أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صالح بوزان - مبدأ الاندماج والصراع حوله (من يريد إفشال التفاهم الكردي مع دمشق؟)















المزيد.....

مبدأ الاندماج والصراع حوله (من يريد إفشال التفاهم الكردي مع دمشق؟)


صالح بوزان

الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 22:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس كل من يعارض مسار الاندماج بين القوى الكردية الرئيسية والحكومة السورية ينطلق من الموقع السياسي نفسه، ولا يسعى إلى الهدف ذاته. فهناك من يريد إفشاله لإعادة الكرد إلى وضعهم السابق تحت سلطة البعث، وهناك من يحلم بإفشاله لفتح الطريق أمام استقلال كردستان، وهناك طرف ثالث لا يعنيه نجاح الاندماج أو فشله بقدر ما يعنيه أن يكون له مقعد على طاولة المفاوضات، حتى لو لم يعد يمتلك من القوة السياسية والجماهيرية ما يؤهله للجلوس إليها.
هذه ثلاثة أطراف تختلف في منطلقاتها وشعاراتها، لكنها تلتقي، بوعي أو من دونه، عند نتيجة واحدة: عرقلة مسار سياسي قد يفتح أمام الشعب الكردي فرصة تاريخية لانتزاع حقوقه القومية والديمقراطية، عبر التفاوض والنضال السلمي، وفي إطار سوريا موحدة تتسع لجميع مكوناتها.
الحالمون بإعادة الكرد إلى زمن البعث
لا يزال هناك تيار عربي، يضم بقايا من حزب البعث ومناصريه، وعناصر من البيئة السياسية والفكرية التي احتضنت داعش والإخوان المسلمين، وبعض المنتمين سابقاً إلى جبهة النصرة المنحلة، يتعامل مع القضية الكردية بعقلية الإنكار والإقصاء. هؤلاء لم يستوعبوا بعد أن سوريا تغيرت، وأن الكرد لم يعودوا ذلك الطرف الذي يمكن تجريده من حقوقه بجرة قلم، أو إخضاعه بسياسات التخويف والقمع والتعريب.
لقد راهن هؤلاء على أن يؤدي الاندماج بين القوى الكردية الرئيسية والحكومة السورية في دمشق إلى تفكيك القوة السياسية والعسكرية الكردية، وإعادة الشعب الكردي إلى المربع الذي كان فيه قبل الثورة السورية: شعب محروم من الاعتراف بحقوقه القومية، وخاضع لسلطة مركزية لا ترى في وجوده السياسي سوى مشكلة أمنية ينبغي التخلص منها.
لكن الرياح لم تجرِ كما اشتهت سفنهم.
فبدلاً من الخطاب العدائي الذي كانوا ينتظرونه من دمشق، وجدوا أن الخطاب الرسمي للحكومة السورية يتجنب العداء للكرد، بل يسعى في بعض الأحيان إلى كبح جماح الأصوات المتشددة في صفوف مؤيديها. وبدلاً من أن يكون الاندماج إعلاناً لهزيمة الطرف الكردي، بدأت تظهر خطوات نحو الاعتراف الرسمي ببعض الحقوق الكردية، وإن كانت لا تزال دون مستوى المطالب القومية المشروعة للشعب الكردي.
والأكثر إزعاجاً لهؤلاء أن القيادة الكردية لا تتصرف بعقلية المهزوم، ولا تدخل المفاوضات باعتبارها طرفاً يستجدي العطف من دمشق، بل باعتبارها قوة سياسية واجتماعية وعسكرية راكمت خبرة طويلة خلال سنوات الصراع، وأصبحت تدرك أن التفاوض ليس نقيضاً للنضال، بل إحدى أدواته الأساسية.
كما أن الحضور السياسي المتزايد لقيادات كردية، وفي مقدمتها الجنرال مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية سابقاً، والسيدة إلهام أحمد، إحدى أبرز الشخصيات السياسية في الإدارة الذاتية، في اللقاءات الإقليمية، وفي العلاقات مع الدول الأوروبية، يبدد أوهام الذين تصوروا أن الاندماج سيعني عزل الكرد سياسياً، وإخراجهم من معادلة التوازنات السورية والإقليمية.
ومن هنا يمكن فهم جانب من محاولات إثارة التوترات في الحسكة ورأس العين وتل أبيض. فالقوى المتشددة التي لا تريد اعترافاً حقيقياً بالكرد تجد في تأجيج النزاعات القومية وسيلة لتسميم الأجواء وإفشال التقارب بين المكونات السورية.
إن هدف هذه القوى ليس الدفاع عن وحدة سوريا كما تدّعي، بل إعادة إنتاج الوحدة القسرية التي فرضها البعث، حيث كانت الدولة ملكاً للسلطة، والوطن حكراً على قومية واحدة، والحقوق القومية لبقية المكونات تهمة تستدعي الملاحقة والعقاب.
إنهم يريدون سوريا موحدة، ولكن بشرط أن يعود الكرد فيها إلى موقع الرعية، لا أن يصبحوا شركاء متساوين في الوطن.
قوميون كرد يراهنون على إفشال الاندماج
على الضفة الأخرى، تظهر مفارقة لا تقل غرابة. فهناك عدد محدود من الشخصيات السياسية والثقافية والناشطين الكرد الذين يلتقون عملياً مع المتشددين المعادين للحقوق الكردية في رفض مسار الاندماج، وإن اختلفت دوافعهم وأهدافهم.
هؤلاء يعتقدون أن إفشال التفاهم مع دمشق سيفتح الطريق أمام استقلال كردستان. لكنهم لا يقدمون برنامجاً سياسياً جدياً لتحقيق هذا الهدف، ولا يشرحون كيف يمكن تحويل الشعار إلى واقع في ظل التوازنات العسكرية والسياسية والديموغرافية القائمة، ومواقف الدول الإقليمية والدولية من مستقبل سوريا.
إنهم يرفعون سقف الشعارات إلى أقصاه، لكنهم يعجزون عن تقديم الخطوة العملية الأولى للوصول إليه.
فما هي القوى التي ستنجز الاستقلال؟ وأين توجد التحالفات الدولية والإقليمية القادرة على حمايته؟ وما الوسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تضمن استمراره؟ وكيف سيتعاملون مع الواقع السكاني المتداخل في شمال وشرق سوريا؟
لا إجابات لديهم. هناك فقط شعارات كبيرة، وخطاب انفعالي، واتهامات جاهزة لكل من يختار طريقاً سياسياً مختلفاً.
لقد تحول الفضاء الإعلامي، بالنسبة إلى بعض هؤلاء، إلى بديل عن الميدان السياسي والاجتماعي. فمن السهل إعلان الاستقلال في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن السهل توزيع شهادات الوطنية والخيانة على الآخرين، لكن من الصعب بناء مشروع سياسي قابل للحياة، يستند إلى موازين القوى الفعلية وإرادة المجتمع ومصالحه.
وهذه هي مأساة السياسة عندما تنفصل عن الواقع: تصبح الشعارات بديلاً عن البرامج، والمزايدات بديلاً عن العمل، والصراخ بديلاً عن امتلاك أدوات التأثير.
وليس المطلوب من أحد التخلي عن قناعته بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره. فهذا حق لا يلغيه التفاوض ولا الاندماج. لكن الفارق كبير بين الدفاع عن حق مشروع، وبين تحويله إلى شعار مجرد لا يمتلك أصحابه تصوراً عملياً لتحقيقه.
إن القضية ليست قضية من يرفع الشعار القومي بأعلى صوت، بل من يستطيع أن يحقق للشعب الكردي حقوقاً فعلية على الأرض.
أخوة الشعوب ليست أخوة الحكام
لعل أكثر ما يكشف فقر الخطاب السياسي لدى بعض معارضي الاندماج هجومهم الشرس على مبدأ «أخوة الشعوب»، وتصويره وكأنه تنكّر للهوية القومية الكردية أو تنازل عن الحقوق الوطنية.
وبلغ سوء الفهم لدى بعضهم حدَّ اعتبار أخوة الشعوب دعوة إلى الأخوة مع أحمد الشرع أو رجب طيب أردوغان، وكأن الشعوب تختزل في حكامها، وكأن العلاقات التاريخية والاجتماعية والثقافية بين المجتمعات تتغير كلما تغير رئيس أو تبدلت حكومة.
هذا الخلط ليس مجرد خطأ في التعبير، بل يكشف عجزاً عن التمييز بين الدولة والسلطة والشعب.
فأخوة الشعوب لا تعني أخوة الزعماء، ولا تعني التصالح مع سياسات القمع والإنكار، ولا تعني التنازل عن الحقوق القومية تحت شعار التعايش. إنها، في جوهرها، اعتراف بحقيقة تاريخية وجغرافية واجتماعية لا يستطيع أحد إلغاءها: شعوب المنطقة تعيش في فضاء متداخل، ولا يمكن لأي منها أن تمحو وجود الأخرى أو تعيش بمعزل عنها.
للتاريخ حكمه، وللجغرافيا حكمها، وللثقافة حكمها. وهذه حقائق أقوى من الخطابات القومية المنغلقة، وأبقى من الأنظمة السياسية والحكومات العابرة.
والأخوة الحقيقية بين الشعوب لا تقوم على إنكار الاختلافات، بل على الاعتراف بها واحترامها. ولا تتحقق بإذابة قومية في أخرى، بل بإقامة علاقات قائمة على المساواة والحقوق المتبادلة والمصالح المشتركة.
أما الاستدلال بسلوك بعض رؤساء العشائر العربية في الحسكة، أو بعض المجموعات المستوطنة في رأس العين وتل أبيض، لإعلان فشل مبدأ أخوة الشعوب، فهو استنتاج يفتقر إلى أبسط قواعد الفهم السياسي والاجتماعي.
فهل يعني وجود قوى عربية متعصبة أن الشعب العربي كله معادٍ للكرد؟ وهل يعني ظهور ممارسات شوفينية أن التعايش بين الشعبين أصبح مستحيلاً؟ وهل يُحاكم مبدأ سياسي تقدمي بسلوك القوى التي تحاربه أصلاً؟
لو كان الأمر كذلك، لوجب التخلي عن الديمقراطية بسبب وجود الاستبداد، وعن المساواة بسبب استمرار التمييز، وعن العدالة لأن الظلم لم يختفِ من العالم.
إن المبادئ التقدمية لا تولد في مجتمعات خالية من التناقضات، بل تنشأ أساساً لمواجهة تلك التناقضات وتغيير الواقع الذي أنتجها.
ولذلك، فإن الممارسات الشوفينية ضد الكرد لا تثبت فشل أخوة الشعوب، بل تكشف مدى الحاجة إلى ترسيخها على أسس صحيحة، وفي مقدمتها الاعتراف الصريح بالحقوق القومية الكردية، ومحاربة التمييز والتحريض، وإقامة مؤسسات تحمي المساواة بين المواطنين والمكونات.
فأخوة الشعوب ليست بديلاً عن الحقوق القومية، بل لا يمكن أن تتحول إلى حقيقة من دون ضمان تلك الحقوق.
ومن المفارقات أن بعض الذين يرفعون شعار استقلال كردستان يتعاملون مع أخوة الشعوب وكأنها تهديد للوجود القومي الكردي، مع أن أي مشروع سياسي كردي، سواء داخل سوريا أو خارجها، لن يستطيع النجاح من دون إقامة علاقات سلمية ومتوازنة مع الشعوب المجاورة.
فالقومية التي لا تستطيع التعايش مع الآخرين ليست مشروعاً للتحرر، بل وصفة لإنتاج عزلة جديدة وصراعات لا تنتهي.
طرف كردي ينتظر أن يمنحه الآخرون دوراً
هناك طرف كردي ثالث يتمثل في بعض القوى السياسية الكردية التقليدية التي تقلص نفوذها خلال سنوات الأزمة السورية، حتى بات حضورها في المعادلة السياسية أضعف بكثير من حضورها في بياناتها وتصريحاتها الإعلامية.
لقد مرت سوريا بتحولات تاريخية كبرى، وتغيرت موازين القوى، ونشأت مؤسسات سياسية وعسكرية وإدارية جديدة، وبرزت قيادات اكتسبت تأثيرها من خلال دورها الفعلي في الأحداث. لكن هذا الطرف الثالث ظل أسير تصورات قديمة عن مكانته، وكأن الزمن توقف عند اللحظة التي كان فيها يمتلك قدراً من الحضور السياسي.
إنه يشبه قشة حملها تيار النهر إلى حافة الشاطئ، بينما واصل النهر جريانه.
والأغرب أن هذا الطرف لا يقيس أهمية الأحداث بنتائجها على مستقبل الشعب الكردي، بل بمقدار حضوره الشخصي فيها. فإذا لم يُدعَ إلى اجتماع، أو لم يُمنح مقعداً في مفاوضات، أو لم يُستشر في خطوة سياسية، تحول الحدث كله، مهما بلغت أهميته، إلى موضوع للتشكيك والتقليل من قيمته.
إنها عقلية لا تسأل: ماذا سيحصل عليه الشعب الكردي من هذا الاتفاق؟ بل تسأل أولاً: أين موقعنا نحن من هذا الاتفاق؟
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية.
فلا يمكن لأي قوة سياسية أن تستعيد دورها بمجرد مطالبة الآخرين بالاعتراف بها. الشرعية السياسية لا تُمنح بقرار من المنافسين، ولا يمكن تعويض غياب التأثير الجماهيري بسلسلة من الاعتراضات والبيانات.
من يريد أن يكون فاعلاً عليه أن يمتلك أدوات الفعل: قاعدة جماهيرية، وبرنامجاً سياسياً، ومبادرات واقعية، وقدرة على التأثير في مجرى الأحداث.
أما انتظار أن يقوم الآخرون بكل العمل، ثم مطالبتهم بتخصيص حصة سياسية لمن وقف خارج العملية، فليس ممارسة سياسية جادة، بل تعبير عن عجز عن التكيف مع التحولات.
والأسوأ أن يتحول الشعور بالتهميش إلى موقف سلبي من أي إنجاز كردي لم يكن هذا الطرف شريكاً في صنعه.
فليس من حق أي حزب أو شخصية سياسية أن يجعل من غيابه عن طاولة المفاوضات سبباً لرفض ما قد يتحقق للشعب الكردي من حقوق ومكاسب.
الاندماج ليس استسلاماً.. والتفاوض ليس هزيمة
وسط هذه المواقف المتناقضة، تضيع أحياناً الحقيقة الأساسية: الاندماج ليس قيمة بحد ذاته، ولا ينبغي التعامل معه بوصفه هدفاً نهائياً. إن قيمته تتحدد بما يحققه للشعب الكردي ولعموم السوريين من حقوق وضمانات ومشاركة فعلية في إدارة الدولة.
فالاندماج الذي يعيد إنتاج المركزية الاستبدادية، ويلغي الخصوصيات القومية والثقافية، ويفرض التبعية السياسية والعسكرية دون ضمان الحقوق، ليس حلاً للقضية الكردية، مهما كانت الشعارات التي تزينه.
أما الاندماج القائم على الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية، وضمان المشاركة السياسية، وحماية اللغة والثقافة الكرديتين، وإيجاد صيغة عادلة للإدارة المحلية وتوزيع الصلاحيات والثروات، فإنه يمكن أن يشكل انتقالاً تاريخياً من الصراع المسلح إلى التسوية السياسية.
وهذا هو المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به نتائج التفاوض مع دمشق، لا المواقف المسبقة ولا الشعارات الانفعالية.
كما أن الثقة بمسار التفاوض لا تعني منح الحكومة السورية صك براءة مفتوحاً، ولا تعفيها من مسؤولية إثبات التزاماتها بالأفعال والضمانات القانونية والدستورية، لا بالتصريحات وحدها.
فحقوق الشعوب لا تُصان بالنوايا الحسنة، بل بالمؤسسات والقوانين والضمانات التي تحول دون العودة إلى سياسات الإنكار والقمع.
وفي المقابل، فإن التخلي عن المسار السلمي لمجرد وجود عقبات أو ممارسات عدائية، دون امتلاك بديل أفضل وقابل للتنفيذ، لا يمثل موقفاً ثورياً، بل قد يتحول إلى مغامرة يدفع الشعب الكردي ثمنها.
لقد أثبتت التجارب أن امتلاك القوة العسكرية لا يكفي وحده لتحقيق الأهداف السياسية، كما أن التفاوض لا يحقق شيئاً إذا لم يستند إلى قوة اجتماعية وسياسية قادرة على الدفاع عن المكاسب ومنع التراجع عنها.
ومن هنا فإن القوة الحقيقية للقيادة الكردية لا تكمن في استمرار المواجهة إلى ما لا نهاية، ولا في تقديم التنازلات المجانية، بل في قدرتها على تحويل ما راكمته من تضحيات وتجارب ونفوذ إلى حقوق ثابتة ومكاسب سياسية لا يمكن إلغاؤها بتغير الحكومات.
الصراع الحقيقي على مستقبل سوريا
في نهاية المطاف، لا يدور الصراع حول الاندماج وحده، بل حول طبيعة سوريا التي ستنشأ من هذه التحولات.
هل ستكون سوريا دولة لجميع شعوبها ومكوناتها، أم ستعود دولة تهيمن فيها قومية واحدة على بقية القوميات؟ هل ستُبنى الوحدة الوطنية على الشراكة والاعتراف المتبادل، أم على الإخضاع وفرض الأمر الواقع؟ وهل ستصبح الحقوق القومية والديمقراطية أساساً للاستقرار، أم ستبقى ملفات مؤجلة تنتظر انفجار أزمة جديدة؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية التي ينبغي أن تشغل القوى السياسية الكردية والعربية والسريانية وغيرها، بدلاً من تحويل الخلافات إلى حروب إعلامية لا تنتج سوى المزيد من التوتر.
إن المتشددين العرب الذين يحلمون بإعادة الكرد إلى زمن البعث يخوضون معركة خاسرة أمام التحولات التاريخية، حتى لو استطاعوا عرقلة بعض خطواتها. والقوميون الكرد الذين يكتفون بإعلان الاستقلال من وراء الشاشات لن يحولوا الأمنيات إلى حقائق بمجرد تكرارها. أما القوى التي فقدت تأثيرها وتنتظر أن يمنحها الآخرون دوراً، فلن تستعيد حضورها ما لم تنتقل من الاعتراض العقيم إلى الفعل السياسي الحقيقي.
لكن نجاح مسار الاندماج ليس مضموناً سلفاً. فهو يتطلب إرادة سياسية واضحة من دمشق، وموقفاً كردياً متماسكاً، وضمانات دستورية ومؤسساتية، ومواجهة جادة لكل أشكال التحريض القومي والانتقام والإقصاء.
إن مسؤولية القوى الكردية اليوم ليست إثبات من هو الأكثر تشدداً في خطابه، بل تحديد من هو الأقدر على حماية الحقوق القومية وتحويلها من مطالب تاريخية إلى واقع سياسي وقانوني مستقر.
كما أن مسؤولية الحكومة السورية ليست مطالبة الكرد بإثبات وطنيتهم من خلال التخلي عن خصوصيتهم القومية، بل إثبات أن سوريا الجديدة قد قطعت فعلاً مع عقلية البعث وممارساته.
فالاندماج الحقيقي لا يعني إذابة الكرد في الدولة، بل إعادة بناء الدولة بحيث تتسع للكرد ولغيرهم، بوصفهم شركاء في الوطن، لا ضيوفاً فيه.
ومن يريد إفشال هذا المسار، سواء بدافع الشوفينية أو المزايدة القومية أو الحسابات الحزبية الضيقة، عليه أن يجيب عن سؤال واحد: ما البديل الواقعي الذي يقدمه للشعب الكردي، وما الثمن الذي سيدفعه هذا الشعب مقابل ذلك البديل؟
فالشعوب لا تعيش على الشعارات، ولا تُقاس الانتصارات بعدد البيانات والتصريحات، وإنما بما يتحقق على الأرض من حرية وكرامة وحقوق وضمانات للمستقبل.
وفي السياسة، كما في التاريخ، لا تكفي الرغبة في تغيير الواقع؛ لا بد من امتلاك القدرة على تغييره.



#صالح_بوزان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هولير، بين منطق الفعل السياسي وعقلية المحاصصة
- نحو بنية جديدة للعقل السياسي الكردي
- مسيرة ألف ميل تبدأ من تحت قدميك
- تجربة روجافا ومشروع الاندماج
- روجا إلى أين؟
- ما بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية
- الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران
- سوريا نحو تيه مظلم
- اتفاقية الجنرال مظلوم عبدي وأحمد الشرع الأخيرة
- لماذا خان شيوخ العشائر الكرد؟
- لماذا خانت أمريكا قسد؟
- وهم الانتصار
- قراءة في مبادرة أوجلان للسلام
- مشروع الأمة الديمقراطية
- سوريا أمام مفترق حاسم: إما إسقاط الجولاني أو السير نحو دمار ...
- حزب العمال الكردستاني يحرق سلاحه
- دعوة أوجلان للسلام والمجتمع الديمقراطي
- العقل الكردي المعطَّل
- الاسلام وتبعية العقل الكردي
- ما حقيقة قوات بيشمركه روجافا..؟


المزيد.....




- وزير الصحة السوري تعليقا على الغارات الأردنية: لا يمكن حماية ...
- بوتين يؤكد تطور التعاون مع قطر وأميرها يعول على دور روسيا في ...
- الانتخابات الإسرائيلية.. رفض تمديد التصويت والاقتراع يتجه لك ...
- سيول جارفة تفاجئ المسافرين في مصر والسلطات ترفع حالة الطورائ ...
- إدارة ترامب تدرس رفع العقوبات المفروضة على صندوق الاستثمار ا ...
- روسيا تفرض عقوبات على مدراء مؤسسات عسكرية بريطانية
- لافروف: مسلحون أوكرانيون يخططون بدعم غربي لتنفيذ أعمال إرهاب ...
- مصر تصدر بيانا رسميا بعد إعلان إسرائيل اجتياز مصري للحدود
- 134 مليار طن من الجليد الساحلي تذوب خلال عقد واحد!
- حكومة إسرائيل المقبلة.. حرب إيران أولوية


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صالح بوزان - مبدأ الاندماج والصراع حوله (من يريد إفشال التفاهم الكردي مع دمشق؟)