صالح بوزان
الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 20:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
قبل 2500 سنة قالها الحكيم الصيني لاو تسو في كتابه طاو:
Rêwîtiya hezar mîlî ji bin lingê te dest pêdike.
والخطوة الأولى خطاها السيد مظلوم عبدي بجرأة من قصر الشعب في دمشق لحلّ سوري للقضية الكردية.
أعتبر ما جرى بين الوفد الكردي والدولة السورية بالأمس إنجازاً تاريخياً للشعب الكردي في سوريا، وفي الوقت نفسه خطوة مهمة لمستقبل سوريا بوصفها وطناً مشتركاً لجميع مكونات الشعب السوري، بعيداً عن سياسات الإقصاء والإنكار والاستئثار التي ساهمت، على مدى عقود، في تعميق أزمات البلاد.
من الطبيعي أن يتوقف كثيرون عند نواقص الاتفاق، ومعظم الملاحظات والانتقادات التي تُطرح اليوم تستحق النقاش ولا ينبغي تجاهلها. لكن من الضروري أيضاً إدراك أن حل قضية تاريخية معقدة بحجم القضية الكردية في سوريا لا يمكن أن يتحقق دفعة واحدة، ولا من خلال اتفاق واحد. فالقضايا المتراكمة عبر عقود تحتاج إلى مسار سياسي طويل، وإلى بناء تدريجي للثقة، وإلى آليات دستورية وقانونية تضمن الحقوق وتحول التفاهمات السياسية إلى واقع دائم.
كما أن التعامل مع أحمد الشرع اليوم بصفته ممثلاً للدولة السورية لا يعني إلغاء تاريخه السابق أو تجاهله. فالتاريخ لا يُمحى بقرار سياسي أو باعتراف دولي. لكن موضوع النقاش هنا ليس تقييم الأشخاص بقدر ما هو تقييم صيغة الاتفاق التي يجري التوصل إليها مع الدولة السورية، ومدى قدرتها على فتح مسار جديد للعلاقة بين الكرد والدولة وبين مختلف مكونات المجتمع السوري.
لن أكرر ما سبق أن قلته حول مفهوم الاندماج، لكنني أعتقد أن إعلان السيد مظلوم عبدي إنهاء وجود قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة، والانتقال إلى مرحلة جديدة من العلاقة مع مؤسسات الدولة السورية، يفرض علينا قراءة المشهد بعقل سياسي مختلف، والتوقف عند مجموعة من الحقائق الأساسية.
أولاً، إن الغالبية العظمى من الشعب الكردي في سوريا لم تتبنَّ في أي مرحلة مشروع إقامة دولة كردية مستقلة في المناطق الكردية السورية. كانت المطالب الأساسية تدور حول الاعتراف بالوجود القومي الكردي، وإنهاء سياسات الإنكار والتمييز، وضمان الحقوق السياسية والثقافية واللغوية والوطنية للكرد ضمن سوريا.
ثانياً، نشأت القوات العسكرية الكردية في ظروف استثنائية كان عنوانها الأساسي حماية المناطق الكردية وسكانها من الإرهاب والانهيار الأمني. ومع توسع المواجهة ضد تنظيم داعش، أصبحت قوات سوريا الديمقراطية جزءاً أساسياً من الحرب على الإرهاب في مناطق واسعة من سوريا. ولم يكن الهدف المعلن لهذه القوات إقامة دولة منفصلة عن سوريا، بل حماية السكان والقضاء على التنظيمات الإرهابية، على أن يُبحث مستقبل المناطق والنظام السياسي السوري من خلال حل سياسي شامل.
ثالثاً، لا أعتقد أن الهدف الأساسي للقيادات الكردية كان السيطرة الدائمة على المناطق ذات الغالبية العربية أو الاحتفاظ بها باعتبارها جزءاً من مشروع قومي كردي. لقد فرضت الحرب على داعش واقعاً عسكرياً وجغرافياً معقداً، ووصلت قوات سوريا الديمقراطية إلى مناطق عربية واسعة في سياق العمليات العسكرية ضد التنظيم. وكان من المفترض دائماً أن تكون المرحلة اللاحقة هي الانتقال من منطق الحرب والسيطرة العسكرية إلى منطق التفاهم السياسي وبناء الدولة السورية الجديدة.
رابعاً، أدركت أغلب القيادات الكردية، أن مستقبل الشعب الكردي في سوريا لا يمكن تأمينه فقط من خلال القوة العسكرية أو التوازنات الدولية. فالقوة قد تمنحك قدرة مؤقتة على حماية حق أو فرض واقع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تكسبك ثقة الآخرين أو اعترافهم الأخلاقي والسياسي بحقوقك.
لهذا فإن بناء علاقة أخوة وشراكة حقيقية مع العرب والسريان والآشوريين والدروز والعلويين والمسيحيين وسائر المكونات السورية ليس مسألة ثانوية في المشروع الكردي، بل هو أحد أهم ضمانات المستقبل. فالحقوق التي تستند إلى التفاهم المجتمعي والدستور والقانون أكثر استقراراً من الحقوق التي تحميها البنادق وحدها.
خامساً، كما واجه الكرد بعد عام 2011 تيارات عربية متشددة، قومية ودينية جديدة، حمل بعضها خطاباً إقصائياً تجاه الكرد وتجاه مكونات سورية أخرى، فإن الوسط الكردي نفسه لم يكن خالياً من ظهور أصوات سياسية وثقافية حملت نزعات قومية متعصبة، وتعاملت أحياناً مع الآخر بعقلية الإلغاء نفسها التي عانى منها الكرد تاريخياً.
من الضروري الاعتراف بهذه الظاهرة ومواجهتها. فلا يمكن بناء مشروع ديمقراطي حقيقي إذا كنا نرفض التعصب عندما يمارسه الآخر ثم نقبله عندما يصدر عن جماعتنا. المعيار يجب أن يكون واحداً: رفض الإنكار والتمييز والإقصاء أياً كان مصدره وأياً كانت هوية من يمارسه.
انطلاقاً من ذلك، أرى أن ما حدث مؤخراً بين الوفد الكردي بقيادة السيد مظلوم عبدي والدولة السورية بقيادة أحمد الشرع يمثل إنجازاً تاريخياً، ليس لأنه حقق جميع المطالب الكردية، وإنما لأنه جعل الكرد شركاء بصورة مباشرة في النقاش حول مستقبل شعبهم، وفي الوقت نفسه شركاء في النقاش حول مستقبل سوريا والدولة السورية.
وهنا تكمن أهمية المرحلة الجديدة.
فما تحقق حتى الآن ليس الحل النهائي، وليس بالضرورة الصيغة المثالية التي يتطلع إليها الكرد أو بقية السوريين. لكنه يفتح، للمرة الأولى بصورة جدية، مجالاً سياسياً وقانونياً لمناقشة كامل الحقوق ضمن إطار الدولة، بعيداً عن لغة السلاح، وبعيداً عن محاولة فرض الإرادات والفرمانات بالقوة.
وأعتقد أن الإنجاز الأهم الذي حققته القيادة الكردية السورية في هذه المرحلة هو البدء بإخراج القضية الكردية من أسر التوازنات والمصالح الدولية.
فمنذ نحو قرن كانت القضية الكردية في أجزاء كردستان المختلفة مرتبطة، بدرجات متفاوتة، بحسابات الدول الكبرى ومصالحها وتحالفاتها الإقليمية. كثير من هذه القوى استخدمت الورقة الكردية عندما احتاجتها، ثم تخلت عنها عندما تغيرت مصالحها، بينما تعرض الكرد في تركيا وسوريا والعراق وإيران لسياسات إنكار وقمع وحملات عسكرية ومجازر، في ظل مواقف دولية اتسمت في كثير من الأحيان بالصمت أو التعامل الانتقائي مع حقوقهم.
لذلك فإن الانتقال من انتظار الضمانات الخارجية إلى بناء تفاهم سوري داخلي يمثل تحولاً استراتيجياً بالغ الأهمية.
أما الإنجاز الثاني فهو انتقال القضية الكردية السورية بصورة أوضح من مرحلة المطالبة بمجرد الاعتراف بوجودها إلى مرحلة البحث في كيفية ترجمة هذا الاعتراف إلى حقوق سياسية وثقافية ودستورية وقانونية ضمن سوريا.
فالاعتراف بوجود الشعب الكردي وخصوصيته القومية والثقافية خطوة مهمة، لكنه ليس نهاية الطريق. ما زالت هناك قضايا تتعلق باللغة والثقافة والإدارة المحلية والتمثيل السياسي والمواطنة المتساوية والحقوق الدستورية وغيرها، وهذه كلها تحتاج إلى حوار جاد وطويل وإلى توافق سوري أوسع.
ومن هنا تبدأ مسؤولية جديدة أمام السياسيين والمثقفين الكرد.
لقد كانت عقلية الثائر والمقاوم الكردي ضرورية في مراحل تاريخية كانت فيها الحقوق منكرة والوجود نفسه مهدداً. لكن السياسة في المرحلة المقبلة تحتاج إلى أدوات مختلفة. المطلوب هو الانتقال من عقلية الثورة الدائمة إلى عقلية السياسة الديمقراطية: الحوار، والتفاوض، والصبر، وبناء التحالفات، وفهم مخاوف الآخرين، والعمل على كسب الرأي العام السوري بدلاً من التعامل معه باعتباره خصماً.
القضية الكردية لن تنتصر فقط عندما يقتنع الكرد بعدالة مطالبهم؛ فهم مقتنعون بذلك منذ زمن طويل. الإنجاز الحقيقي سيكون عندما تصبح قطاعات واسعة من العرب وبقية السوريين مقتنعة بأن ضمان حقوق الكرد ليس تنازلاً يقدمه أحد للكرد، بل شرطاً لبناء دولة سورية عادلة ومستقرة.
وفي المقابل، يحتاج الكرد أيضاً إلى أن يكونوا من أكثر المدافعين عن حقوق بقية مكونات سوريا، لأن الحقوق لا يمكن أن تكون انتقائية. من يطالب بالديمقراطية لنفسه يجب أن يطالب بها للآخرين، ومن يرفض إنكار هويته لا يجوز له أن ينكر هوية الآخرين أو مخاوفهم وحقوقهم.
ولهذا أرى أن على جميع الأحزاب والقوى السياسية الكردية في سوريا أن تعيد النظر بجدية في برامجها وخطابها وتحالفاتها السياسية.
لم تعد المرحلة المقبلة تحتمل الاكتفاء بالشعارات القديمة أو إدارة السياسة بعقلية زمن الحرب.
المطلوب مشروع سياسي كردي سوري واضح، ينطلق من خصوصية الشعب الكردي وحقوقه المشروعة، لكنه يضع هذه الحقوق ضمن رؤية متكاملة لبناء دولة سورية ديمقراطية حديثة تقوم على المواطنة والشراكة وسيادة القانون والاعتراف بالتنوع القومي والديني والثقافي.
لقد انتهت، أو هي في طريقها إلى الانتهاء، مرحلة كان السلاح فيها هو اللغة الأساسية لفرض الوقائع وحماية الوجود. والاختبار الأصعب الآن هو بناء السلام.
فالانتصار الحقيقي للشعب الكردي في سوريا لن يكون في امتلاك أكبر قوة عسكرية، ولا في السيطرة على أكبر مساحة من الأرض، وإنما في الوصول إلى يوم تصبح فيه حقوقه جزءاً طبيعياً من الدستور السوري ومن وعي المجتمع السوري، ولا يعود وجوده أو لغته أو هويته موضوعاً للمساومة أو الإنكار.
وفي المقابل، سيكون انتصار سوريا الحقيقي عندما يشعر الكردي والعربي والسرياني والآشوري والدرزي والعلوي والمسيحي وغيرهم بأن هذه الدولة دولتهم جميعاً، وأنها لا تحتاج إلى إلغاء أحد كي تحافظ على وحدتها.
#صالح_بوزان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟