمرار الصراع بينهما وإضعافهما أو السيطرة عليهما.
غيّرت الولايات المتحدة سياستها الخارجية بعد هجمات 11 أيلول /سبتمبر 2001 من سياسة الاحتواء بالمساعدة المالية والاقتصادية أو سياسة الضغط والعزل وتشكيل الأحلاف لمواجهة الخصم إلى سياسة الاحتواء بالقوة العسكرية من أجل تنفيذ أهدافها الاستراتيجية في الهيمنة والسيطرة على مقدرات وخيرات دول وشعوب العالم، فكانت ولاية الرئيس الأمريكي جورج بوش بداية التحضير لهذا التحول كما ارتبط مع هيمنة اليمين الجمهوري والمحافظين الجدد على البيت الأبيض وعلى السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، وأيضاً تزامن من بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك حلف وارسو، فتم توظيف حدث هجمات 11 أيلول إعلامياً بشكل واسع مبرراْ لتحريك الجيش الأمريكي خارج حدود الولايات الأمريكية لغزو أفغانستان في أكتوبر 2001 بحجة القضاء على طالبان والقاعدة بعد اتهامهما القيام بعملية 11 أيلول، فطالبت حكومة أفغانستان بتسليمها أسامة بن لادن زعيم القاعدة، وبعد ذلك أقدمت على غزو العراق في آذار 2003 بخطاب تحريضي بامتلاكه لأسلحة الدمار الشامل وقمع شعبه في داخل العراق وتهديد أمن واستقرار المنطقة ودعم الإرهاب .
لم يلق هذا التحول في سياسة الاحتواء الأمريكية باستعمال القوة العسكرية وتحريك الجيش الأمريكي خارج الحدود الأمريكية، القبول عند الشعب الأمريكي ولا عند حلفائها في حلف شمال الأطلسي باستثناء بريطانيا التي ساهمت بقوة عسكرية في غزو العراق، لأن المبررات التي ساقتها الخارجية الأمريكية اتسمت بالضبابية وعدم الوضوح ولم تقدم الأدلة الكافية للإقناع ، كما أثبتت التحقيقات اللاحقة الجارية بعد احتلالها للعراق والسيطرة عليها عدم صحة المبررات التي ساقتها الإدارة الأمريكية حول امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل. هذا إضافة إلى النتائج الكارثية التي آلت إليها الأوضاع الداخلية في كل من أفغانستان والعراق لجهة التدمير الشامل للبنى التحتية أو لجهة الأعداد الكبيرة للقتلى، وايضاً لجهة الخسائر الضخمة التي تكبدتها الادارة الأمريكية في الأموال والعتاد وأعداد القتلى في الجيش الأمريكي، فكانت تلك النتائج من أهم عوامل الفشل لسياسة الاحتواء الأمريكية في المنطقة، يضاف إليها التحولات الخطيرة التي أصابت العراق كدولة بعد الغزو الأمريكي لها، فتحولت من دولة ذات سيادة ومستقرة وتملك كامل المقومات الواعدة للنمو والتطور، إلى دولة فاشلة وفاقدة للقيادة ومنقسمة طائفياً وعرقياً وأصبحت مصدر قلق وعدم استقرار لمحيطها العربي والإقليمي، ومن جهة أخرى فقد أشارت تفجيرات لندن في 7 أيلول عام 2005 إلى عجز وفشل عقيدة بوش الهجومية من القضاء على الإرهاب كما تدعي، حيث أصبحت دول الشرق الأوسط من أكثر المناطق المتفجرة في العالم، فشكّلت الصراعات الدائرة فيها واحدة من أهم مظاهر عدم نجاح سياسة الاحتواء الأمريكية في المنطقة. كما نجد في السياسة العدائية التي مارستها الإدارات الأمريكية المتعلقة مع القضية الفلسطينية والانحياز المطلق للكيان الصهيوني والدعم المستمر العسكري والسياسي والاقتصادي والمالي لإسرائيل لاستمرارها في قهر الشعب الفلسطيني وتشريده ومنعه من تحقيق حلمه في دولة مستقلة ولأجل تمكينها من الهيمنة على المنطقة.
فجميع تلك الأسباب والعوامل قد أدت إلى تفاقم الصراع في المنطقة والى عدة حروب، كحرب حزيران عام 1967 وحرب تشرين 1973 وما نتج عن ذلك من تداعيات كحرب غزة وامتدادها إلى لبنان وحزب الله اللبناني، ثم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومن بعدها إغلاق مضيق هرمز وتأثير ذلك على التجارة وعلى الاقتصاد العالمي ومواد الطاقة ثم دخول الحوثيين في اليمن على خط المواجهة الأمريكية الإيرانية ومحاولتهم السيطرة على باب المندب وعلى الملاحة الدولية في البحر الأحمر. فجميع ذلك يمكن اعتباره من أهم مظاهر فشل سياسة الاحتواء الأمريكية، والأهم من كل هذا وذاك فقد عجزت واشنطن عن منع التوسع الإقليمي السياسي والاقتصادي والتجاري لكل من الصين وروسيا في منطقة الشرق الأوسط، ومع ازدياد فشل سياسة الاحتواء استخدمت واشنطن سياسة الردع الأقصى والحاسم عبر الضربات العسكرية على الحوثيين وإيران وأرسلت كبرى بوارجها وأساطيلها البحرية لحماية حلفائها الإقليميين ومنع توّسع الحرب الإقليمية أو منع ايران والحوثيين من السيطرة على باب المندب وأيضاً لحماية التجارة العالمية والاقتصاد العالمي من الانكماش والتضخم. كما لجأت واشنطن إلى تشكيل تحالف دولي لتأمين الملاحة الدولية في ممر مائي بالغ الأهمية في البحر الأحمر وباب المندب لإيقاف ضربات الحوثيين، إلا أن النتيجة كانت استمرار الصراع والضربات العسكرية بينهما وعدم استسلام ايران واذرعها للشروط الأمريكية التي أعلنتها واشنطن لإنهاء الحرب على إيران، كما تبين من أن إيران من خلال اتباعها سياسة الصبر الاستراتيجي في الحرب عليها وأيضاً من خلال كسب الوقت والمراهنة عليه، قد أثقلت واشنطن في استنزاف تدريجي لقدراتها عبر تورطها في المزيد من العمليات العسكرية، وبالتالي فشلها في تحقيق أهدافها من هذه الحرب. ومن جهة أخرى، فإن فشل أمريكا في حربها على إيران ومن أجل الضغط عليها، أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بالمزيد من العمليات العسكرية والضربات الإضافية على حزب الله في لبنان، وسمح لها باحتلال مساحات واسعة في الجنوب اللبناني مما أدى إلى معاناة ومآسي كبيرة على الشعب اللبناني بسبب اتباع اسرائيل سياسة الارض المحروقة في الجنوب اللبناني.
حاولت واشنطن قبل غزوها للعراق في 20 آذار من عام 2003 ممارسة سياسة الاحتواء المزدوج على إيران وعلى العراق في نفس الوقت، في حين كان العداء مستحكم بين الطرفين، إلا أنه وبسبب الفشل الذي منيت به تجاوزت تلك السياسة إلى العمل العسكري وإزالة أحد طرفي النزاع والسيطرة على العراق واحتواء إيران عبر منحها امتيازات جيوسياسية في العراق، فكانت النتيجة كارثة على الشعب العراقي وأصبح العراق بلد يحتضن أغلب التنظيمات المسلحة المتطرفة ومنطلقاً منه نحو دول المنطقة ونحو المصالح الأمريكية التي أصبحت هدفاً لعملياتها.
أظهرت حرب الأربعين يوماً الأخيرة التي بدأتها أمريكا وإسرائيل على إيران أنها تجاوزت حدود إيران وحدود العمليات العسكرية والسياسية والاقتصادية والتجارية لتطال أغلب دول الشرق الأوسط وتلحق بها أضرار بالغة وتتحول أيضاً إلى حرب إرادات واستنزاف شاملة، بل نجد أيضاً أن إيران استطاعت بسببها أن تمسك بكثير من مفاصل النظام العالمي الاقتصادي والتجاري، وقد نجحت إلى هذه اللحظة في اللعب على تلك المفاصل من خلال إغلاقها لمضيق هرمز والتحكم بحركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر في باب المندب عبر أذرعها في اليمن، هذا إضافة إلى أن الواقع أثبت قدرة إيران على توظيف الوقت وإطالة زمن الصراع لصالحها من خلال إحكام قبضتها الحديدية على الداخل الإيراني من جهة، رغم الأضرار التي لحقت بها من جراء الضربات العسكرية، ومن جهة أخرى تبين أن الشعب الإيراني كان ملتفاً حول النظام الإيراني ومتضامناً معه خلافاً لحسابات واشنطن قبل بدء الحرب التي كانت تراهن من أن الداخل الإيراني سوف ينفجر على هيمنة نظام الملالي على السلطة.
تبين مع استمرار الحرب الامريكية على إيران فشل سياسة الاحتواء السياسي أو العسكري الأمريكية التي تم ذكرها ، كما تبين هشاشة ومحدودية قدرة الولايات المتحدة على حماية حلفائها الإقليميين في منطقة الشرق الأوسط، وتبين أيضاً عقم الضغوط الاقتصادية والمالية والتجارية التي مارستها واشنطن على إيران للإطاحة بها وتغير النظام فيها مما أدى إلى تراجع الثقة بها وبسياساتها، الأمر الذي أدى بحلفائها في المنطقة إلى إعادة حساباتهم في الاعتماد على حماية الولايات المتحدة لهم والبحث عن بدائل حماية أنظمتهم من الاعتداء أو التغيير.
تفكيك العقدة الجنوبية: حوران بين بناء الدولة وتوازنات الإقليم
بهاء الشايب
هل يمكن معالجة درعا بمعزل عن السويداء والقنيطرة؟
يشكّل الجنوب السوري واحداً من أكثر الاختبارات حساسية أمام الدولة السورية في إعادة بناء مؤسساتها، وتثبيت سلطتها، وإعادة تعريف علاقتها بالمجتمع المحلي وبالجوار الإقليمي. في قلب هذا الاختبار تقف حوران، بما تمثله درعا من ثقل سكاني واجتماعي واقتصادي، وبما يحيط بها من تعقيدات تمتد شرقاً نحو السويداء، وغرباً نحو القنيطرة والجولان السوري المحتل، وجنوباً نحو الحدود الأردنية.
من هنا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت درعا قادرة على معالجة مشكلاتها الأمنية والسياسية بمفردها، إنما أصبح سؤالاً أعمق: هل يمكن أصلاً فصل مستقبل حوران عن البيئة الاستراتيجية التي تشكّلها السويداء والقنيطرة والحدود الأردنية والإسرائيلية؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن الفصل الإداري ممكن، لكن الفصل الاستراتيجي ليس واقعياً. فالمحافظات الثلاث لا تشكّل وحدة سياسية واحدة، ولا ينبغي تحويل ترابطها الجغرافي والاجتماعي إلى مشروع سياسي مستقل؛ لكنها في الوقت نفسه تتحرك داخل منظومة أمنية واقتصادية وإقليمية واحدة، تجعل استقرار إحداها مؤثراً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في استقرار الأخريين. وهنا تكمن عقدة الجنوب السوري.
الجنوب: ترابط استراتيجي لا يعني وحدة سياسية
النظر إلى درعا والسويداء والقنيطرة باعتبارها ملفات منفصلة قد يكون صحيحاً من الناحية الإدارية، لكنه غير كافٍ من الناحية الاستراتيجية. فدرعا تمثل قلب حوران وسهلها الزراعي والتجاري، بينما تمتلك السويداء خصوصية اجتماعية وجغرافية واضحة، وتقع القنيطرة في أكثر نقاط الجنوب حساسية بسبب قربها من خط فض الاشتباك في الجولان السوري المحتل.

هذا الترابط يظهر أولاً في العامل الأمني. فالجنوب السوري يقع بين بيئتين إقليميتين بالغتي الحساسية: الأردن من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. وبالنسبة إلى الأردن، يرتبط أمن الجنوب السوري مباشرة بأمن الحدود، ومكافحة شبكات التهريب والجريمة المنظمة، ومنع تحول المناطق الحدودية إلى مساحات رخوة يمكن أن تنشط فيها جماعات وشبكات خارجة عن القانون. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فقد أصبح الوجود العسكري والتحركات داخل أجزاء من القنيطرة ودرعا عاملاً ثابتاً في معادلة الجنوب. وقد شهدت المنطقة خلال الفترة الأخيرة عمليات توغل وقصف واعتقالات ونقاط تفتيش إسرائيلية متكررة، فيما استمرت هذه التحركات في الأيام الأولى من سبتمبر/أيلول 2026. وهذا الواقع يجعل من الصعب التعامل مع أمن درعا والقنيطرة باعتباره شأناً محلياً صرفاً.
أما المستوى الثاني من الترابط فهو اجتماعي. فالحدود الإدارية لا تلغي العلاقات العائلية والعشائرية والاقتصادية الممتدة بين مناطق الجنوب. وقد أظهرت التطورات التي شهدتها السويداء أن أي اضطراب اجتماعي واسع يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز حدود المحافظة نفسها. لكن من الضروري هنا تجنب استنتاج سياسي مبالغ فيه: الترابط الاجتماعي لا يعني تطابق المواقف السياسية، كما أن وجود روابط تاريخية بين المجتمعات المحلية لا يعني أن المحافظات الثلاث يجب أن تدار بنموذج واحد. وهذه نقطة أساسية في أي سياسة جنوبية متوازنة.
أما المستوى الثالث فهو الاقتصاد. فالجنوب يحتاج إلى طرق آمنة، ومعابر فعالة، وتجارة شرعية، وحركة زراعية نشطة، وخدمات مستقرة. وأي انهيار في هذه العناصر يخلق بيئة خصبة للاقتصاد غير الرسمي، ويزيد من قدرة شبكات التهريب والجريمة المنظمة على استقطاب الشباب. ولهذا فإن الأمن والاقتصاد في الجنوب ليسا ملفين منفصلين.
أزمة حوران: أكثر من مشكلة أمنية
ربما يكون أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه دمشق هو التعامل مع درعا باعتبارها مشكلة أمنية
تحتاج إلى حل أمني فقط. صحيح أن انتشار السلاح، والاغتيالات، والخطف، والثأر، والنزاعات المحلية، ووجود مجموعات مسلحة أو شبه مسلحة، تمثل تحديات حقيقية؛ لكن هذه الظواهر هي أيضاً نتيجة لمسار طويل من ضعف مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة.
ولهذا فإن السؤال الأساسي ليس فقط: كيف نسحب السلاح؟ بل: كيف نعيد بناء السلطة القانونية التي تجعل وجود السلاح خارج الدولة غير ضروري وغير مقبول في الوقت نفسه؟ هذه المسألة تصبح أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بالقوى المحلية التي نشأت خلال سنوات
الحرب. فإنهاء نفوذ الفصائل لا يمكن أن يعني ببساطة حلها بقرار إداري، كما أن دمج عناصرها في المؤسسات الرسمية لا ينبغي أن يتحول إلى عملية نقل جماعي للسلاح من تشكيل محلي إلى تشكيل رسمي.
المطلوب هو دمج مؤسسي حقيقي يقوم على الاختيار والتدقيق والتأهيل والتدريب والمساءلة، بحيث يصبح ولاء الفرد للمؤسسة والقانون، لا لشخص أو فصيل أو منطقة. وهذا هو الفارق بين بناء الدولة وإعادة تدوير مراكز القوة.
إسرائيل والأردن: المعادلة التي لا يمكن تجاهلها
لا يمكن كتابة أي تصور جدي لمستقبل الجنوب السوري من دون التعامل مع العامل الإسرائيلي باعتباره أحد المتغيرات الرئيسية. فاستمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في القنيطرة ودرعا يفرض واقعاً أمنياً جديداً على المنطقة، في وقت تجري فيه اتصالات سورية–إسرائيلية بوساطة أميركية بهدف خفض التصعيد والبحث في ترتيبات أمنية. وقد استضاف الأردن في أغسطس/آب 2026 جولة من هذه المحادثات، في مؤشر على أن الملف الجنوبي بات جزءاً من مسار تفاوضي إقليمي أوسع. وتركزت المحادثات، وفق التقارير المتاحة، على خفض العمليات العسكرية وإحياء مسار تفاوضي بشأن ترتيبات أمنية، وسط استمرار الخلاف حول الوجود العسكري الإسرائيلي ومستقبل الترتيبات الحدودية.
لكن وجود مسار تفاوضي لا يعني أن المشكلة حُلت. فالواقع الميداني لا يزال هشاً، والتحركات العسكرية الإسرائيلية مستمرة، فيما تتمسك دمشق بمبدأ استعادة السيادة السورية على أراضيها وبإعادة العمل بالترتيبات التي حكمت منطقة فض الاشتباك قبل انهيارها.
وفي المقابل، يمتلك الأردن حسابات مختلفة ولكنها تتقاطع في نقطة أساسية: ضرورة وجود جنوب سوري مستقر وقادر على ضبط حدوده. ومن هنا فإن أي استراتيجية سورية للجنوب تحتاج إلى مسارين متوازيين: مسار داخلي يبني الدولة والمؤسسات؛ ومسار إقليمي يطمئن الجوار ويمنع تحول الجنوب إلى ساحة مفتوحة أمام التدخلات الخارجية.
السويداء: خصوصية يجب إدارتها لا إلغاؤها
لا يمكن معالجة الجنوب السوري من دون إدراك الخصوصية السياسية والاجتماعية للسويداء. لكن الاعتراف بهذه الخصوصية يجب ألا يتحول إلى خيارين متطرفين: إما المركزية الصلبة، أو إنشاء واقع سياسي منفصل. فهناك مساحة واسعة بين الخيارين.
يمكن لسوريا الموحدة أن تعتمد نموذجاً من اللامركزية الإدارية يمنح المحافظات صلاحيات واسعة في الخدمات والتنمية والإدارة المحلية، مع بقاء الدفاع والسياسة الخارجية والسيادة على الحدود والمؤسسات السيادية ضمن اختصاص الدولة المركزية. وهذه الصيغة يمكن أن تكون أكثر ملاءمة للسويداء، كما يمكن أن تكون مفيدة لدرعا والقنيطرة، من دون فرض نموذج إداري متطابق على المحافظات الثلاث. فوحدة الدولة لا تعني تطابق الإدارة المحلية. وهذه ربما تكون إحدى أهم القواعد التي ينبغي أن تحكم مرحلة إعادة بناء الدولة
السورية.
القنيطرة: الحلقة الأكثر حساسية
إذا كانت درعا هي القلب الاجتماعي والاقتصادي للجنوب، فإن القنيطرة هي العقدة الجيوسياسية الأكثر حساسية. فوجود الجولان السوري المحتل يجعل مستقبل القنيطرة مرتبطاً بصورة مباشرة بالصراع السوري–الإسرائيلي، وبترتيبات الأمن والحدود، وبمستقبل خط فض الاشتباك.
وتؤكد التطورات الميدانية الأخيرة أن القنيطرة ليست ملفاً يمكن تجميده إلى أجل غير محدد. ففي السادس من سبتمبر/أيلول 2026، أفادت تقارير عن قصف إسرائيلي في ريف القنيطرة، سبقه بيوم توغل لقوة إسرائيلية في محيط الرفيد، في سياق سلسلة من التحركات العسكرية المتكررة في المحافظة.
وهنا تحتاج دمشق إلى مقاربة مزدوجة. من جهة، عليها تثبيت مبدأ السيادة السورية واللجوء إلى المسار الدبلوماسي والدولي لمنع تكريس واقع عسكري دائم. ومن جهة أخرى، عليها بناء مؤسسات محلية قادرة على إدارة الحياة المدنية في القنيطرة، بحيث لا يصبح الفراغ الإداري ذريعة دائمة للتدخل الخارجي.
اللامركزية: الحل الممكن أم بداية التفكك؟
اللامركزية في الجنوب يمكن أن تكون جزءاً من الحل، لكنها تصبح خطراً إذا صيغت بطريقة تخلط بين الإدارة المحلية والسيادة السياسية. المطلوب هو لامركزية إدارية موسعة داخل دولة موحدة. ويعني ذلك منح السلطات المحلية صلاحيات حقيقية في: الخدمات العامة؛ التنمية المحلية؛ التخطيط العمراني؛ الزراعة والموارد المحلية؛ إدارة المرافق التعليمية والصحية ضمن الأطر الوطنية؛ تنظيم الأسواق والنقل المحلي؛ تنفيذ المشاريع التنموية.
في المقابل، تبقى ملفات الدفاع والسياسة الخارجية والحدود والسياسة النقدية والسيادة الوطنية ضمن مؤسسات الدولة. وحتى تنجح هذه الصيغة، لا بد من ثلاثة شروط: أولاً، تحديد الصلاحيات قانونياً لمنع تضارب الاختصاصات؛ ثانياً، ضمان الموارد المالية للمحافظات والبلديات وفق قواعد عادلة وشفافة؛ ثالثاً، إخضاع الإدارات المحلية للرقابة والمساءلة لمنع تحول اللامركزية إلى إعادة إنتاج لمراكز نفوذ جديدة.
نموذج أمني جديد للجنوب
إذا كانت الدولة تريد إنهاء الفوضى في الجنوب، فعليها أن تتجنب خيارين، كلاهما غير
مستدام. الأول: ترك السلاح المحلي خارج مؤسسات الدولة. والثاني: الاعتماد الدائم على الانتشار العسكري المركزي لمعالجة كل مشكلة محلية. الحل الأكثر واقعية هو إنشاء شرطة محلية مهنية مرتبطة مؤسسياً بوزارة الداخلية، ويكون أفرادها من أبناء المناطق، بعد إخضاعهم لمعايير وطنية موحدة في الاختيار والتدريب والمساءلة.
هذا النموذج يمكن أن يحقق معادلة مهمة: الدولة تحتفظ بالسيادة، والمجتمع المحلي يشارك في حماية أمنه. أما الجيش، فينبغي أن يركز على الدفاع عن الحدود والمنشآت الاستراتيجية والتهديدات العسكرية الكبرى، لا أن يتحول إلى جهاز لإدارة الخلافات اليومية بين العائلات والبلدات. وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تتحول الشرطة المحلية إلى غطاء لإعادة إنتاج الفصائل المسلحة.
لذلك يجب أن تكون عملية الدمج مصحوبة بتفكيك فعلي لمراكز القوة المستقلة، وحصر السلاح المتوسط والثقيل بمؤسسات الدولة.
الاقتصاد: المعركة التي تسبق الأمن أحياناً
لن ينجح أي مشروع أمني في الجنوب إذا بقي الاقتصاد عاجزاً عن توفير بدائل للشباب. فالتهريب لا يعيش فقط على ضعف الحدود، وإنما أيضاً على ضعف الاقتصاد الرسمي. وكلما انخفضت فرص العمل، وتراجعت الزراعة، وتدهورت الخدمات، وأصبحت التجارة القانونية أكثر كلفة وأقل ربحاً، زادت جاذبية الاقتصاد غير الرسمي. ولهذا يجب أن يصبح التعافي الاقتصادي جزءاً من استراتيجية الأمن الوطني. ويمكن أن يبدأ ذلك من معبر نصيب. فالمعبر لا ينبغي أن يكون مجرد نقطة عبور حدودية، بل جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة دمج الجنوب في حركة التجارة الإقليمية.
إلى جانب ذلك، تحتاج حوران إلى برنامج عاجل لإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والطرق، ودعم القطاع الزراعي، وتوفير التمويل للمشروعات الصغيرة. فالاستقرار لا يصنعه السلاح وحده. الاستقرار يصنعه أيضاً المواطن الذي يجد أمامه بديلاً اقتصادياً عن الجريمة والتهريب والسلاح.
ستة مسارات لاستعادة استقرار الجنوب

إذا أرادت دمشق تحويل الرؤية إلى سياسة عملية، فإن الجنوب يحتاج إلى خطة متدرجة تقوم على ستة مسارات متوازية:
أولاً: بناء الإدارة المحلية
توسيع صلاحيات المجالس المحلية ضمن إطار قانوني ومالي واضح، مع رقابة ومساءلة.
ثانياً: بناء الشرطة المحلية
إنشاء شرطة مهنية من أبناء المناطق، مرتبطة مؤسسياً بوزارة الداخلية، وقادرة على التعامل مع الأمن اليومي.
ثالثاً: إنهاء السلاح الموازي
تنفيذ برنامج تدريجي لجمع السلاح المتوسط والثقيل وإعادة دمج العناصر المؤهلة ضمن
المؤسسات الرسمية.
رابعاً: إطلاق حوار جنوبي
إنشاء مسار حوار يضم ممثلين عن درعا والسويداء والقنيطرة، إلى جانب الشخصيات المدنية والاجتماعية والعشائرية والدينية والاقتصادية، بهدف بناء تفاهمات محلية داخل الإطار الوطني.
خامساً: تثبيت الأمن الحدودي
تعزيز الحدود مع الأردن ومكافحة شبكات التهريب، بالتوازي مع مسار دبلوماسي يمنع تثبيت واقع عسكري إسرائيلي جديد في الجنوب.
سادساً: إطلاق برنامج اقتصادي خاص بالجنوب
توجيه استثمارات عاجلة إلى الزراعة والطاقة والمياه والطرق والاتصالات والخدمات، وربط التنمية بخلق فرص عمل حقيقية للشباب.
ما الذي يجب ألا تفعله دمشق؟
هناك ثلاثة أخطاء يمكن أن تجعل أي استراتيجية للجنوب تفشل.
الخطأ الأول: الحل الأمني وحده
الجنوب ليس مشكلة أمنية فقط، بل مشكلة ثقة ومؤسسات واقتصاد وعلاقات اجتماعية.
الخطأ الثاني: فرض نموذج واحد على المحافظات الثلاث درعا ليست السويداء، والسويداء ليست القنيطرة. والاعتراف بهذا الاختلاف لا يضعف الدولة، بل يمكن أن يقويها إذا جرى تنظيمه ضمن إطار قانوني وطني.
الخطأ الثالث: ترك الفراغ :عندما تتراجع الدولة، لا تختفي السلطة.بل تنتقل إلى فصائل محلية، أو شبكات اقتصادية، أو زعامات اجتماعية، أو قوى خارجية. ولهذا فإن الفراغ الإداري والأمني في الجنوب قد يكون أخطر من ضعف الدولة المؤقت.
الخلاصة: الجنوب بوابة الدولة السورية
إن مستقبل الجنوب السوري لن يحسمه انتشار عسكري مؤقت، ولا اتفاق أمني عابر، ولا قدرة فصيل محلي على فرض نفوذه في مدينة أو قرية. المعادلة الأعمق تتعلق بقدرة الدولة السورية على إعادة بناء العلاقة بينها وبين مجتمع الجنوب.
وهذه العلاقة ينبغي أن تقوم على أربعة مبادئ واضحة: دولة موحدة في السيادة والدفاع والسياسة الخارجية؛ إدارة محلية واسعة الصلاحيات في الخدمات والتنمية؛ أمن محلي مهني يعمل تحت سلطة الدولة؛ حوار سياسي واجتماعي يحترم خصوصية المناطق من دون تحويلها إلى مشاريع نفوذ أو انفصال.
وفي الوقت نفسه، تحتاج دمشق إلى سياسة إقليمية أكثر نشاطاً: طمأنة الأردن بأن الجنوب لن يتحول إلى مصدر تهديد لأمنه، والعمل عبر القنوات الدولية لوقف التوغلات الإسرائيلية ومنع تحويل الوقائع العسكرية المؤقتة إلى ترتيبات دائمة، مع الحفاظ على المبدأ السوري المتمثل في وحدة الأراضي والسيادة عليها.
إن حوران ليست ملفاً أمنياً خاصاً بدرعا، كما أن السويداء ليست جزيرة منفصلة، والقنيطرة ليست مجرد منطقة حدودية. إنها حلقات مترابطة في معادلة جنوبية واحدة، وإن كانت لكل منها خصوصيتها. لكن إدراك هذا الترابط لا ينبغي أن يقود إلى إنشاء كيان سياسي جنوبي، بل إلى بناء استراتيجية وطنية للجنوب داخل الدولة السورية.
وهنا تحديداً يكمن الاختبار الحقيقي للمرحلة الانتقالية: هل تستطيع دمشق أن تحول الجنوب من مساحة تتنافس فيها القوى المحلية والإقليمية إلى مساحة تتكامل فيها الدولة والمجتمع والاقتصاد؟ إذا نجحت في ذلك، فلن تكون قد عالجت أزمة حوران وحدها، بل ستكون قد وضعت نموذجاً قابلاً للتعميم في إعادة بناء الدولة السورية. أما إذا بقي الجنوب رهينة للسلاح المنفلت، والفراغ الإداري، والاقتصاد غير الرسمي، والتدخلات الخارجية، فإن أي استقرار فيه سيظل مؤقتاً وقابلاً للانهيار عند أول أزمة. فالجنوب ليس هامش سوريا، بل أحد مفاتيح مستقبلها.

مناطق القتل النووية: كيف سيُحجّم آيزنكوت إيران إذا نجح في هزيمة نتنياهو؟
يوناه جيريمي بوب/ جيروزاليم بوست
• هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)
إن تشريح سياسات الحرب والسلام التي يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من منافسيه في انتخابات 27 أكتوبر2026للكنيست ليس جديداً: إذ يُتهم بأنه فشل في تحقيق تحولات دبلوماسية واستراتيجية مستدامة تجعل إسرائيل أكثر أمناً، رغم سلسلة واسعة من النجاحات العسكرية التكتيكية الكبيرة.
وهذه هي الرسالة الأساسية التي يطرحها غادي آيزنكوت، زعيم (حزب ياشار) الذي تصدّر استطلاعات الرأي في سباق رئاسة الحكومة خلال الأشهر الأخيرة.
وفي ما يتعلق بالمناطق الأمنية، يبدو للوهلة الأولى أن آيزنكوت يريد الإبقاء على نوع من المناطق الأمنية المهمة في غزة ولبنان وسوريا، على غرار نتنياهو ورئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يحتل حالياً المرتبة الثالثة في سباق رئاسة الحكومة.
لكن آيزنكوت يطرح عدداً من الأفكار الخاصة به لتحسين الوضعين الأمني والدبلوماسي لإسرائيل.
إيران: «منطقة قتل» حول المواقع النووية الحساسة
في ما يتعلق بإيران، يطرح آيزنكوت فكرة غير مألوفة لم يعلن عنها أي مسؤول إسرائيلي آخر بهذه الصراحة: أن تنشئ الولايات المتحدة «منطقة قتل» حول المواقع القليلة التي ما زال يوجد فيها اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60% تحت الأرض، سواء كان مدفوناً تحت الأنقاض أو قد تم نقله أخيراً إلى مواقع تخزين منظمة.
وفي حين تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصورة نظرية عن مراقبة كل ما يجري قرب هذه المناطق النووية الإيرانية الحساسة، فإن آيزنكوت يقترح إعلان التزام علني واضح بمهاجمة أي تغيير يطرأ في تلك المناطق إذا كان قد ينطوي على نقل مواد نووية.
وهذا سيتطلب أيضاً التزاماً طويل الأمد بموارد جوية في المنطقة، على غرار ما فعلته الولايات المتحدة فوق العراق في تسعينيات القرن الماضي.
ويرى آيزنكوت في ذلك حلاً غير تقليدي إذا فشلت سياسة الضغط الأقصى المستمرة والمفاوضات في التوصل إلى اتفاق جيد.
أما «الاتفاق الجيد» من وجهة نظره، فيتمثل في إزالة التهديد النووي الإيراني بصورة دائمة، من خلال عمليات تفتيش طويلة الأمد يمكن تنفيذها في أي وقت وأي مكان، للتأكد من عدم وجود محاولات سرية لإعادة بناء البرنامج لاحقاً.
ورغم أن ضربات الجيش الإسرائيلي في يونيو 2025 نجحت في تأخير البرنامج النووي الإيراني لعدة سنوات، وأن الجمهورية الإسلامية لم تحاول منذ ذلك الحين بشكل جدي إعادة بناء هذا التهديد، فإن بقاء اليورانيوم المخصب بنسبة 60% يمثل ملفاً مهماً لم يُحسم بعد.
ولا يبدو آيزنكوت أكثر استعداداً من نتنياهو لتأييد «اتفاق سيئ»، أي اتفاق لا يفعل سوى تأجيل التهديد النووي الإيراني إلى موعد لاحق.
وفي المقابل، إذا أنشأت الولايات المتحدة «منطقة قتل» حول المواقع النووية الرئيسية القليلة المتبقية، فلن تتمكن طهران من التحرك قدماً من دون أن يتم رصدها واستهدافها من الجو.
وبالطبع، فإن التهديد النووي ليس سوى جزء من المعضلة الأمنية المتعلقة بإيران.
فمنذ أبريل 2024، أظهر النظام الإيراني استعداده لمهاجمة إسرائيل مباشرة بالصواريخ الباليستية خلال أربع جولات منفصلة، كما هاجم نحو اثنتي عشرة دولة أخرى في الشرق الأوسط، من السعودية إلى الأردن والإمارات وقطر.
وفي ما يتعلق بتهديد الصواريخ الباليستية، ينسب آيزنكوت لنفسه جزءاً من الفضل في المساعدة على إعداد منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية لليوم الذي ستهاجم فيه إيران بصورة مباشرة، وإن كان ذلك اليوم قد جاء بعد خمس سنوات من مغادرته منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي عام2019.
وفي المرحلة المقبلة، يدرك آيزنكوت أن هامش المناورة المتاح له ولإسرائيل في مواجهة تهديد الصواريخ الباليستية أضيق من الهامش المتاح في مواجهة التهديد النووي.
ففي حين جعل ترامب إزالة تهديد الأسلحة النووية الإيرانية ركيزة أساسية في رئاسته، فإنه قلل علناً من شأن خطر الصواريخ. بل قال، على نحو أثار الاستغراب، إن امتلاك إيران مثل هذه الصواريخ ليس أخطر من امتلاك السعودية لها، رغم أن إيران أطلقت آلاف الصواريخ في أنحاء المنطقة بينما لم تستخدمها الرياض ضد أحد.
وسيعود آيزنكوت إلى الاعتماد على العمليات السرية للموساد ضد إيران، لكنه سيوسع نطاق أهداف الهجمات وعمليات التجسس لتشمل الصواريخ الباليستية، لا الملف النووي وحده كما في السابق.
آيزنكوت يعتقد أن الرئيس السوري الشرع ما زال جهادياً
وعلى خلاف بينيت، الذي يتعامل بريبة مع الزعيم السوري أحمد الشرع لكنه مستعد للاستماع إلى الطروحات الأميركية التي تقول إنه ربما غيّر توجهاته، فإن آيزنكوت مقتنع تماماً بأن الرئيس السوري ما زال جهادياً، بالنظر إلى خلفيته.
وبناءً على ذلك، فإن آيزنكوت، مثل نتنياهو وبينيت، ليس في عجلة من أمره للانسحاب من أي جزء من المنطقة العازلة في سوريا.
لكن هناك اختلافاً جوهرياً.
فمن وجهة نظر آيزنكوت، فقد نتنياهو البوصلة في ما يتعلق بفكرة السيطرة على أراضٍ داخل دولة أجنبية معادية؛ إذ يرى أن الاحتفاظ بالأرض ليس هدفاً بحد ذاته يمكن أن يستمر إلى الأبد، بل ورقة ضغط يمكن استخدامها للتفاوض على شروط دبلوماسية واستراتيجية أفضل.
وقد أنشأ اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وسوريا عام 1974 مناطق منزوعة السلاح على الجانب السوري، ما يوفر سابقة للمطالبة بأن يبقى الجيش السوري بعيداً عن الحدود الإسرائيلية مقابل أي انسحاب جزئي مستقبلي.
وإذا أمكن التأثير على سوريا للموافقة على مثل هذه الشروط، ومع احتفاظ إسرائيل بالجانب السوري من جبل الشيخ بسبب أهميته الاستراتيجية الفريدة، فإن آيزنكوت يرى إمكانية التوصل إلى اتفاق مع سوريا في مرحلة لاحقة.
وسيعتبر مثل هذا الاتفاق وسيلة لإبعاد الجيش السوري عن إسرائيل أكثر مما هو عليه الآن، مع تقليل استنزاف الموارد الإسرائيلية الناتج عن السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي السورية التي لا مصلحة حقيقية لإسرائيل في الاحتفاظ بها.
لكن المشهد السوري أكثر تعقيداً بطبيعة الحال.
فآيزنكوت يريد أيضاً إبقاء تركيا وروسيا خارج سوريا، بما يؤدي إلى انتقال الشرع بصورة أكثر ثباتاً إلى دائرة النفوذ الأميركية.
وهذا لا يعني، في نظره، أن الشرع لن يهاجم إسرائيل أبداً، لكنه سيجعل أي خطوة من هذا النوع أكثر صعوبة وكلفة بالنسبة له.
وقد تكون تركيا الجزء الأكثر تعقيداً في هذا الملف.
وهنا يطرح آيزنكوت فكرة يصفها بأنها غير تقليدية.
فالحقيقة أن إسرائيل وآيزنكوت لن يكونا شديدي القلق من وجود عسكري تركي تكتيكي محدود في شمال سوريا، قرب لواء إسكندرون وبعيداً عن إسرائيل.
لكن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وآيزنكوت يعارضان وجود قوات برية تركية قرب الحدود الإسرائيلية في جنوب سوريا، والأهم من ذلك، يعارضان نشر أنقرة رادارات ومنظومات دفاع جوي داخل سوريا، لأن ذلك سيقيّد حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي.
وبعبارة أخرى، حتى لو توصلت إسرائيل وسوريا إلى اتفاق دفاعي جديد، وهو ما يعتقد آيزنكوت أنه قادر على تحقيقه بطريقة أفضل من نتنياهو، فإنه سيصر على الإبقاء على حرية أمنية عليا تتيح لإسرائيل شن ضربات جوية ضد أي تهديد استراتيجي قد تحاول إيران أو أي جهة معادية أخرى تمريره عبر سوريا.
كما سيدعو إلى توسيع كبير لقوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في سوريا، مع انخراط أميركي واسع لضمان فعالية هذه القوة، بدلاً من أن تتحول إلى عبء كما يرى أن الحال كان مع قوة اليونيفيل في لبنان.
وأخيراً، يصر آيزنكوت بشدة على حماية الدروز السوريين من أي مجزرة محتملة قد يرتكبها الشرع أو حلفاؤه خلال أي صراع داخلي سوري مستقبلي.
وإذا تعرض لضغوط من ترامب لعدم التدخل في قضية الدروز السوريين، ولحصر التحرك فقط في حال تعرض إسرائيل للخطر، فإن آيزنكوت يقول إنه واثق من قدرته على شرح خصوصية العلاقة الإسرائيلية بالدروز السوريين، بالنظر إلى الاندماج العميق للدروز الإسرائيليين داخل الجيش الإسرائيلي.
ما خطة آيزنكوت لغزة؟
في ما يتعلق بغزة، يوجه آيزنكوت اتهاماً حاداً لنتنياهو بأنه أبقى حماس في السلطة داخل القطاع.
صحيح أن نتنياهو أمر الجيش الإسرائيلي بقتل نحو 25 ألفاً من مقاتلي حماس، بينهم معظم قادتها، لكنه في الوقت نفسه عرقل محاولات استبدال الحركة إما بالسلطة الفلسطينية أو بهيئة تكنوقراطية كان فريق إدارة ترامب يريد إدخالها إلى غزة في مطلع عام 2026.
وبالتأكيد، يلقي آيزنكوت جزءاً من المسؤولية على حماس نفسها بسبب مماطلتها في تقديم التنازلات المتعلقة بنزع السلاح التي وافقت عليها ضمن اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسط فيه ترامب في أكتوبر 2025.
لكنه يضيف أن نتنياهو فوّت مراراً فرصة ممارسة ضغط دبلوماسي وسياسي شامل على حماس، بسبب تركيزه شبه الحصري على الضغط العسكري.
وكما هو الحال مع بينيت، يبدو آيزنكوت أكثر انفتاحاً على العمل مع قوى سياسية أخرى لاستبدال حماس.
وإذا كان بينيت يركز بصورة شبه كاملة على مصر، فإن آيزنكوت لا يحبذ السلطة الفلسطينية، لكنه يتفق مع الرأي السائد داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على أنه إذا كان الخيار بين السلطة الفلسطينية وحماس، فإن حماس أسوأ بكثير من وجهة نظرهم.
ومن هذا المنطلق، لا يحمل آيزنكوت تصوراً أيديولوجياً جامداً حول الجهة التي ينبغي أن تدير غزة، ما دامت إسرائيل تحتفظ بممر أمني بغض النظر عن الجهة التي قد تتولى السيطرة.
وإضافة إلى ذلك، إذا كان نتنياهو قد تبنى شرطاً يعتبره خصومه «جرعة سم»، يتمثل في نزع سلاح حماس بالكامل قبل السماح بأي إعادة إعمار في غزة، فإن آيزنكوت مستعد لقبول روح خطة ترامب التي تسمح بربط نزع سلاح جزئي بخطوات جزئية لإعادة الإعمار.
وهو لا يريد، بحسب طرحه، منح حماس الذرائع التي يقول إن نتنياهو يوفرها للحركة كي ترفض التعاون.
كذلك يدرك آيزنكوت أن المكانة الدبلوماسية والشرعية الدولية لإسرائيل وصلت إلى مستويات متدنية غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، ويرى أن رفض نتنياهو أي إعادة إعمار في غزة تحت أي ظرف يفاقم هذا الوضع.
وفي المقابل، يعتقد بقوة أن خروج نتنياهو نفسه من رئاسة الحكومة سيبدأ تلقائياً في توليد قدر من حسن النية عالمياً. كما يرى أن حتى الاتفاقات الجزئية يمكن أن تضعف حماس وتبدأ في ترميم صورة إسرائيل.
وبعد كل ذلك، يعارض آيزنكوت بصورة قاطعة أي نقاش حول إقامة دولة فلسطينية في المدى القريب أو المتوسط، معتبراً أن من يطرح مثل هذا الحل لا يفهم الواقع الاجتماعي والسياسي الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر.
لكنه يعتقد أن قول «نعم» بصورة أكبر لمبادرات دولية أخرى، ومنح الفلسطينيين أفقاً بعيد المدى يتجاوز ولايته الحكومية الأولى، يمكن أن يعيد إسرائيل بصورة أساسية إلى موقعها كجزء من الغرب، بطريقة يرى أن نتنياهو لا يستطيع ولا يريد تحقيقها.
إعادة ترميم العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل
سيكون أحد الأهداف الرئيسية لآيزنكوت إذا أصبح رئيساً للوزراء هو تذكير الأميركيين، ديمقراطيين وجمهوريين، ومحاولة إقناعهم بأن إسرائيل تمثل رصيداً استراتيجياً للولايات المتحدة.
ومن منظور أمني، حتى إذا كانت الولايات المتحدة لا تشعر بتهديد فوري من انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، فإنه سيشدد على أن قادة الحزبين الأميركيين الرئيسيين عارضوا حصول العراق وسوريا وإيران على مثل هذه الأسلحة.
وقد قال القادة السياسيون الأميركيون بمختلف توجهاتهم إن انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط سيعرض الولايات المتحدة في نهاية المطاف للخطر.
وسيسعى آيزنكوت إلى تذكير الأميركيين بأن إسرائيل ساعدت في إبعاد هذا الخطر عن الولايات المتحدة، ليس فقط في ما يتعلق بإيران، وهو ملف أصبح سياسياً أكثر تعقيداً بسبب أزمة أسعار الغاز المرتبطة بالمواجهة مع الجمهورية الإسلامية، بل كذلك في ما يتعلق بالعراق وسوريا.
كما سيدعو واشنطن إلى تذكر أن إسرائيل كانت رصيداً مهماً للولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال مواجهة تمدد تنظيم «داعش»، رغم أن التنظيم لم يكن يشكل تهديداً مباشراً واسع النطاق لإسرائيل على المدى القريب.
وحتى الهجوم الأميركي الواسع على إيران في أوائل عام 2026، كانت واشنطن قادرة في حالات كثيرة على الاستفادة من قيام إسرائيل بمواجهة بعض الجهات التي تعتبرها متمردة وخطيرة في الشرق الأوسط، من دون أن تضطر الولايات المتحدة إلى الانخراط المباشر، مع الاستفادة في الوقت نفسه من مستوى استخباراتي استثنائي.
ويعتقد آيزنكوت أن خروج نتنياهو من المشهد، وإنهاء الهجمات السياسية على مؤسسات سيادة القانون في إسرائيل، ووضع حد لتصريحات التحريض الصادرة عن مسؤولين حكوميين، ووصول مسؤولين جدد يسعون إلى استعادة الحوار المشترك مع الغرب، كلها عوامل قد تسمح لإسرائيل مرة أخرى بالاستفادة من صورتها باعتبارها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.
ويرى آيزنكوت أن سلوك نتنياهو وشركائه في الائتلاف، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، داخلياً وخارجياً، ألحق أضراراً كبيرة بصورة إسرائيل باعتبارها دولة ديمقراطية تتشارك القيم مع الغرب، لكنه يعتقد أن الوقت لم يفت لإصلاح هذا الضرر.
وإذا أصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي فجأة أكثر استعداداً للبحث عن طرق لقبول مبادرات السلام الغربية وإظهار موقف إيجابي تجاهها، حتى لو لم يتمكن آيزنكوت من الموافقة على بعض الأولويات الغربية الأساسية، فإنه يعتقد أن المناخ العام وقواعد اللعبة سيتغيران بالكامل.
كيف سيختلف آيزنكوت في ملف لبنان؟
هناك مثال واضح على اختلاف آيزنكوت عن نتنياهو في لبنان.
فهو يتفق مع نتنياهو على أن تكون قنوات الارتباط العسكري الأميركية هي الأكثر تأثيراً في التعامل مع الجيش اللبناني وتطوير أدائه، وكذلك في تقييم ما إذا كان قد حقق المعايير المطلوبة في ما يتعلق بأي انسحاب جزئي للجيش الإسرائيلي. لكنه في الوقت نفسه يريد إعادة فرنسا إلى دور مؤثر.
فنتنياهو دخل في مواجهة واسعة مع الفرنسيين على خلفية غزة ولبنان وإيران، ودفع باتجاه تقليص نفوذهم عقاباً لهم على انتقاد سياساته، ولا سيما الانتقادات الفرنسية الحادة لأداء الجيش الإسرائيلي في حرب غزة.
أما آيزنكوت، فيسعى إلى البحث عن مناطق الاتفاق والمصالح المشتركة، والتركيز عليها بدلاً من الغرق في الصراعات حول ملفات الخلاف.
وفي ما يتعلق بالمنطقة الأمنية، لا توجد مسافة كبيرة بين آيزنكوت ونتنياهو.
فقد أشار نتنياهو إلى رغبته في الاحتفاظ بكامل المنطقة الأمنية الحالية، التي يتجاوز عمقها في بعض المواقع عشرة كيلومترات، رغم أنه سبق أن انسحب من لبنان في مطلع عام 2025 وبدأ خلال الأسابيع الأخيرة مساراً محتملاً لمزيد من الانسحاب.
وآيزنكوت متشكك في أداء الجيش اللبناني بالقدر نفسه الذي يبديه نتنياهو أو ربما أكثر، بالنظر إلى خبرته العسكرية السابقة وقيادته للمنطقة الشمالية، لكنه قد يكون مستعداً في ظروف معينة للعودة إلى منطقة أمنية بعمق ثمانية كيلومترات.
ويعكس هذا الموقف، بحسب طرحه، خبرته العسكرية، إذ يرى أن منطقة بعمق ثمانية كيلومترات ستكون كافية لمنع حزب الله من إطلاق صواريخ مضادة للدروع نحو الأراضي الإسرائيلية، بخلاف المطالبة بمنطقة أوسع لا تقدم فائدة عسكرية إضافية واضحة وقد تكون مدفوعة باعتبارات سياسية أكثر.
لكن آيزنكوت يشعر بقلق بالغ مما يقول إنه وجود نحو ألفي مقاتل من حزب الله في جنوب لبنان، رغم التوغل العميق للجيش الإسرائيلي في المنطقة.
ويأمل أن تتمكن المساندة السياسية والعسكرية الأميركية والفرنسية من دفع الجيش اللبناني إلى مواجهة حزب الله بصورة أكثر حزماً.
وفرنسا ليست الدولة الأوروبية الوحيدة التي يريد آيزنكوت ترميم العلاقات معها.
فبحسب آيزنكوت، تعد فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا حلفاء أساسيين لإسرائيل وينبغي التعامل معهم على هذا الأساس.
وقليل من المسؤولين في حكومة نتنياهو يشيرون إلى أن فرنسا وبريطانيا عرضتا قواتهما للخطر لاعتراض صواريخ باليستية إيرانية عدة مرات خلال عام 2024، لكن آيزنكوت يعتقد أن على إسرائيل أن تعمل بصورة أكبر على إعادة رفع مستوى العلاقات مع هذه الدول، حتى عندما تنتقد إسرائيل أحياناً.
كما يعتقد أن وصول حكومة جديدة بقيادته، تكون منفتحة على مناقشة مبادرات السلام، سيؤدي إلى خفض مستوى الانتقادات الأوروبية إلى مستويات أكثر «اعتيادية» كتلك التي كانت سائدة قبل 7 أكتوبر.
ومع ذلك، قد لا يكون آيزنكوت قد أدرك بالكامل حجم التحدي الذي ظهر في هذا المجال بعد حرب غزة.
فهو يرى أن تشجيع السياحة والأعمال حتى مع دول باتت شديدة العداء لإسرائيل، مثل إسبانيا وأيرلندا، قد يساعد على استعادة العلاقات السابقة.
لكن في مثل هذه الدول قد يواجه واقعاً أكثر صعوبة، إذ إن الانتقادات الموجهة لإسرائيل تتعلق في جزء منها بخطوات اتخذها الجيش الإسرائيلي في غزة بدعم واسع داخل إسرائيل، وهي خطوات كان آيزنكوت نفسه مؤيداً لها، ولا تقتصر على سياسات نتنياهو وحده.
ومع ذلك، فإنه يتعامل مع الواقع ببراغماتية.
فآيزنكوت يقول بوضوح إن مسار التطبيع مع السعودية متوقف في المستقبل المنظور.
ويدرك أن السبب لا يقتصر على مطالبة السعودية بإقامة دولة فلسطينية، وهو خيار لا يحظى حالياً إلا بتأييد نسبة صغيرة من الإسرائيليين، بل يرتبط أيضاً بالتباعد بين مواقف الطرفين إزاء حرب غزة.
فقبل أسابيع من 7 أكتوبر، كانت السعودية تتحدث عن قرب التطبيع في سياق طموحها للاستفادة من النموذج الاقتصادي والتكنولوجي الإسرائيلي، لكن كثيراً من السعوديين صُدموا من شدة الحرب الإسرائيلية على حماس وطول أمدها، والتي دمرت الغالبية العظمى من مباني غزة وأدت، مقارنة بحروب غزة السابقة، إلى مقتل عدد غير مسبوق من مقاتلي حماس والمدنيين.
ويدرك آيزنكوت أن الفجوة الأيديولوجية والهوياتية بين البلدين، وطريقة نظر كل منهما إلى العالم بعد 7 أكتوبر، أصبحت واسعة إلى حد يجعل تجاوزها يتطلب وقتاً أطول بكثير.
وفي هذه الأثناء، سيركز على تحسين العلاقات مع مصر والأردن والإمارات ودول خليجية أخرى، وهي دول يرى أن نتنياهو إما تجاهلها أو دخل معها في صدامات غير ضرورية وغير منتجة.
وفي ما يتعلق بالأردن، فهو يؤيد السياج الذي بدأت حكومة نتنياهو بناءه في أوائل عام 2026 لتعزيز أمن الحدود. لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن إعادة العلاقات مع الأردن إلى مستويات ما قبل عام 2023 ستؤدي إلى قدر أكبر من التعاون والأمن، وربما تفوق أهميتها أهمية السياج نفسه.
ويعتقد آيزنكوت كذلك أنه بمجرد خروج نتنياهو من المشهد، وهو الذي باتت هذه الدول تعتبره مفرطاً في التصعيد ومزعزعاً للاستقرار، فإنها ستعود إلى النظر إلى إسرائيل باعتبارها شريكها الأمني الأفضل في مواجهة إيران.
العنف في الضفة الغربية يعود إلى صدارة العناوين
ربما يتعلق أكبر اختلاف سياسي بين آيزنكوت ونتنياهو بالضفة الغربية.
فكلاهما يتبنى موقفاً متشدداً في ملاحقة ما تصفه إسرائيل بالإرهاب الفلسطيني.
لكن آيزنكوت يتهم نتنياهو، من خلال تمكين بن غفير وسموتريتش وتعيين دافيد زيني رئيساً لجهاز الشاباك، بتحويل الضفة الغربية إلى بؤرة للعنف الذي يمارسه متطرفون يهود ضد فلسطينيين أبرياء.
وإذا أصبح رئيساً للوزراء، فلن يكتفي آيزنكوت باستبدال بن غفير وسموتريتش، وعلى الأرجح زيني نفسه، بل سيتراجع أيضاً عن التغييرات السياسية الرئيسية التي نفذوها، والتي يعتبر أنها مهدت الطريق أمام متطرفين يهود فوضويين لنشر الفوضى والعنف.
فقد تراجع بن غفير عن سياسة استمرت عقوداً كانت تمنح شرطة الضفة الغربية صلاحية اعتقال ومحاكمة المتطرفين اليهود العنيفين بسبب مهاجمة الفلسطينيين أو مضايقتهم.
وحتى قبل بن غفير، لم تكن الشرطة تؤدي هذه المهمة بالكفاءة المطلوبة، لكن التدهور بلغ مستويات حادة للغاية، وآيزنكوت أوضح أنه سيعمل على عكس هذا المسار.
ومن العناصر الأقل وضوحاً، لكنها جزء من الصورة، وجود أكثر من 100 مزرعة غير قانونية سمح سموتريتش بانتشارها في أنحاء الضفة الغربية، بما في ذلك مناطق متنازع عليها.
وقال آيزنكوت إنه سيعيد سلطة اتخاذ القرارات في هذه المسائل إلى مسؤولي الجيش المهنيين غير السياسيين، وسيمنع أعضاء الحكومة السياسيين من امتلاك أي صلاحية في هذا الملف.
كما سيتخذ قراراً غير معتاد بإقالة زيني خلال ولايته، رغم أن رئيس الشاباك لم يبدأ مهامه إلا في أكتوبر 2025 وعُيّن لولاية قياسية مدتها خمس سنوات.
لكن نتنياهو كان قد أجبر رونين بار، سلف زيني، على مغادرة منصبه قبل نهاية ولايته. وبحسب آيزنكوت، فإن تصرفات زيني، بما في ذلك إضعاف وحدة الشاباك المختصة بالعنف اليهودي إلى جانب مشكلات أخرى يحمّله مسؤوليتها، ابتعدت بما يكفي عن السياسات التقليدية للجهاز بما يجعل بقاءه في منصبه أمراً غير مرجح.
وعلى النقيض من ذلك، من المرجح أن يعين آيزنكوت رئيساً جديداً للشاباك يعمل على تعزيز الوحدة المختصة بمتابعة العنف اليهودي.
وسيعيد آيزنكوت كذلك تشجيع استخدام الاعتقال الإداري ضد المتطرفين اليهود العنيفين.
ورغم أن عدد اليهود الخاضعين للاعتقال الإداري يكون غالباً صفراً ونادراً ما يتجاوز أعداداً محدودة جداً، فإنه مقتنع بأن الاستخدام العرضي لهذه الأداة يشكل عنصر ردع يمنع المتطرفين من تنفيذ عدد من الأفعال التي يقومون بها حالياً ضد الفلسطينيين.
وفي يناير 2025، أصبح وزير الدفاع يسرائيل كاتس أول وزير منذ عقود يلغي الاعتقال الإداري لليهود، في حين استمر استخدامه بحق أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني.
ورفض كاتس التراجع عن قراره رغم انتقادات صدرت حتى عن شخصيات أميركية مؤيدة لإسرائيل، بينها السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، الذي اتهم كاتس والحكومة الإسرائيلية الحالية بالفشل في منع ما وصفه بـ«الإرهاب اليهودي».
وفي المحصلة، يتوقع آيزنكوت أن تحتاج عملية تنفيذ التغييرات الكبرى الأولية اللازمة لإعادة السياسات السابقة داخل الشرطة والجيش والشاباك إلى فترة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر، على أن تتبعها فترة أطول لضمان استقرار الوضع على المدى البعيد.
وبالطبع، فإن كل ذلك يعتمد على ما سيحدث في 27 أكتوبر2026يوم انتخابات الكنيست.
لماذا لا تزال واشنطن تسيء فهم إيران؟
رويا إيزادي
• هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)
دخلت الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران شهرها السادس. وعلى الرغم من الحملة الواسعة والمستمرة التي استهدفت تصفية القيادات السياسية والعسكرية الإيرانية وشلّ هرم السلطة، لم تستسلم الحكومة الإيرانية. كما واصلت القوات المسلحة الإيرانية شنّ ضربات انتقامية بالطائرات المسيّرة والصواريخ، مستهدفة القوات الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.
في الأسابيع الأولى من الحرب، توقّع مسؤولون في واشنطن والقدس أن يشهدوا انهيار الحكومة الإيرانية، ولا سيما بعد أن أسفرت الضربات الأميركية والإسرائيلية عن مقتل شخصيتين إيرانيتين بارزتين. ويبدو أن الحسابات آنذاك قامت على افتراض أن الحكومة الإيرانية لا تتمتع سوى بقاعدة دعم محدودة داخل البلاد، وأن الاحتجاجات المناهضة للحكومة ستتولى إكمال المهمة وإسقاط الجمهورية الإسلامية القائمة منذ ما يقرب من خمسين عاماً.
غير أن أبحاث العلوم السياسية تشير إلى أن المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين ارتكبوا خطأين جوهريين. أولهما أنهم تعاملوا مع الإيرانيين في المهجر المؤيدين للحرب، والذين يتظاهرون في شوارع تورونتو أو لوس أنجلوس أو ميونيخ، كما لو أنهم يمثلون إيران نفسها. وثانيهما أنهم نظروا إلى إيران ما بعد الثورة باعتبارها نظاماً مشابهاً لعراق صدام حسين أو ليبيا معمّر القذافي، حيث كان إسقاط الزعيم كفيلاً عملياً بقطع رأس النظام نفسه. وبعد أشهر من الحرب، لا تزال الافتراضات المعيبة ذاتها تؤثر في النقاشات المتعلقة بالسياسات المتبعة.
إيران نظام سلطوي تنافسي نشأ بعد الثورة
كيف يمكن فهم إيران اليوم؟ وُلدت الجمهورية الإسلامية من رحم واحدة من أكثر الثورات الشعبية تأثيرً في القرن العشرين. وعلى خلاف العديد من الحكومات السلطوية في المنطقة وخارجها، التي جاءت نتيجة انقلابات عسكرية، نشأت الجمهورية الإسلامية عن حركة ثورية جماهيرية نجحت في تعبئة ملايين الإيرانيين المنتمين إلى شرائح اجتماعية متنوعة.
وتختلف الحكومات الثورية اختلافاً جوهرياً عن الأنظمة التي تنشأ بفعل انقلابات تعيد ترتيب النخب الحاكمة. فهي ترث مؤسسات وشبكات والتزامات أيديولوجية تشكّلت خلال النضال الثوري. ولذلك تتمتع هذه الحكومات بدرجة مرتفعة من التغلغل الاجتماعي والتماسك المؤسسي، كما يظهر أيضاً في أمثلة مثل الصين وكوبا وفيتنام. وغالباً ما تكون الأنظمة الثورية من أكثر أنماط الأنظمة قدرة على البقاء، على الرغم من ضعف أدائها الاقتصادي والضغوط العدائية التي تتعرض لها من قوى خارجية.
ومن هذا المنطلق، يصبح من المضلل تحليل إيران وفق المعايير ذاتها المستخدمة لفهم الأنظمة السلطوية التي نشأت نتيجة انقلابات عسكرية. فمثل هذه الأنظمة غالباً ما تكون شديدة الهشاشة، لأنها قامت أساساً على استيلاء الجيش على السلطة وتعتمد بدرجة كبيرة على ائتلاف حاكم ضيق. أما النظام السياسي الإيراني الذي نشأ بعد عام ١٩٧٩، فقد بُني من خلال عملية ثورية غيّرت بصورة جوهرية مؤسسات الدولة وعلاقة القيادة الجديدة بالمجتمع.
ويُعد فهم هذا الاختلاف ضرورياً لتفسير سبب عدم ترجيح أن تؤدي الاستراتيجيات التي أثبتت فاعليتها ضد الأنظمة السلطوية في ليبيا أو العراق إلى النتيجة نفسها في إيران.
لماذا تستطيع إيران حشد مؤيدي الحكومة بسرعة؟
تتمثل إحدى نقاط قوة الجمهورية الإسلامية في قدرتها التنظيمية. فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، بنت الحكومة بنية تحتية واسعة تتيح لها حشد مؤيديها في مختلف أنحاء البلاد. ولا يعتمد حكم الجمهورية الإسلامية على الإكراه وحده، بل يستند أيضاً إلى شبكات متجذرة في دور العبادة والجامعات والجهاز البيروقراطي الحكومي، وتُستخدم هذه الشبكات لتنظيم المظاهرات والمناسبات التذكارية وغيرها من الفعاليات العامة.
وتمنح هذه المنظمات الحكومة القدرة على حشد أعداد كبيرة من المؤيدين بسرعة كلما شعرت بوجود تهديدات سياسية أو خارجية، بما في ذلك الاحتجاجات المناهضة لها. فعلى سبيل المثال، عقب موجات كبرى في أعوام ١٩٩٩ و٢٠٠٩ و٢٠١٨ و٢٠١٩ و٢٠٢٢، ومؤخراً في يناير/كانون الثاني ٢٠٢٦، شهدت أنحاء البلاد مسيرات واسعة مؤيدة للحكومة. وتمثل هذه التجمعات مؤشرات علنية إلى وجود دعم شعبي للحكومة في أوقات الأزمات.
وغالباً ما يميل المحللون وصانعو السياسات خارج إيران إلى إغفال هذه القدرة التنظيمية. كما أن الأصوات المناهضة للحكومة داخل أوساط الإيرانيين في المهجر تهيمن في كثير من الأحيان على النقاش العام الأوسع بشأن السياسة الإيرانية. وهو ما يدفع بعض المراقبين إلى استنتاج أن الإيرانيين داخل البلاد يعارضون الجمهورية الإسلامية بصورة شبه موحدة.
وبطبيعة الحال، لا يعني ذلك أن الجمهورية الإسلامية تحظى بتأييد الأغلبية، لكنه لا يعني كذلك أنها لا تواجه معارضة كبيرة.
وتشير أبحاث استطلاعات الرأي، على سبيل المثال، إلى أن الحكومة الإيرانية تمتلك قاعدة اجتماعية واسعة. ففي استطلاع وطني تمثيلي أجريته في إيران عام ٢٠٢٤، أيد ٣٠٪ فقط من المشاركين تغيير النظام، في حين فضّل ٥٧٪ إجراء إصلاحات تدريجية، وفضّل ١٣٪ الإبقاء على الوضع القائم.
وفي الآونة الأخيرة، أجرى عالم السياسة دانيال تافانا وزملاؤه استطلاعاً وطنياً تمثيلياً باستخدام ما يعرف بـ«تجربة القائمة المدمجة»، وهي منهجية مصممة لتقليل الدوافع التي قد تدفع المشاركين إلى إخفاء آرائهم السياسية الحساسة. ووجد الباحثون أن ٥٧٪ من المشاركين عبّروا عن دعمهم للجمهورية الإسلامية عند سؤالهم بصورة مباشرة، لكن نسبة الدعم المقدّرة انخفضت إلى ٤٧٪ عندما أتاحت لهم تجربة القائمة قدراً أكبر من إخفاء هوياتهم ومواقفهم.
وبعبارة أخرى، حتى بعد احتساب ظاهرة إخفاء التفضيلات الحقيقية، ظل نحو نصف المشاركين يعبرون عن دعمهم للحكومة.

ماذا تكشف لنا الانتخابات والاحتجاجات؟
تشير نتائج الانتخابات بدورها إلى أن الجمهورية الإسلامية ما زالت تحتفظ بقاعدة جماهيرية كبيرة. ففي الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٢١، على سبيل المثال، أدلى نحو ٢٣.٩ مليون إيراني بأصواتهم لصالح المرشحين الرئيسيين الثلاثة، أي ما يعادل ٤٨٪ من الناخبين، فيما اختار أكثر من ٢٢ مليون شخص مرشحين غير إصلاحيين.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن أبرز المرشحين الإصلاحيين كانوا قد استُبعدوا من السباق، كما أن المشاركة في الانتخابات لا تعني بالضرورة تأييد الحكومة.
لكن إلى أي مدى يمتد هذا التأييد؟ خلال السنوات الأخيرة، أدت الانتكاسات الاقتصادية وردود الفعل الرافضة لقواعد اللباس الصارمة المفروضة على النساء إلى سلسلة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة الإيرانية.
إلا أن الاحتجاج لا يترجم بالضرورة إلى تأييد لتغيير النظام، كما أنه لا توجد ضمانة بأن الإيرانيين سوف ينتفضون أثناء تدخل عسكري أجنبي ويتولون بأنفسهم «إكمال المهمة».
وتشير مجموعة واسعة من أبحاث العلوم السياسية إلى أن التهديدات الخارجية تؤدي عادة إلى ظاهرة «الالتفاف حول العلم»، أي توحّد الرأي العام خلف الدولة أو القيادة في مواجهة الخطر الخارجي، حتى في الأنظمة السلطوية. بل إن العقوبات الأميركية على إيران أسفرت بالفعل عن هذا التأثير.
وتساعد هذه الديناميكيات السياسية في تفسير سبب عدم تحقق التنبؤات التي تحدثت عن انهيار وشيك للنظام الإيراني.
الجمهورية الإسلامية تتمتع ببنية مؤسسية قوية على نحو خاص
من أبرز الأخطاء التي يرتكبها المراقبون من خارج إيران التعامل معها وكأنها نظام شخصاني بالكامل يخضع لسيطرة المرشد الأعلى وحده.
صحيح أن المرشد الأعلى هو أعلى سلطة سياسية ودينية في البلاد والقائد الأعلى للقوات المسلحة، إلا أن الجمهورية الإسلامية تُدار من خلال شبكة معقدة من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية. كما تتأثر عملية صنع القرار بالهيئات المنتخبة، ومؤسسات الرقابة، والفصائل السياسية المتنافسة، والمؤسسة الأمنية، والنخبة الدينية، فضلاً عن جهاز بيروقراطي واسع.
وعلى امتداد تاريخ الجمهورية الإسلامية، اضطر المرشدون الأعلى مراراً إلى مراعاة مصالح التيارات المتنافسة والتكيّف مع الوقائع السياسية.
ولا يمكن وصف الانتخابات الرئاسية في إيران بأنها حرة أو نزيهة بالكامل، إذ يتولى مجلس صيانة الدستور التدقيق في المرشحين قبل السماح لهم بخوض السباق. ومع ذلك، تبقى الانتخابات الإيرانية تنافسية.
وتتيح الانتخابات البرلمانية، على وجه الخصوص، للناخبين مكافأة ممثليهم أو معاقبتهم بناءً على أدائهم في تأمين الموارد والخدمات العامة وتحقيق التنمية المحلية.
ويصف علماء السياسة إيران بأنها «نظام سلطوي تنافسي يضم مراكز متعددة للسلطة. ولهذا التعقيد المؤسسي تداعيات مهمة على قدرة النظام على الصمود.
فمن غير المرجح أن يؤدي القضاء على رأس القيادة إلى انهيار النظام، لأن السلطة متجذرة في بنية مؤسسية أوسع. وقد صُممت هذه المؤسسات بطريقة تتيح إعادة إنتاج القيادة وضمان استمرارية النظام.
ويساعد ذلك في تفسير قدرة إيران على الصمود بعدما أدت الهجمات الأميركية والإسرائيلية إلى مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في أواخر فبراير/شباط.
دور الإسلام الشيعي في الاستراتيجية العسكرية الإيرانية
يشكل الشيعة غالبية السكان في إيران، ولهذه الحقيقة انعكاسات مهمة على السياسة. ففي الفكر الشيعي، نُظر تاريخياً إلى السلطة الشرعية باعتبارها علاقة أخلاقية وعضوية تربط القائد بالجماعة، وترتكز على الهداية والحماية.
وفي صميم عقيدة الحكم في الجمهورية الإسلامية، القائمة على مبدأ *ولاية الفقيه*، يقع مفهوم *الولاية*، الذي يحمل معاني القرب والحماية والصداقة.
ومن هذا المنظور، يتطلب فهم العلاقة بين القوات المسلحة الإيرانية والسلطة السياسية تجاوز التصور الغربي التقليدي للعلاقات المدنية-العسكرية، والذي يفترض أن المؤسسة العسكرية تخضع أساساً لهياكل قيادة رسمية والتزامات مهنية.
ففي إيران، تستند العلاقة بين القادة السياسيين والقادة العسكريين والجنود أيضاً إلى الولاء الديني وإلى إحساس روحي بالواجب والتضحية يتجاوز الرتبة والتسلسل الهرمي العسكري.
وثقافة الشهادة، على سبيل المثال، متجذرة في الذاكرة الشيعية المرتبطة بمعركة كربلاء في القرن السابع الميلادي، حيث تُصوَّر التضحية دفاعاً عن قضية عادلة باعتبارها مصدراً للسلطة الأخلاقية.
وخلال ثمانينيات القرن الماضي، حولت الحرب الإيرانية-العراقية هذه السردية الدينية إلى تجربة معيشة بالنسبة إلى جيل من القادة الذين انتقلوا لاحقاً إلى مواقع داخل المؤسسات العسكرية والسياسية الإيرانية.
وأنتجت الحرب ذاكرة جماعية رسّخت قيم التضحية والصمود والمقاومة داخل بنية صنع القرار العسكري في البلاد. وتساعد روح المقاومة هذه، جزئياً، في تفسير القدرة الواضحة للقوات المسلحة الإيرانية على تحمّل مستويات مرتفعة من الخسائر.
والخلاصة الأساسية هنا هي أن إيران تمتلك مؤسسات وشبكات وقوات عسكرية تتمتع بقدر كبير من الصلابة، وبقدرة على استيعاب خسائر استثنائية تفوق ما يفترضه كثيرون.
ومن المهم أيضاً التذكير بأن هذه الخسائر قد تدفع الإيرانيين العاديين إلى التقارب أكثر مع حكومتهم.
زاوية تلخيص كتاب:
تلخيص دراسي وشامل لكتاب: كارل ماركس والديمقراطية
تأليف: المفكر والكاتب مازن الحسيني | دراسة تحليليّة ونقديّة موسّعة في النظرية والتطبيق
كارل ماركس والديمقراطية العنوان الكامل
مازن الحسيني (قيادي ومفكر ماركسي فلسطيني) المؤلف
المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية (رام الله - 2008) جهة النشر
دراسة أيديولوجية وفلسفية وتاريخية مقارنة في المفهوم الماركسي للديمقراطية طبيعة العمل


- - 1. المقدمة والمدخل التحليلي العام
يمثل كتاب «كارل ماركس والديمقراطية» للمؤلف والمفكر السياسي الفلسطيني مازن الحسيني أحد أهم المساهمات الفكرية العربية المعاصرة التي تصدت لإعادة قراءة وتفكيك العلاقة الإشكالية والمعقدة بين الفكر الماركسي ومفهوم الديمقراطية. ينطلق الكاتب من إشكالية جوهرية مفادها أن النظرة السائدة للديمقراطية الماركسية في الخطاب السياسي المعاصر تعاني من تشويه مزدوج ومتقابل: تشويه متنوّر من قبل الخصوم والأيديولوجيين الليبراليين الذين صوروا الماركسية كعقيدة شمولية استبدادية تأصل لقمح الحريات وإلغاء التعددية، وتشويه اختزالي جامد من قبل بعض التيارات الاشتراكية والسطحية التي حولت المفهوم الماركسي عن «ديكتاتورية البروليتاريا» إلى وصفة سلطوية قاطعة ومطلقة خارج السياق التاريخي".
يسعى مازن الحسيني في هذا العمل التفكيكي والنقدي إلى «رد الاعتبار» للمشروع الفكري والسياسي لكارل ماركس، مشدداً على أن ماركس لم يكن خصماً للديمقراطية، بل كان ينشد ديمقراطية جذرية ومباشرة تتجاوز الأشكال الشكليّة والإجرائية للديمقراطية البرجوازية الليبرالية. يرى الحسيني أن الديمقراطية الحقيقية في الفلسفة الماركسية تعني «سيادة الشعب الفعلية» والتحرر الشامل للإنسان، وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل هيمنة العلاقات الإنتاجية الرأسمالية والتفاوت الطبقي البنيوي الذي يفرغ صندوق الاقتراع من محتواه الفعلي.
«إن الديمقراطية الليبرالية البرجوازية توفر المساواة السياسية أمام القانون، لكنها تتغاضى عن عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل من هذه المساواة مجرد وهم شكي. الديمقراطية عند ماركس ليست مؤسسات معزولة، بل هي عملية تحرر اجتماعي واقتصادي وشاملة.» — مازن الحسيني

2. - السياق التاريخي والسياق المنهجي للكتاب
أولاً: السياق التاريخي لظهور الكتاب والتجربة الاشتراكية
جاء إصدار هذا الكتاب عن المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية في مرحلة تحول تاريخية فارقة، إثر انهيار المنظومة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي شرق أوروبا، وسيادة خطابات «نهاية التاريخ» التي روّجت للنموذج الليبرالي الغربي باعتباره الذروة النهائية للتطور البشري. في هذا المناخ الفكري، يعيد الحسيني طرح السؤال الأساسي: هل كان الفشل السوفيتي نتاجاً متأصلاً في النظرة الماركسية للديمقراطية، أم أنه كان انحرافاً ونكوصاً عن الأصول النظرية التي أرسى قواعدها كارل ماركس وفريدريك إنجلز؟
ثانياً: المنهج المادي التاريخي والجدلي
اعتمد الحسيني في تفكيكه لكتابات ماركس على المنهج المادي الجدلي والتاريخي. يوضح الكاتب أن ماركس لم يقدم نصوصاً جاهزة أو وصفات معلبة حول شكل الدولة الديمقراطية المستقبلية، لأن مشروعه الفكري كان يركز بالأساس على نقد وتفكيك النمط الرأسمالي للإنتاج ومؤسساته السياسية. كما أن ماركس لم يكتمل مشروعه الفكري عن «الدولة» بسبب وفاته البيولوجية، مما ترك مساحة من الاجتهاد والـتأويل فتحت الباب للتطبيقات البيروقراطية لاحقاً.
- 3. المحاور الفكرية والأطروحات الرئيسية للكتاب
المحور الأول: نقد الديمقراطية الليبرالية البرجوازية
حلل الحسيني برؤية عميقة كيف نظر ماركس إلى الديمقراطية البرجوازية التي نبعت من الثورات الرأسمالية الكبرى (مثل الثورة الفرنسية وحرب الاستقلال الأمريكية) .يقر ماركس بإن الديمقراطية البرجوازية مثلت خطوة تقدمية هائلة في التاريخ البشري مقارنة بالنظم الإقطاعية والملكية المطلقة، حيث حررت الفرد قانونياً وأرست قيم المواطنة والدستور.
ولكن نقد ماركس يتجلى في كشف التناقض البنيوي بين «المواطن السياسي» في الدولة و«الفرد الاقتصادي» في المجتمع المدني. فبينما يتمتع المواطن بالحرية والمساواة أمام القانون في المجال السياسي الشكلي، ينغمس نفس هذا الفرد في علاقات استغلال واحتكار وتبعية اقتصادية حادة في واقع الحياة اليومية. ومن ثم، تصبح الحرية الليبرالية مجرد حرية شكلية تحمي الملكية الخاصة وتشرعن نفوذ الطبقة الرأسمالية الحاكمة.
المحور الثاني: مفهوم الإغتراب البشري والتحرر السياسي والاجتماعي
يعود الكاتب إلى كتابات ماركس المبكرة، وتحديداً «مسألة اليهود» (On the Jewish Question) ونقد لفلسفة الحق عند هيجل." يقدم الحسيني تحليلاً دقيقاً للتمييز الماركسي بين"التحرر السياسي" و" التحرر الإنساني الشامل ." فالتحرر السياسي الذي حققته الثورات البرجوازية يفصل الدولة عن المجتمع المدني، بينما التحرر الإنساني الحقيقي يتطلب دمج المواطن في المجتمع وحل التناقض بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وهو ما يتطلب إلغاء ملكية أجهزة الإنتاج الطبقية.
المحور الثالث: المفهوم الإشكالي لـ «ديكتاتورية البروليتاريا»
يخصص الكاتب قسماً كبيراً لإعادة القراءة السليمة لمفهوم «ديكتاتورية البروليتاريا.. يوضح الحسيني أن كلمة «ديكتاتورية» في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر في الأدبيات السياسية الأوروبية لم تكن تعني الاستبداد الفردي أو السلطوية البيروقراطية بالمعنى المعاصر، بل كانت تعني السلطة السياسية الاستثنائية لطبقة معينة.
ففي الوقت الذي تعتبر فيه الديمقراطية البرجوازية -حسب ماركس- بمثابة «ديكتاتورية الطبقة الرأسمالية"لأنها تسخر أجهزة الدولة لحماية مصالح الأقلية المالكة، فإن «ديكتاتورية البروليتاريا» تتجسد في سلطة الأغلبية الساحقة من العمال والشغالين. ولذلك فإن ديمقراطية العمال هي أعلى وأوسع بكتير من ديمقراطية رأس المال، لأنها تضمن سيادة الأغلبية وتضع الموارد المادية تحت إشراف المجتمع المباشر.
المحور الرابع: كومونة باريس (1871) والنموذج العملي للديمقراطية المباشرة
يرى مازن الحسيني أن تجربة «كومونة باريس» عام 1871 كانت الاختبار العملي والوحيد الذي رأى فيه ماركس تجسيداً ملموساً لشكل سلطة الطبقة العاملة. لقد استخلص ماركس من تجربة الكومونة أبعاداً ديمقراطية جذريّة تتلخص في:
-1. إلغاء الجيش النظامي والشرطة وقمع الأجهزة القمعية والاستعاضة عنها بالشعب المسلح.
2. -إخضاع كافة المسؤولين والقضاة والموظفين للانتخاب المباشر مع القابلية للعزل في أي وقت.
3. -ألا يتجاوز أجر أي موظف حكومي أو مسؤول سياسي متوسط أجر العامل الماهر، لمنع بروز طبقة بيروقراطية ممتازة.
-4. دمج السلطتين التشريعية والتنفيذية في هيئة واحدة عاملة تتولى التشريع والتنفيذ في آن واحد.
4. - القراءات النقدية والتحذيرات التاريخية )روزا لوكسمبورغ والتطبيقات السوفيتية(
لم يكتفِ مازن الحسيني بالعرض النظري لأفكار ماركس، بل اشتبك بجرأة نقديّة مع التطبيقات التاريخية للسياسات الماركسية في القرن العشرين. ويتوقف الكاتب عند التحذيرات المبكرة التي وجهتها المفكرة والقيادية الماركسية روزا لوكسمبورغ للينين والحزب البلشفي عقب ثورة أكتوبر 1917.
حذرت لوكسمبورغ من أن مصادرة الحريات السياسية وحرية الصحافة والتجمع، وإلغاء المؤسسات التمثيلية لصالح سلطة الحزب الواحد، ستؤدي حتماً إلى تحول «ديكتاتورية البروليتاريا» إلى «ديكتاتورية الحزب»، ثم «ديكتاتورية اللجنة المركزية»، وأخيراً إلى «ديكتاتورية الفرد البيروقراطي"" يرى الحسيني أن المتغيرات التاريخية أثبتت صحة رؤية لوكسمبورغ، حيث أدى تحنيط الفكر الماركسي وهيمنة البيروقراطية السوفيتية إلى اغتيال الديمقراطية الاجتماعية التي كان يناضل ماركس من أجلها.
مقارنة تحليليّة بين أشكال الديمقراطية في كتاب الحسيني
الديمقراطية الاشتراكية (عند ماركس) الديمقراطية الليبرالية البرجوازية وجه المقارنة
ترتكز على الملكية الاجتماعية لأدوات الإنتاج وإلغاء الاستغلال ترتكز على الملكية الخاصة والسوق الحر وتكريس التفاوت الطبقي الأساس الاقتصادي
حرية إنسانية شاملة واقتصادية واجتماعية عملية حرية سياسية قانونية شكلية (مواطنة برلمانية) طبيعة الحرية
ديمقراطية مباشرة، انتخاب وعزل موظفي الدولة، دمج السلطات تمثيل نيابي موسمي وفصل صور بين السلطات آلية الحكم والسيادة

5. الخاتمة والاستنتاجات الأساسية دراسياً
يخلص كتاب"كارل ماركس والديمقراطية"لمازن الحسيني إلى مجموعة من التوصيات والمفاهيم الجوهرية التي تشكل إضافة نوعية للمكتبة السياسية العربية:
1. - عدم التضاد بين الماركسية والديمقراطية:** الديمقراطية ليست اختراعاً برجوازياً احتكارياً، بل هي نتاج كفاح تاريخي طويل الشعوب. الماركسية تسعى لتطوير الديمقراطية وتعميقها لتشمل المجالين الاقتصادي والاجتماعي إلى جانب المجال السياسي.
2. - نقد البيروقراطية الشمولية:** الديكتاتورية الشمولية التي شهدتها بعض التجارب الاشتراكية لم تكن تطبيقاً دقيقاً لفكره، بل كانت تشويهاً وتنكراً لمبدأ «سيادة الشعب» والرقابة العمالية المباشرة.
3. - الراهنية والفائدة الحديثة:** تظل رؤية ماركس النقدية للديمقراطية الليبرالية ذات أهمية قصوى في فهم الأزمات المعاصرة للنظم الرأسمالية العالمية، والتي تشهد تزايد الهيمنة لأصحاب رأس المال والتأثير الحاد لشركات على الإرادة الشعبية.
إن دراسة كتاب مازن الحسيني تفتح الباب أمام الباحثين لإعادة قراءة الفكر الاشتراكي بوعي نقدي، وتحرير المفاهيم الماركسية من الأيدولوجيات الجامدة، والتأسيس لرؤية تقدمية تدمج بين العدالة الاجتماعية والحريات الديمقراطية الاصيلة.
















موقع الحزب على (الحوار المتمدن):
https://www.ahewar.org/m.asp?i=9135
•

• تاريخ الانشاء : 2017 / 2 / 24

• المشاركات - 97 -
• عدد زوار موقع الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي 782,882
•
في يوم 20آبأغسطس2026
عدد زوار موقع الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي : 795.793
•
في يوم 20أيلولسبتمبر2026
صفحتنا على الفيسبوك:

facebook.com/scppb.org
موقعنا على الانترنت:
www.scppb.org




#الحزب_الشيوعي_السوري_-_المكتب_السياسي (هاشتاغ)       The_Syrian_Communist_Party-polit_Bureau#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسار 115
- المسار 114
- المسار 113
- المسار 112
- المسار العدد 111
- المسار العدد 110
- المسار 109
- البرنامج السياسي - 2026
- المسار- العدد 85
- المسار- العدد 84
- المسار 81
- المسار 79
- المسار- العدد 72
- المسار- العدد 71
- المسار- العدد 70
- المسار- العدد 69
- المسار- العدد 68
- المسار- العدد 67
- المسار- العدد 66
- المسار- العدد 65


المزيد.....




- نتنياهو يكشف هوية -البطل الحقيقي- على رحلة -فلاي دبي-
- مسح رسمي: تراجع معدلات ختان الإناث في مصر
- فيديو يحبس الأنفاس.. إنقاذ راكب مصري قبل سقوطه أسفل عجلات قط ...
- تعليق رحلات -فلاي دبي- إلى إسرائيل
- -سترون أمورا ستحدث قريبا جدا-.. ترامب يتوعد إيران ويؤكد السي ...
- بورنهام يؤكد وجود -مؤشرات قوية- على ضلوع إيران في الحادث الأ ...
- انقطاع الكهرباء في مناطق واسعة بدمشق وريفها جراء انفجارات في ...
- انسحاب أمريكي من العراق يعزز نفوذ إيران
- زاخاروفا: أي هجوم أوروبي على روسيا سيؤدي لصراع قصير جدا.. نس ...
- الإمارات تفتح تحقيقا في الحادث الأمني على متن رحلة فلاي دبي ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي - المسار 116