أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صالح بوزان - مشروع الأمة الديمقراطية















المزيد.....

مشروع الأمة الديمقراطية


صالح بوزان

الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 04:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في منتدى السليمانية الأخير، تحدث السيد صالح مسلم، القيادي في حزب الاتحاد الديمقراطي السوري، وذكر في كلمته: "نحن لا نسعى إلى الفدرالية أو الحقوق القومية، بل نطالب باللامركزية الديمقراطية في سوريا". وقد أثارت هذه العبارة ردود فعل متعددة لدى العديد من المثقفين والنشطاء الكرد، تراوحت بين قراءات سطحية وساذجة، وأخرى فكرية وجادة تستحق الاهتمام والتأمل.
من الضروري الإشارة، وبحسب معرفتي الشخصية بالسيد صالح مسلم، إلى أنه ليس منظّراً فكرياً بالمعنى الدقيق، بل مؤمن بعمق بفكر عبد الله أوجلان. وعليه، فإن من يرغب في نقد أطروحات صالح مسلم، عليه أن يعود إلى المنبع الفكري ذاته أي إلى مؤلفات عبد الله أوجلان.
إن مصطلحات مثل "أخوة الشعوب" و"الأمة الديمقراطية" و"اللامركزية الديمقراطية" و«الكونفدرالية الديمقراطية"، هي مفاهيم مستحدثة في الفكر السياسي والفلسفي صاغها عبد الله أوجلان منذ عام 2005 في كتابيه "مانيفستو الحضارة الديمقراطية" و"الأمة الديمقراطية". وبالتالي فهي لا تمتلك جذوراً في القاموس السياسي الكلاسيكي قبل تلك المرحلة.
الفرق بين الدولة القومية والأمة الديمقراطية
أولاً. الدولة القومية تفرض هوية واحدة على السكان، غالباً من خلال اللغة الرسمية والدين، مما يؤدي مع الزمن إلى تهميش الهويات الأخرى وصهرها. أما الأمة الديمقراطية فترى في التعددية مصدر قوة، وتعترف بحق كل مكون في الحفاظ على لغته وثقافته ودينه.
ثانياً. الدولة القومية ترتكز على جهاز مركزي (برلمان، جيش، مؤسسات أمنية) يفرض سلطته من الأعلى إلى الأسفل. في المقابل، تقوم الأمة الديمقراطية على الكومينات والمجالس المحلية، حيث يُمارس القرار بشكل مباشر من المجتمع نفسه، وفق صيغة الديمقراطية المباشرة.
ثالثاً. في الدولة القومية تُختصر المشاركة غالباً في النخب الحزبية أو الأكثرية السكانية من حيث القومية أو الدين. أما في الأمة الديمقراطية فالمشاركة مفتوحة أمام جميع المكونات الاجتماعية، بما في ذلك الفئات المهمشة تاريخياً.
رابعاً. في الدولة القومية يبقى دور المرأة غالباً ثانوياً أو تابعاً، بينما في الأمة الديمقراطية تُعد مشاركة المرأة شرطاً أساسياً لتحقيق الديمقراطية.
خامساً. التجربة التاريخية للدولة القومية تؤكد على إذابة الأقليات في هوية الغالبية المسيطرة أو تهميشها سياسياً وثقافياً. أما الأمة الديمقراطية فترى في المختلف شريكاً متساوياً، وتبني نظاماً قائماً على الاعتراف بالتنوع.
سادساً. الدولة القومية تجعل من الدولة مركز الوجود، والفرد تابع لها. بينما تنطلق الأمة الديمقراطية من المجتمع باعتباره الأساس، وتؤكد أن الحياة المشتركة ممكنة حتى دون وجود دولة قومية.
سابعاً. هدف الدولة القومية هو بناء كيان سياسي موحد يخدم مصلحة قومية واحدة، في حين تسعى الأمة الديمقراطية إلى إقامة مجتمع حر، عادل، بيئي، قائم على المساواة والتعددية. وبالمختصر، فإن الأمة الديمقراطية تتجاوز مفهوم السلطة القومية نحو حياة مجتمعية ديمقراطية.
بحسب قراءتي لكتب عبد الله أوجلان ومعرفتي الشخصية بالسيد صالح مسلم، يمكن القول إنهما ينتميان إلى خلفية ماركسية ولم ينقلبا بشكل كامل على الفكر الماركسي. ومن هذا المنطلق سأناقش أفكار أوجلان حول "الأمة الديمقراطية"، وسيكون ذلك جواباً غير مباشر على ما طرحه السيد صالح مسلم في هذا السياق.
أولاً: الوعي والواقع في الفلسفة الماركسية
يؤكد علم الاجتماع الماركسي والفلسفة الماركسية أن الوعي هو انعكاس للواقع الاقتصادي والاجتماعي وليس العكس. أي أن الفكر لا يخلق الواقع، بل يتشكل انطلاقاً منه. ومن ثم، فإن أي فكر لا ينطلق من الواقع الاجتماعي والاقتصادي العياني سيبقى فكراً خيالياً، قد يكون جميلاً من الناحية النظرية، ولكنه غير قابل للتطبيق العملي، ويشبه أحلام الشعراء.
هذا ما حدث مع معظم المفكرين الذين صاغوا تصورات عن الجمهوريات والمدن الفاضلة عبر التاريخ. فهناك ما لا يقل عن تسعة أعمال كبرى في هذا المجال: جمهورية أفلاطون ((380 ق.م، و(المدينة الفاضلة للفارابي (942م) و( يوتوبيا لتوماس مور (1516م) و(مدينة الشمس لتوماس كامبانيلا 1623م) و(أطلنطس الجديدة لفرانسيس بيكون (1627م)، و(العقد الاجتماعي لروسو 1762م)، بالإضافة إلى أطروحات سان سيمون وفورييه حول الاشتراكية الطوباوية.
ومن عناوين هذه المؤلفات يمكن إدراك أنها وليدة الخيال المثالي أكثر من كونها نتاجاً للواقع. ولهذا السبب لم يسعَ أحد إلى تطبيقها بشكل عملي. وقد اعتبر ماركس وإنجلز هذه المشاريع الفكرية طوباوية.
ثانياً: شروط التغيير الاجتماعي
لا تحدث التحولات الكبرى في المجتمعات البشرية بفضل أفكار مفكر أو زعيم سياسي أو قائد عسكري بمفرده. إنما يتطلب التغيير توافر شروط فكرية واقتصادية واجتماعية متراكمة، تجعل استمرار البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة أمراً مستحيلاً. وهنا يأتي دور القائد في إدراك هذه اللحظة التاريخية ليقود عملية التغيير، ليس بفضل "عبقريته الفردية" فقط، بل عبر قراءته الموضوعية للشروط المادية.
وأعتقد أن السيد أوجلان والسيد صالح مسلم مطلعان على الفلسفة الماركسية، وبالتحديد "المادية التاريخية"، التي تشرح هذا الأمر بمنهج علمي.
ثالثاً: دور القوى الاجتماعية
أي تغيير اجتماعي يحتاج، إضافة لما سبق، إلى قوى اجتماعية قادرة على حمل مشروع التحول. ففي الثورة الفرنسية لعبت البرجوازية الدور الحاسم، بينما في الثورة الاشتراكية كان الدور الأساسي للطبقة العاملة والفلاحين والجنود.
وبالتالي، فإن نجاح أي مشروع يتوقف على وجود قاعدة اجتماعية واسعة تتلاقى مصالحها مع أهداف هذا المشروع.
انطلاقاً مما سبق، يمكن إعادة النظر في نظرية أوجلان حول "الأمة الديمقراطية"، وطرح الأسئلة التالية:
1. هل الواقع الاقتصادي والاجتماعي في بلدان الشرق الأوسط، ولا سيما في تركيا، وإيران، والعراق وسوريا، مهيأ لمثل هذه الثورة الفكرية والاجتماعية الكبرى؟
أعتقد أن الجواب سيكون "لا" لدى أي مفكر أو سياسي موضوعي.
2. ما هي القوى الاجتماعية التي من مصلحتها تبني هذا المشروع؟
الغالبية السكانية في هذه الدول، وهي صاحبة النفوذ السياسي والاجتماعي، تعارضه بشكل مباشر أو غير مباشر. بينما المطالبون به هم من الأقليات القومية والدينية المضطهدة. وحتى بين هذه الأقليات لا يتوافر دائماً الوعي الكافي لاستيعاب أهمية مشروع "الأمة الديمقراطية".
إن القاعدة الشعبية للأحزاب الكردية التي تتبنى هذا المشروع، مثل حزب العمال الكردستاني، وحزب المساواة والديمقراطية، وحزب الاتحاد الديمقراطي، تُظهر أن الغالبية من أنصارها، وإن رددوا شعار الأمة الديمقراطية، إلا أنهم في الجوهر يطالبون بكيان قومي كردي متميز عن القوميات التركية والفارسية والعربية. أما التحالفات القائمة حالياً في روجافا، فهي ليست تطبيقاً فعلياً لمفهوم الأمة الديمقراطية عند أوجلان، بقدر ما هي وسيلة لضمان الحقوق القومية والدينية والطائفية في مواجهة عنصرية الغالبية العربية والإسلامية السنية في سوريا.
من الملفت أن ملامح مشروع أوجلان حول "الأمة الديمقراطية" يمكن أن نجدها بشكل أوضح في المجتمعات الأوروبية، حيث التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي يوفر بيئة مناسبة لهذا التصور. أما في الشرق الأوسط، فإن الواقع لا يزال بعيداً جداً عن تحقيق مثل هذا المشروع. ويمكن القول إن المنطقة تحتاج إلى قرن كامل على الأقل من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية قبل أن تنشأ البيئة الملائمة لنجاحه.
الخاتمة
يتضح من خلال تحليل أطروحات عبد الله أوجلان ومداخلة السيد صالح مسلم أن مشروع "الأمة الديمقراطية" يمثل محاولة لتجاوز النموذج القومي التقليدي نحو رؤية تقوم على التعددية، اللامركزية، والمشاركة المباشرة. غير أن هذه الرؤية، على الرغم من طابعها التحرري، تصطدم بواقع اقتصادي واجتماعي وسياسي غير مهيأ بعد في بلدان الشرق الأوسط، حيث تغلب الانقسامات القومية والدينية وهيمنة الدولة المركزية.
فمن منظور ماركسي، يبقى الوعي انعكاساً للواقع الاجتماعي والاقتصادي، ما يعني أن أي مشروع لا يستند إلى شروط مادية متراكمة سيظل أقرب إلى الطوباوية. وبينما تشكل أوروبا نموذجاً أكثر تقارباً مع ملامح "الأمة الديمقراطية"، فإن الشرق الأوسط يحتاج إلى مسار تاريخي طويل لتكوين قاعدة اجتماعية واسعة قادرة على تبني هذا التحول.
وعليه، يمكن القول إن مشروع الأمة الديمقراطية يحمل قيمة فكرية وأخلاقية مهمة، لكنه يظل مرهوناً بمدى توفر الشروط الموضوعية التي تجعل من الممكن الانتقال من التنظير إلى التطبيق.



#صالح_بوزان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوريا أمام مفترق حاسم: إما إسقاط الجولاني أو السير نحو دمار ...
- حزب العمال الكردستاني يحرق سلاحه
- دعوة أوجلان للسلام والمجتمع الديمقراطي
- العقل الكردي المعطَّل
- الاسلام وتبعية العقل الكردي
- ما حقيقة قوات بيشمركه روجافا..؟
- لنتحاور بعيداً عن المقدسات
- ماذا في حديث جميل بايك..؟
- الصبينة السياسية كردياً
- الدكتور برقاوي -دفاعاً عن العرب-
- قليل من التفكير العقلاني كردياً
- سعيد كاباري لك الرحمة
- لنوقف هذا الجهل حتى لا يتحول إلى كارثة
- (خيارات الكورد الصعبة في سوريا وسط معطيات معقّدة)
- ما أصعب مواجهة الحقيقة (حول مقال الدكتور آزاد علي: نقد الروم ...
- نيجرفان برزاني رئيساً
- الحركة الكردية السورية بين أربيل وقنديل
- الاسلام مشكلتنا وليس مشكلة الغرب - القسم الثالث
- الاسلام مشكلتنا وليس مشكلة الغرب- القسم الثاني
- الاسلام مشكلتنا وليس مشكلة الغرب - القسم الأول


المزيد.....




- سوريا.. أحمد الشرع يشعل تفاعلا بجملة قالها لأهل حمص خلال زيا ...
- قبل زيارته إلى الصين.. ماذا قال بوتين عن جهود موسكو وبكين لب ...
- تحليل لـCNN: ترامب-حاضرا- رغم عدم مشاركته في اجتماع لقادة ال ...
- محكمة الاستئناف الأمريكية تقضي بعدم قانونية بعض الرسوم الجمر ...
- الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا ينمو بنسبة 0,3% في وقت تواجه ...
- -المبادرة الفلسطينية- تطالب بنقل الجلسة الأممية بشأن فلسطين ...
- مكالمة هاتفية مسربة تطيح بحكم رئيسة وزراء تايلاند
- زيلينسكي: روسيا حشدت 100 ألف جندي في شرق أوكرانيا
- مأساة غزة تصل إلى بافاريا التاريخية بألمانيا
- محكمة أمريكية: ترامب -استغل سلطات الطوارئ بشكل غير قانوني- ل ...


المزيد.....

- الحجز الإلكتروني المسبق لموسم الحنطة المحلية للعام 2025 / كمال الموسوي
- الأرملة السوداء على شفا سوريا الجديدة / د. خالد زغريت
- المدخل الى موضوعة الحوكمة والحكم الرشيد / علي عبد الواحد محمد
- شعب الخيام، شهادات من واقع احتجاجات تشرين العراقية / علي الخطيب
- من الأرشيف الألماني -القتال في السودان – ينبغي أن يولي الأل ... / حامد فضل الله
- حيث ال تطير العقبان / عبدالاله السباهي
- حكايات / ترجمه عبدالاله السباهي
- أوالد المهرجان / عبدالاله السباهي
- اللطالطة / عبدالاله السباهي
- ليلة في عش النسر / عبدالاله السباهي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صالح بوزان - مشروع الأمة الديمقراطية