أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صالح بوزان - نحو بنية جديدة للعقل السياسي الكردي















المزيد.....

نحو بنية جديدة للعقل السياسي الكردي


صالح بوزان

الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 00:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا أرى أن انحسار الوجود العسكري الأميركي في سوريا والعراق ينبغي أن يُقرأ بالضرورة بوصفه تهديدا وجوديا للقضية الكردية في أجزاء كردستان المختلفة. بل قد تشكل هذه المرحلة، على الرغم من المخاطر الأمنية والسياسية التي ترافقها، فرصة لإعادة النظر في أحد أكثر أنماط التفكير رسوخا في السياسة الكردية الحديثة، وهو التعويل المفرط على القوى الكبرى باعتبارها الضامن الخارجي لتحقيق الحقوق القومية والسياسية.
إذا كان القرن العشرون قد ترك بصمته العميقة على الثقافة السياسية الكردية من خلال الثورات المسلحة، والقيادات الحزبية والعائلية، والتحالفات مع القوى الخارجية، فإن القرن الحادي والعشرين يفرض واقعا مختلفا، ويحتاج بالتالي إلى تفكير مختلف أيضا.
لقد تغير العالم، وتبدلت موازين القوى، ولم تعد أدوات السياسة هي نفسها التي كانت سائدة في العقود الماضية. ومن هنا يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن بناء عقل سياسي كردي قادر على التعامل مع تحديات هذا القرن بأدوات المستقبل، لا بعقلية الماضي؟
يمكن تلخيص ملامح هذا التحول في مجموعة من المبادئ الأساسية.
من عقل الثورة إلى عقل السياسة
ارتبط جزء كبير من التاريخ السياسي الكردي، لعقود طويلة، بالكفاح المسلح. لكن السلاح، في عالم اليوم، لا ينبغي أن يكون الخيار الأول في معالجة المسألة الكردية.
فالحركات المسلحة قد تجد نفسها بسرعة جزءا من صراعات إقليمية ودولية أكبر منها، وقد تتحول أهدافها المحلية إلى أوراق في حسابات القوى الكبرى. ولا يعني ذلك تجاهل حق المجتمعات في حماية نفسها في الظروف الاستثنائية، وإنما يعني أن المشروع السياسي طويل الأمد يحتاج، قبل كل شيء، إلى التنظيم المدني، والعمل السياسي، والقانون، والمؤسسات، والانتخابات، والتعليم، والثقافة.
فالمكسب السياسي الذي يستند إلى قاعدة دستورية وقانونية واجتماعية راسخة يكون، في العادة، أكثر استقرارا من مكسب يعتمد على ميزان عسكري قد يتغير في أي لحظة.
من التبعية الخارجية إلى الاستقلال الاستراتيجي
لا يستطيع الكرد، مثل غيرهم، أن يعيشوا في عزلة عن العالم، ولا توجد ضرورة لمعاداة الولايات المتحدة أو أوروبا أو روسيا أو أي قوة إقليمية أخرى.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التعاون مع الخارج إلى اعتماد كامل عليه.
هناك فرق كبير بين أن يكون لديك شريك دولي، وبين أن يصبح مصيرك السياسي مرتبطا بقرارات ذلك الشريك. فالحكومات تتغير، والأولويات الدولية تتبدل، والاتفاقيات الأمنية قد تنتهي، والحليف الذي يحتاج إليك اليوم قد تتغير حساباته غدا.
لهذا ينبغي أن يكون الأساس هو بناء مؤسسات محلية قوية، قادرة على الاستمرار مهما تغيرت الإدارات في واشنطن أو موسكو أو غيرهما من العواصم. المطلوب، باختصار، هو الانتقال من الاعتماد على الحليف إلى إدارة العلاقة مع الشريك.
من عقلية الحزب إلى عقلية الدولة
ربما يكون هذا من أكثر التحولات أهمية وصعوبة. فالمؤسسة العامة يجب أن تكون ملكا للمجتمع، لا للحزب ولا للعائلة ولا للعشيرة. وينطبق ذلك بصورة خاصة على الجيش والأمن والقضاء والمال العام والإعلام الرسمي والعلاقات الخارجية.
لا يمكن المطالبة بدولة قوية أو بحكم ذاتي قوي، وفي الوقت نفسه إدارة المؤسسات القائمة بمنطق المحاصصة الحزبية.
الدولة لا تبدأ يوم إعلانها، بل يبدأ بناؤها في اللحظة التي تصبح فيها المؤسسة العامة أقوى من الحزب الذي يديرها.
توحيد المؤسسات لا توحيد الآراء
لا يحتاج المجتمع الكردي إلى حزب واحد، ولا إلى رأي سياسي واحد. فالمجتمع الحديث يحتاج إلى الاختلاف والتعدد والمنافسة السياسية. يمكن أن توجد أحزاب كثيرة، وبرامج مختلفة، ورؤى متعارضة. لكن التعدد الحزبي شيء، وازدواجية المؤسسات شيء آخر. يمكن أن توجد عشرة أحزاب، لكن لا ينبغي أن توجد عشرة جيوش. ويمكن أن تختلف الأحزاب في برامجها، لكن ينبغي أن يكون هناك قضاء واحد، ونظام مالي واحد، وإدارة عامة واحدة تخضع لقواعد واضحة ومعلنة.
ومن هنا يبدأ الفرق الحقيقي بين منطق الحزب ومنطق الدولة.
إعادة تعريف العلاقة مع الدول القائمة
يعيش الكرد اليوم ضمن دول ومجتمعات مختلفة في تركيا، والعراق، وإيران، وسوريا. ولكل ساحة من هذه الساحات تاريخها، وتركيبتها السكانية، ونظامها الدستوري، وظروفها السياسية الخاصة. ولهذا لا توجد وصفة سياسية واحدة يمكن نسخها وتطبيقها بالطريقة نفسها في جميع المناطق. كما أن العلاقة مع الدولة التي يعيش الكرد ضمن حدودها لا ينبغي أن تبقى أسيرة فكرة الصراع الدائم بين شعبين.
الهدف، قدر الإمكان، هو نقل الصراع من مواجهة وجودية بين الهويات إلى نزاع سياسي يمكن التفاوض حوله: حول الحقوق، والسلطات، واللغة، والإدارة، والثروة، والمشاركة السياسية. فالخلاف السياسي القابل للتفاوض يختلف جذريا عن صراع يُنظر إليه باعتباره معركة وجود لا نهاية لها.
الواقعية في تعريف الأهداف
من المشكلات التي تواجه الحركات القومية عموما وجود فجوة بين الخطاب الأقصى والقدرة الفعلية على تحقيقه. ولهذا يجب التفريق بين الحلم التاريخي والبرنامج السياسي الممكن في مرحلة معينة. فالحكم الذاتي ليس هو الفيدرالية، والفيدرالية ليست هي اللامركزية، والحقوق الثقافية واللغوية ليست هي الاستقلال، والمشاركة في السلطة ليست هي الانفصال عن الدولة. ولكل خيار من هذه الخيارات شروطه السياسية، والقانونية، والجغرافية، والدولية. والسياسة العقلانية لا تتمثل في رفع سقف الشعارات فقط، بل في معرفة ما يمكن تحقيقه الآن، وما يحتاج إلى وقت أطول، وما ينبغي أن يبقى موضوعا للنقاش المجتمعي في المستقبل.
بناء القوة الاقتصادية والعلمية
في القرن الحادي والعشرين، لا تقاس قوة المجتمعات بعدد المقاتلين وحده. فالقوة هي أيضا جامعة قوية، واقتصاد منتج، ومؤسسات بحثية، وإدارة فعالة، وتكنولوجيا، وثقافة، ورأس مال بشري قادر على المنافسة. والمجتمع الذي يمتلك تعليما متقدما، واقتصادا قويا، ومؤسسات مستقرة، تكون قدرته على حماية مصالحه وحقوقه أكبر. ولهذا فإن بناء الاقتصاد والعلم ليس ملفا منفصلا عن القضية السياسية، بل هو جزء أساسي من عناصر القوة السياسية نفسها.
استقلال السياسة الكردية عن الاصطفافات الجاهزة
ليس من الضروري أن يكون الموقف الكردي نسخة من موقف أي قومية أخرى أو أي جماعة دينية أخرى. وفي الوقت نفسه، ليس من المنطقي اتخاذ موقف معاكس للآخرين لمجرد الرغبة في الاختلاف عنهم. في القضايا الإقليمية والدولية، سواء تعلق الأمر بفلسطين وإسرائيل، أو إيران ودول الخليج، أو العلاقة بين روسيا والغرب، ينبغي أن تُبنى المواقف على قراءة سياسية للمصالح والحقوق والقانون الدولي والاعتبارات الإنسانية والأمنية. لا على التضامن القومي أو الديني وحده، ولا على معاداة هذا التضامن لمجرد معاداته. فالعرب ليسوا كتلة سياسية واحدة، والمسلمون ليسوا كتلة واحدة، وكذلك الكرد ليسوا كتلة سياسية متجانسة ذات رأي واحد.
الشرعية الداخلية قبل الاعتراف الخارجي
يمكن لدولة كبرى أن تساعد حركة سياسية، ويمكن لتحالف دولي أن يمنحها دعما عسكريا أو سياسيا أو دبلوماسيا. لكن الخارج لا يستطيع أن يصنع شرعية داخلية مستدامة. فالشرعية الحقيقية تُبنى من الداخل، من الانتخابات النزيهة، وتداول السلطة، وحرية الصحافة، واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، واحترام المعارضة، والمساواة بين المواطنين. وكلما ضعفت الشرعية الداخلية ازدادت حاجة السلطة إلى الحماية الخارجية، وكلما ازدادت هذه الحاجة أصبحت قدرتها على اتخاذ قرار مستقل أضعف. لذلك فإن الطريق إلى الاعتراف الخارجي يبدأ، في جانب كبير منه، ببناء الثقة والشرعية في الداخل.
من ذاكرة الخذلان إلى ثقافة التعلم
يحمل التاريخ الكردي تجارب كثيرة مع القوى الكبرى. بعضها انتهى بتحالفات، وبعضها انتهى بخيبات.
لكن السؤال الأكثر فائدة ليس: من خان من؟
السؤال الأهم هو: ماذا يمكن أن نتعلم من هذه التجارب؟
والدرس الأساسي في العلاقات الدولية واضح: الدول تتحرك، قبل كل شيء، وفق مصالحها، وهذه المصالح قد تتغير مع الزمن. وهذا ليس سلوكا مرتبطا بدولة بعينها، وليس استثناء أميركيا، أو روسيا، أو بريطانيا، أو فرنسيا، بل هو جزء متكرر من منطق العلاقات الدولية. ومن هنا، فإن المشكلة ليست في أن يتعامل الكرد مع القوى الدولية، بل في افتراض أن مصالح أي قوة خارجية ستظل متطابقة مع المصالح الكردية إلى الأبد.
خاتمة
ربما لا يحتاج العقل السياسي الكردي في القرن الحادي والعشرين إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم القوة نفسه.
فالقوة ليست سلاحا فقط، بل مؤسسات، واقتصاد، وتعليم، وقانون، وشرعية، ووحدة في المؤسسات لا في الآراء، وعلاقات دولية تقوم على المصالح لا على الرهان الدائم على الحلفاء، وواقعية سياسية تعرف الفرق بين ما نريده، وما نستطيع تحقيقه، وما يمكن أن نبنيه للمستقبل.
وربما يكون التحول الأكبر المطلوب هو الانتقال من ثقافة انتظار ما ستفعله القوى الكبرى إلى ثقافة السؤال: ماذا نستطيع نحن أن نبني بأنفسنا؟
فالشعوب التي تمتلك مؤسسات قوية، واقتصادا منتجا، وتعليما متقدما، وشرعية داخلية، تكون أكثر قدرة على حماية حقوقها، وأكثر قدرة على التعامل مع الآخرين من موقع الشراكة لا من موقع الارتهان.
ومن هنا قد تبدأ البنية الجديدة للعقل السياسي الكردي.



#صالح_بوزان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسيرة ألف ميل تبدأ من تحت قدميك
- تجربة روجافا ومشروع الاندماج
- روجا إلى أين؟
- ما بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية
- الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران
- سوريا نحو تيه مظلم
- اتفاقية الجنرال مظلوم عبدي وأحمد الشرع الأخيرة
- لماذا خان شيوخ العشائر الكرد؟
- لماذا خانت أمريكا قسد؟
- وهم الانتصار
- قراءة في مبادرة أوجلان للسلام
- مشروع الأمة الديمقراطية
- سوريا أمام مفترق حاسم: إما إسقاط الجولاني أو السير نحو دمار ...
- حزب العمال الكردستاني يحرق سلاحه
- دعوة أوجلان للسلام والمجتمع الديمقراطي
- العقل الكردي المعطَّل
- الاسلام وتبعية العقل الكردي
- ما حقيقة قوات بيشمركه روجافا..؟
- لنتحاور بعيداً عن المقدسات
- ماذا في حديث جميل بايك..؟


المزيد.....




- نتنياهو يكشف هوية -البطل الحقيقي- على رحلة -فلاي دبي-
- مسح رسمي: تراجع معدلات ختان الإناث في مصر
- فيديو يحبس الأنفاس.. إنقاذ راكب مصري قبل سقوطه أسفل عجلات قط ...
- تعليق رحلات -فلاي دبي- إلى إسرائيل
- -سترون أمورا ستحدث قريبا جدا-.. ترامب يتوعد إيران ويؤكد السي ...
- بورنهام يؤكد وجود -مؤشرات قوية- على ضلوع إيران في الحادث الأ ...
- انقطاع الكهرباء في مناطق واسعة بدمشق وريفها جراء انفجارات في ...
- انسحاب أمريكي من العراق يعزز نفوذ إيران
- زاخاروفا: أي هجوم أوروبي على روسيا سيؤدي لصراع قصير جدا.. نس ...
- الإمارات تفتح تحقيقا في الحادث الأمني على متن رحلة فلاي دبي ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صالح بوزان - نحو بنية جديدة للعقل السياسي الكردي